بحارالانوار · أحوال الأئمة
باب غامض، أي شبهة مشكلة استشكلها المخالفون لقول عمر حسبنا كتاب الله وقيل الغامض بمعنى السائر المشهور من قولهم: غمض في الأرض، أي ذهب وسار. إن القرآن ليس بناطق، أ
ج ۲۵، ص ۸۷–۹۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
باب غامض، أي شبهة مشكلة استشكلها المخالفون لقول عمر " حسبنا كتاب الله وقيل الغامض بمعنى السائر المشهور من قولهم: غمض في الأرض، أي ذهب وسار. إن القرآن ليس بناطق، أي ليس القرآن بحيث يفهم منه الاحكام كل من نظر فيه، فإن كثيرا من الاحكام ليست في ظاهر القرآن، وما فيه أيضا تختلف فيه الأمة وفي فهمه، فظهر أن القرآن إنما يفهمه الامام، وهو دليل له على معرفة الاحكام.
أو المراد أن القرآن لا يكفي لسياسة الأمة، وإن سلم أنهم يفهمون معانيه بل لابد من آمر وناه وزاجر يحملهم على العمل بالقرآن ويكون معصوما عاملا بجميع ما فيه فقوله عليه السلام: وأقول: قد عرضت، مشيرا إلى ما ذكرنا أولا دليل آخر، والحكم الذي ليس فيه اختلاف ضروريات الدين أو السنة المتواترة أو ما أجمعت عليه الأمة وليست في القرآن، أي في ظاهره الذي يفهمه الناس وإن كان في باطنه ما يفهمه الإمام عليه السلام.
قوله ثم وقف أي أبو جعفر عليه السلام، فقال أي إلياس، قوله: أن تظهر أي الفتنة وهو مفعول " أبى " وقوله: وليس في حكمه، جملة حالية، والضمير في " حكمه " راجع إلى الله، قوله: " في الأرض " أي في غير أنفسهم كالمال أو في أنفسهم كالدين أو القصاص إلا أن يفتري خصمكم: أي يكابر بعد إتمام الحجة معاندة أو مانعا للطف أو اشتراط التكليف بالعلم.
قوله: قال في أبي فلان وأصحابه، أقول: يحتمل وجوها:
الأول: ما خطر ببالي وهو أن الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه، أي عمر وعثمان، والخطاب معهم، فقوله: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم " أي لا تحزنوا على ما فاتكم من النص والتعيين للخلافة والإمامة، وخص علي عليه السلام به حيث نص الرسول صلى الله عليه وآله، عليه بالخلافة، وحرمكم عنها، ولا تفرحوا بما آتاكم من الخلافة الظاهرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، اي مكنكم من غصبها من مستحقها ولم يجبركم على ترك ذلك، واحدة مقدمة، أي قوله: " لا تأسوا " إشارة إلى قضية متقدمة، وهي النص
بالخلافة في حياة الرسول عليه السلام، وواحدة مؤخرة، أي قوله: " ولا تفرحوا " إشارة إلى واقعة مؤخرة وهي غصب الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وآله.
ولا يخفى شدة انطباق هذا التأويل على الآية حيث قال: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " أي ما يحدث مصيبة وقضية في الأرض وفي أنفسكم إلا وقد كتبناها، والحكم المتعلق بها في كتاب من قبل أن نخلق المصيبة أو الأنفس، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من الخلافة وتعلموا أن الخلافة لا يستحقها إلا من ينزل عليه الملائكة والروح بالوقايع والاحكام المكتوبة في ذلك الكتاب، ولا تفرحوا بما تيسر لكم من الخلافة وتعلموا أنكم لا تستحقونه وأنه غصب وسيصيبكم وباله.
فظهر أن ما ذكره الباقر عليه السلام قبل ذلك السؤال أيضا كان إشارة إلى تأويل صدر تلك الآية، فلذا سأل الياس عليه السلام عن تتمة الآية، ويحتمل وجها آخر مع قطع النظر عما أشار عليه السلام إليه أولا بأنا قدرنا المصائب الواردة على الأنفس قبل خلقها وقدرنا الثواب على من وقعت عليه والعقاب على من تسبب لها لكيلا تأسوا على ما فاتكم وتعلموا أنها لم تكن مقدرة لكم، فلذا لم يعطكم الرسول صلى الله عليه وآله، ولا تفرحوا بما آتاكم للعقاب المترتب عليه.
الثاني: ما أفاده الوالد العلامة قدس الله روحه، وهو أن السؤال عن هذه الآية لبيان أنه لا يعلم علم القرآن غير الحكم، إذ كل من يسمع تلك الآية يتبادر إلى ذهنه أن الخطابين لواحد لاجتماعهما في محل واحد والحال أن الخطاب في قوله:
" لكيلا تأسوا " لعلي عليه السلام لما فاته من الخلافة، وفي قوله " ولا تفرحوا " لأبي بكر وأصحابه لما غصبوا من الخلافة، فقوله: واحدة مقدمة وواحدة مؤخرة لبيان اتصالهما وانتظامهما في آية واحدة، فلذا قال الرجل: أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه حيث تعلمون بطون الآيات وتأويلاتها وأسرارها.
الثالث: ما ذكره المولى محمد أمين الأسترآبادي رحمه الله حيث قال: " لا تأسوا "
خطاب مع أهل البيت عليهم السلام، أي لا تحزنوا على مصيبتكم للذي فات عنكم " ولا تفرحوا " خطاب مع المخالفين، أي لا تفرحوا بالخلافة التي أعطاكم الله إياها بسبب سوء اختياركم وإحدى الآيتين مقدمة والأخرى مؤخرة، فاجتمعتا في مكان واحد في تأليف عثمان.
الرابع: ما قيل: إن قوله: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم " خطاب للشيعة حيث فاتهم خلافة علي عليه السلام.
" ولا تفرحوا بما آتاكم " خطاب لمخالفيهم حيث أصابتهم الخلافة المغصوبة، و إحدى القضيتين مقدمة على الأخرى.
أقول: إذا تأملت في تلك الوجوه لا يخفى عليك حسن ما ذكرنا أولا وشدة انطباقه على الآية والخبر أولا وآخرا، والله يعلم حقائق أخبار حججه عليهم السلام.
قوله عليه السلام: إذا استضحك، كأنه مبالغة في الضحك، ويقال: اغرورقت عيناه أي دمعتا كأنهما غرقتا في دمعهما.
قوله عليه السلام: هل رأيت الملائكة، إشارة إلى تتمة الآية إذ هي هكذا: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " فيظهر منه أنه عليه السلام فسر الآية بأن هذا الخطاب من الملائكة سيكون في الدنيا بحيث يسمعون كلامهم، وذهب جماعة إلى أن الخطاب في الدنيا وهم لا يسمعون، أو عند الموت وهم يسمعون، وما ذكره عليه السلام ألصق بالآية فالمراد بالاستقامة الاستقامة على الحق في جميع الأقوال والافعال وهو ملزوم العصمة.
قوله عليه السلام: صدقت، أي في قولك: إنما المؤمنون إخوة، لكن لا ينفعك إذ الاخوة لا يستلزم الاشتراك في جميع الكمالات، أو قال ذلك على سبيل المماشاة والتسليم أو على التهكم، وإنما ضحك عليه السلام لوهن كلامه وعدم استقامته.
قوله عليه السلام: وابعث به إلى ذوي عدل، لعل ذلك للأرش، وقد قال ابن إدريس وبعض أصحابنا فيه بالأرش والاختلاف الذي ألزمه عليه السلام عليه إما بين قوله:
صالحه، وقوله: وابعث، لتنافيهما، أو بينهما وبين قوله: أعطه دية كفه، أو لاختلاف تقويم المقومين، فلا يبتني عليه حكم الله وفيه شئ، أو المراد بالاختلاف
الحكم بالظن الذي يزول بظن آخر كما مر.
قوله: اقطع قاطع الكف، عمل به أكثر أصحابنا وإن ضعف الخبر عندهم.
قوله: فلذلك عمي بصري، هذا اعتراف منه كما يدل عليه ما سيأتي، لا استفهام إنكار كما يتراءى من ظاهره، ثم بعد اعترافه قال له عليه السلام: وما علمك بذلك؟ وقوله:
فوالله، من كلام الباقر عليه السلام، وقائل: " فاستضحك " أيضا الباقر عليه السلام، وقوله:
ما تكلمت بصدق، إشارة إلى اعترافه.
ثم لما استبعد ابن عباس في اليوم السابق علمه عليه السلام بتلك الواقعة ذكر عليه السلام تفصيلها بقوله: قال لك علي بن أبي طالب، ليظهر لابن عباس علمه بتفاصيل تلك الواقعة، قوله: تتبدا لك الملك، يمكن أن يكون المراد ظهور كلامه له، وعلى التقديرين لعله باعجاز أمير المؤمنين عليه السلام، فقال أي الملك: رأت عيناي ما حدثك به علي عليه السلام من نزول الملائكة، لأني من جملة الملائكة النازلين عليه، ولم تره عينا علي لأنه محدث ولا يرى الملك في وقت إلقاء الحكم.
وقر في سمعه كوعد، أي سكن وثبت، ثم صفقك أي الملك وهو كلام الباقر عليه السلام، والصفقة: الضربة يسمع لها صوت قوله: ما اختلفنا في شئ، لعل غرضه أن الله يعلم المحق منا والمبطل، تعريضا بأنه محق، أو غرضه الرجوع إلى القرآن في الاحكام، فأجاب عليه السلام بأنه لا ينفع لرفع الاختلاف، وكان هذه المناظرة بين الباقر عليه السلام وابن عباس في صغره وفي حياة أبيه عليهما السلام إذ ولادته عليه السلام كانت في سنة سبع وخمسين، ووفاة ابن عباس سنة ثمان وستين، ووفاة سيد الساجدين عليه السلام سنة خمس وتسعين.
قوله عليه السلام: والمحكم ليس بشيئين، الحكيم فعيل بمعنى مفعول، أي المعلوم اليقيني، من حكمه كنصره: إذا أتقنه كأحكمه والمراد بشيئين أمران متنافيان كما يكون في المظنونات، والمراد بالعلم الخاص العلوم اللدنية من المعارف
الإلهية، وبالمكنون العجيب المغيبات البدائية، أسرار القضاء والقدر كما سيأتي إنشاء الله.
قوله: فقد رضيه، إما تفسير للاذن بالرضا، أو هو لبيان أن من ينزلون عليه هو مرضي لله، يسلم عليك، التخصيص على المثال، أو لأنه كان مصداقه في زمان نزول الآية.
قوله عليه السلام: فهذه فتنة، أقول: في الآية قراءتان: إحداهما " لا تصيبن " وهي المشهورة، والأخرى " لتصيبن " باللام المفتوحة، وقال الطبرسي هي قراءة أمير المؤمنين عليه السلام وزيد بن ثابت وأبو جعفر الباقر عليه السلام وغيرهم فعلى الأول قيل: إنه جواب الامر على معنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة، وقيل: صفة لفتنة و " لا " للنفي أو للنهي على إرادة القول، وقيل: جواب قسم محذوف، وقيل إنه نهي بعد الامر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم، فإن وباله يصيب الظالم خاصة وقيل كلمة " لا " زائدة، وقيل إن أصلها " لتصيبن " فزيد الألف للاشباع، وعلى القراءة الثانية جواب القسم.
فما ذكره عليه السلام شديد الانطباق على القراءة الثانية، وكذا ينطبق على بعض محتملات القراءة الأولى ككونه نهيا أو " لا " زائدة أو مشبعة، وأما على سائر المحتملات فيمكن أن يقال إنه لما ظهر من الآية انقسام الفتنة إلى ما يصيب الظالمين خاصة وما يعمهم وغيرهم فسر عليه السلام الأولى بما أصاب الثلاثة الغاصبين للخلافة وأتباعهم الذين أنكروا كون ليلة القدر بعد الرسول صلى الله عليه وآله ووجود إمام بعده تنزل الملائكة والروح على أحد بعده.
وأيده بآية أخرى نزلت في الذين فروا يوم أحد مرتدين على أعقابهم، وهم الذين غصبوا الخلافة بعده وأنكروا الإمامة جهارا، وأما الفتنة العامة فهي التي شملت عامة الخلق من اشتباه الامر عليهم وتمسكهم بالبيعة الباطلة والاجماع المفترى
والتحذير إنما هو عن هذه الفتنة.
قوله عليه السلام: وإنها لسيدة دينكم، أي الحجة القوية التي ترجعون إليها في أمر دينكم وإنها لغاية علمنا، أي دالة على غاية علمنا، قوله: فإنها، أي الآيات لولاة الامر أي الأئمة عليهم السلام وفي شأنهم، والانزال إنما هو عليهم بعده والانذار بهم.
ثم استشهد عليه السلام بقوله: " وإن من أمة " حيث يدل على وجود المنذر في كل عصر من الماضين فكيف لا يكون في الاعصار بعده نذير؟ والنبي صلى الله عليه وآله لم يكف لانذار من بعده بدون نائب يبلغ عنه، كما أنه في زمانه صلى الله عليه وآله بعث قوما لانذار من بعد عنه، والفرق بين بعثته في حال الحياة والمنذر بعد الوفاة أن في الأول لم يشترط العصمة بخلاف الثاني، لأنه إن ظهر منهم فسق في حياته كان يمكنه عزلهم، بخلاف ما بعد الوفاة.
قوله: من البعثة، هي بالتحريك، أي المبعوثين. وإبان الشئ بكسر الهمزة و تشديد الباء حينه أو أوله. قوله فقد رد على الله عز وجل علمه، أي معلومه، وهو ما يعلمه من نزول العلوم فيها على الأوصياء، أو علمه الذي أهبطه على أوليائه، لان علم الله في الأمور المتجددة في كل سنة لابد أن ينزل في ليلة القدر إلى الأرض ليكون حجة على الأنبياء والمحدثين لنبوتهم وولايتهم فالراد لليلة القدر هو الراد على الله علمه الجاحد أن يكون علمه في الأرض قوله صلى الله عليه وآله: فلا شك، أي في نزول جبرئيل عليهم، وإنما أبهم عليه السلام الامر في الأوصياء إما للتقية أو لقصور عقل السائل، لئلا يتوهم النبوة فيهم. قوله: ووصفه أي وصف الامر لوصيه. وفي نسخ الكافي: " ووضع " على بناء المعلوم أو المجهول، أي وضع الله وقرر نزول الامر لوصيه، وربما يقرأ: " ووضع " بالتنوين عوضا عن المضاف إليه عطفا على الامر. قوله عليه السلام: أستخلفكم بصيغة المتكلم بعلمي أي لحفظه.
قوله صلى الله عليه وآله: يعبدونني بايمان، كأنه عليه السلام فسر الشرك باعتقاد النبوة في الخليفة، فمن قال غير ذلك: هذا تفسير لقوله: ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " يعني ومن كفر بهذا الوعد بأن قال: مثل هذا الخليفة لا يكون إلا نبيا، ولا نبي بعد محمد فالوعد غير صادق، أو كفر بالموعود بأن قال إذا ظهر أمره: هذا نبي، أو قال:
ليس بخليفة لانكار العامة المرتبة المتوسطة بين النبوة وآحاد الرعية.
فقد مكن، إشارة إلى قوله: " ليمكنن لهم " فهذا يشمل جميعهم، وقوله:
" وليبدلنهم " إشارة إلى غلبتهم في زمان القائم عليه السلام. فظاهر، أي في كل زمان، و أما إبان أجلنا، أي تبديل الامن بالخوف.
قوله: وكان الامر، أي الدين واحدا لا اختلاف فيه. قوله عليه السلام: ولذلك إي لعدم الاختلاف جعلهم شهداء لان شهادة بعضهم على بعض بالحقية لا يكون إلا مع التوافق، وكذا على غيرهم لا يتأتى إلا مع ذلك إذ الاختلاف في الشهادة موجب لرد الحكم، ويحتمل أن يكون المراد بالمؤمنين الأئمة عليهم السلام، أي حكم الله حكما حتما أن لا يكون بين أئمة المسلمين اختلاف، وأن يكونوا مؤيدين من عنده تعالى ولكونهم كذلك جعلهم شهداء على الناس، قوله: لمن علم، أي كون الدفع لكمال عذاب الآخرة وشدته، إنما هو لمن علم أنه لا يتوب، وأما من علم أنه يتوب فإنما يدفع عنه لعلمه بأنه يتوب. قوله عليه السلام: والجوار، أي المحافظة على الذمة والأمان، أو رعاية حق المجاورين في المنزل، أو مطلق المجاورين والمعاشرين والتقية منهم وحسن المعاشرة معهم، والصبر على أذاهم.
قوله عليه السلام: الامر واليسر، لعل المراد أنه كان يعلم العلوم على الوجه الكلي الذي يمكنه استنباط الجزئيات منه، وإنما يأتيه في ليلة القدر تفصيل أفراد تلك الكليات لمزيد التوضيح ولتسهيل الامر عليه في استعلام الجزئيات، ثم ذكر عليه السلام بعد ذلك فائدة أخرى لنزول ليلة القدر وهي أن إخبار ما يلزمهم إخباره وإمضاء ما أمروا به من التكاليف موقوف على تكرير الاعلام في ليلة القدر، ويحتمل أن يكون المراد
بالجمل ما يقبل البداء من الأمور، وبالتفسير والتفصيل تعيين ما هو محتوم وما يقبل البداء كما يظهر من سائر الأخبار، ولما كان علم البداء غامضا وفهمه مشكلا أبهم عليه السلام على السائل ولم يوضحه له. فقوله: هذا مما أمروا بكتمان أمر البداء من غير أهله لقصور فهمهم. أو أنهم قبل أن يعين لهم الأمور البدائية والمحتومة لا يجوز لهم الاخبار بها، ولدا قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لولا آية في كتاب الله لأخبرت بما يكون إلى يوم القيامة ".
فقوله: لا يعلم تفسير ما سألت أي لا يعلم ما يكون محتوما وما ليس بمحتوم في السنة قبل نزول الملائكة والروح إلا الله، وأما قوله عليه السلام: لا يحل لك، فهو إما لقصوره عن فهم معنى البداء، أو لان توضيح ما ينزل في ليلة القدر والعلم بخصوصياته مما لا يمكن لسائر الناس غير الأوصياء عليهم السلام الإحاطة به، ويؤيد هذا قوله: فإن الله عز وجل أبي، وعلى الأول يمكن تعميم الأنفس على وجه يشمل خواص أصحابهم وأصحاب أسرارهم مجازا والحاصل أن توضيح أمر البداء وتفصيله لأكثر الخلق ينافي حكمة البداء وتعيينه، إذ هذه الحكمة لا تحصل لهم إلا بجهلهم بأصله ليصير سببا لاتيانهم بالخيرات وتركهم الشرور، كما أومأنا إليه في باب البداء أو بالعلم بكنه حقيقة ذلك وهذا العلم لا يتيسر لعامة الخلق، ولذا منعوا الناس عن تعلم علم النجوم والتفكر في مسائل القضاء والقدر، وهذا بين لمن تأمل فيه، وأيضا الإحاطة بتفاصيل كيفيات ما ينزل في ليلة القدر وكنه حقيقتها إنما يتأتى بعد الإحاطة بغرائب أحوالهم وشؤونهم وهذا مما تعجز عنه عقول عامة الخلق ولو أحاطوا بشئ من ذلك لطاروا إلى درجة الغلو والارتفاع ولذا كانوا عليهم السلام يتقون من شيعتهم أكثر من مخالفيهم ويخفون أحوالهم وأسرارهم منهم خوفا من ذلك. ولذا قالوا عليهم السلام: " إن علمنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ".
وفي بعض الأخبار: " لا يحتمله ملك مقرب " كما مر وسيأتي.
قوله: لما يزور كذا ينبغي، وفي أكثر النسخ: " لما يرون " وهو تصحيف، وكذا فيما سيأتي من قوله: " مما يزور خليفة الله " واللام موطئة للقسم، والموصول مبتدء " وأكثر "
خبره، وفي هذا السؤال والجواب أيضا تشويش وإعضال، ويمكن توجيههما بأن يكون ما يزور أئمة الضلال من الشياطين مع ما يخلق الله منهم في ليلة القدر أكثر من الملائكة النازلين على الامام، وإن كان جميع الملائكة أكثر من الشياطين فيستقيم قوله عليه السلام:
صدقت، ويمكن حمل الكلام على جميع الملائكة، وقوله: صدقت: على أن التصديق لقول الشيعة لا لقولهم، وهذا أنسب بقوله: كما شاء الله، لكنه مخالف للأخبار الدالة على أن الملائكة أكثر من سائر الخلق.
قوله: فلو سأل أي إمام الجور وولي الامر وهو المسؤول.
قوله: لقال أي ولي الأمر، وقوله: رأيت على صيغة الخطاب، قوله:
الذي هو عليها، الظاهر أن المراد به خليفة الجور، وضمير " عليها " راجع إلى الضلالة أو الخلافة، وقيل: ضمير " عليها " راجع إلى خليفة الجور، والمراد بالخليفة خليفة العدل، ولا يخفى بعده وعلى الأول فالمراد بقوله: ليس بشئ أن بطلانه ظاهر لما تقدم، وعلى الثاني المراد به أنه مخالف لمذهبهم، وقوله: وسيقولون جملة حالية نظير قوله تعالى: " وإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " ليس هذا بشئ أي هذا الكلام الأخير أو سائر ما مر مباهتة وعنادا، وقيل: أي إن قالوا لا ينزل إلى أحد فسيقولون بعد التنبيه إنه ليس بشئ ولا يخفى ما فيه.
أقول: وروى الشيخ شرف الدين رحمه الله في كتاب تأويل الآيات الباهرة باسناده عن محمد بن جمهور عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قوله عز وجل: " خير من ألف شهر " هو سلطان بني أمية، وقال: ليلة من إمام عدل خير من ألف شهر من ملك بني أمية، وقال: " تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم " أي من عند ربهم على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكل أمر سلام ".
70 - وروى أيضا عن محمد بن جمهور عن موسى بن بكر عن زرارة عن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يفرق في ليلة القدر هل هو ما يقدر الله فيها؟ قال:
لا توصف قدرة الله إلا أنه قال: " فيها يفرق كل أمر حكيم " فكيف يكون حكيما إلا ما فرق، ولا توصف قدرة الله سبحانه لأنه يحدث ما يشاء. وأما قوله: " ليلة القدر خير من ألف شهر " يعنى فاطمة عليها السلام، وقوله: " تنزل الملائكة والروح فيها " و الملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد عليهم السلام: والروح روح القدس وهو في فاطمة عليها السلام " من أمر كل سلام " يقول من كل أمر مسلمة " حتى مطلع الفجر " يعنى حتى يقوم القائم عليه السلام.
71 - قال: وفي هذا المعنى ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي قدس الله روحه عن رجاله عن عبد الله بن عجلان السكوني قال: قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:
بيت علي وفاطمة من حجرة رسول الله صلوات الله عليهم، وسقف بيتهم عرش رب العالمين وفي قعر بيوتهم فرجة مكشوطة إلى العرش معراج الوحي والملائكة تنزل عليهم بالوحي صباحا ومساء، وفي كل ساعة وطرفة عين، والملائكة لا ينقطع فوجهم، فوج ينزل وفوج يصعد، وإن الله تبارك وتعالى كشط لإبراهيم عليه السلام عن السماوات حتى أبصر العرش وزاد الله في قوة ناظره، وإن الله زاد في قوة ناظرة محمد وعلى فاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم وكانوا يبصرون العرش ولا يجدون لبيوتهم سقفا غير العرش، فبيوتهم مسقفة بعرش الرحمن، ومعارج معراج الملائكة والروح فوج بعد فوج لا انقطاع لهم وما من بيت من بيوت الأئمة منا إلا وفيه معراج الملائكة لقول الله: " تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بكل أمر سلام " قال: قلت: من كل أمر؟ قال: بكل أمر قلت: هذا التنزيل؟ قال نعم.
72 - قال: وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله ليلة
القدر شئ يكون على عهد الأنبياء ينزل فيها عليهم الامر فإذا مضوا رفعت؟ قال:
لا بل هي إلى يوم القيامة.
73 - وجاء في حديث المعراج عن الباقر عليه السلام أنه قال: لما عرج بالنبي صلى الله عليه وآله وعلمه الله سبحانه الأذان والإقامة والصلاة فلما صلى أمره سبحانه أن يقرأ في الركعة الأولى بالحمد والتوحيد، وقال له: هذا نسبتي، وفي الثانية بالحمد وسورة القدر وقال: يا محمد هذه نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة.
74 - وعن الصادق عليه السلام أنه قال: إنها باقية إلى يوم القيامة لأنها لو رفعت لارتفع القرآن.
بيان: قوله عليه السلام في الخبر الأول: بكل أمر سلام، لعل تقديره لهم بكل أمر سلام، أي يسلمون على الامام بسبب كل أمر، أو مع كل أمر يفضون إليه ويحتمل أن يكون سلام متعلقا بما بعده، ولم يذكر عليه السلام تتمة الآية اختصارا، قوله عليه السلام:
لا توصف قدرة الله، لعله عليه السلام لم يبين كيفية التقدير للسائل لما ذكرنا في الخبر السابق من المصالح بل قال: ينبغي أن تعلم أن الامر المحكم المتقن الذي يفضي إلى الامام لا يكون إلا مفروقا مبينا واضحا غير ملتبس عليه، ولكن مع ذلك لا ينافي احتمال البداء في
تلك الأمور أيضا، لأنه تعالى يحدث ما يشاء في أي وقت شاء، أو المراد أن في تلك الليلة تفرق كل أمر محكم لا بداء فيه، وأما سائر الأمور فلله فيه البداء، والحاصل أن في ليلة القدر يميز للإمام عليه السلام بين الأمور الحتمية والأمور التي تحتمل البداء ليخبر بالأمور الأولة حتما، وبالأمور الثانية على وجه إن ظهر خلافه لا ينسب إلى الكذب وسيأتي مزيد تحقيق لذلك.
وأما تأويله عليه السلام ليلة القدر بفاطمة عليها السلام فهذا بطن من بطون الآية وتشبيهها بالليلة إما لسترها وعفافها، أو لما يغشاها من ظلمات الظلم والجور وتأويل الفجر بقيام القائم بالثاني أنسب فإنه عند ذلك يسفر الحق وتنجلي عنهم ظلمات الجور والظلم، و عن أبصار الناس أغشية الشبه فيهم، ويحتمل أن يكون طلوع الفجر إشارة إلى طلوع الفجر من جهة المغرب الذي هو من علامات ظهوره، والمراد بالمؤمنون الأئمة عليهم السلام وبين عليه السلام أنهم إنما سموا ملائكة لأنهم يملكون علم آل محمد صلى الله عليه وآله ويحفظونها ونزولهم فيها كناية عن حصولهم منها موافقا لما ورد في تأويل آية سورة الدخان أن الكتاب المبين أمير المؤمنين عليه السلام والليلة المباركة فاطمة عليها السلام " وفيها يفرق كل أمر حكيم " أي حكيم بعد حكيم وإمام بعد إمام.
وقوله: " من كل أمر سلام هي " على هذا التأويل هي مبتدأ، وسلام خبره، أي ذات سلامة، ومن كل أمر متعلق بسلام، أي لا يضرها وأولادها ظلم الظالمين، ولا ينقص من درجاتهم المعنوية شيئا، أو العصمة محفوظة فيهم فهم معصومون من الذنوب والخطاء والزلل إلى أن تظهر دولتهم ويتبين لجميع الناس فضلهم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.