بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 25 قصص أرميا ودانيال وعزير وبخت نصر 1 الآيات، البقرة 2
ج ۱۴، ص ۳۵۰–۳۷۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
الاسراء " 17 " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين و
لتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا 4 7.
تفسير: قال البيضاوي: " وقضينا " أي أوحينا إليهم قضاء مقضيا في التوراة " مرتين " إفسادتين: أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقتل إرميا، وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليه السلام " وعد أولهما " أي وعد عقاب أولاهما " عبادا لنا " بخت نصر عامل لهراسف إلى بابل وجنوده، وقيل: جالوت، وقيل: سخاريب من أهل نينوى " فجاسوا " ترددوا لطلبكم " خلال الديار " وسطها للقتل والغارة " الكرة " أي الدولة والغلبة " عليهم " على الذين بعثوا عليكم وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن إسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم فرد أسراءهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر، أو بأن سلط داود على جالوت فقتله. والنفير من ينفر مع الرجل من قومه " فإذا جاء وعد الآخرة " وعد عقوبة المرة الآخرة " ليسوءوا وجوهكم " أي بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها " وليتبروا " ليهلكوا " ما علوا " ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم، وذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه
جوذر، وقيل: خردوس، قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا، فقال: ما صدقوني، فقتل عليه ألوفا منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا، فقالوا: إنه دم يحيى، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي منكم أحدا، فسكن. وقال الطبرسي رحمه الله: اختلف المفسرون في الكرتين، قالوا: لما عتا بنو إسرائيل في المرة الأولى سلط الله عليهم ملك فارس، وقيل: بخت نصر ، وقيل: ملكا من ملوك بابل، فخرج إليهم وحاصرهم وفتح بيت المقدس، وقيل: إن بخت نصر ملك بابل بعد سخاريب وكان من جيش نمرود، وكان لزنية لا أب له، فظهر على بيت المقدس وخرب المسجد، وأحرقت التوراة، وألقى الجيف في المسجد، وقتل على دم يحيى عليه السلام سبعين ألفا وسبى ذراريهم، وأغار عليهم، وأخرج أموالهم، وسبى سبعين ألفا وذهب بهم إلى بابل، وبقوا في مدة مائة سنة تستعبدهم المجوس وأولادهم، ثم تفضل الله عليهم بالرحمة وأمر ملكا من ملوك فارس عارفا بالله سبحانه فردهم إلى بيت المقدس، فأقامهم به مائة سنة على الطريقة المستقيمة والطاعة، ثم عادوا إلى الفساد والمعاصي، فجاءهم ملك من ملوك الروم اسمه انطياخيوس فخرب بيت المقدس وسبى أهله، وقيل: غزاهم ملك الرومية وسباهم، عن حذيفة، وقال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل يعصون الله تعالى وفيهم الاحداث، والله يتجاوز عنهم، وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أن الله بعث إليهم شعيا قبل مبعث زكريا، وكان لبني إسرائيل ملك كان شعيا يرشده ويسدده، فمرض الملك وجاء
سخاريب إلى باب بيت المقدس بستمائة ألف راية، فدعا الله شعيا فبرئ الملك ومات جمع سخاريب ولم ينج منهم إلا خمسة نفر، منهم سخاريب، فهرب وأرسلوا خلفه من أخذه ثم أمر الله بإطلاقه ليخبر قومه بما نزل بهم فأطلقوه وملك سخاريب بعد ذلك سبع سنين، واستخلف بخت نصر ابن ابنه فلبث سبع عشرة سنة، وهلك ملك بني إسرائيل ومرج أمرهم وتنافسوا في الملك، وقتل بعضهم بعضا، فقام شعيا فيهم خطيبا فوعظهم فهموا بقتله فهرب ودخل شجرة فقطعوا الشجرة بالمنشار، فبعث الله إليهم أرميا من سبط هارون ثم خرج من بينهم لما رأى من أمرهم، ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس وفعل ما فعل ثم رجع إلى بابل بسبايا بني إسرائيل، فكانت هذه الدفعة الأولى، وقيل أيضا: إن سبب ذلك كان قتل يحيى بن زكريا عليه السلام وإنه دم يحيى لم يزل يغلي حتى قتل بخت نصر منهم سبعين ألفا أو اثنين وسبعين ألفا، ثم سكن الدم، وذكر الجميع أن يحيى بن زكريا عليه السلام هو المقتول في الفساد الثاني، قال مقاتل: وكان بين الفساد الثاني والأول مائتا سنة وعشر سنين، وقيل: إنما غزا بني إسرائيل في المرة الأولى بخت نصر، والمرة الثانية ملوك فارس والروم، وذلك حين قتلوا يحيى عليه السلام فقتلوا منهم مائة ألف وثمانين ألفا، وخرب بيت المقدس، فلم يزل بعد ذلك خرابا حتى بناه عمر بن الخطاب، فلم يدخله بعد ذلك رومي إلا خائفا، وقيل: إنما غزاهم في المرة الأولى جالوت، وفي الثانية بخت نصر.
انتهى. وقال صاحب الكامل: ما روي من أن بخت نصر هو الذي خرب بيت المقدس و قتل بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عليه السلام باطل عند أهل السير والتواريخ وأهل العلم بأمور الماضين، وذلك بأنهم مجمعون على أن بخت نصر غزا بني إسرائيل عند قتل نبيهم شعيا في عهد أرميا، وبين عهد أرميا وقتل يحيى أربعمائة سنة وإحدى و
ستون سنة عند اليهود والنصارى، ويذكرون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم، ويوافقهم المجوس في مدة غز وبخت نصر بني إسرائيل إلى موت الإسكندر، ويخالفهم في مدة ما بين موت الإسكندر ومولد يحيى فيزعمون أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة.
انتهى. أقول: ستعرف أن أخبارنا أيضا مختلفة في ذلك، لأنه يظهر من خبر ابن عمارة وخبر ملاقاة داود دانيال وغيرهما كون بخت نصر متصلا بزمان سليمان عليه السلام، ويظهر من خبر هارون بن خارجة وأبي بصير وغيرهما كون خروج بخت نصر بعد قتل يحيى عليه السلام ولا يبعد كون بخت نصر معمرا وكذا دانيال فيكونا قد أدركا الوقتين معا، ويمكن أن يكون إحداهما محمولة على التقية، والأخبار الدالة على كون خروجه بعد قتل يحيى عليه السلام أقوى سندا وقد سبق بعضها في قصة يحيى والله يعلم.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما عملت بنو إسرائيل بالمعاصي وعتوا عن أمر ربهم أراد الله أن يسلط عليهم من يذلهم ويقتلهم، فأوحى الله إلى أرميا يا أرميا مابلد انتخبته من بين البلدان وغرست فيه من كرائم الشجر فأخلف فأنبت خرنوبا؟ فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له: راجع ربك ليخبرنا ما معنى هذا المثل، فصام أرميا سبعا فأوحى الله إليه: يا أرميا أما البلد فبيت المقدس، وأما ما أنبت فيه فبنو إسرائيل الذين أسكنتهم فيها، فعملوا بالمعاصي، وغيروا ديني، وبدلوا نعمتي كفرا، فبي حلفت لأمتحننهم بفتنة يظل الحكيم فيها حيران، ولأسلطن عليهم شر عبادي ولادة وشرهم طعاما، فليتسلطن عليهم بالجبرية فيقتل مقاتليهم، ويسبي حريمهم، ويخرب بيتهم الذي يعتزون به، ويلقي حجرهم الذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة، فأخبر أرميا أحبار بني إسرائيل فقالوا له: راجع ربك فقل له: ما ذنب الفقراء والمساكين والضعفاء؟ فصام أرميا سبعا ثم أكل أكلة فلم يوح إليه شئ، ثم صام سبعا وأكل أكلة ولم يوح إليه شئ، ثم صام سبعا فأوحى الله إليه: يا أرميا لتكفن عن هذا أو لأردن وجهك إلى قفاك، قال: ثم أوحى الله إليه: قل لهم: لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فقال أرميا: رب أعلمني من هو حتى آتيه وآخذ لنفسي وأهل بيتي منه أمانا، قال: ايت موضع كذا وكذا، فانظر إلى غلام أشدهم زمانة، وأخبثهم ولادة، وأضعفهم جسما، وأشرهم غذاء فهو ذاك، فأتى أرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان، وإذا له أم تزبي بالكسر، وتفت الكسر في القصعة، وتحلب عليه خنزيرة لها، ثم تدنيه من ذلك الغلام فيأكله، فقال أرميا: إن كان في الدنيا الذي وصفه الله فهو هذا، فدنا منه فقال له: ما اسمك؟ فقال: بخت نصر، فعرف أنه هو، فعالجه حتى برئ، ثم قال له: أتعرفني
قال: لا، أنت رجل صالح، قال: أنا أرميا نبي بني إسرائيل، أخبرني الله أنه سيسلطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم، وتفعل بهم كذا وكذا قال: فتاه في نفسه في ذلك الوقت .
ثم قال أرميا: اكتب لي كتابا بأمان منك، فكتب له كتابا، وكان يخرج في الجبل ويحتطب ويدخله المدينة ويبيعه، فدعا إلى حرب بني إسرائيل وكان مسكنهم في بيت المقدس، وأقبل بخت نصر فيمن أجابه نحو بيت المقدس، وقد اجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ أرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له ومعه الأمان الذي كتبه له بخت نصر، فلم يصل إليه أرميا من كثرة جنوده وأصحابه، فصير الأمان على قصبة أو خشبة ورفعها، فقال: من أنت؟ فقال: أنا أرميا النبي الذي بشرتك بأنك سيسلطك الله على بني إسرائيل وهذا أمانك لي، قال: أما أنت فقد آمنتك، وأما أهل بيتك فإني أرمي من ههنا إلى بيت المقدس فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي، وإن لم تصل فهم آمنون، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشابة حتى علقتها في بيت المقدس، فقال: لا أمان لهم عندي، فلما وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة وإذا دم يغلي وسطه، كلما ألقي عليه التراب خرج وهو يغلي، فقال:
ما هذا؟ فقالوا: هذا نبي كان لله فقتله ملوك بني إسرائيل ودمه يغلي، وكلما ألقينا عليه التراب خرج يغلي، فقال بخت نصر: لأقتلن بني إسرائيل أبدا حتى يسكن هذا الدم، وكان ذلك الدم دم يحيى بن زكريا عليه السلام، وكان في زمانه ملك جبار يزني بنساء بني إسرائيل، وكان يمر بيحيى بن زكريا عليه السلام فقال له يحيى: اتق الله أيها الملك لا يحل لك هذا، فقالت له مرأة من اللواتي كان يزني بهن حين سكر: أيها الملك اقتل يحيى، فأمر أن يؤتى برأسه فأتوا برأس يحيى عليه السلام في الطست، وكان الرأس يكلمه
ويقول له: يا هذا اتق الله لا يحل لك هذا، ثم غلى الدم في الطست حتى فاض إلى الأرض فخرج يغلي ولا يسكن، وكان بين قتل يحيى وخروج بخت نصر مائة سنة، ولم يزل بخت نصر يقتلهم، وكان يدخل قرية قرية فيقتل الرجال والنساء والصبيان وكل حيوان والدم يغلي حتى أفنى من ثم، فقال: بقي أحد في هذه البلاد؟ قالوا: عجوز في موضع كذا وكذا، فبعث إليها فضرب عنقها على الدم فسكن، وكانت آخر من بقي.
ثم أتى بابل فبنى بها مدينة وأقام وحفر بئرا فألقى فيها دانيال وألقى معه اللبوة، فجعلت اللبوة تأكل طين البئر ويشرب دانيال لبنها، فلبث بذلك زمانا، فأوحى الله إلى النبي الذي كان ببيت المقدس أن اذهب بهذا الطعام والشراب إلى دانيال واقرأه مني السلام، قال: وأين دانيال يا رب؟ فقال: في بئر بابل في موضع كذا وكذا. قال:
فأتاه فأطلع في البئر فقال: يا دانيال، قال: لبيك صوت غريب، قال: إن ربك يقرؤك السلام وقد بعث إليك بالطعام والشراب، فدلاه إليه، قال: فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، الحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، الحمد لله الذي يكشف ضرنا عند كربتنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين ينقطع الحيل منا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ساء ظننا بأعمالنا.
قال: فأري بخت نصر في نومه كأن رأسه من حديد، ورجليه من نحاس، وصدره من ذهب، قال: فدعا المنجمين فقال لهم: ما رأيت؟ فقالوا: ما ندري ولكن قص علينا ما
رأيت في المنام، فقال: وأنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون ما رأيت في المنام؟ فأمر بهم فقتلوا، قال: فقال له بعض من كان عنده: إن كان عند أحد شئ فعند صاحب الجب، فإن اللبوة لم تتعرض له، وهي تأكل الطين وترضعه، فبعث إلى دانيال فقال: ما رأيت في المنام؟ فقال: رأيت كأن رأسك من حديد، ورجليك من نحاس، و صدرك من ذهب قال: هكذا رأيت فما ذاك؟ قال: قد ذهب ملكك وأنت مقتول إلى ثلاثة أيام يقتلك رجل من ولد فارس، قال : فقال له: إن علي لسبع مدائن، على باب كل مدينة حرس، وما رضيت بذلك حتى وضعت بطة من نحاس على باب كل مدينة لا يدخل غريب إلا صاحت عليه حتى يؤخذ، قال: فقال له: إن الامر كما قلت لك، قال:
فبث الخيل وقال: لا تلقون أحدا من الخلق إلا قتلتموه كائنا من كان، وكان دانيال جالسا عنده، وقال: لا تفارقني هذه الثلاثة الأيام، فإن مضت قتلتك، فلما كان في اليوم الثالث ممسيا أخذه الغم فخرج فتلقاه غلام كان اتخذه ابنا له من أهل فارس وهو لا يعلم أنه من أهل فارس فدفع إليه سيفه وقال له: يا غلام لا تلقى أحدا من الخلق إلا وقتلته وإن لقيتني أنا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بخت نصر ضربة فقتله.
فخرج أرميا على حماره ومعه تين قد تزوده وشئ من عصير، فنظر إلى سباع البر و سباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقد أكلتهم السباع؟ فأماته الله مكانه وهو قول الله تبارك وتعالى: " أو
كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أي أحياه، فلما رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر رد بني إسرائيل إلى الدنيا وكان عزير لما سلط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي أرميا ميتا مائة سنة، ثم أحياه الله فأول ما أحيا منه عينيه في مثل غرقئ البيض، فنظر فأوحى الله تعالى إليه: " كم لبثت قال لبثت يوما " ثم نظر إلى الشمس وقد ارتفعت فقال: " أو بعض يوم " فقال الله تبارك وتعالى: " بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم يتغير " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا وههنا ويلتزق بها حتى قام وقام حماره فقال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير " بيان: قوله: (فأخلف) أي فسد، من قولهم: أخلف الطعام: إذا تغير طعمه و رائحته، وأخلف فلان أي فسد، أو لم يأت بما هو عادته، من قولهم: أخلف الوعد، أو من قولهم: أخلفت النجوم: أمحلت فلم يكن فيها مطر، ويحتمل أن يكون المراد تغير أهل القرية وفسادهم. والكسر: كعنب جمع الكسرة أي الخبز المتكسر اليابس. قوله:
(فتاه) أي تكبر أو تحير. والنشاب: النبل. واللبوة: الأنثى من الأسد.
قوله: (وكان عزير) هذا إنكار لما ذكره الأكثر من أن القائل كان عزيرا. و الغرقئ كزبرج: القشرة الملتزقة ببياض البيض، أو البياض الذي يؤكل.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أو كالذي مر على قرية ": وهو عزير، عن قتادة وعكرمة والسدي وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: هو أرميا، عن وهب، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: هو الخضر عن ابن إسحاق، والقرية التي
مر عليها هي بيت المقدس لما خربه بخت نصر، عن وهب وقتادة والربيع وعكرمة، وقيل هي الأرض المقدسة، عن الضحاك، وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت عن أبي زيد " وهي خاوية على عروشها " أي خالية، وقيل: خراب، وقيل: ساقطة على أبنيتها وسقوفها، كأن السقوف سقطت ووقع البنيان عليها " قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها " أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها؟ وقيل: كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا؟
ولم يقل ذلك إنكارا ولا تعجبا ولا ارتيابا، ولكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أحياه " قال كم لبثت " في التفسير أنه سمع نداء من السماء: كم لبثت؟ يعني في منامك، وقيل: إن القائل له نبي، وقيل:
ملك، وقيل: بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه " قال لبثت يوما أو بعض يوم " لان الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: " يوما " ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: " أو بعض يوم " ثم قال: " بل لبثت مائة عام " معناه بل لبثت في مكانك مائة سنة " فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " أي لم تغيره السنون وإنما قال: " لم يتسنه " على الواحد لأنه أراد جنس الطعام والشراب، وقيل: أراد به الشراب، لأنه أقرب المذكورين إليه، وقيل: أراد عصيرا وتينا وعنبا، وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا وفسادا، فوجد العصير حلوا، والتين والعنب كما جنيا لم يتغيرا " وانظر إلى حمارك " كيف تفرقت أجزاؤه، وتبددت عظامه، ثم انظر كيف يحييه الله، وإنما قال ذلك ليستدل بذلك على طول مماته " ولنجعلك آية للناس " فعلنا ذلك، وقيل معناه: فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت " ولنجعلك آية للناس " أي حجة للناس في البعث " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " كيف نحييها، وبالزاي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض " ثم نكسوها " أي نلبسها " لحما " و اختلف فيه فقيل: أراد عظام حماره، وقيل: أراد عظامه، قالوا: أول ما أحيا الله منه عينه، وهو في مثل غرقئ البيض، فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفرقة تجتمع إليه، وإلى اللحم
الذي قد أكلته السباع تأتلف إلى العظام من ههنا ومن ههنا، وتلتزق بها حتى قام وقام حماره " فلما تبين له " يعني ظهر وعلم، وقيل: إنه رجع وقد أحرق بخت نصر التوراة فأملاها من ظهر قلبه، فقال رجل منهم: حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى فما اختلفا في حرف، فقالوا: فما جعل الله التوراة في قلبه إلا وهو ابنه، فقالوا: " عزير ابن الله " فقال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير " أي لم أقل ما قلت عن شك وارتياب، أو أنه ازداد لما عاين وشاهد يقينا وعلما، إذ كان قبل ذلك علم استدلال فصار علم ضرورة ومعاينة.
2 - الخصال: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فأما المؤمنان: فسليمان بن داود وذو القرنين عليهما السلام والكافران: نمرود وبخت نصر.
3 - الإحتجاج: هشام بن الحكم في خبر الزنديق قال الصادق عليه السلام: أمات الله أرميا النبي الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه، ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف تلبس اللحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلما استوى قاعدا قال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير ".
4 - أمالي الطوسي: الفحام، عن محمد بن عيسى بن هارون، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده قال: قال سيدنا الصادق عليه السلام: من اهتم لرزقه كتب عليه خطيئة، إن دانيال كان في زمن ملك جبار عات أخذه فطرحه في حب، وطرح معه السباع فلم تدنو
منه ولم يخرجه، فأوحى الله إلى نبي من أنبيائه أن ائت دانيال بطعام، قال: يا رب وأين دانيال؟ قال: تخرج من القرية فيستقبلك ضبع فاتبعه فإنه يدلك إليه، فأتت به الضبع إلى ذلك الجب، فإذا فيه دانيال، فأدلى إليه الطعام، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من دعاه، الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، الحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، الحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا، وبالصبر نجاة.
ثم قال الصادق عليه السلام: إن الله أبى إلا أن يجعل أرزاق المتقين من حيث لا يحتسبون وأن لا يقبل لأوليائه شهادة في دولة الظالمين. قصص الأنبياء: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن القاساني، عن الأصبهاني عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
5 - إكمال الدين: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: إن سليمان عليه السلام لما حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بإذن الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم تختلف إلى الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم، ثم غيب الله عز وجل آصف غيبة طال أمدها، ثم ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء الله، ثم إنه ودعهم فقالوا له: أين الملتقى؟ قال: على الصراط، وغاب عنهم ما شاء الله، واشتدت البلوى على بني إسرائيل بغيبته، وتسلط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم، ويطلب من يهرب ويسبي زراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال، واصطفى من ولد هارون عزيرا، وهم حينئذ صبية صغار، فمكثوا في يده و بنو إسرائيل في العذاب المهين، والحجة دانيال أسير في يد بخت نصر تسعين سنة، فلما عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج في ظهوره وعلى
يده أمر أن يجعل في جب عظيم واسع، ويجعل معه الأسد ليأكله، فلم يقربه، وأمر أن لا يطعم، فكان الله تعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يد نبي من أنبياء بني إسرائيل، فكان يصوم دانيال النهار، ويفطر الليل على ما يدلى إليه من الطعام، واشتدت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره، وشك أكثرهم في الدين لطول الأمد، فلما تناهى البلاء بدانيال وبقومه رأى بخت نصر في المنام كأن ملائكة من السماء قد هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجب الذي فيه دانيال مسلمين عليه يبشرونه بالفرج، فلما أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال، فأمر أن يخرج من الجب، فلما أخرج اعتذر إليه مما ارتكب منه من التعذيب، ثم فوض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس. فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل ورفعوا رؤوسهم، واجتمعوا إلى دانيال عليه السلام موقنين بالفرج، فلم يلبث إلا القليل عن تلك الحال حتى مضى لسبيله، وأفضى الامر بعده إلى عزير وكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون عنه معالم دينهم، فغيب الله عنهم شخصه مائة عام ثم بعثه، وغابت الحجج بعده، واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ظهر يحيى عليه السلام. أقول: تمام الخبر في باب قصة طالوت.
6 - قصص الأنبياء : بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه قال: كان بخت نصر منذ ملك يتوقع فساد بني إسرائيل ويعلم أنه لا يطيقهم إلا بمعصيتهم، فلم يزل يأتيه العيون باخبارهم حتى تغيرت حالهم، وفشت فيهم المعاصي، وقتلوا أنبياءهم، وذلك قوله تعالى جل ذكره: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " إلى قوله:
" فإذا جاء وعد أولاهما " يعني بخت نصر وجنوده أقبلوا فنزلوا بساحتهم، فلما رأوا ذلك فزعوا إلى ربهم وتابوا وثابروا على الخير، وأخذوا على أيدي سفهائهم، وأنكروا المنكر وأظهروا المعروف، فرد الله لهم الكرة على بخت نصر، وانصرفوا بعد ما فتحوا المدينة، وكان سبب انصرافهم أن سهما وقع في جبين فرس بخت نصر فجمح به حتى أخرجه
من باب المدينة، ثم إن بني إسرائيل تغيروا فما برحوا حتى كر عليهم، وذلك قوله تعالى: " فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم " فأخبرهم أرميا عليه السلام أن بخت نصر يتهيأ للمسير إليكم، وقد غضب الله عليكم، وأن الله تعالى جلت عظمته يستتيبكم لصلاح آبائكم ويقول: هل وجدتم أحدا عصاني فسعد بمعصيتي؟ أم هل علمتم أحدا أطاعني فشقي بطاعتي؟ وأما أحباركم ورهبانكم فاتخذوا عبادي خولا يحكمون فيهم بغير كتابي حتى أنسوهم ذكري، وأما ملوككم وأمراؤكم فبطروا نعمتي، وغرتهم الحياة الدنيا وأما قراؤكم وفقهاؤكم فهم منقادون للملوك يبايعونهم على البدع ويطيعونهم في معصيتي وأما الأولاد فيخوضون مع الخائضين، وفي كل ذلك ألبسهم العافية فلأبدلنهم بالعز ذلا، وبالأمن خوفا، إن دعوني لم أجبهم، وإن بكوا لم أرحمهم.
فلما بلغهم ذلك نبيهم كذبوه وقالوا: لقد أعظمت الفرية على الله، تزعم أن الله معطل مساجده من عبادته! فقيدوه وسجنوه، فأقبل بخت نصر وحاصرهم سبعة أشهر حتى أكلوا خلاهم، وشربوا أبوالهم، ثم بطش بهم بطش الجبارين بالقتل والصلب والاحراق وجذع الأنوف ونزع الألسن والأنياب ووقف النساء، فقيل له: إن لهم صاحبا كان يحذرهم بما أصابهم فاتهموه وسجنوه، فأمر بخت نصر فأخرج من السجن، فقال له:
أكنت تحذر هؤلاء؟ قال: نعم، قال: وأنى علمت ذلك؟ قال: أرسلني الله به إليهم، قال فكذبوك وضربوك؟ قال: نعم، قال: لبئس القوم قوم ضربوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك آمنتك؟ قال أرميا عليه السلام:
إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم يخافوك، فأقام أرميا عليه السلام مكانه بأرض إيليا وهي حينئذ خراب قد هدم بعضها، فلما سمع به من بقي من بني إسرائيل اجتمعوا إليه فقالوا: عرفنا أنك نبينا فانصح لنا، فأمرهم أن يقيموا معه، فقالوا: ننطلق إلى ملك مصر نستجير، فقال أرميا عليه السلام: إن ذمة الله أوفى الذمم، فانطلقوا إلى مصر وتركوا أرميا، فقال لهم الملك: أنتم في ذمتي،
فسمع ذلك بخت نصر فأرسل إلى ملك مصر: ابعث بهم إلي مصفدين وإلا آذنتك بالحرب.
فلما سمع أرميا عليه السلام بذلك أدركته الرحمة لهم، فبادر إليهم لينقذهم، فورد عليهم وقال: إن الله تعالى جل ذكره أوحى إلي أني مظهر بخت نصر على هذا الملك، وآية ذلك أنه تعالى أراني موضع سرير بخت نصر الذي يجلس عليه بعد ما يظفر بمصر، ثم عمد فدفن أربعة أحجار في ناحية من الأرض، فصار إليهم بخت نصر فظفر بهم وأسرهم، فلما أراد أن يقسم الفئ ويقتل الأسارى ويعتق منهم كان منهم أرميا، فقال له بخت نصر:
أراك مع أعدائي بعد ما عرضتك له من الكرامة؟ فقال له أرميا عليه السلام: إني جئتهم مخوفا أخبرهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك هذا وأنت بأرض بابل، ارفع سريرك فإن تحت كل قائمة من قوائمه حجرا دفنته بيدي وهم ينظرون، فلما رفع بخت نصر سريره وجد مصداق ما قال، فقال لارميا عليه السلام: إني لأقتلنهم إذ كذبوك ولم يصدقوك فقتلهم ولحق بأرض بابل، فأقام أرميا بمصر مدة، فأوحى الله تعالى إليه: الحق بإيليا، فانطلق حتى إذا رفع له شخص بيت المقدس ورأي خرابا عظيما، قال: " أنى يحيي هذه الله " فنزل في ناحية واتخذ مضجعا ثم نزع الله روحه وأخفى مكانه على جميع الخلائق مائة عام، وكان قد وعده الله أنه سيعيد فيها الملك والعمران، فلما مضى سبعون عاما أذن الله في عمارة إيليا فأرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له كوشك، فقال:
إن الله يأمرك أن تنفر بقوتك ورجالك حتى تنزل إيليا فتعمرها، فندب الفارسي لذلك ثلاثين ألف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل بما يصلح لذلك من الآلة والنفقة، فسار بهم فلما تمت عمارتها بعد ثلاثين سنة أمر عظام أرميا أن يحيى، فقام حيا كما ذكره الله في كتابه. بيان: ثابر: واظب.
7 - قصص الأنبياء: بالاسناد المذكور عن وهب بن منبه أنه لما انطلق بخت نصر بالسبي والأسارى من بني إسرائيل وفيهم دانيال وعزير عليهما السلام وورد أرض بابل اتخذ بني إسرائيل خولا، ولبث سبع سنين، ثم إنه رأى رؤيا عظيما امتلأ منها رعبا ونسيها، فجمع قومه وقال: تخبرون بتأويل رؤياي المنسية إلى ثلاثة أيام وإلا صلبتكم، وبلغ دانيال ذلك من شأن الرؤيا وكان في السجن، فقال لصاحب السجن: إنك أحسنت صحبتي، فهل لك أن تخبر الملك أن عندي علم رؤياه وتأويله؟ فخرج صاحب السجن وذكر لبخت نصر فدعا به، وكان لا يقف بين يديه أحد إلا سجد له، فلما طال قيام دانيال وهو لا يسجد له قال للحرس: أخرجوا واتركوه، فخرجوا فقال: يا دانيال ما منعك أن تسجد لي؟ فقال: إن لي ربا آتاني هذا العلم على أني لا أسجد لغيره، فلو سجدت لك انسلخ عني العلم، فلم تنتفع بي، فتركت السجود نظرا إلى ذلك، قال بخت نصر: وفيت لإلهك فصرت آمنا مني، فهل لك علم بهذه الرؤيا؟ قال: نعم، رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب، ووسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، و رجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر إليه وقد أعجبك حسنه وعظمه وإحكام صنعته والأصناف التي ركبت فيه إذ قذفه ملك بحجر من السماء، فوقع على رأسه فدقه حتى طحنه، فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حتى خيل لك أنه لو اجتمع الجن و الانس على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا، وحتى خيل لك أنه لو هبت أدنى ريح لذرته لشدة ما انطحن، ثم نظرت إلى الحجر الذي قذف به يعظم فينتثر حتى ملا الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السماء والحجر، قال بخت نصر: صدقت، هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ قال دانيال عليه السلام: أما الصنم الذي رأيت فإنها أمم تكون في أول الزمان وأوسطه وآخره، وأما الذهب فهو هذا الزمان وهذه الأمة التي أنت فيها وأنت ملكها، وأما الفضة فإنه يكون ابنك يليها من بعدك، وأما النحاس فأمة الروم، وأما الحديد فأمة فارس، وأما الفخار فأمتان تملكهما امرأتان: إحداهما في شرقي اليمن، وأخرى في غربي الشام، أما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يفقده الله به هذه
في الأمة آخر الزمان ليظهره عليها، يبعث الله نبيا أميا من العرب فيذل الله له الأمم والأديان كما رأيت الحجر ظهر على الأرض فانتثر فيها. فقال بخت نصر: ما لأحد عندي يد أعظم من يدك، وأنا أريد أن أجزيك، إن أحببت أن أردك إلى بلادك وأعمرها لك، وإن أحببت أن تقيم معي فأكرمك؟ فقال دانيال عليه السلام: أما بلادي أرض كتب الله عليها الخراب إلى وقت، والإقامة معك أوثق لي، فجمع بخت نصر ولده وأهل بيته وخدمه وقال لهم: هذا رجل حكيم قد فرج الله به عني كربة قد عجزتم عنها، وقد وليته أمركم وأمري، يا بني خذوا من علمه، وإن جاءكم رسولان أحدهما لي والآخر له فأجيبوا دانيال قبلي، فكان لا يقطع أمرا دونه، و لما رأوا قوم بخت نصر ذلك حسدوا دانيال، ثم اجتمعوا إليه وقالوا: كانت لك الأرض ويزعم عدونا أنك أنكرت عقلك، قال: إني أستعين برأي هذا الإسرائيلي لاصلاح أمركم فإن ربه يطلعه عليه، قالوا: نتخذ إلها يكفيك ما أهمك وتستغني عن دانيال فقال: أنتم وذاك، فعملوا صنما عظيما وصنعوا عيدا وذبحوا له، وأوقدوا نارا عظيمة كنار نمرود ودعوا الناس بالسجود لذلك الصنم فمن لم يسجد له ألقي فيها.
وكان مع دانيال عليه السلام أربعة فتية من بني إسرائيل: يوشال ويوحين وعيصوا ومريوس، وكانوا مخلصين موحدين، فأتي بهم ليسجدوا للصنم، فقالت الفتية: هذا ليس بإله، ولكن خشبة صماء عملها الرجال، فإن شئتم أن نسجد للذي خلقها فعلنا، فكتفوهم ثم رموا بهم في النار، فلما أصبحوا طلع عليهم بخت نصر فوق قصر فإذا معهم خامس وإذا بالنار قد عادت جليدا فامتلأ رعبا، فدعا دانيال عليه السلام فسأله عنهم فقال: أما الفتية فعلى ديني يعبدون إلهي ولذلك أجارهم والخامس بحر البرد، أرسله الله تعالى جلت عظمته إلى هؤلاء نصرة لهم، فأمر بخت نصر فأخرجوا فقال لهم: كيف بتم؟ قالوا:
بتنا بأفضل ليلة منذ خلقنا، فألحقهم بدانيال وأكرمهم بكرامته حتى مرت بهم ثلاثون سنة.
8 - قصص الأنبياء: بالاسناد المتقدم عن وهب قال: ثم إن بخت نصر رأى رؤيا أهول من الرؤيا الأولى ونسيها أيضا، فدعا علماء قومه قال: رأيت رؤيا أخشى أن يكون فيها هلاككم وهلاكي فما تأويلها؟ فعجزوا وجعلوا علة عجزهم دانيال، فأخرجهم ودعا دانيال عليه السلام فسأله فقال: رأيت شجرة عظيمة شديدة الخضرة، فرعها في السماء، عليها طير السماء، وفي ظلها وحوش الأرض وسباعها، فبينما أنت تنظر إليها قد أعجبتك بهجتها إذ أقبل ملك يحمل حديدة كالفأس على عنقه وصرخ بملك آخر في باب من أبواب السماء يقول له: كيف أمرك الله أن تفعل بالشجرة؟ أمرك أن تجتثها من أصلها أم أمرك أن تأخذ بعضها؟
فناداه الملك الاعلى: إن الله تعالى يقول: خذ منها وأبق، فنظرت إلى الملك حتى ضرب رأسها بفأسه فانقطع وتفرق ما كان عليها من الطير، وما كان تحتها من السباع والوحوش، وبقي الجذع لا هيئة له ولا حسن، فقال بخت نصر: فهذه الرؤيا رأيتها فما تأويلها؟
قال: أنت الشجرة وما رأيت في رأسها من الطيور فولدك وأهلك، وأما ما رأيت في ظلها من السباع والوحوش فخولك ورعيتك، وكنت قد أغضبت الله فيما تابعت قومك من عمل الصنم، فقال بخت نصر: كيف يفعل ربك بي؟ قال: يبتليك ببدنك فيمسخك سبع سنين فإذا مضت رجعت إنسانا كما كنت أول مرة، فقعد بخت نصر يبكي سبعة أيام، فلما فرغ من البكاء ظهر فوق بيته فمسخه الله عقابا فطار، وكان دانيال عليه السلام يأمر ولده وأهل مملكته أن لا يغيروا من أمره شيئا حتى يرجع إليهم، ثم مسخه الله في آخر عمره بعوضة فأقبل يطير حتى دخل بيته فحوله الله إنسانا فاغتسل بالماء ولبس المسوح ثم أمر بالناس فجمعوا فقال: إني وإياكم كنا نعبد من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، وإنه قد تبين لي من قدرة الله تعالى جل وعلا في نفسي أنه لا إله إلا الله إله بني إسرائيل، فمن تبعني فإنه مني وأنا وهو في الحق سواء، ومن خالفني ضربته بسيفي حتى يحكم الله بيني و بينكم، وإني قد أجلتكم إلى الليلة فإذا أصبحتم فأجيبوني، ثم انصرف ودخل بيته و
قعد على فراشه فقبض الله تعالى روحه وقص وهب قصته هذه عن ابن عباس، ثم قال ما أشبه إيمانه بإيمان السحرة!
9 - قصص الأنبياء: لما توفي بخت نصر تابع الناس ابنه، وكانت الأواني التي عملت الشياطين لسليمان بن داود عليه السلام من اللؤلؤ والياقوت غاص عليها الشياطين حتى استخرجوها من قعور الأبحر الصم التي لا تعبر فيها السفن، وكان بخت نصر غنم كل ذلك من بيت المقدس وأوردها أرض بابل، واستعمر فيه دانيال عليه السلام فقال: إن هذه الآنية طاهرة مقدسة صنعها النبي ابن النبي ليسجد ربه عز وعلا فلا تدنسها بلحم الخنازير وغيرها فإن لها ربا سيعيدها حيث كانت، فلم يطعه واعتزل دانيال وأقصاه وجفاه، وكانت له امرأة حكيمة نشأت في تأديب دانيال تعظه وتقول: إن أباك كان يستغيث بدانيال، فأبى ذلك، فعمل في كل عمل سوء حتى عجت الأرض منه إلى الله تعالى جلت عظمته، فبينا هو في عيد إذا بكف ملك يكتب على الجدار ثلاثة أحرف ، ثم غابت الكف والقلم وبهتوا فسألوا دانيال بحق تأويل ذلك المكتوب وكان كتب: " وزن فخف، ووعد فأنجز، و جمع فتفرق " فقال: أما الأول فإنه عقلك وزن فخف فكان خفيفا في الميزان، والثاني وعد أن يملك فأنجزه اليوم، والثالث فإن الله كان قد جمع لك ولوالدك من قبلك ملكا عظيما ثم تفرق اليوم، فلا يجتمع إلى يوم القيامة، فقال له: ثم ماذا؟ قال: يعذبك الله، فأقبلت بعوضة تطير حتى دخلت في إحدى منخريه فوصلت إلى دماغه وتؤذيه، فأحب الناس عنده من حمل مرزبة يضرب بها رأسه، ويزداد كل يوم ألما إلى أربعين ليلة حتى مات وصار إلى النار. بيان: هذه القصص المنقولة عن وهب ليست مما يعتمد عليه، وإيمان بخت نصر
مخالف لظواهر الأخبار المعتبرة، وأما مسخه فقد ورد في توحيد المفضل بن عمر المروي عن الصادق عليه السلام ما يومئ إليه حيث قال عليه السلام: وترى كثيرا من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم، وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم، كما عوجل فرعون بالغرق، وبخت نصر بالتيه، وبلبيس بالقتل.
10 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن جابر الجعفي، عن الباقر صلوات الله عليه قال: سألته عن تعبير الرؤيا عن دانيال عليه السلام أهو صحيح؟ قال: نعم، كان يوحى إليه وكان نبيا، وكان ممن علمه الله تأويل الأحاديث، و كان صديقا حكيما، وكان والله يدين بمحبتنا أهل البيت؟ قال جابر: بمحبتكم أهل البيت؟ قال: إي والله، وما من نبي ولا ملك إلا وكان يدين بمحبتنا.
11 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن السياري، عن إسحاق بن إبراهيم، عن الرضا عليه السلام قال: إن الملك قال لدانيال: أشتهي أن يكون لي ابن مثلك، فقال: ما محلي من قلبك؟ قال: أجل محل وأعظمه، قال دانيال: فإذا جامعت فاجعل همتك في، قال: ففعل الملك ذلك فولد له ابن أشبه خلق الله بدانيال.
12 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن جعفر بن محمد بن شاذان، عن أبيه، عن الفضل، عن محمد بن زياد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال عزير يا رب إني نظرت في جميع أمورك وإحكامها فعرفت عدلك بعقلي، وبقي باب لم أعرفه، إنك تسخط على أهل البلية فتعمهم بعذابك وفيهم الأطفال، فأمره الله تعالى أن يخرج إلى البرية وكان الحر شديدا، فرأى شجرة فاستظل بها ونام، فجاءت نملة فقرصتها فدلك الأرض برجله فقتل من النمل كثيرا، فعرف أنه مثل ضرب، فقيل له: يا عزير إن القوم إذا استحقوا عذابي قدرت نزوله عند انقضاء آجال الأطفال فماتوا أولئك بآجالهم وهلك هؤلاء بعذابي.
بيان: قال الفيروزآبادي: القرص. أخذك لحم إنسان بإصبعك حتى تؤلمه. و لسع البراغيث. والقبض. والقطع.
13 - إكمال الدين: أبي وابن الوليد معا عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن إسماعيل القرشي، عمن حدثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ملك بخت نصر مائة سنة وسبعا وثمانين سنة، وقتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريا عليه السلام وخرب بيت المقدس، وتفرقت اليهود في البلدان، وفي سبع وأربعين سنة من ملكه بعث الله العزير نبيا إلى أهل القرى التي أمات الله أهلها ثم بعثهم له، وكان من قرى شتى فهربوا فرقا من الموت، فنزلوا في جوار عزير وكانوا مؤمنين، وكان عزير يختلف إليهم ويسمع كلامهم وإيمانهم وأحبهم على ذلك وآخاهم عليه فغاب عنهم يوما واحدا، ثم أتاهم فوجدهم موتى صرعى فحزن عليهم وقال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها " تعجبا منه حيث أصابهم وقد ماتوا أجمعين في يوم واحد، فأماته الله عند ذلك مائة عام وهي مائة سنة، ثم بعثه الله وإياهم وكانوا مائة ألف مقاتل، ثم قتلهم الله أجمعين لم يفلت منهم واحد على يدي بخت نصر، ثم ملك مهرويه بن بخت نصر ست عشرة سنة وعشرين يوما، فأخذ عند ذلك دانيال عليه السلام وخد له خدا في الأرض وطرح فيه دانيال وأصحابه وشيعته من المؤمنين، وألقى عليهم النيران، فلما رأى أن النار لا تقربهم ولا تحرقهم استودعهم الجب و فيه الأسد والسباع وعذبهم بكل نوع من العذاب حتى خلصهم الله منه، وهم الذين ذكرهم الله في كتابه فقال: " قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود " فلما أراد الله أن يقبض دانيال عليه السلام أمره أن يستودع نور الله وحكمته مكيخا بن دانيال ففعل.
14 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها " فقال: إن الله بعث على بني إسرائيل نبيا يقال له أرميا فقال: قل لهم: ما بلد تنقيته من كرائم البلدان وغرست فيه من كرائم الغرس ونقيته من كل غريبة فأخلف فأنبت خرنوبا؟ قال: فضحكوا و استهزؤوا به، فشكاهم إلى الله، قال: فأوحى الله إليه أن قل لهم: إن البلد بيت المقدس والغرس بنو إسرائيل تنقيته من كل غريبة، ونحيت عنهم كل جبار، فأخلفوا فعملوا بمعاصي الله فلأسلطن عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم، ويأخذ أموالهم، فإن بكوا إلي فلم أرحم بكاءهم، وإن دعوا لم أستجب دعاءهم، ثم لأخربنها مائة عام، ثم لأعمرنها، فلما حدثهم جزعت العلماء فقالوا: يا رسول الله ما ذنبنا نحن ولم نكن نعمل بعملهم؟
فعاود لنا ربك، فصام سبعا فلم يوح إليه شئ، فأكل أكلة ثم صام سبعا فلم يوح إليه شئ، فأكل أكلة ثم صام سبعا فلما أن كان يوم الواحد والعشرين أوحى الله إليه لترجعن عما تصنع، أتراجعني في أمر قضيته أو لأردن وجهك على دبرك؟ ثم أوحى إليه قل لهم: لأنكم رأيتم المنكر فلم تنكروه، فسلط الله عليهم بخت نصر فصنع بهم ما قد بلغك، ثم بعث بخت نصر إلى النبي فقال: إنك قد نبئت عن ربك وحدثتهم بما أصنع بهم، فإن شئت فأقم عندي فيمن شئت وإن شئت فاخرج، فقال: لا بل أخرج، فتزود عصيرا وتينا وخرج، فلما أن كان مد البصر التفت إليها فقال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام " أماته غدوة، وبعثه عشية قبل أن تغيب الشمس، وكان أول شئ خلق منه عيناه في مثل غرقئ البيض، ثم قيل له: " كم لبثت قال لبثت يوما " فلما نظر إلى الشمس لم تغب قال: " أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " قال:
فجعل ينظر إلى عظامه كيف يصل بعضها إلى بعض ويرى العروق كيف يجري، فلما استوى قائما قال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير " وفي رواية هارون: فتزود عصيرا ولبنا.
15 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن النضر عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، و فيه: فسلط الله عليهم بخت نصر، وسمي به لأنه رضع بلبن كلبة، وكان اسم الكلب بخت واسم صاحبه نصر، وكان مجوسيا أغلف، أغار على بيت المقدس ودخله في ستمائة ألف علم، ثم بعث بخت نصر إلى النبي فقال: إنك نبئت عن ربك وخبرتهم بما أصنع بهم، فإن شئت فأقم عندي، وإن شئت فاخرج، قال: بل أخرج، فتزود عصيرا ولبنا وخرج. الحسين بن سعيد أو النوادر: النضر مثله إلى قوله: فصنع بهم ما قد بلغك.
16 - تفسير العياشي: أبو طاهر العلوي، عن علي بن محمد العلوي، عن علي بن مرزوق، عن إبراهيم بن محمد قال: ذكر جماعة من أهل العلم أن ابن الكواء قال لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين ما ولد أكبر من أبيه من أهل الدنيا؟ قال: نعم أولئك ولد عزير حيث مر على قرية خربة وقد جاء من ضيعة له، تحته حمار، ومعه شنة فيها قتر وكوز فيه عصير فمر على قرية خربة فقال: " أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام " فتوالد ولده وتناسلوا ثم بعث الله إليه فأحياه في المولد الذي أماته فيه فأولئك ولده أكبر من أبيهم.
17 - منتخب البصائر: ابن عيسى، عن الحسن، عن الحسين بن علوان، عن محمد بن داود العبدي، عن الأصبغ بن نباتة أن عبد الله بن الكواء اليشكري قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن أبا المعتمر تكلم آنفا بكلام لا يحتمله قلبي، فقال: وما ذاك؟
قال: يزعم أنك حدثته أنك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنا قد رأينا أو سمعنا برجل
أكبر سنا من أبيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: فهذا الذي كبر عليك؟ قال: نعم، فهل تؤمن أنت بهذا وتعرفه؟ فقال: نعم ويلك يا بن الكواء أفقه عني أخبرك عن ذلك، إن عزيرا خرج من أهله وامرأته في شهرها وله يومئذ خمسون سنة، فلما ابتلاه الله عز وجل بذنبه وأماته مائة عام ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة، فاستقبله ابنه وهو ابن مائة سنة، ورد الله عزيرا في السن الذي كان به، فقال ما يريد.
18 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: إن دانيال عليه السلام كان يتيما لا أم له ولا أب، وإن امرأة من بني إسرائيل عجوزا كبيرة ضمته فربته، وإن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان، وكان لهما صديق، وكان رجلا صالحا، وكان له امرأة بهية جميلة، وكان يأتي الملك فيحدثه، واحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض أموره فقال للقاضيين: اختارا رجلا أرسله في بعض أموري، فقالا: فلان، فوجهه الملك، فقال الرجل للقاضيين: أوصيكما بامرأتي خيرا، فقالا: نعم، فخرج الرجل، فكان القاضيان يأتيان باب الصديق فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها فأبت، فقالا لها: والله لئن لم تفعل لنشهدن عليك عند الملك بالزنا ثم لنرجمنك، فقالت: افعلا ما أحببتما، فأتيا الملك فأخبراه وشهدا عنده أنها بغت، فدخل الملك من ذلك أمر عظيم واشتد بها غمه وكان بها معجبا فقال لهما: إن قولكما مقبول ولكن ارجموها بعد ثلاثة أيام، ونادى في البلد الذي هو فيه: احضروا قتل فلانة العابدة فإنها قد بغت، فإن القاضيين قد شهدا عليها بذلك، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لوزيره: ما عندك في هذا من حيلة؟ فقال: ما عندي في ذلك من شئ.
فخرج الوزير يوم الثالث وهو آخر أيامها فإذا هو بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانيال لا يعرفه، فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك وتكون
أنت يا فلان العابدة، ويكون فلان وفلان القاضيين شاهدين عليها، ثم جمع ترابا وجعل سيفا من قصب، وقال للصبيان: خذوا بيد هذا فنحوه إلى مكان كذا وكذا، وخذوا بيد هذا فنحوه إلى مكان كذا وكذا، ثم دعا بأحدهما وقال له: قل حقا فإنك إن لم تقل حقا قتلتك، والوزير قائم ينظر ويسمع، فقال: إنها بغت، فقال: متى؟ فقال: يوم كذا وكذا قال: مع من؟ قال: مع فلان ابن فلان، قال: وأين؟ قال: موضع كذا وكذا، قال:
ردوه إلى مكانه وهاتوا الآخر، فردوه إلى مكانه وجاؤوا بالآخر، فقال له: بما تشهد؟
فقال: أشهد أنها بغت، قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا، قال: مع من؟ قال: مع فلان ابن فلان، قال: وأين؟ قال: موضع كذا وكذا، فخالف أحدهما صاحبه، فقال دانيال: الله أكبر شهدا بزور، يا فلان ناد في الناس أنهما شهدا على فلانة بزور فاحضروا قتلهما.
فذهب الوزير إلى الملك مبادرا فأخبره الخبر، فبعث الملك إلى القاضيين فاختلفا كما اختلف الغلامان، فنادى الملك في الناس وأمر بقتلهما.
19 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام أن ائت عبدي دانيال فقل له: إنك عصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك، فأتاه داود عليه السلام فقال : يا دانيال إني رسول الله إليك وهو يقول لك: إنك عصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك، فقال له دانيال: قد أبلغت يا نبي الله، فلما كان في السحر قام دانيال فناجى ربه فقال: يا رب إن داود نبيك أخبرني عنك أنني قد عصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي، وأخبرني عنك أني إن
عصيتك الرابعة لم تغفر لي، فوعزتك وجلالك لئن لم تعصمني لأعصينك ثم لأعصينك ثم لأعصينك. الحسين بن سعيد أو النوادر: ابن محبوب مثله.
20 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أكرموا الخبز فإنه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض وما فيها من كثير من خلقه. ثم قال لمن حوله: ألا أحدثكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله فداك الآباء والأمهات، فقال: إنه كان نبي فيما كان قبلكم يقال له دانيال، وإنه أعطى صاحب معبر رغيفا لكي يعبر به، فرمى صاحب المعبر بالرغيف وقال: ما أصنع بالخبز؟ هذا الخبز عندنا قد يداس بالأرجل، فلما رأى دانيال ذلك منه رفع يده إلى السماء وقال: اللهم أكرم الخبز فقد رأيت يا رب ما صنع هذا العبد وما قال، فأوحى الله عز وجل إلى السماء أن تحبس الغيث وأوحى إلى الأرض أن كوني طبقا كالفخار قال: فلم يمطر شئ حتى أنه بلغ من أمرهم أن بعضهم أكل بعضا، فلما بلغ منهم ما أراد الله عز وجل من ذلك قالت امرأة لأخرى ولهما ولدان: فلانة! تعالي حتى نأكل أنا وأنت اليوم ولدي فإذا جعنا غدا أكلنا ولدك، قالت لها: نعم، فأكلتاه، فلما أن جاعتا من بعد راودت الأخرى على أكل ولدها فامتنعت عليها، فقالت لها: بيني وبينك نبي الله، فاختصما إلى دانيال، فقال لهما: وقد بلغ الامر إلى ما أرى؟ قالتا له:
نعم يا نبي الله وأشر، فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم عد علينا بفضلك وفضل رحمتك ولا تعاقب الأطفال ومن فيه خير بذنب صاحب المعبر وأضرابه لنعمتك، قال: فأمر الله تبارك وتعالى السماء أن امطري على الأرض، وأمر الأرض أن انبتي لخلقي ما قد فاتهم من خيرك، فإني قد رحمتهم بالطفل الصغير.
21 - الكافي: علي بن محمد، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إذا لقيت السبع فقل:
أعوذ برب دانيال والجب من شر كل أسد مستأسد.
22 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثقفي قال: لما أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر عليه السلام إلى الشام سأله عالم النصارى عن مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت بابنين جميعا حملتهما في ساعة واحدة، وولدتهما في ساعة واحدة، وماتا في ساعة واحدة، ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد، فعاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: هما عزير وعزرة، كان حمل أمهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة مع عزير ثلاثين سنة، ثم أمات الله عزيرا مائة سنة وبقي عزرة يحيى، ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة عشرين سنة، الخبر. بيان: قد عرفت اختلاف القوم في أن الذي أماته الله مائة عام هل هو أرميا أو عزير، وقد دلت الروايات على كل منهما أيضا، ولعل الأخبار الدالة على كونه عزيرا محمولة على التقية أو على ما يوافق روايات أهل الكتاب بأن يكونوا أجابوهم على معتقدهم ويمكن القول بوقوعه على كل منهما وإن كانت الآية وردت في أحدهما.
23 - الكافي: الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد رفعه، عن أبي حمزة، عن علي
ابن الحسين عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال عليه السلام إن أمقت عبيدي إلي الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وإن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء.
24 - الخصال، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن الأربعاء وما يتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء من الشهر إلى أن قال: ويوم الأربعاء خرب بيت المقدس، ويوم الأربعاء أحرق مسجد سليمان بن داود بإصطخر من كورة فارس.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.