پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

باب 6 نزول هل أتى

ج ۳۵، ص ۲۳۶–۲۵۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۵

قال: نعم، فأعطاه فجاء بالصوف والشعير وأخبر فاطمة عليها السلام فقبلت وأطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرصا، وصلى علي عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وآله المغرب؟ ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع اللقمة من يده ثم قال:

فاطم ذات المجد واليقين * يا بنت خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين * جاء إلى الباب له حنين يشكو إلى الله ويستكين * يشكو إلينا جائعا حزين كل امرئ بكسبه رهين * من يفعل الخير يقف سمين موعده في جنة دهين * حرمها الله على الضنين وصاحب البخل يقف حزين * تهوي به النار إلى سجين شرابه الحميم والغسلين فأقبلت فاطمة عليها السلام تقول:

أمرك سمع يا ابن عم وطاعة * مابي من لؤم ولا رضاعة غديت باللب وبالبراعة * أرجو إذا أشبعت من مجاعة أن ألحق الأخيار والجماعة * وأدخل الجنة في شفاعة وعمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعا وأصبحوا صياما لم يذوقوا إلا الماء القراح.

ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا من الشعير و طحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقرصة لكل واحد قرصا، وصلى علي المغرب مع النبي صلى الله عليهما ثم أتى منزله فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده ثم قال:

فاطم بنت السيد الكريم * بنت نبي ليس بالزنيم

قد جاءنا الله بذا اليتيم * من يرحم اليوم هو الرحيم موعده في جنة النعيم * حرمها الله على اللئيم وصاحب البخل يقف ذميم * تهوي به النار إلى الجحيم شرابه الصديد والحميم فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول:

فسوف اعطيه ولا أبالي * وأؤثر الله على عيالي أمسوا جياعا وهم أشبالي * أصغرهم يقتل في القتال بكربلا يقتل باغتيال * لقاتليه الويل مع وبال يهودي به النار إلى سفال * كبوله زادت على الأكبال ثم عمدت فأعطته عليها السلام جميع ما على الخوان، وباتوا جياعا لم يذوقوا إلا الماء القراح، وأصبحوا صياما، وعمدت فاطمة عليها السلام فغزلت الثلث الباقي من الصوف، وطحنت الصاع الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصا، وصلى علي عليه السلام المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي عليه السلام إذا أسير من اسراء المشركين قد وقف بالباب فقال:

السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا؟ فوضع علي عليه السلام اللقمة من يده ثم قال:

فاطم يا بنت النبي أحمد * بنت نبي سيد مسود قد جاءك الأسير ليس يهتدي * مكبلا في غله مقيد يشكو إلينا الجوع قد تقدد * من يطعم اليوم يجده في غد عند العلي الواحد الموحد * ما يزرع الزارع سوف يحصد فأعطيه لا تجعليه ينكد فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول:

لم يبق مما كان غير صاع * قد دبرت كفي مع الذراع شبلاي والله هما جياع * يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع * عبل الذراعين طويل الباع وما على رأسي من قناع * إلا عبا نسجتها بصاع وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعا، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شئ.

قال شعيب في حديثه: وأقبل علي بالحسن والحسين عليهم السلام نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يرتعشان كالفرخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن شد ما يسوؤني ما أرى بكم!؟ انطلق إلى ابنتي فاطمة، فانطلقوا إليها وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله ضمها إليه وقال: وا غوثاه بالله؟ أنتم منذ ثلاث فيما أرى؟ فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: (هل أتى على الانسان حين من الدهر) حتى إذا بلغ (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا).

وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي صلى الله عليه وآله حتى دخل منزل فاطمة عليها السلام فرأى ما بهم فجمعهم ثم انكب عليهم يبكي ويقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم؟ فهبط عليه جبرئيل بهذه الآيات: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) قال: هي عين في دار النبي صلى الله عليه وآله يفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين (يوفون بالنذر) يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجاريتهم (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) يكون عابسا كلوحا (ويطعمون الطعام علي حبه) يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له

(مسكينا) من مساكين المسلمين (ويتيما) من يتامى المسلمين (وأسيرا) من أسارى المشركين ويقولون إذا أطعموهم: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) قال:

والله ما قولوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بإضمارهم، يقولون: لا نريد جزاء تكافوننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكن إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله تعالى ذكره (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة) في الوجوه (وسرورا) في القلوب (وجزاهم بما صبروا جنة) يسكنونها (وحريرا) يفترشونه ويلبسونه (متكئين فيها على الأرائك) والأريكة: السرير عليه الحجلة (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) قال ابن عباس: فبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا مثل الشمس قد أشرقت لها الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب إنك قلت في كتابك: (لا يرون فيها شمسا)؟! فيرسل الله جل اسمه إليهم جبرئيل فيقول: ليس هذه بشمس ولكن عليا وفاطمة ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، ونزلت (هل أتى) فيهم إلى قوله تعالى: (وكان سعيكم مشكورا).

2 - مناقب ابن شهرآشوب: روى أبو صالح ومجاهد والضحاك والحسن وعطاء وقتادة ومقاتل والليث وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وعمرو بن شعيب والحسن بن مهران والنقاش والقشيري والثعلبي والواحدي في تفاسيرهم، وصاحب أسباب النزول والخطيب المكي في الأربعين وأبو بكر الشيرازي في نزول القرآن في أمير المؤمنين، والأشنهي في اعتقاد أهل السنة، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الفضل النحوي في العروس في الزهد، وروى أهل البيت عن لأصبغ بن نباتة وغيره عن الباقر عليه السلام واللفظ له، ثم ساق الحديث إلى قوله: وأصبحوا مفطرين ليس عندهم شئ، ثم قال: فرآهم النبي صلى الله عليه وآله جياعا فنزل جبرئيل ومعه صحفة من الذهب، مرصعة بالدر والياقوت، مملوءة من الثريد وعراق يفوح منه رائحة المسك والكافور فجلسوا وأكلوا حتى شبعوا، ولم تنقص منها لقمة واحدة، وخرج الحسين عليه السلام ومعه قطعة عراق، فنادته امرأة يهودية: يا أهل بيت الجوع من أين لكم هذا؟ أطعمنيها، فمد يده الحسين ليطعمها فهبط جبرئيل وأخذها من يده، ورفع الصحفة إلى السماء، فقال النبي

صلى الله عليه وآله: لولا ما أراد الحسين من إطعام الجارية تلك القصعة لتركت تلك الصحفة في أهل بيتي يأكلون منها إلى يوم القيامة لا تنقص لقمة، ونزل (يوفون بالنذر) وكانت الصدقة في ليلة خمس وعشرين من ذي الحجة، ونزل هل أتى في يوم الخامس والعشرين منه.

بيان: قال الجوهري: الجزة: صوف شاة في السنة، انتهى. وقوله عليه السلام:

(دهين) كناية عن النضارة والطراوة كأنه صب عليه الدهن، ويقال: قوم مدهنون: عليهم آثار النعم. واللؤم - بالضم مهموزا - الشح. وقال الجوهري: قولهم: لئيم راضع أصله زعموا رجل كان يرضع إبله أو غنمه ولا يحلبها لئلا يسمع صوت حلبه فيطلب منه، ثم قالوا:

رضع الرجل - بالضم - كأنه كالشئ يطبع عليه، وفي بعض الروايات: ولا ضراعة، وهي الذل والاستكانة والضعف. والزنيم: اللئيم الذي يعرف بلؤمه. والأشبال: جمع الشبل وهو ولد الأسد. والكبل: القيد. وقال الجزري: القديد: اللحم المملوح المجفف في الشمس، وفي حديث الأوزاعي: لا يسهم من الغنيمة للعبد والأجير ولا القديديين، قيل:

هو من التقدد: التقطع والتفرق لأنهم يتفرقون في البلاد للحاجة وتمزق ثيابهم.

وقال الفيروزآبادي: نكد عيشهم - كفرح - اشتد وعسر، والبئر: قل ماؤها، ونكد الغراب - كنصر - استقصى في شحيجه، وفلانا: منعه ما سأله، أقول: فظهر أنه يمكن أن يقرء على المعلوم والمجهول وإن كان الأول أظهر. والدبر: الجرح الذي يكون في ظهر البعير، يقال: دبر البعير - بالكسر - والمراد هنا الجرح وصلابة اليد من العمل.

ورجل عبل الزراعين أي ضخمهما. قوله: (يقول عابسا كلوحا) الكلوح: العبوس، ولعله كان تفسير قوله تعالى: (يوما عبوسا قمطريرا) فاشتبه على الراوي ويحتمل أن يكون المراد أن هذا اليوم هو ذلك اليوم الذي سيوصف بعد ذلك بالعبوس. قوله (على شهوتهم) هذا أحد الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون، والوجه الآخر أن يكون المعنى: على

حب الله؟ وقيل: على حب الاطعام، والعرق - بالفتح - العظم الذي اخذ عنه معظم اللحم، والجمع: عراق - بالضم - وهذا الجمع نادر، ولعل المعنى هنا العضو الذي يصير بعد الاكل عراقا مجازا، يقال: عرقت اللحم واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: (ويطعمون الطعام) حدثني أبي عن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عند فاطمة عليها السلام شعير فجعلوه عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال المسكين: رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها، ولم يلبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها، ثم جاء أسير فقال: الأسير رحمكم الله، فأعطاه علي عليه السلام الثلث الباقي، وما ذاقوها، فأنزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: (وكان سعيكم مشكورا) وهي جارية في كل مؤمن فعل مثل ذلك.

4 - الخرائج: روي أن الحسن والحسين مرضا فنذر علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام صيام ثلاثة أيام فلما عافاهما الله - وكان الزمان قحطا - أخذ علي من يهودي ثلاث جزات صوفا، لتغزلها فاطمة عليها السلام وثلاثة أصواع شعيرا، فصاموا، وغزلت فاطمة جزة ثم طحنت صاعا من الشعير فخبزته، فلما كان عند الافطار أتى مسكين فأعطوه طعامهم ولم يذوقوا إلا الماء، ثم غزلت جزة أخرى من الغد ثم طحنت صاعا فخبزته، فلما كان عند المساء أتى يتيم فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان من الغد غزلت الجزة الباقية

ثم طحنت الصاع وخبزته، وأتى أسير عند المساء فأعطوه، وكان مضى على رسول الله أربعة أيام والحجر على بطنه وقد علم بحالهم، فخرج ودخل حديقة المقداد ولم يبق على نخلاتها ثمرة، ومعه علي، فقال: يا أبا الحسن خذ السلة وانطلق إلى النخلة - وأشار إلى واحدة - فقل لها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سألتك عن الله أطعمينا من ثمرك قال علي عليه السلام: ولقد تطأطأت بحمل ما نظر الناظرون إلى مثلها، والتقطت من أطائبها وحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأكل وأكلت، فأطعم المقداد وجميع عياله، وحمل إلى الحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام ما كفاهم، فلما بلغ المنزل إذا فاطمة عليها السلام يأخذها الصداع، فقال صلى الله عليه وآله: أبشري واصبري فلن تنالي ما عند الله إلا بالصبر، فنزل جبرئيل بهل أتى.

5 - كشف الغمة: روى الواحدي في تفسيره أن عليا عليه السلام آجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشئ من شعير، فلما قبضه طحن ثلثه واتخذوا منه طعاما، فلما تم أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، وعملوا الثلث الثاني فأتاهم يتيم فأخرجوه إليه، وعملوا الثلث الثالث فأتاهم أسير فأخرجوا الطعام إليه وطوى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وعلم الله حسن مقصدهم وصدق نياتهم وأنهم إنما أرادوا بما فعلوه وجهه، وطلبوا بما أتوا ما عنده والتمسوا الجزاء منه عز وجل، فأنزل الله فيهم قرآنا، وأولاهم

من لدنه إحسانا، ونشر لهم بين العالمين ديوانا، وعوضهم عما بذلوا جنانا وحورا و ولدانا، فقال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) إلى آخرها، وهذه منقبة لها عند الله محل كريم، وجودهم بالطعام مع شدة الحاجة إليه أمر عظيم، ولهذا تتابع فيها وعده سبحانه بفنون الألطاف وضروب الانعام والاسعاف، وقيل: إن الضمير في (حبه) يعود إلى الله تعالى وهو الظاهر، وقيل: إلى الطعام.

6 - كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي عن ابن عباس وقد ذكره الثعلبي وغيره من مفسري القرآن المجيد في قوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) قال:

مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا - وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشئ - فقال علي عليه السلام إن برئ ولداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكرا، وقالت فاطمة عليها السلام: إن برئ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكرا، وقالت جارية يقال لها فضة: إن برئ سيداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكرا، فالبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق أمير المؤمنين إلى شمعون الخيبري - و كان يهوديا - فاستقرض منه ثلاثة أصواع من شعير.

وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي: فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له: شمعون بن حانا، فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك بنت محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه فجاء بالصوف والشعير، فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت، قالوا: فقامت فاطمة عليها السلام إلى صاع فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرص، وصلى علي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أتى المنزل،

فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فسمعه علي عليه السلام فقال:

فاطم ذات المجد واليقين * يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكين * قد قام بالباب له حنين يشكو إلى الله ويستكين * يشكو إلينا جائعا حزين كل امرئ بكسبه رهين * وفاعل الخيرات يستبين موعده جنة عليين * حرمها الله على الضنين وللبخيل موقف مهين * تهوي به النار إلى سجين شرابه الحميم والغسلين فقالت فاطمة عليها السلام:

أمرك سمع يا ابن عم وطاعة * ما بي من لؤم ولا ضراعة وأعطوه الطعام ومكثوا ليلتهم لم يذوقوا إلا الماء، فلما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليها السلام صاعا واختبزته وأتى علي عليه السلام من الصلاة، ووضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة ، فسمعه علي وفاطمة عليهما السلام فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلا الماء القراح، فلما كان في اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته، وصلى علي مع النبي - صلى الله عليهما - المغرب ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعموننا؟ أطعموني فإني أسير محمد، أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه علي عليه السلام فأتوه وآثروه، ومكثوا ثلاثة أيام

لم يذوقوا سوى الماء.

فلما كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي الحسن بيده اليمنى والحسين باليسرى وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر به النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني! ما أرى بكم؟ انطلق إلى ابنتي فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله قال: وا غوثاه بالله! يا أهل بيت محمد تموتون جوعا؟!

فهبط جبرئيل وقال: خذ يا محمد هنأك الله في أهل بيتك، قال. وما آخذ يا جبرئيل؟ فأقرأه (هل أتى على الانسان) إلى قوله: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) إلى آخر السورة.

قال الخطيب الخوارزمي حاكيا عنه وعن البراوي: وزادني ابن مهران الباهلي في هذا الحديث: فوثب النبي صلى الله عليه وآله حتى دخل على فاطمة عليها السلام، فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، وقال: أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم؟! فهبط جبرئيل بهذه الآيات: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) قال: هي عين في دار النبي صلى الله عليه وآله يفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين.

وروى الخطيب في هذا رواية أخرى وقال في آخرها: فنزل فيهم: (ويطعمون الطعام على حبه) أي على شدة شهوة (مسكينا) قرص ملة، والملة: الرماد (ويتيما) خزيرة (وأسيرا) حيسا (إنما نطعمكم) يخبر عن ضمائرهم (لوجه الله) يقول: إرادة ما عند الله من الثواب، (لا نريد منكم)، يعني في الدنيا (جزاء) ثوابا، (ولا شكورا.

بيان: قال علي بن عيسى: هذه السورة نزلت في هذه القضية بإجماع الأمة، لا أعرف أحدا خالف فيها.

أقول: قوله: (قرص ملة) أي قرص خبز في الملة، وهي الرماد الحار. والخزيرة شبه عصيدة بلحم. والحيس: تمر يخلط بسمن وإقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه، وربما جعل فيه سويق.

الطرائف: الثعلبي بإسناده إلى ابن عباس مثله إلى قوله: إلى آخر السورة. وترك فيها الأبيات، ثم قال: وزاد محمد بن علي الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابه المعروف بالبلغة: أنهم نزلت عليهم مائدة من السماء، فأكلوا منها سبعة أيام، قال: وحديث المائدة ونزولها عليهم مذكور في سائر الكتب. ثم قال السيد: روى أخطب خوارزم حديث المائدة في كتابه، وروى الواحدي حديث نزول السورة كما مر في تفسيره.

أقول: وروى الزمخشري أيضا في الكشاف نحوا من ذلك مع اختصار، و كذا البيضاوي.

وروى ابن بطريق في العمدة بإسناده عن الثعلبي، عن الحسن بن أحمد الشيباني العدل، عن أبي حامد أحمد بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن حماد المروزي، عن محبوب بن حميد القصري، عن القاسم بن مهران، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وأخبرنا عبد الله بن حامد، عن أحمد بن عبد الله المزني، عن محمد بن

أحمد الباهلي، عن عبد الرحمن بن فهد بن هلال، عن القاسم بن يحيى، عن محمد بن الصائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال أبو الحسن بن مهران: وحدثني محمد بن زكريا البصري عن شعيب بن واقد المزني، عن القاسم بن مهران، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس مثل ما مر إلى قوله: ثم هبط جبرئيل بهذه الآيات.

ثم قال: وزاد محمد بن علي صاحب الغزالي على ما ذكره الثعلبي في كتابه المعروف بالبلغة: أنهم نزل عليهم مائدة من السماء فأكلوا منها سبعة أيام، ونزولها عليهم مذكور في سائر الكتب. ثم ساق الحديث في تفسير الآيات إلى آخر ما مر في رواية الصدوق رحمه الله.

7 - تفسير فرات بن إبراهيم: أبو القاسم العلوي، عن فرات بن إبراهيم، معنعنا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام مرضا شديدا، فعادهما سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله وعادهما أبو بكر وعمر، فقال عمر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

يا أبا الحسن إن نذرت لله نذرا واجبا فإن كل نذر لا يكون لله فليس فيه وفاء فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن عافي الله ولدي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام متواليات، و قالت الزهراء عليها السلام مثل ما قال زوجها، وكانت لهما جارية بربرية تدعى فضة، قالت:

إن عافى الله سيدي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام - وساق الحديث نحوا مما مر إلى أن قال -: وإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أخذ بيد الغلامين، وهما كالفرخين لا ريش لهما يرتعشان من الجوع، فانطلق بهما إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله فلما نظر إليهما النبي صلى الله عليه وآله اغرورقت عيناه بالدموع وأخذ بيد الغلامين فانطلق بهما إلى فاطمة الزهراء عليها السلام، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تغير لونها وإذا بطنها لاصق بظهرها

انكب عليها يقبل بين عينيها، ونادته باكية: وا غوثاه بالله ثم بك يا رسول الله من الجوع، قال: فرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: اللهم أشبع آل محمد، فهبط جبرئيل فقال:

يا محمد اقرأ، قال: وما أقرء، قال: اقرأ (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) إلى آخر ثلاث آيات.

ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام مضى من فوره ذلك حتى أتى أبا جبلة الأنصاري رضي الله عنه فقال له: يا أبا جبلة هل من قرض دينار (3)؟ قال: نعم يا أبا الحسن ، أشهد الله وملائكته أن شطر مالي لك حلال من الله ومن رسوله، قال: لا حاجة لي في شئ من ذلك إن يك قرضا قبلته، قال. فدفع إليه دينارا، ومر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يتخرق أزقة المدينة ليبتاع بالدينار طعاما، فإذا هو بمقداد بن الأسود الكندي قاعد على الطريق، فدنا منه وسلم عليه وقال: يا مقداد مالي أراك في هذا الموضع كئيبا حزينا؟

فقال: أقول كما قال العبد الصالح موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) قال: ومنذ كم يا مقداد؟ قال: منذ أربع، فرجع أمير المؤمنين عليه السلام مليا ثم قال: الله أكبر الله أكبر آل محمد منذ ثلاث وأنت يا مقداد أربع؟! أنت أحق بالدينار مني، قال: فدفع إليه الدينار ومضى حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله رآه قد سجد، فلما انفتل رسول الله ضرب بيده إلى كتفه ثم قال: يا علي انهض بنا إلى منزلك لعلنا نصيب طعاما فقد بلغنا أخذك الدينار من أبي جبلة، قال: فمضى و

أمير المؤمنين مستحي من رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله عليه السلام رابط على بطنه حجرا من الجوع، حتى قرعا على فاطمة الباب، فلما نظرت فاطمة عليها السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أثر الجوع في وجهه ولت هاربة، قالت: وا سوأتاه من الله ومن رسوله، كأن أبا الحسن ما علم أن لم يكن عندنا شئ مذ ثلاث، ثم دخل مخدعا لها، فصلت ركعتين ثم نادت:

يا إله محمد هذا محمد نبيك وفاطمة بنت نبيك وعلي ختن نبيك وابن عمه وهذان الحسن والحسين سبطا نبيك، اللهم فإن بني إسرائيل سألوك أن تنزل عليهم مائدة من السماء فأنزلتها عليهم وكفروا بها، اللهم فإن آل محمد لا يكفرون بها، ثم التفتت مسلمة فإذا هي بصحفة مملوءة من ثريد وعراق، فاحتملتها ووضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فأهوى بيده إلى الصحفة فسبحت الصحفة والثريد والعراق، فتلا النبي صلى الله عليه وآله (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) ثم قال: يا علي كل من جوانب القصعة ولا تهدموا ذروتها فإن فيها البركة، فأكل النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ويأكل النبي صلى الله عليه وآله وينظر إلى علي عليه السلام متبسما، وعلي يأكل وينظر إلى فاطمة متعجبا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: كل يا علي ولا تسأل فاطمة الزهراء عن شئ، الحمد لله الذي جعل مثلك و مثلها مثل مريم بنت عمران وزكريا (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) يا علي هذا بالدينار الذي أقرضته، لقد أعطاك الليلة خمسا عشرين جزء من المعروف، فأما جزء واحد فجعل لك في دنياك أن أطعمك من جنته، وأما أربعة وعشرون جزء فذخرها لك لآخرتك.

8 - تفسير فرات بن إبراهيم: محمد بن إبراهيم معنعنا عن زيد بن ربيع قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يشد على بطنه الحجر من الغرث - يعني الجوع - فظل يوما صائما ليس عنده شئ، فأتى بيت فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فلما أتى رسول الله تسلقا إلى منكبه وهما يقولان (يا باباه قل لماماه تطعمنا ناناه) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: أطعمي ابني، قالت: ما في بيتي شئ إلا بركة رسول الله، قال: فشغلهما رسول الله صلى الله عليه وآله بريقه حتى شبعا وناما فاقترضنا لرسول الله ثلاثة أقراص من شعير فلما أفطر رسول الله صلى الله عليه وآله وضعناه بين يديه فجاء سائل وقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة فإني مسكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة بنت محمد قد جاءك المسكين فله حنين، قم يا علي وأعطه، قال: فأخذت قرصا فقمت فأعطيته، ورجعت قد حبس رسول الله يده، ثم جاء ثان فقال : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني يتيم فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة بنت محمد قد جاءك اليتيم وله حنين، قم يا علي وأعطه، قال: فأخذت قرصا وأعطيته ثم رجعت وقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله يده، قال: فجاء ثالث وقال: يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة

إني أسير فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة بنت محمد قد جاءك الأسير وله حنين، قم يا علي فأعطه، قال:

فأخذت قرصا وأعطيته، وبات رسول الله صلى الله عليه وآله طاويا وبتنا طاوين مجهودين، فنزلت هذه الآية: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).

9 - تفسير فرات بن إبراهيم: عن الحسين بن سعيد، بإسناده عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: صنع حذيفة طعاما ودعا عليا، فجاء وهو صائم، فتحدث عنده ثم انصرف فبعث إليه حذيفة بنصف الثريدة، فقسمها على أثلاث: ثلث له وثلث لفاطمة و ثلث لخادمهم، ثم خرج علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فلقيته امرأة معها يتامى، فشكت الحاجة وذكرت حال أيتامها، فدخل وأعطاها ثلثه لأيتامها، ثم فجأه سائل و شكا إليه الحاجة والجوع، فدخل على فاطمة وقال: هل لك في الطعام - وهو خير لك من هذا الطعام: طعام الجنة - على أن تعطيني حصتك من هذا الطعام؟ قالت: خذه، فأخذه ودفعه إلى ذلك المسكين، ثم مر به أسير يشكو إليه الحاجة وشدة حاله، فدخل وقال لخادمته مثل الذي قال لفاطمة، وسألها حصتها من ذلك الطعام، قالت: خذه، فاخذه فدفعه إلى ذلك الأسير، فأنزل الله فيهم هذه الآية (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) إلى قوله: (وكان سعيكم مشكورا).

10 - تفسير فرات بن إبراهيم: عن جعفر بن محمد معنعنا، عن ابن عباس رضي الله عنه: قوله تعالى:

(ويطعمون الطعام) قال: نزلت في علي وفاطمة وجارية لها و ذلك أنهم زاروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأعطى كل إنسان منهم صاعا من الطعام، فلما انصرفوا إلى منازلهم جاء سائل يسأل، فأعطى علي صاعه، ثم دخل عليه يتيم من الجيران فأعطته فاطمة الزهراء عليها السلام صاعها، فقال لها علي عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: قال الله: وعزتي وجلالي لا يسكن بكاءه اليوم عبد إلا أسكنته من الجنة حيث يشاء، ثم جاء أسير من أسراء أهل الشرك في أيدي المسلمين يستطعم، فأمر علي السوداء خادمهم فأعطته صاعها، فنزلت فيهم الآية: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.

11 - تفسير فرات بن إبراهيم: عن جعفر بن محمد معنعنا عن جعفر بن محمد عليه السلام: قوله تعالى: (يدخل من يشاء في رحمته) قال أبو جعفر عليه السلام: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

12 - تفسير فرات بن إبراهيم: عن محمد بن أحمد، بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى:

(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة عليهما السلام، أصبحا وعندهم ثلاثة أرغفة، فأطعموا مسكينا ويتيما وأسيرا، فباتوا جياعا فنزلت فيهم عليهم السلام.

13 - مناقب ابن شهرآشوب: في تفسير أهل البيت عليهم السلام: أن قوله: (هل أتى على الانسان حين من الدهر) يعني به عليا عليه السلام وتقدير الكلام: ما أتى على الانسان زمان من الدهر إلا و كان فيه شيئا مذكورا، وكيف لم يكن مذكورا وإن اسمه مكتوب على ساق العرش

وعلى باب الجنة، والدليل على هذا القول قوله: (إنا خلقنا الانسان من نطفة) ومعلوم أن آدم عليه السلام لم يخلق من النطفة.

14 - إقبال الأعمال: في ليلة خمس وعشرين من ذي الحجة تصدق أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام وفي اليوم الخامس والعشرين منه نزلت فيهما وفي الحسن والحسين عليهم السلام سورة هل أتى ثم ساق الحديث نحوا مما مر في خبر علي بن عيسى، ثم روى نزول المائدة عن الثعلبي والخوارزمي، ثم قال: وذكر حديث نزول المائدة الزمخشري في الكشاف، ولكنه لم يذكر نزولها في الوقت الذي ذكرناه، قال: عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه جاع في قحط فأهدت له فاطمة عليها السلام رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها فقال: هلمي يا بنية، وكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال صلى الله عليه وآله لها: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال صلى الله عليه وآله الحمد لله الذي جعلك شبيه سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته عليهم السلام حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، وأوسعت فاطمة عليها السلام على جيرانها.

15 - كشف الغمة: أبو بكر بن مردويه قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه) نزل في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

بيان: أقول: بعد ما عرفت من إجماع المفسرين والمحدثين على نزول هذه السورة في أصحاب الكساء عليهم السلام علمت أنه لا يريب أريب ولا لبيب في أن مثل هذا الايثار لا يتأتى إلا من الأئمة الأخيار، وأن نزول هذه السورة مع المائدة عليهم يدل على جلالتهم ورفعتهم ومكرمتهم لدى العزيز الجبار، وأن اختصاصهم بتلك المكرمة مع سائر

المكارم التي اختصوا بها يوجب قبح تقديم غيرهم عليهم ممن ليس لهم مكرمة واحدة يبدونها عند الفخار، وأما تشكيك بعض النواصب بأن هذه السورة مكية فكيف نزلت عند وقوع القضية التي وقعت في المدينة فمدفوع بما ذكره الشيخ أمين الدين الطبرسي قدس الله روحه بعد أن روى القصة بطولها ونزول الآية فيها عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح حيث يقول:

قال أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدثني الحسن بن [الحسن] أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية نزلت في علي وفاطمة عليهما السلام السورة كلها، ثم قال: حدثنا أبو الحمد مهدي ابن نزار الحسيني القايني عن عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، عن أبي نصر المفسر، عن عمه أبي حامد عن يعقوب بن محمد المقري، عن محمد بن يزيد السلمي، عن زيد بن أبي موسى، عن عمر وبن هارون، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أول ما انزل بمكة (اقرأ باسم ربك) ثم ذكر السور المكية بتمامها خمسة وثمانين سورة، قال: ثم أنزلت بالمدينة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم سورة محمد صلى الله عليه وآله، ثم الرعد، ثم سورة الرحمن، ثم هل أتى، ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم التحريم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم سورة الصف، ثم الفتح، ثم المائدة، ثم سورة التوبة، فهذه ثمانية وعشرون سورة.

وقد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس في كتاب الايضاح وزاد فيه: وكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة. وبإسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن البصري أنهما عدا هل أتى فيما نزلت بالمدينة بعد أربع عشرة سورة. وبإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، وساق الحديث إلى أن عد سورة هل أتى في السور المدنية بعد إحدى عشرة سورة. انتهى.

وأما ما ذكره معاند آخر خذله الله بأنه هل يجوز أن يبالغ الانسان في الصدقة إلى هذا الحد ويجوع نفسه وأهله حتى يشرف على الهلاك؟! فقد بالغ في النصب والعناد، وفضح نفسه وسيفضحه الله على رؤوس الاشهاد، ألم يقرء قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) أولم تكف هذه الأخبار المتواترة في نزول هذه السورة الكريمة دليلا على كون ما صدر عنهم فضيلة لا يساويها فضل؟ وأما ما يعارضها من ظواهر الآيات فسيأتي عن الصادق عليه السلام وجه الجمع بينها، حيث قال ما معناه: كان صدور مثل ذلك الايثار ونزول تلك الآيات في صدر الاسلام ثم نسخت بآيات اخر، وسيأتي بسط القول في ذلك في كتاب مكارم الأخلاق.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.