پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

24 - باب غزوة مؤتة وما جرى بعدها إلى غزوة ذات السلاسل 1

ج ۲۱، ص ۵۰–۶۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۱

وراوغهم حتى انحاز بالمسلمين منهزما، ونجا بهم من الروم، وأنفذ رجلا يقال له: عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وآله بالخبر، قال عبد الرحمن: فسرت إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما وصلت إلى المسجد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " على رسلك يا عبد الرحمن " ثم قال صلى الله عليه وآله: " أخذ اللواء زيد فقاتل به فقتل، رحم الله زيدا، ثم أخذ اللواء جعفر وقاتل وقتل، رحم الله جعفرا، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وقاتل فقتل، فرحم الله عبد الله " قال: فبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهم حوله فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: " وما يبكيكم؟ " فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا؟ فقال لهم صلى الله عليه وآله: " لا تبكوا فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكبها، وبنى مساكنها، وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا، ثم عاما فوجا فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا، و أطولها شمراخا، والذي بعثني بالحق نبيا ليجدن عيسى بن مريم في أمتي خلفا من حواريه " قال: وقال كعب بن مالك: يرثي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه والمستشهدين معه:

هدت العيون ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الضباب المخضل وكأن ما بين الجوانح والحشا * مما تأوبني شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا فتغير القمر المنير لفقدهم * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قوم بهم نصر الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل

قوم علا بنيانهم من هاشم * فرع أشم وسؤدد ما ينقل ولهديهم رضي الاله لخلقه * وبجدهم نصر النبي المرسل بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اغبر الزمان الممحل بيان: شاط فلان: هلك، وفي بعض النسخ بالسين المهملة، والسوط: الخلط وساطت نفسي: تقلصت، والأول أصح، قال في النهاية: في حديث زيد بن حارثة يوم مؤتة: إنه قاتل براية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى شاط في رماح القوم أي هلك.

وقال في جامع الأصول: أراد بالاقتحام هنا نزوله عن فرسه مسرعا.

وفي القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: حاد ومال، والمراوغة:

المصارعة، وأن يطلب بعض القوم بعضا، وقال: انحاز عنه: عدل، والقوم: تركوا مراكزهم. والراكب والراكبة والراكوب والراكوبة والركابة: فسيلة في أعلى النخل متدلية لا تبلغ الأرض. قوله: وحلق سعفها بالحاء المهملة، أي أزال زوائدها أو بالمعجمة من خلق العود بتخفيف اللام وتشديده: إذا سواه. والسح: الصب والسيلان من فوق. والضباب: ندي كالغيم، أو سحاب رقيق، وفي رواية ابن أبي الحديد: " الرباب " مكان " الضباب " وهو السحاب الأبيض. وأخضله: بله. وتأو به:

أناه ليلا. وفرع كل شئ: أعلاه، ومن القوم: شريفهم، والشمم: ارتفاع في الجبل. والأشم: السيد ذو الآنفة. والنفل: العطاء، وانتفل: طلب، ومنه تبرأ وانتفى وفي بعض النسخ بالغين من نغل الأديم كفرح: إذا فسد، وفي بعضها بالقاف.

2 - الخرائج: روي أنه لما قتل زيد بن حارثة بمؤتة قال صلى الله عليه وآله بالمدينة: " قتل

زيد وأخذ الراية جعفر " ثم قال: " قتل جعفر " وتوقف وقفة ثم قال: " وأخذ الراية عبد الله بن رواحة " وذلك أن عبد الله لم يسارع في أخذ الراية كمسارعة جعفر ثم قال: " وقتل عبد الله " ثم قام النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت جعفر إلى أهله، ثم جاءت الاخبار بأنهم قد قتلوا على تلك الهيئة.

3 - الخرائج: روي أنه لما بعث النبي صلى الله عليه وآله عسكرا إلى مؤتة ولى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه، وقال: " إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب وإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد الله بن رواحة الأنصاري " وسكت، فلما ساروا وقد حضر هذا الترتيب في الولاية من رسول الله صلى الله عليه وآله قال رجل من اليهود: إن كان محمد نبيا كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة، فقيل له: لم قلت هذا؟ قال: لان أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا بعث نبي منهم بعثا في الجهاد فقال: إن قتل فلان فالوالي فلان بعده عليكم، فإن سمى للولاية كذلك اثنين أو مائة أو أفل أو أكثر قتل جميع من ذكر فيهم الولايات، قال جابر: فلما كان اليوم الذي وقع فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه وآله بنا الفجر ثم صعد المنبر فقال: " قد التقى إخوانكم من المشركين للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال:

" قتل زيد بن حارثة وسقطت الراية " ثم قال: " قد أخذها جعفر بن أبي طالب و تقدم للحرب بها " ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الأخرى " ثم قال: " قطعت يده الأخرى وقد أخذ الراية في صدره " ثم قال: " قتل جعفر بن أبي طالب وسقطت الراية، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من

المشركين كذا وقتل من المسلمين كذا فلان وفلان " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم، ثم قال: " قتل عبد الله بن رواحة، وأخذ الراية خالد ابن الوليد فانصرف المسلمون " ثم نزل عن المنبر وصار إلى دار جعفر فدعا عبد الله بن جعفر فأقعده في حجره، وجعل يمسح على رأسه، فقالت والدته أسماء بنت عميس: يا رسول الله إنك لتمسح على رأسه كأنه يتيم، قال: قد استشهد جعفر في هذا اليوم، ودمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: قطعت يداه قبل أن استشهد وقد أبدله الله من يديه جناحين من زمرد أخضر فهو الآن يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء.

4 - المحاسن: النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: لما كان يوم مؤتة كان جعفر على فرسه، فلما التقوا نزل عن فرسه فعرقبها بالسيف وكان أول من عرقب في الاسلام، 5 - الكافي: علي، عن أبيه، عن النوفلي مثله.

6 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات جعفر بن أبي طالب أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لاسماء بنت عميس وتأتيها و نساؤها ثلاثة أيام فجرت بذلك السنة أن يصنع لأهل الميت ثلاثة أيام طعام.

المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير مثله.

الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري وهشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

6 - المحاسن: بعض أصحابنا، عن العباس بن موسى بن جعفر قال: سألت أبي عليه السلام عن المأتم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إليه قتل جعفر بن أبي طالب دخل على أسماء بنت عميس امرأة جعفر فقال: أين بني؟ فدعت بهم وهم ثلاثة: عبد الله وعون ومحمد، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله رؤوسهم فقالت: إنك تمسح رؤوسهم كأنهم أيتام، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من عقلها فقال: " يا أسماء ألم تعلمي أن جعفرا رضوان الله عليه استشهد " فبكت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تبكي فإن الله أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر " فقالت: يا رسول الله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من عقلها، ثم قال: " ابعثوا إلى أهل جعفر طعاما " فجرت السنة.

7 - من لا يحضره الفقيه: قال الصادق عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه وآله حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا، ويقول: كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعا.

8 - إعلام الورى: وكانت غزوة موتة في جمادى من سنة ثمان بعث جيشا عظيما، و أمر على الجيش زيد بن حارثة، ثم قال: فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون واحدا فليجعلوه عليهم.

وفي رواية أبان بن عثمان، عن الصادق عليه السلام أنه استعمل عليهم جعفرا فإن قتل فزيد فان قتل فابن رواحة، ثم خرجوا حتى نزلوا معان فبلغهم أن هرقل ملك

الروم قد نزل بمأرب في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة.

وفي كتاب أبان بن عثمان: بلغهم كثرة عدد الكفار من العرب والعجم من لخم وحذام وبلي وقضاعة وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها: المشارف، و إنما سميت السيوف المشرفية لأنها طبعت لسليمان بن داود بها، فأقاموا بمعان يومين، فقالوا: نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنخبره بكثرة عدونا حتى يري في ذلك رأيه، فقال عبد الله بن رواحة: يا هؤلاء إنا والله ما نقاتل الناس بكثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فقالوا: صدقت، فتهيأوا وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شرف ثم انحاز المسلمون إلى مؤنة قرية فوق الأحساء.

وعن أنس بن مالك قال: نعى النبي صلى الله عليه وآله جعفرا وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجئ خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح.

قال أبان: وحدثني الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة: خمس وعشرون منها في وجهه.

قال عبد الله بن جعفر: أنا أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على أمي فنعى لها أبي: فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته، ثم قال: " اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته " ثم قال: " يا أسماء

ألا أبشرك؟ " قالت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، قال: " إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة " قالت: فأعلم الناس ذلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي إلى المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه، فقال: " إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد، وجعل له جناحان يطير بهما في الجنة " ثم نزل صلى الله عليه وآله ودخل بيته ، و أدخلني معه، وأمر بطعام يصنع لأجلي، وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداء طيبا مباركا، وأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه ثم رجعنا إلى بيتنا فأتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أساوم شاه أخ لي، فقال: " اللهم بارك له في صفقته " قال عبد الله: فما بعث شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه.

قال الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: اذهبي فابكي على ابن عمك فإن لم تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت.

وذكر محمد بن إسحاق، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون معه فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليسوا بفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله.

بيان: قال الفيروزآبادي: المعان: موضع بطريق حاج الشام، وقال:

مؤتة: موضع بمشارف الشام قتل فيه جعفر بن أبي طالب، وفيه كان تعمل السيوف.

قوله صلى الله عليه وآله: إن المرء كثير لعل المراد بالكثرة هنا العزة كما يكنى عن الذلة بالقلة، أي عزة المرء وكثرة أعوانه إنما يكون بأخيه وابن عمه. قوله:

إن لم تدعي بثكل، أي لا تقولي وا ثكلاه، ثم كل ما قلت فيه من الفضائل فقد صدقت، لكثرة فضائله، وقيل: المعنى لا تقولي إلا صدقا ولا يخفى بعده.

9 - الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد الميثمي عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد إذ خفض له كل رفيع، ورفع له كل خفيض، حتى نظر إلى جعفر يقاتل الكفار. قال: فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قتل جعفر. وأخذه المغص في بطنه.

بيان: المغص بالفتح ويحرك: وجع في البطن، والأظهر إرجاع الضمير في " أخذه " إلى النبي صلى الله عليه وآله، وإرجاعه إلى جعفر بعيد.

أقول: سيأتي بعض أخبار شهادته عليه السلام في باب فضائله.

10 - وروى في جامع الأصول عن ابن عمر قال: أمر النبي صلى الله عليه وآله في غزوة موتة زيد بن حارثة، فقال: " إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفرا فوجدناه في القتلى ووجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية.

وفي رواية أخرى أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره.

11 - وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى الواقدي عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الحارث بن عمير الأزدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأمر به فأوثق رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وآله رسول غيره، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فاشتد عليه وندب الناس وأخبرهم بقتل الحارث فأسرعوا وخرجوا فعسكروا بالجرف فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر جلس وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

" زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فان أصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم " فقال النعمان بن مهض: يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسيصاب من سميت قليلا كانوا أو كثيرا، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أصيب فلان، فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة: أعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا، قال: زيد: أشهد أنه نبي صادق، فلما أجمعوا المسير وعقد رسول الله صلى الله عليه وآله لهم اللواء بيده دفعه إلى زيد بن حارثة، وهو لواء أبيض، ومشى الناس إلى امراء رسول الله صلى الله عليه وآله يودعونهم ويدعون لهم وكانوا ثلاثة آلاف فلما ساروا في معسكرهم ناداهم المسلمون:

دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.

قلت: اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة هو كان الأمير الأول، و أنكرت الشيعة وقالوا: كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول، فإن قتل فزيد ابن حارثة، فان قتل فعبد الله، ورووا في ذلك روايات.

وروى الواقدي باسناده عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطبهم فأوصاهم فقال: " أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، و اكفف عنهم: ادعهم إلى الدخول في الاسلام فان فعلوه فاقبل واكفف، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين وإن دخلوا في الاسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفئ ولا في الغنيمة شئ إلا أن

يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.

قال الواقدي: وروى أبو صفوان عن خالد بن بريد قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله، فقال: " اغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف، لا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا، ولا كبيرا فانيا، ولا تقطعن نخلا ولا شجرا، ولا تهد من بناء " قال: فلما ودع عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: مرني بشئ أحفظه عنك، قال: " إنك قادم غدا بلدا السجود به قليل فأكثر السجود " فقال: عبد الله: زدني يا رسول الله، قال، " أذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب " فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع، فقال: يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر، فقال: " يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجز - إن أسأت عشرا - أن تحسن واحدة " فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شئ بعدها.

قال الواقدي: ومضى المسلمون ونزلوا وادي القرى فأقاموا به أياما وساروا حتى نزلوا بمؤتة، وبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل ماء من مياه البلقاء في بكر وبهراء ولخم وجذام وغيرهم مائة ألف مقاتل، وعليهم رجل من بلي، فأقام المسلمون ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنخبره الخبر، فإما أن يردنا أو يزيدنا رجلا، فبينا الناس على ذلك إذ جاءهم عبد الله بن رواحة فشجعهم وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا كثرة سلاح ولا كثرة خيل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، انطلقوا فقاتلوا فقد والله رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، إنما هي إحدى الحسنين: إما الظهور عليهم فذاك ما وعدنا الله ورسوله وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالاخوان نرافقهم في الجنان فشجع الناس على قول ابن رواحة.

قال: وروى أبو هريرة قال: شهدت مؤتة، فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري فقال لي ثابت بن أقرم: مالك يا با هريرة؟ كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة.

قال: الواقدي: فالتقى القوم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل، طعنوه بالرماح، ثم أخذه جعفر فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فقاتل حتى قتل، قيل:

إنه ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم هناك، فوجد فيه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا.

قال: وقد روى نافع، عن ابن عمر أنه وجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان وسبعون ضربة وطعنة بالسيوف والرماح.

وقال البلاذري: قطعت يداه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة " ولذلك سمي الطيار.

قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيرا ثم حمل فقاتل حتى قتل، فلما قتل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه، ثم تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أقرم وجعل يصيح: يا للأنصار، فثاب إليهم منهم قليل، فقال لخالد بن الوليد: خذ اللواء يا أبا سليمان، قال خالد: لا بل خذه أنت فلك سن وقد شهدت بدرا، قال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد و حمل به ساعة وجعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير، فانحاز بالمسلمين وانكشفوا راجعين.

قال الواقدي، وقد روي أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا، والصحيح أن خالدا انهزم بالناس.

وروى محمد بن إسحاق قال: لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية قاتل قتالا شديدا حتى إذا أثخنه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر عليه السلام أول رجل عقر في الاسلام.

قال الواقدي: وقال عبيد الله بن عبد الله: ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقوهم بالشر حتى أن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله فيدق عليهم فيأبون أن يفتحوا له، يقولون ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت، وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس، حتى أرسل النبي صلى الله عليه وآله رجلا رجلا يقول لهم: أنتم الكرار في سبيل الله فخرجوا.

وروى الواقدي بإسناده عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وقد منأت أربعين منا من ادم وعجنت عجيني، وأخذت بني فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أسماء أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه فضمهم وشمهم ثم ذرفت عيناه فبكى، فقلت يا رسول الله لعله بلغك عن جعفر شئ؟ قال: نعم إنه قتل اليوم فقمت أصيح واجتمعت إلي النساء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا أسماء لا تقولي هجرا ولا تضربي صدرا، ثم خرج حتى دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وهي تقول: وا عماه فقال: " على مثل جعفر فلتبك الباكية " ثم قال: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم ".

وروى أبو الفرج في كتاب مقاتل الطالبيين أن كنية جعفر بن أبي طالب أبو - المساكين، وكان ثالث الاخوة من ولد أبي طالب، أكبرهم طالب، وبعده عقيل، و بعده جعفر، وبعده علي عليه السلام وكل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين، وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وفضلها كثير، وقربها من رسول الله صلى الله عليه وآله وتعظيمه لها معلوم عند أهل الحديث: قال أبو الفرج: ولجعفر عليه السلام فضل وقد ورد فيه حديث كثير من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وآله، وجعل يقبل بين عينيه، ويقول: " ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا؟ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ".

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير الناس حمزة وجعفر وعلي عليهم السلام.

قال: وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله:

خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة. أو قال: من طينة واحدة.

وبالاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كانت سن جعفر عليه السلام يوم قتل إحدى و أربعين سنة.

وقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مثل لي جعفر وزيد وعبد الله في خيمة من در كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، فسألت فقيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا وصدا بوجههما، وأما جعفر فلم يفعل.

وروى الشعبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: كنت إذا سألت عمي عليا عليه السلام شيئا فمنعني أقول له: بحق جعفر فيعطيني.

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أتاه قتل جعفر وزيد بمؤتة بكى وقال: أخواي ومونساي ومحدثاي.

12 - وقال الكازروني بعد إيراد غزوة موتة في حوادث السنة الثامنة: وفي هذه السنة كانت سرية الخبط، روي عن جابر بن عبد الله قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح في طلب عير قريش، فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا وأكلنا الخبط، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها: العنبر فأكلنا منها نصف شهر حتى صلحت أجسامنا، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعها فنصبها، ونظر إلى أطول بعير في الجيش، وأطول رجل فحمله عليه فجاز تحته، . وقد كان رجل نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم نهاه عنه أبو عبيدة. وكانوا يرونه قيس بن سعد.

أقول: وروى في جامع الأصول بأسانيد عن أسامة بن زيد قال: بعثنا

رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحرقات، فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وآله فقال: " يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله "؟

قلت، إنما كان متعوذا، فقال: " أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ " فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم وفي رواية أخرى قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وآله فقال: " أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟ " قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح؟ قال: " أفلا شققت قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ " فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.

أقول: أورد تلك القصة بعد غزوة مؤتة.

بيان: في النهاية: الضارع: النحيف الضاوي الجسم، يقال ضرع يضرع فهو.

ضارع وضرع بالتحريك، وقال: منأت الأديم: إذا ألقيته في الدباغ، ويقال له ما دام في الدباغ: منيئة، ومنه حديث أسماء بنت عميس وهي تمعس منيئة لها، وفي القاموس: صد عنه صدودا: أعرض، وقال: الخبط محركة: ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن بدقيق أو غيره ويوخف بالماء فيؤجره الإبل، وكل ورق مخبوط والجزائر جمع الجزور وهو البعير.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.