بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 9 النهى عن التفكر في ذات الله تعالى، والخوض في مسائل
ج ۳، ص ۲۵۶–۲۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - تفسير العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السلام: هل تصف ربنا نزداد له حبا وبه معرفة؟ فغضب وخطب الناس، فقال فيما قال: عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته، وتقدسك فيه الرسول من معرفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهداة أثره فكل علمه إلى الله ولا تقدر عليه عظمة الله واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب، إقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تنال ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا.
بيان: الاقتحام: الهجوم والدخول مغالبة. والسدد جمع السدة وهي الباب المغلق وفيه إشكال لدلالته على أن الراسخين في العلم في الآية غير معطوف على المستثنى، كما دلت عليه الأخبار الكثيرة، وسيأتي القول في كتاب الإمامة، إلا أن يقال: إن هذا إلزام على من يفسر الآية كذلك، أو يقال: بالجمع بين التفسيرين على وجهين مختلفين، وسيأتي تمام القول في ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
2 - الإحتجاج: روي عن هشام أنه سأل الزنديق عن الصادق عليه السلام: أن الله تعالى ما هو؟
فقال عليه السلام: هو شئ بخلاف الأشياء، أرجع بقولي: شئ إلى أنه شئ بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة، ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الأزمان. الخبر.
بيان: اعلم أن الشئ مسا وللموجود إذا اخذ الوجود أعم من الذهني والخارجي، والمخلوط بالوجود من حيث الخلط شئ، وشيئيته كونه ماهية قابلة له، وقيل: إن الوجود عين الشيئية. فإذا عرفت هذا فالمراد بقوله: بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لأنه تعالى هو الذي يحق أن يقال له: شئ أو موجود، لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه، وغيره تعالى في معرض العدم والفناء، وليس وجودهم إلا من غيرهم، أو المراد أنه يجب معرفته بمحض أنه شئ، لا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته وصفاته، وقيل: إنه إشارة إلى أن الوجود عين ذاته تعالى.
3 - أمالي الصدوق: أبي، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد ابن حمران، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا زياد إياك والخصومات، فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم الرجل بالشئ لا يغفر له، يا زياد إنه كان فيما مضى قوم تركوا علم ما وكلوا به، وطلبوا علم ما كفوه، حتى انتهى بهم الكلام إلى الله عز وجل فتحيروا، فإن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه، أو يدعى من خلفه فيجيب من بين يديه.
المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير مثله.
4 - أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن أبي اليسع، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياكم والتفكر في الله، فإن التفكر في الله لا يزيد إلا تيها إن الله عز وجل لا تدركه الابصار ولا يوصف بمقدار.
5 - عيون أخبار الرضا (ع): ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن بندار، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد ابن عبد الله الخراساني - خادم الرضا عليه السلام - قال: قال بعض الزنادقة لأبي الحسن عليه السلام:
هل يقال لله: أنه شئ؟ فقال: نعم، وقد سمى نفسه بذلك في كتابه فقال: " قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم " فهو شئ ليس كمثله شئ.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " وأن إلى ربك المنتهى " حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا، وتكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق العرش، فإن قوما تكلموا فيما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى
كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه بيان: التكلم فيما فوق العرش كناية عن التفكر في كنه ذاته وصفاته تعالى، فالمراد اما الفوقية المعنوية، أو بناءا على زعمهم حيث قالوا: بالجسم والصورة، ويحتمل على بعد أن يكون المراد التفكر في الخلا البحت بعد انتهاء الابعاد.
7 - تفسير العياشي: عن ربعي، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " قال: الكلام في الله والجدال في القرآن " فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " قال: منهم القصاص.
بيان: القصاص علماء المخالفين فإنهم كرواة القصص والأكاذيب فيما يبنون عليه علومهم، وهم يخوضون في تفاسير الآيات وتحقيق صفات الذات بالظنون والأوهام لانحرافهم عن أهل البيت عليهم السلام.
8 - التوحيد، معاني الأخبار: أبي، عن علي، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي عن هشام ابن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال للزنديق - حين سأله عن الله ما هو؟ -: قال هو شئ بخلاف الأشياء، أرجع بقولي: شئ إلى إثبات معنى، وإنه شئ بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة.
9 - التوحيد، معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عمن ذكره، رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام أنه سئل أيجوز أن يقال: إن الله عز وجل شئ؟ قال: نعم تخرجه من الحدين: حد التعطيل، وحد التشبيه.
الإحتجاج: مرسلا مثله.
بيان: حد التعطيل هو عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية و الإضافية له تعالى، وحد التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات.
10 - التوحيد: العطار، عن أبيه، عن سهل قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام - سنة خمس
وخمسين ومائتين -: قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد، منهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: هو صورة، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه فعلت متطولا على عبدك.
فوقع بخطه - عليه السلام -: سألت عن التوحيد وهذا عنكم معزول، الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد،. خالق وليس بمخلوق، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك، ويصور ما يشاء، وليس بمصور، جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وتعالى عن أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
بيان: وهذا عنكم معزول أي لا يجب عليكم التفكر في الذات والصفات بل عليكم التصديق بما وصف تعالى به نفسه.
11 - السرائر: السياري قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ليس العبادة كثرة الصوم والصلاة، إنما العبادة في التفكر في الله.
بيان: أي التفكر في قدرته وعظمته بالتفكر في عظمة خلقه، كما فسر به في الاخبار الاخر، أو بالتفكر فيما جاء عن الله وحججه عليهم السلام في ذلك.
12 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام بمسائل، فيها: أخبرني عن الله عز وجل هل يوصف بالصورة وبالتخطيط، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تكتب إلي بالمذهب الصحيح من التوحيد.
فكتب صلى الله عليه على يدي عبد الملك بن أعين: سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب فيه من قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، تعالى الله عما يصفه الواصفون المشبهون الله تبارك وتعالى بخلقه، المفترون على الله. واعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل، فأنف
عن الله البطلان والتشبيه، فلا نفي ولا تشبيه، هو الله الثابت الموجود، تعالى الله عما يصفه الواصفون، ولا تعد القرآن فتضل بعد البيان.
بيان: على يدي عبد الملك أي كان هو الرسول والحامل للكتاب والجواب.
13 - فقه الرضا (ع): إياك والخصومة فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها، وعسى أن يتكلم بشئ لا يغفر له.
14 - ونروي أنه كان فيما مضى قوم انتهى بهم الكلام إلى الله عز وجل فتحيروا، فإن كان الرجل ليدعى من بين يديه فيجيب من خلفه.
15 - وأروي: تكلموا فيما دون العرش فإن قوما تكلموا في الله عز وجل فتاهوا.
16 - وأروي عن العالم عليه السلام - وسألته عن شئ من الصفات - فقال: لا تتجاوز مما في القرآن.
17 - وأروي أنه قرئ بين يدي العالم عليه السلام قوله: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " فقال: إنما عنى أبصار القلوب وهي الأوهام، فقال: لا تدرك الأوهام كيفيته وهو يدرك كل وهم، وأما عيون البشر فلا تلحقه، لأنه لا يحد فلا يوصف، هذا ما نحن عليه كلنا.
18 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد قال: سئل أبو جعفر الثاني عليه السلام يجوز أن يقال لله: إنه شئ؟ فقال: نعم، تخرجه من الحدين: حد التعطيل وحد التشبيه.
19 - التوحيد: ابن مسرور، عن ابن بطة، عن عدة من أصحابه، عن اليقطيني قال:
قال لي أبو الحسن عليه السلام: ما تقول: إذا قيل لك: أخبرني عن الله عز وجل، أشئ هو أم لا شئ هو؟ قال: فقلت له: قد أثبت عز وجل نفسه شيئا حيث يقول: " قل أي شئ أكبر
شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم " فأقول: إنه شئ لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه. قال لي: صدقت وأصبت.
ثم قال الرضا عليه السلام: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لان الله تبارك وتعالى لا يشبهه شئ، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه.
تفسير العياشي: عن هشام المشرقي، عنه عليه السلام مثله. وزاد في آخره وهو كما وصف نفسه أحد صمد نور.
20 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي ، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكلما وقع عليه اسم شئ ما خلا الله عز وجل فهو مخلوق، والله خالق كل شئ، تبارك الذي ليس كمثله شئ.
التوحيد: حمزة بن محمد العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله: خالق كل شئ.
التوحيد: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المعزا رفعه عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله: فهو مخلوق ما خلا الله عز وجل.
ايضاح: الخلو بكسر الخاء وسكون اللام: الخالي. وقوله عليه السلام: خلو من خلقه أي من صفات خلقه أو من مخلوقاته، فيدل على نفي الصفات الموجودة الزائدة لأنها لابد أن تكون مخلوقة لله تعالى بانضمام المقدمتين الأخيرتين المبنيتين على التوحيد، واتصافه بمخلوقه مستحيل لما تقرر من أن الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، ويدل أيضا على بطلان ما ذهب إليه جماعة من كونه تعالى معروضا لماهيات الممكنات.
وقوله عليه السلام: وخلقه خلو منه أي من صفاته، أو المراد أنه لا يحل في شئ بوجه من الوجوه، فينفي كونه عارضا لشئ أو حالا فيه أو متمكنا فيه إذ ما من شئ إلا وهو مخلوق له بحكم المقدمتين الأخيرتين.
21 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن
النضر، عن ابن حميد رفعه قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام عن التوحيد فقال: إن الله تعالى علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى: " قل هو الله أحد الله الصمد " والآيات من سورة الحديد إلى قوله: " وهو عليم بذات الصدور " فمن رام ما وراء ذلك فقد هلك.
بيان: ظاهره المنع عن التفكر والخوض في مسائل التوحيد والوقوف مع النصوص، وقيل: المراد أنه تعالى بين لهم صفاته ليتفكروا فيها، ولا يخفى بعده.
22 - المحاسن: أبي، عن صفوان، وابن أبي عمير معا، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا سليمان إن الله يقول: " وأن إلى ربك المنتهى " فإذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا.
23 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرحيم القصير قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شئ من الصفة فقال: فرفع يديه إلى السماء ثم قال: تعالى الله الجبار، إنه من تعاطى ماثم هلك. يقولها مرتين.
بيان: تعالى الله الجبار أي عن أن يكون له جسم أو صورة أو يوصف بصفة زائدة على ذاته، وأن يكون لصفاته الحقيقية بيان حقيقي، من تعاطى أي تناول بيان ماثم من صفاته الحقيقية هلك وضل ضلالا بعيدا.
24 - المحاسن: بعض أصحابنا، عن حسين بن مياح، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من نظر في الله كيف هو هلك.
25 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب بن الخزاز، عن محمد بن مسلم قال:
قال أبو جعفر عليه السلام: يا محمد إن الناس لا يزال لهم المنطق حتى يتكلموا في الله، فإذا سمعتم ذلك فقولوا: لا إله إلا الله الواحد الذي ليس كمثله الشئ.
بيان: أي إذا سمعتم الكلام في الله فاقتصروا على التوحيد ونفي الشريك منبها على أنه لا يجوز الكلام فيه، وتبيين معرفته إلا بسلب التشابه والتشارك بينه وبين غيره، أو إذا أجرو الكلام في الجسم والصورة فقولوا ذلك تنزيها له عما يقولون.
26 - المحاسن: ابن فضال، عن ثعلبة، عن الحسن الصيقل، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تكلموا فيما دون العرش، ولا تكلموا فيما فوق العرش، فإن قوما تكلموا في الله فتاهوا، حتى كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه،
27 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن حفص أخي مرازم، عن الفضل بن يحيى قال: سأل أبي أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن شئ من الصفة، فقال: لا تجاوز عما في القرآن.
28 - المحاسن: أبو أيوب المدني، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ملكا كان في مجلسه فتناول الرب تبارك وتعالى ففقد فما يدرى أين هو.
بيان: أي فقد من مكانه سخطا من الله عليه، أو تحير وسار في الأرض فلم يعرف له خبر. وقيل: هو على المعلوم أي ففقد ما كان يعرف وكان لا يدري في أي مكان هو من الحيرة، ولا يخفى ما فيه.
29 - المحاسن: محمد بن عيسى، عمن ذكره رفعه قال: سئل أبو جعفر عليه السلام أيجوز أن يقال لله: أنه موجود؟ قال: نعم تخرجه من الحدين: حد الابطال وحد التشبيه.
30 - تفسير الإمام العسكري: لقد مر أمير المؤمنين عليه السلام على قوم من أخلاط المسلمين، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وهم قعود في بعض المساجد في أول يوم من شعبان، وإذا هم يخوضون في أمر القدر وغيره مما اختلف الناس فيه، قد ارتفعت أصواتهم واشتد فيه جدالهم، فوقف عليهم وسلم فردوا عليه ووسعوا له، وقاموا إليه يسألونه القعود إليهم، فلم يحفل بهم، ثم قال لهم - وناداهم -: يا معاشر المتكلمين ألم تعلموا أن لله عبادا قد أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم؟ وأنهم هم الفصحاء البلغاء الألباء، العالمون بالله وأيامه
ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت ألسنتهم، وانقطعت أفئدتهم، وطاشت عقولهم، وتاهت حلومهم، إعزازا لله وإعظاما وإجلالا، فإذا أفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالاعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وأنهم برآء من المقصرين والمفرطين ألا إنهم لا يرضون الله بالقليل، ولا يستكثرون لله الكثير، ولا يدلون عليه بالاعمال، فهم إذا رأيتهم مهيمون مروعون، خائفون، مشفقون، وجلون، فأين أنتم منهم يا معشر المبتدعين ألم تعلموا أن أعلم الناس بالضرر أسكتهم عنه، وأن أجهل الناس بالضرر أنطقهم فيه؟.
بيان: لا يدلون من قولهم: أدل عليه أي أوثق بمحبته فأفرط عليه. والهيام:
الجنون من العشق.
31 - رجال الكشي: علي بن محمد، عن محمد بن موسى الهمداني، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غيره، عن جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي قال: اجتمع ابن سالم، وهشام بن الحكم، وجميل بن دراج، وعبد الرحمن بن الحجاج، ومحمد بن حمران، وسعيد بن غزوان، ونحو من خمسة عشر من أصحابنا فسألوا هشام بن الحكم أن يناظر هشام بن سالم فيما اختلفوا فيه من التوحيد، وصفة الله عز وجل، وعن غير ذلك، لينظروا أيهم أقوى حجة، فرضي هشام بن سالم أن يتكلم عند محمد بن أبي عمير، ورضي هشام بن الحكم أن يتكلم عند محمد بن هشام فتكالما وساقا ما جرى بينهما، وقال: قال عبد الرحمن بن الحجاج لهشام بن الحكم: كفرت والله بالله العظيم وألحدت فيه، ويحك ما قدرت أن تشبه بكلام ربك إلا العود يضرب به. قال جعفر بن محمد بن حكيم فكتب إلى أبي الحسن موسى عليه السلام يحكى له مخاطبتهم وكلامهم، ويسأله أن يعلمهم ما القول الذي ينبغي أن يدين الله به من صفة الجبار فأجابه في عرض كتابه: فهمت رحمك الله، واعلم رحمك الله أن الله أجل وأعلى وأعظم من أن يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه وكفوا عما سوى ذلك.
32 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن ابن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر الثاني عليه السلام عن التوحيد فقلت: أتوهم شيئا؟ فقال: نعم غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شئ فهو خلافه، لا يشبهه شئ ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يتصور في الأوهام؟ إنما يتوهم شئ غير معقول ولا محدود.
بيان: اعلم أن من المفهومات مفهومات عامة شاملة لا يخرج منها شئ من الأشياء لا ذهنا ولا عينا كمفهوم الشئ والموجود والمخبر عنه، وهذه معان اعتبارية يعتبرها العقل لكل شئ، إذا تقرر هذا فاعلم: أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى مجرد التعطيل، و منعوا من إطلاق الشئ والموجود وأشباههما عليه، محتجين بأنه لو كان شيئا شارك الأشياء في مفهوم الشيئية وكذا الموجود وغيره. وذهب إلى مثل هذا بعض معاصرينا فحكم بعدم اشتراك مفهوم من المفهومات بين الواجب والممكن، وبأنه لا يمكن تعقل ذاته وصفاته تعالى بوجه من الوجوه، وبكذب جميع الأحكام الايجابية عليه تعالى. و يرد قولهم الاخبار السالفة، وبناء غلطهم على عدم الفرق بين مفهوم الامر وما صدق عليه، وبين الحمل الذاتي والحمل العرضي، وبين المفهومات الاعتبارية والحقائق الموجودة.
فأجاب عليه السلام بأن ذاته تعالى وإن لم يكن معقولا لغيره ولا محدودا بحد إلا أنه مما يصدق عليه مفهوم شئ، لكن كل ما يتصور من الأشياء فهو بخلافه لان كل ما يقع في الأوهام والعقول فصورها الادراكية كيفيات نفسانية، وأعراض قائمة بالذهن، و معانيها مهيات كلية قابلة للاشتراك والانقسام فهو بخلاف الأشياء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.