پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

25 - باب غزوة ذات السلاسل

ج ۲۱، ص ۶۶–۸۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۱

أيضا أنها إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى " فالموريات قدحا " هي الخيل توري النار بخوافرها إذا سارت في الحجارة والأرض المخصبة و قال مقاتل: يقدحن بحوافرهن النار في الحجارة قال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزناد إذا قدح، وقال مجاهد: يريد مكر الرجال في الحروب، تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأورين لك بزند وار ولأقدحن لك، وقيل: هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما يتكلم به " فالمغيرات صبحا " يريد الخيل تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح، وإنما ذكر الصبح لأنهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتونهم صبحا، وقيل: يريد الإبل ترفع ركبانها يوم النحر من جمع إلى منى، والسنة أن لا ترفع بركبانها حتى تصبح، والإغارة: سرعة السير " فأثرن به نقعا " يقال: ثار الغبار أو الدخان وأثرته أي هيجته، والهاء في " به " عائد إلى معلوم يعني بالمكان أو بالوادي " فوسطن به جمعا " أي صرن بعدوهن، أو بذلك المكان وسط جمع العدو، وقيل: يريد جمع منى.

1 - نوادر الراوندي باسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث مع علي عليه السلام ثلاثين فرسا في غزوة ذات السلاسل، وقال:

أتلو عليك آية في نفقة الخيل " والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا و علانية هي النفقة على الخيل سرا وعلانية، 2 - تفسير علي بن إبراهيم: " والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا " حدثنا جعفر بن أحمد، عن عبيد بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " والعاديات ضبحا " قال: هذه السورة

نزلت في أهل وادي يابس قال: قلت:: وما كان حالهم وقصتهم؟ قال: إن أهل وادي يابس اجتمعوا اثنى عشر ألف فارس وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا أن لا يتخلف رجل عن رجل، ولا يخذل أحد أحدا، ولا يفر رجل عن صاحبه حتى يموتوا كلهم على خلق واحد ويقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام فنزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله فأخبره بقصتهم وما تعاقدوا عليه وتوافقوا وأمره أن يبعث أبا بكر إليهم في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والأنصار، فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا معشر المهاجرين و الأنصار إن جبرئيل أخبرني أن أهل وادي اليابس اثنى عشر ألفا قد استعدوا وتعاهدوا وتعاقدوا أن لا يغدر رجل بصاحبه ولا يفر عنه ولا يخذله حتى يقتلوني وأخي علي بن أبي طالب، وأمرني أن أسير إليهم أبا بكر في أربعة آلاف فارس فخذوا في أمركم واستعدوا لعدوكم، وانهضوا إليهم على اسم الله وبركته يوم الاثنين إن شاء الله، فأخذ المسلمون عدتهم وتهيأوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر بأمره، وكان فيما أمره به أن إذا رآهم أن يعرض عليهم الاسلام

فإن تابعوا وإلا واقعهم فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم و خرب ضياعهم وديارهم فمضى أبو بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار في أحسن عدة وأحسن هيئة، يسير بهم سيرا رفيقا حتى انتهوا إلى أهل وادي اليابس، فلما بلغ القوم نزول القوم عليهم ونزل أبو بكر وأصحابه قريبا منهم خرج إليهم من أهل وادي اليابس مائتا رجل مدججين بالسلاح فلما صادفوهم قالوا لهم: من أنتم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ ليخرج إلينا صاحبكم حتى نكلمه، فخرج إليهم أبو بكر في نفر من أصحابه المسلمين، فقال لهم: أنا أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قالوا: ما أقدمك علينا؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعرض عليكم الاسلام، وان تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون ولكم مالهم وعليكم ما عليهم وإلا فالحرب بيننا وبينكم، قالوا له: أما واللات والعزى لولا رحم ماسة وقرابة قريبة لقتلناك وجميع أصحابك قتلة تكون حديثا لمن يكون بعد كم، فارجع أنت ومن معك وارتجوا العافية، فإنا إنما نريد صاحبكم بعينه وأخاه علي بن أبي طالب، فقال أبو بكر لأصحابه: يا قوم القوم أكثر منكم أضعافا وأعد منكم وقد نأت داركم عن إخوانكم من المسلمين، فارجعوا نعلم رسول الله صلى الله عليه وآله بحال القوم، فقالوا له جميعا: خالفت يا أبا بكر رسول الله وما أمرك به فاتق الله و

واقع القوم، ولا تخالف قول رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني أعلم مالا تعلمون الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فانصرف وانصرف الناس أجمعون، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بمقالة القوم له وما رد عليهم أبو بكر فقال: صلى الله عليه وآله: يا أبا بكر خالفت أمري ولم تفعل ما أمرتك به، وكنت لي والله عاصيا فيما أمرتك، فقام النبي صلى الله عليه وآله وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا معشر المسلمين إني أمرت أبا بكر أن يسير إلى أهل وادي اليابس، وأن يعرض عليهم الاسلام، ويدعوهم إلى الله فإن أجابوا وإلا واقعهم، فإنه سار إليهم وخرج منهم إليه مائتا رجل فإذا سمع كلامهم وما استقبلوه به انتفخ صدره ودخله الرعب منهم، وترك قولي ولم يطع أمري، وإن جبرئيل عليه السلام أمرني عن الله أن ابعث إليهم عمر مكانه في أصحابه في أربعة آلاف فارس، فسر يا عمر على اسم الله ولا تعمل كما عمل أبو بكر أخوك، فإنه قد عصى الله وعصاني " وأمره بما أمر به أبا بكر، فخرج عمر والمهاجرون والأنصار الذين كانوا مع أبي بكر يقتصد بهم في سيرهم حتى شارف القوم، وكان قريبا منهم حيث يراهم ويرونه، وخرج إليهم مائتا رجل فقالوا له ولأصحابه مثل مقالتهم لأبي بكر، فانصرف وانصرف الناس معه، وكاد

أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم وجمعهم، ورجع يهرب منهم. فنزل جبرئيل عليه السلام فأخبر محمدا بما صنع عمر، وأنه انصرف وانصرف المسلمون معه، فصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم بما صنع عمر، وما كان منه، و أنه قد انصرف وانصرف المسلمون معه مخالفا لامري، عاصيا لقولي، فقدم عليه فأخبره بمقاله ما أخبره به صاحبه، فقال له: " يا عمر عصيت الله في عرشه، و عصيتني وخالفت قولي، وعملت برأيك، لاقبح الله رأيك، وإن جبرئيل عليه السلام قد أمرني أن أبعث علي بن أبي طالب في هؤلاء المسلمين، فأخبرني أن الله يفتح عليه وعلى أصحابه " فدعا عليا وأوصاه بما أوصى به أبا بكر وعمر وأصحابه الأربعة آلاف، وأخبره أن الله سيفتح عليه وعلى أصحابه، فخرج علي ومعه المهاجرون والأنصار، فسار بهم سيرا غير سير أبى بكر وعمر، وذلك أنه أعنف بهم في السير حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب، وتحفى دوابهم، فقال لهم: لا تخافوا فإن رسول الله صلى الله إليه وآله قد أمرني بأمر وأخبرني أن الله سيفتح علي و عليكم، فأبشروا فإنكم على خير وإلى خير، فطابت نفوسهم وقلوبهم، و ساروا على ذلك السير التعب حتى إذا كانوا قريبا منهم حيث يرونه ويراهم، أمر أصحابه أن ينزلوا، وسمع أهل وادى اليابس بمقدم علي بن أبي طالب وأصحابه

فخرجوا إليه منهم مائتا رجل شاكين بالسلاح فلما رآهم علي عليه السلام خرج إليهم في نفر من أصحابه، فقالوا لهم: من أنتم؟ ومن أين أنتم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قال: أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأخوه ورسوله إليكم، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ولكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم من خير وشر، فقالوا له: إياك أردنا، و أنت طلبتنا، قد سمعنا مقالتك، فاستعد للحرب العوان، واعلم أنا قاتليك وقاتلي أصحابك، والموعود فيما بيننا وبينك غدا ضحوة، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينك، فقال لهم علي عليه السلام: ويلكم تهددوني بكثرتكم وجمعكم، فأنا أستعين بالله وملائكته والمسلمين عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فانصرفوا إلى مراكزهم وانصرف علي عليه السلام إلى مركزه فلما جنه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى دوابهم، ويقضموا ويسرجوا فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس، ثم غار عليهم بأصحابه، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، و خرب ديارهم، وأقبل بالأسارى والأموال معه ونزل جبرئيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما فتح الله على علي عليه السلام وجماعة المسلمين، فصعد المنبر فحمد الله

وأثنى عليه وأخبر الناس بما فتح الله على المسلمين، وأعلمهم أنه لم يصب منهم إلا رجلان، ونزل فخرج يستقبل عليا في جميع أهل المدينة من المسلمين حتى لقيه على أميال من المدينة، فلما رآه علي مقبلا نزل عن دابته، ونزل النبي صلى الله عليه وآله حتى التزمه، وقبل ما بين عينيه، فنزل جماعة المسلمين إلى علي عليه السلام حيث نزل رسول الله وأقبل بالغنيمة والأسارى وما رزقهم الله من أهل وادي الياس.

ثم قال جعفر بن محمد عليهما السلام: ما غنم المسلمون مثلها قط إلا أن تكون خيبرا فإنها مثل خيبر، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك اليوم: " والعاديات ضبحا " يعني بالعاديات الخيل تعدو بالرجال ، والضبح ضبحها في أعنتها ولجمها " فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا " فقد أخبرك أنها غارت عليهم صبحا، قلت قوله: " فأثرن به نقعا " قال: يعني الخيل يأثرن بالوادي نقعا " فوسطن به جمعا " قلت: قوله:

" إن الانسان لربه لكنود " قال: لكفور " وإنه على ذلك لشهيد " قال: يعنيهما جميعا قد شهدا جميعا وادي اليابس، وكانا لحب الحياة حريصين، قلت: قوله:

" أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير " قال: نزلت الآيتان فيهما خاصة كانا يضمران ضمير السوء ويعملان به فأخبر الله خبرهما وفعالهما، فهذه قصة أهل وادي اليابس وتفسير العاديات.

ثم قال علي بن إبراهيم في قوله: " والعاديات ضبحا " أي عدوا عليهم في الضبح، ضباح الكلاب: صوتها " فالموريات قدحا " كانت بلادهم فيها حجارة فإذا وطئها سنابك الخيل كان ينقدح منها النار " فالمغيرات صبحا " أي صبحهم بالغارة " فأثرن به نقعا " قال: ثارت الغبرة من ركض الخيل " فوسطن به جمعا " قال:

توسط المشركين بجمعهم " إن الانسان لربه لكنود " أي كفور، وهم الذين أمروا وأشاروا على أمير المؤمنين عليه السلام أن يدع الطريق مما حسدوه وكان علي عليه السلام أخذ بهم على غير الطريق الذي أخذ فيه أبو بكر وعمر، فعلموا أنه يظفر بالقوم، فقال عمرو بن العاص لأبي بكر: إن عليا غلام حدث لا علم له بالطريق، و هذا طريق مسبع لا نأمن فيه من السباع فمشوا إليه فقالوا: يا أبا الحسن هذا الطريق الذي أخذت فيه طريق مسبع، فلو رجعت إلى الطريق، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: الزموا رحالكم، وكفوا عما لا يعنيكم، واسمعوا وأطيعوا فإني أعلم بما أصنع فسكتوا " وإنه على ذلك لشهيد " أي على العداوة " وإنه لحب الخير لشديد " يعني حب الحياة حيث خافوا السباع على أنفسهم فقال الله: " أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور " أي يجمع ويظهر " إن ربهم بهم يومئذ لخبير ".

تفسير فرات بن إبراهيم: عبد الله بن بحر بن طيفور بإسناده عن جعفر بن محمد عليهما السلام مثله إلى قوله: ثم قال علي بن إبراهيم.

بيان: رجل مدجج ومدجج أي شاك في السلاح، وحفي من كثرة المشي

أي رقت قدمه أو حافره. والعوان من الحروب: التي قوتل فيها مرة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. وأقضم القوم: امتاروا شيئا في القحط، وفي بعض لغة الفرس:

القضم: خوردن أسب جورا قوله عليه السلام: يعنيهما، أي مصداق الانسان في هذه الآية أبو بكر وعمر.

قال البيضاوي: " لكنود ": لكفور، من كند النعمة كنودا، أو لعاص بلغة كندة، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم. " وإنه على ذلك " وإن الانسان على كنوده " لشهيد " يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن الله على كنوده لشهيد فيكون وعيدا " وإنه لحب الخير " المال " لشديد " لبخيل، أو لقوي مبالغ فيه قوله: " بعثر " أي بعث " وحصل ": جمع محصلا في الصحف أو ميز.

3 - أمالي الطوسي: قال شيخ الطائفة قرئ على أبي القاسم بن شبل وأنا أسمع:

حدثنا ظفر بن حمدون بن أحمد، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمري، عن محمد بن ثابت وأبي المغرا العجلي قالا: حدثنا الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " والعاديات ضبحا " قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب في سرية فرجع منهزما يجبن أصحابه، ويجبنونه أصحابه، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنت صاحب القوم، فتهيأ أنت ومن تريد من فرسان المهاجرين والأنصار، وسر الليل ولا يفارقك العين، قال: فانتهى علي إلى ما

أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله فسار إليهم، فلما كان عند وجه الصبح أغار عليهم، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله " والعاديات ضبحا " إلى آخرها.

بيان: لا يفارقك العين، أي ليكن معك جواسيس ينظرون لئلا يكمن لك العدو، أو كناية عن ترك النوم، أو عن ترك الحذر، والنظر إلى مظان الريبة أو المعنى لا يفارقك عسكرك وكن معهم، قال الجوهري: جاء فلان في عين، أي في جماعة.

4 - الخرائج: روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما بعث سرية ذات السلاسل وعقد الراية وسار بها أبو بكر حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل خبرهم فتحرزوا ولم يصل المسلمون إليهم، فأخذ الراية عمر وخرج مع السرية فاتصل بهم خبرهم فتحرزوا ولم يصل المسلمون إليهم، فأخذ الراية عمرو بن العاص فخرج في السرية فانهزموا، فأخذ الراية لعلي وضم إليه أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص و من كان معه في تلك السرية، وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة فيأخذون حذرهم و استعدادهم، فلما خرج علي عليه السلام ترك الجادة وأخذ بالسرية في الأودية بين الجبال فلما رأى عمرو بن العاص وقد فعل علي ذلك علم أنه سيظفر بهم، فحسده فقال لأبي - بكر وعمر ووجوه السرية: إن عليا رجل غر لا خبرة له بهذه المسالك، و نحن أعرف بها منه، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة، فعرفوا أمير المؤمنين عليه السلام ذلك، قال: من كان طائعا لله ولرسوله منكم فليتبعني، ومن أراد الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني، فسكتوا وساروا معه فكان يسير بهم

بين الجبال في الليل ويكمن في الأودية بالنهار، وصارت السباع التي فيها كالسنانير إلى أن كبس المشركين وهم غارون آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال والذراري والأموال، فحاز ذلك كله، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت غراة ذات السلاسل، فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين عليه السلام على العدو - ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل - خرج النبي صلى الله عليه وآله فصلى بالناس الفجر، وقرأ: " والعاديات " في الركعة الأولى، وقال: " هذه سورة أنزلها الله علي في هذا الوقت يخبرني فيها بإغارة علي على العدو، وجعل حسده لعلي حسدا له فقال: " إن الانسان لربه لكنود " والكنود: الحسود، وهو عمرو بن العاص ههنا، إذا هو كان يحب الخير وهو الحياة حين أظهر الخوف من السباع ثم هدده الله.

5 - الإرشاد: ثم كان غزاة السلسلة وذلك أن أعرابيا جاء عند النبي فجثا بين يديه وقال له: جئتك لأنصح لك، قال: وما نصيحتك؟ قال: قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل وعملوا على أن يبيتوك بالمدينة، ووصفهم له، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون وصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس إن هذا عدو الله وعدوكم قد عمل على أن يبيتكم فمن له " فقام جماعة من أهل الصفة فقالوا: نحن نخرج إليهم فول علينا من شئت، فأقرع بينهم فخرجت القرعة علي ثمانين رجلا منهم ومن غيرهم، فاستدعى أبا بكر فقال له: خذ اللواء وامض إلى بني سليم، فإنهم قريب من الحرة، فمضى

ومعه القوم حتى قارب أرضهم، وكانت كثيرة الحجارة والشجر وهم ببطن الوادي والمنحدر إليه صعب، فلما صار أبو بكر إلى الوادي وأراد الانحدار خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا، فانهزم أبو بكر من القوم، فلما ورد على النبي صلى الله عليه وآله عقد لعمر بن الخطاب وبعثه إليهم فكمنوا له تحت الحجارة و الشجر، فلما ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه، فساء رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك، فقال له عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله إليهم، فإن الحرب خدعة، فلعلي أخدعهم فأنفذه مع جماعة ووصاه فلما صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله أياما يدعو عليهم، ثم دعا أمير المؤمنين عليه السلام فعقد له، ثم قال: " أرسلته كرارا غير فرار " ثم رفع يديه إلى السماء وقال:

" الهم إن كنت تعلم أني رسولك فاحفظني فيه، وافعل به وافعل " فدعا له ما شاء الله، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله لتشييعه وبلغ معه إلى مسجد الأحزاب، وعلي على فرس أشقر مهلوب، عليه بردان يمانيان وفي يده قناة خطية، فشيعه رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا له، وأنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم عليه السلام نحو العراق متنكبا للطريق حتى ظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثم انحدر بهم على محجة غامضة، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه، وكان يسير الليل، ويكمن النهار فلما قرب من الوادي أمر أصحابه أن يعكموا الخيل، ووقفهم مكانا، وقال: لا تبرحوا، وانتبذ أمامهم فأقام ناحية منهم، فلما رأى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك أن الفتح يكون له فقال لأبي بكر: أنا أعلم بهذه البلاد من علي، وفيها ما هو أشد علينا من بني سليم، وهي الضباع والذئاب، فإن خرجت علينا خفت أن تقطعنا فكلمه يخل عنا نعلو الوادي، قال: فانطلق أبو بكر فكلمه فأطال فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام

حرفا واحدا، فرجع إليهم فقال: لا والله ما أجابني حرفا واحدا، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: أنت أقوى عليه، فانطلق عمر فخاطبه فصنع به مثل ما.

صنع بأبي بكر، فرجع إليهم فأخبرهم أنه لم يجبه، فقال عمرو بن العاص: إنه لا ينبغي لنا أن نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلو الوادي، فقال له المسلمون، والله ما نفعل، أمرنا رسول الله أن نسمع لعلي ونطيع، فنترك أمره ونطيع لك ونسمع؟

فلم يزالوا كذلك حتى أحس أمير المؤمنين عليه السلام بالفجر، فكبس القوم وهم غارون فأمكنه الله تعالى منهم، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله " والعاديات ضبحا " إلى آخرها، فبشر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بالفتح، وأمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنين عليه السلام، فاستقبلوه والنبي صلى الله عليه وآله يقدمهم، فقاموا له صفين، فلما بصر بالنبي صلى الله عليه وآله ترجل عن فرسه فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان " فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فرحا، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " يا علي لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ".

وكان الفتح في هذه الغزاة لأمير المؤمنين عليه السلام خاصة بعد أن كان لغيره فيها من الافساد ما كان، واختص عليه السلام من مديح النبي صلى الله عليه وآله فيها بفضائل لم يحصل منها شئ لغيره، وبان له من المنقبة فيها ما لم يشركه فيه سواه.

بيان: المهلبة: ما غلظ من شعر الذنب، وهلبت الفرس: نتفت هلبه فهو مهلوب، ذكره الجوهري، وقال: الخط: موضع باليمامة، تنسب إليه الرماح الخطية، لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوم به، ويقال: عكمت المتاع، أي شددته والمراد هنا شد أفواه الدواب لترك صهيلها. قوله: فكبس القوم، أي هجم عليهم.

6 - أقول: ذكر المفيد - رحمه الله - هذه الغزوة على هذا الوجه بعد غزوة تبوك وذكرها على وجه آخر على ما في بعض النسخ القديمة بعد غزوة بني قريظة وقبل غزوة بني المصطلق: قال: وقد كان من أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة وادي الرمل - ويقال: إنها كانت تسمى بغزوة السلسلة - ما حفظه العلماء، ودونه الفقهاء، ونقله أصحاب الآثار، ورواه نقلة الاخبار مما ينضاف إلى مناقبه عليه السلام في الغزوات، ويماثل فضائله في الجهاد، وما توحد به في معناه من كافة العباد، وذلك أن أصحاب السير ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا إذا جاء أعرابي فجثا بين يديه، ثم قال: إني جئت لأنصحك، قال: " وما نصيحتك؟ " قال: قوم من العرب قد عملوا على أن يبيتوك بالمدينة، ووصفهم له قال فأمر أمير المؤمنين عليه السلام أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المسلمون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن هذا عدو الله وعدوكم قد أقبل عليكم يزعم أنه يبيتكم بالمدينة، فمن للوادي؟ " فقام رجل من المهاجرين فقال: أنا له يا رسول الله، فناوله اللواء وضم إليه سبعمائة رجل، وقال له: " امض على اسم الله " فمضى فوافى القوم ضحوة فقالوا له: من الرجل؟ قالوا: رسول لرسول الله صلى الله عليه وآله، إما أن تقولوا: لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وإن محمدا عبده ورسوله، أو لأضربنكم بالسيف، قالوا له: ارجع إلى صاحبك فإنا في جمع لا تقوم له، فرجع الرجل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " من للوادي؟ " فقام رجل من المهاجرين فقال: أنا له يا رسول الله، قال: فدفع إليه الراية ومضى، ثم عاد بمثل ما عاد به صاحبه الأول، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

" أين علي بن أبي طالب؟ " فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أنا ذا يا رسول الله، قال:

" امض إلى الوادي " قال: نعم، وكانت له عصابة لا يتعصب بها حتى يبعثه النبي صلى الله عليه وآله في وجه شديد، فمضى إلى منزل فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها، فقالت:

أين تريد؟ وأين بعثك أبي؟ قال: إلى وادي الرمل، فبكت إشفاقا عليه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي على تلك الحال فقال لها: " مالك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلك؟

كلا انشاء الله " فقال له علي عليه السلام: لا تنفس علي بالجنة يا رسول الله، ثم خرج ومعه لواء النبي صلى الله عليه وآله فمضى حتى وافى القوم بسحر، فأقام حتى أصبح، ثم صلى بأصحابه الغداة، وصفهم صفوفا، واتكأ على سيفه مقبلا على العدو، فقال لهم: يا هؤلاء أنا رسول رسول الله إليكم، أن تقولوا: لا إله إلا الله، وإن محمدا عبده ورسوله، وإلا أضربنكم بالسيف، قالوا: ارجع كما رجع صاحباك قال: أنا أرجع؟ لا والله حتى تسلموا، أو أضربكم بسيفي هذا، أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فاضطرب القوم لما عرفوه، ثم اجترؤا على مواقعته فواقعهم عليه السلام فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزم المشركون، وظفر المسلمون، و حازوا الغنائم، وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله.

فروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان نبي الله صلى الله عليه وآله قائلا في بيتي إذا انتبه فزعا من منامه، فقلت له: الله جارك، قال: " صدقت الله جاري، لكن هذا جبرئيل عليه السلام يخبرني أن عليا عليه السلام قادم " ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه السلام، فقام المسلمون له صفين مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما بصر بالنبي صلى الله عليه وآله ترجل عن فرسه، وأهوى إلى قدميه يقبلهما، فقال له صلى الله عليه وآله: " اركب فإن الله تعالى ورسوله عنك راضيان " فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فرحا، وانصرف إلى منزله وتسلم المسلمون الغنائم. فقال النبي صلى الله عليه وآله لبعض من كان معه في الجيش:

" كيف رأيتم أميركم؟ " قالوا: لم ننكر منه شيئا إلا أنه لم يؤم بنا في صلاة إلا قرأ

فيها بقل هو الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله أسأله عن ذلك، فلما جاءه قال له: " لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلا بسورة الاخلاص؟ " فقال: يا رسول الله أحببتها، قال له النبي صلى الله عليه وآله: " فإن الله قد أحبك كما أحببتها " ثم قال له: " يا علي لولا أني أشفق أن تقول فيك طوائف ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملأ منهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ".

وقد ذكر كثير من أصحاب السير أن في هذه الغزاة نزل على النبي صلى الله عليه وآله:

" والعاديات ضبحا " إلى آخرها، فتضمنت ذكر الحال فيما فعله أمير المؤمنين عليه السلام فيها.

أقول: ذكر في إعلام الورى تلك القصة على هذا الوجه مع اختصار.

7 - تفسير فرات بن إبراهيم: فرات بن إبراهيم معنعنا عن ابن عباس قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر إلى غزوة ذات السلاسل فأعطاه الراية فردها، ثم دعا عمر فأعطاه الراية فردها، ثم دعا خالد بن الوليد فأعطاه الراية فرجع، فدعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأمكنه من الراية فسيرهم معه وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، قال: فانطلق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالعسكر وهم معه حتى انتهى إلى القوم، فلم يكن بينه وبينهم إلا جبل قال: فأمرهم أن ينزلوا في أسفل الجبل، فقام لهم: اركبوا دوابكم، فقال خالد بن الوليد: يا أبا بكر وأنت يا عمر ما ترون إلى هذا الغلام أين أنزلنا في واد كثير الحيات، كثير الهام، كثير السباع، نحن منه على إحدى ثلاث خصال: إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا، وإما حياة تعقرنا وتعقر دوابنا، وإما يعلم بنا عدونا فيقتلنا، قوموا بنا إليه قال:

فجاؤوا إلى علي عليه السلام وقالوا: يا علي أنزلتنا في واد كثير السباع، كثير الهام

كثير الحيات، نحن منه على إحدى ثلاث خصال: إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا، أو حياة تعقرنا وتعقر دوابنا، أو يعلم بنا عدونا فيبيتنا فيقتلنا، قال: فقال لهم علي عليه السلام: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وآله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا:

بلى، قال: فانزلوا، فرجعوا، قال: فأبوا أن ينقادوا، واستفزهم خالد ثانية، فقالوا له ذلك الكلام فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وآله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فانزلوا بارك الله فيكم، ليس عليكم بأس، قال: فنزلوا وهم مرعوبون، قال: وما زال علي ليلته قائما يصلي حتى إذا كان في السحر قال لهم: اركبوا بارك الله فيكم، قال: فركبوا وطلع الجبل حتى إذا انحدر على القوم فأشرف عليهم، قال لهم: انزعوا عكمة دوابكم، قال:

فشمت الخيل ريح الإناث فصهلت، فسمع القوم صهيل خيلهم فولوا هاربين قال: فقتل مقاتليهم، وسبا ذراريهم، قال: فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد " والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يخالط القوم ورب الكعبة " قال: وجاءت البشارة.

8 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد وجعفر بن محمد الفزاري معنعنا عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله قد أقرع بين أهل الصفة، فبعث منهم ثمانين رجلا، ومن غيرهم إلى بني سليم، وولى عليهم وانهزموا مرة بعد مرة، فلبث بذلك أياما يدعو عليهم، قال: ثم دعا بلالا فقال له: " ايتني ببردي النجراني، و

قناتي الخطية " فأتاه بهما فدعا عليا " وبعثه في جيش إليهم، وقال: " لقد وجهته كرارا غير فرار " قال: فسرح عليا قال: وخرج معه النبي صلى الله عليه وآله يشيعه فكأني انظر إليهم عند مسجد الأحزاب، وعلي على فرس أشقر وهو يوصيه ثم ودعه النبي صلى الله عليه وآله وانصرف، قال: وسار علي فيمن معه متوجها نحو العراق وظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه حتى أتى فم الوادي، ثم جعل يسير الليل ويكمن النهار، فلما دنا من القوم أمر أصحابه فعكموا الخيل وأوقفهم، وقال:

لا تبرحوا، وانتبذ أمامهم فرام بعض أصحابه الخلاف وأبى بعض حتى إذا طلع الفجر أغار عليهم علي، فمنحه الله أكتافهم وأظهره عليهم، فأنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله الآية: " والعاديات ضبحا " فخرج النبي صلى الله عليه وآله لصلاة الفجر وهو يقول: صبح والله جمع القوم، ثم صلى بالمسلمين فقرأ " والعاديات ضبحا " قال: فقتل منهم مائة وعشرين رجلا، وكان رئيس القوم الحارث بن بشر، و سبا منهم مائة وعشرين ناهدا.

بيان: الناهد: الجارية أول ما يرتفع ثديها.

9 - تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن محمد بن عمر الزهري معنعنا عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: بينما أجمع ما كنا حول النبي صلى الله عليه وآله ما خلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إذا أقبل أعرابي بدوي فتخطى صفوف المهاجرين و

الأنصار حتى جثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله فداك أبي وأمي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله:

عليك السلام من أنت يا أعرابي؟ قال: رجل من بني لجيم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ما وراك بما جاء لجيم؟ " قال: يا رسول الله خلفت خثعم و قد تهيأوا وعبأوا كتائبهم، وخلفت الرايات تخفق فوق رؤسهم، يقدمهم الحارث ابن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألون باللات والعزى أن لا يرجعوا حتى يردوا المدينة فيقتلوك ومن معك يا رسول الله، قال: فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وآله حتى أبكى جميع أصحابه، ثم قال: " يا معشر الناس سمعتم مقالة الاعرابي؟ " قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله، قال: " فمن منكم يخرج إلى هؤلاء القوم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله يفتح على يديه، وأضمن له على الله الجنة؟ قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول الله، قال: فقام النبي صلى الله عليه وآله على قدميه وهو يقول: " معاشر أصحابي هل سمعتم مقالة الاعرابي؟ " قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله، قال: " فمن منكم يخرج إليهم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله أن يفتح على يديه، وأضمن له على الله اثنى عشر قصرا في الجنة " قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول، قال: فبينما النبي صلى الله عليه وآله واقف إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وآله واقفا ودموعه تنحدر كأنها جمان انقطع سلكه على خديه لم يتمالك أن رمى بنفسه عن بعيره إلى الأرض ثم أقبل يسعى نحو النبي صلى الله عليه وآله يمسح بردائه الدموع عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله و هو يقول: ما الذي أبكاك؟ لا أبكى الله، عينيك يا حبيب الله، هل نزل في أمتك شئ من السماء؟ قال: " يا علي ما نزل فيهم إلا خير، ولكن هذا الاعرابي حدثني عن رجال خثعم بأنهم قد عبأوا كتائبهم، وخفقت الرايات فوق رؤسهم، يكذبون

قولي، ويزعمون أنهم لا يعرفون ربي، يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألون باللات والعزى لا يرجعون حتى يردوا المدينة فيقتلوني ومن معي وإني قلت لأصحابي: من منكم يخرج إلى هؤلاء القوم من قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله أن يفتح على يديه، وأضمن له على الله اثنى عشر قصرا في الجنة " فقال أمير المؤمنين علي بن أيي طالب عليه السلام: فداك أبي وأمي يا رسول الله صف لي هذه القصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا علي بناء هذه القصور لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ملاطها المسك الأذفر والعنبر، حصباؤها الدر والياقوت، ترابها الزعفران، كثبها الكافور، في صحن كل قصر من هذه القصور أربعة أنهار: نهر من عسل، ونهر من خمر، ونهر من لبن، ونهر من ماء محفوف بالأشجار والمرجان، على حافتي كل نهر من هذه الأنهار خيمة من درة بيضاء لا قطع فيها ولا فصل، قال لها: كوني، فكانت، يرى باطنها من ظاهرها، و ظاهرها من باطنها، في كل خيمة سرير مفصص بالياقوت الأحمر، قوائمها من الزبرجد الأخضر، على كل سرير حوراء من الحور العين، على كل حوراء سبعون حلة خضراء، وسبعون حلة صفراء ويرى مخ ساقها خلف عظمها وجلدها وحليها وحللها كما ترى الخمرة الصافية في الزجاجة البيضاء، مكللة بالجواهر لكل حوراء سبعون ذؤابة، كل ذؤابة بيد وصيف وبيد كل وصيف مجمر يبخر تلك الذؤابة يفوح من ذلك المجمر بخار لا يفوح بنار، ولكن بقدرة الجبار " قال: فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: فداك أمي وأبي يا رسول الله أنا لهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " يا علي هذا لك وأنت له أنجد إلى القوم " فجهزه رسول الله صلى الله عليه وآله في

خمسين ومائة رجل من الأنصار والمهاجرين، فقام ابن عباس رضي الله عنه و قال: فداك أبي وأمي يا رسول الله تجهز ابن عمي في خمسين ومائة رجل من العرب إلى خمسمائة رجل وفيهم الحارث بن مكيدة يعد بخمسمائة فارس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " امط عني يا ابن عباس، فوالذي بعثني بالحق لو كانوا على عدد الثرى وعلي وحده لاعطى الله عليهم النصر حتى يأتينا بسبيهم أجمعين " فجهزه النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: " اذهب يا حبيبي حفظ الله من تحتك ومن فوقك وعن يمينك وعن شمالك، الله خليفتي عليك " فسار علي عليه السلام بمن معه حتى نزلوا بواد خلف المدينة بثلاثة أميال يقال له: وادي ذي خشب، قال: فوردوا الوادي ليلا فضلوا الطريق، قال: فرفع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام رأسه إلى السماء وهو يقول: يا هادي كل ضال، ويا مفرج كل مغموم، لا تقو علينا ظالما، ولا تظفر بنا عدونا واعهدنا إلى سبيل الرشاد، قال: فإذا الخيل يقدح بحوافرها من الحجارة النار حتى عرفوا الطريق فسلكوه، فأنزل الله على نبيه محمد: " والعاديات ضبحا " يعنى الخيل " فالموريات قدحا " قال: قدحت الخيل بحوافرها من الحجارة النار " فالمغيرات صبحا " قال: صبحهم علي مع طلوع الفجر، وكان لا يسبقه أحد إلى الاذان، فلما سمع المشركون الاذان قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون راعي في رؤوس هذه الجبال يذكر الله، فلما أن قال: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون الراعي من أصحاب الساحر الكذاب، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقاتل حتى تطلع الشمس، وتنزل ملائكة النهار، قال:

فلما أن دخل النهار التفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى صاحب راية النبي صلى الله عليه وآله فقال له: ارفعها، فلما أن رفعها ورآها المشركون عرفوها، وقال

بعضهم لبعض: هذا عدوكم الذي جئتم تطلبونه، هذا محمد وأصحابه، قال: فخرج غلام من المشركين من أشدهم بأسا وأكفرهم كفرا فنادى أصحاب النبي: يا أصحاب الساحر الكذاب، أيكم محمد؟ فليبرز إلي فخرج إليه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: ثكلتك أمك أنت الساحر الكذاب، محمد جاء بالحق من عند الحق، قال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، أخو رسول الله، و ابن عمه، وزوج ابنته، قال: لك هذه المنزلة من محمد؟ قال له علي: نعم، قال:

فأنت ومحمد شرع واحد، ما كنت أبالي لقيتك أو لقيت محمدا ثم شد على علي و هو يقول:

لا قيت يا علي ضيغما * قرم كريم في الوغا ليث شديد من رجال خثعما * ينصر دينا معلما ومحكما فأجابه علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول:

لاقيت قرنا حدثا وضيغما. * ليثا شديدا في الوغا غشمشما أنا علي سأبير خثعما * بكل خطي يري النقع دما وكل صارم يثبت الضرب فينعما ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فاختلف بينهما ضربتان، فضربه علي عليه السلام ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى أمير المؤمنين عليه السلام: هل من مبارز؟ فبرز أخ للمقتول، وحمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام ضربة فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز؟

فبرز له الحارث بن مكيدة وكان صاحب الجمع، وهو يعد بخمسمائة فارس، وهو

الذي أنزل الله فيه: " إن الانسان لربه لكنود " قال: كفور " وإنه على ذلك لشهيد " قال: شهيد عليه بالكفر " وإنه لحب الخير لشديد " قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: يعني باتباعه محمدا. فلما برز الحارث حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز؟ فبرز إليه ابن عمه يقال له: عمرو بن الفتاك وهو يقول:

أنا عمرو وأبي الفتاك * وبيدي نصل سيف هتاك أقطع به الرؤس لمن أرى كذاك فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يقول:

هاكها مترعة دهاقا * كأس دهاق مزجت زعاقا أبى أمرؤ إذا ما لاقا * اقد الهام وأجد ساقا ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي عليه السلام ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي عليه السلام: هل من مبارز؟ فلم يبرز إليه أحد، فشد أمير المؤمنين عليه السلام عليهم حتى توسط جمعهم، فذلك قول الله: " فوسطن به جمعا "

فقتل علي عليه السلام مقاتليهم، وسبا ذراريهم، وأخذ أموالهم، وأقبل بسبيهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فخرج وجميع أصحابه حتى استقبل علي عليه السلام على ثلاثة أميال من المدينة، وأقبل النبي صلى الله عليه وآله يمسح الغبار عن وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بردائه، ويقبل بين عينيه ويبكي، وهو يقول: " الحمد الله يا علي الذي شد بك أزري، وقوي بك ظهري، يا علي إنني سألت الله فيك كما سأل أخي موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه أن يشرك هارون في أمره، وقد سألت ربي أن يشد بك أزري " ثم التفت إلى أصحابه وهو يقول: " معاشر أصحابي لا تلوموني في حب علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنما حبي عليا من أمر الله، و الله أمرني أن أحب عليا وأدنيه، يا علي من أحبك فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب الله أحبه الله وحقيق على الله أن يسكن محبيه الجنة، يا علي من أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أبغض الله أبغضه ولعنه، وحقيق على الله أن يقفه يوم القيامة موقف البغضاء ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا.

بيان: خفقت الراية تخفق بالضم والكسر: اضطربت، وآلى وتألى أي حلف والجمان بالضم جمع الجمانة، وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة. والملاط بالكسر الطين الذي يجعل بين سافتي البنا. وقال الفيروزآبادي: أنجد عرق، وأعان، و ارتفع، والدعوة: أجابها والنجدة: القتال، والشجاعة، والشدة، والضيغم:

الأسد. والقرم بالفتح: الفحل، والسيد. والغشمشم: من يركب رأسه فلا يثنيه عن مراده شئ.

أقول: إنما أوردت تلك الغزوة في هذا الموضع تبعا للمؤرخين، وقد مر أن المفيد رحمه الله ذكرها في موضعين غير هذا، والله أعلم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.