پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 26 قصص يونس وأبيه متى الآيات، يونس 10

ج ۱۴، ص ۳۷۸–۴۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

الأنبياء " 21 " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين 88.

الصافات " 37 " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * و أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين

139 - 148.

ن " 68 " ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين

48 - 50.

تفسير: " ولا تكن كصاحب الحوت " قال الطبرسي: يعني يونس عليه السلام أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه ولا تخرج من بين قومك قبل أن يأذن الله لك كما خرج " إذ نادى وهو مكظوم " أي دعا ربه في جوف الحوت وهو محبوس عن التصرف في الأمور، وقيل: مكظوم أي مختنق بالغم إذ لم يجد لغيظه شفاء " لولا أن تداركه نعمة من ربه " أي لولا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه وتخليصه من بطن الحوت " لنبذ " أي طرح " بالعراء " أي بالفضاء " وهو مذموم " قد أتى بما يلام عليه، لكن الله تعالى تداركه بنعمة من عنده فنبذ بالعراء وهو غير مذموم.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " كصاحب الحوت " يعني يونس عليه السلام لما دعا على قومه ثم ذهب مغاضبا لله، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إذ نادى ربه وهو مكظوم " أي مغموم، وقال علي بن إبراهيم في قوله: " لولا أن تداركه نعمة من ربه " قال:

النعمة: الرحمة " لنبذ بالعراء " قال: العراء: الموضع الذي لا سقف له.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما رد الله العذاب إلا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الاسلام فيأبون ذلك، فهم

أن يدعو عليهم وكان فيهم رجلان: عابد وعالم، وكان اسم أحدهما مليخا، والآخر اسمه روبيل، فكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول: لا تدع عليهم فإن الله يستجيب لك، ولا يحب هلاك عباده، فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم فدعا عليهم، فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، وبقي العالم فيها، فلما كان في ذلك اليوم نزل العذاب، فقال العالم لهم: يا قوم افزعوا إلى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فقالوا: كيف نصنع؟ قال: اجتمعوا وأخرجوا إلى المفازة وفرقوا بين النساء و الأولاد، وبين الإبل وأولادها، وبين البقر وأولادها، وبين الغنم وأولادها، ثم ابكوا وادعوا، فذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا وبكوا فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرق العذاب على الجبال وقد كان نزل وقرب منهم، فأقبل يونس ينظر كيف أهلكهم الله فرأى الزارعون يزرعون في أرضهم، قال لهم: ما فعل قوم يونس ؟ فقالوا له - ولم يعرفوه -: إن يونس دعا عليهم فاستجاب الله له ونزل العذاب عليهم فاجتمعوا وبكوا فدعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرق العذاب على الجبال، فهم إذا يطلبون يونس ليؤمنوا به، فغضب يونس ومر على وجهه مغاضبا به كما حكى الله، حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت وأرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه، فلما توسطوا البحر بعث الله حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة من قدامها، فنظر إليه يونس ففزع منه وصار إلى مؤخر السفينة فدار إليه الحوت وفتح فاه فخرج أهل السفينة فقالوا: فينا عاص فتساهموا

فخرج سهم يونس، وهو قول الله عز وجل: " فساهم فكان من المدحضين " فأخرجوه فألقوه في البحر فالتقمه الحوت ومر به في الماء.

وقد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين عليه السلام عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه، فقال: يا يهودي أما السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنه الحوت الذي حبس يونس في بطنه، فدخل في بحر القلزم، ثم خرج إلى بحر مصر، ثم دخل إلى بحر طبرستان، ثم خرج في دجلة الغوراء، قال: ثم مرت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون، وكان قارون هلك في أيام موسى عليه السلام ووكل الله به ملكا يدخل في الأرض كل يوم قامة رجل، وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره، فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به: أنظرني فإني أسمع كلام آدمي، فأوحى الله إلى الملك الموكل به: أنظره، فأنظره، ثم قال قارون: من أنت؟ قال يونس: أنا المذنب الخاطئ يونس بن متى قال: فما فعل الشديد الغضب لله موسى بن عمران؟ قال: هيهات هلك، قال: فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران؟ قال: هلك، قال: فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سميت لي؟ قال: هيهات ما بقي من آل عمران أحد، فقال قارون: وا أسفاه على آل عمران، فشكر الله له ذلك، فأمر الله الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيام الدنيا فرفع عنه، فلما رأى يونس ذلك نادى في الظلمات: " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فاستجاب الله له وأمر الحوت فلفظه على ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدباء، فأظلته من الشمس فسكن، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه ووقعت الشمس عليه، فجزع فأوحى الله إليه: يا يونس لم ترحم مائة ألف أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة؟ فقال: يا رب عفوك عفوك، فرد الله بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به، وهو قوله: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها

إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنه عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين " فقالوا: فمكث يونس في بطن الحوت تسع ساعات، ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " يعني لو شاء الله أن يجبر الناس كلهم على الايمان لفعل.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام، ونادى في الظلمات: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب له ربه فأخرجه الحوت إلى الساحل، ثم قذفه فألقاه بالساحل، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، فكان يمصه ويستظل به بورقه، وكان تساقط شعره ورق جلده، وكان يونس عليه السلام يسبح ويذكر الله الليل والنهار، فلما أن قوي واشتد بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست، فشق ذلك على يونس فظل حزينا فأوحى الله إليه:

مالك حزينا يا يونس؟ قال: يا رب هذه الشجرة التي تنفعني سلطت عليها دودة فيبست، قال: يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعن بها إن يبست حين استغنيت عنها، ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف؟ أردت أن ينزل عليهم العذاب؟ إن أهل نينوى قد آمنوا واتقوا فارجع إليهم، فانطلق يونس عليه السلام إلى قومه فلما دنا من نينوى استحيى أن يدخل فقال لراع لقيه: ائت أهل نينوى فقل لهم: إن هذا يونس قد جاء، قال الراعي: أتكذب؟ أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب؟ قال له يونس:

اللهم إن هذه الشاة تشهد لك أني يونس، فلما أتى الراعي قومه وأخبرهم أخذوه وهموا بضربه، فقال: إن لي بينة بما أقول، قالوا: من يشهد؟ قال: هذه الشاة تشهد، فشهدت بأنه صادق، وأن يونس قد رده الله إليهم فخرجوا يطلبونه فوجدوه فجاؤوا به وآمنوا وحسن إيمانهم فمتعهم الله إلى حين وهو الموت، وأجارهم من ذلك العذاب. وقال علي بن إبراهيم في قوله: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " قال: هو يونس، و معنى ذا النون أي ذا الحوت، قوله: " فظن أن لن نقدر عليه " قال: أنزله على أشد الامرين فظن به أشد الظن، وقال: إن جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس ولم يسمعه يونس، قلت: ما كان حال يونس لما ظن أن الله لن يقدر عليه؟ قال: كان من أمر شديد، قلت: وما كان سببه حتى ظن أن الله لن يقدر عليه؟ قال: وكله إلى نفسه طرفة عين.

قال: وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

سمعت أم سلمة النبي صلى الله عليه وآله يقول في دعائه: " اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا " فسألته في ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: يا أم سلمة وما يؤمنني، وإنما وكل الله يونس بن متى إلى نفسه طرفة عين فكان منه ما كان.

وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " يقول: من أعمال قومه " فظن أن لن نقدر عليه " يقول: ظن أن لن يعاقب بما صنع. بيان: قوله تعالى: " فلولا كانت قرية " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن معناه فهلا كان أهل قرية آمنوا في وقت ينفعهم إيمانهم، أعلم الله سبحانه أن الايمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت الذي لا يشك فيه، لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، عن الزجاج، قال: وقوم يونس لم يقع بهم العذاب إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب، فمثلهم مثل العليل الذي يرجو العافية ويخاف الموت، و قيل: إن معناه: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، يريد بذلك: لم يكن هذا معروفا لامة من الأمم كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب وكشف عنهم، أي لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس لما آمنوا عند نزول العذاب كشفت عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم، عن قتادة وابن عباس، وقيل: إنه أراد بقوله: " فلولا كانت قرية آمنت " قوم ثمود فإنه قد جاءهم العذاب يوما فيوما كما جاء قوم يونس إلا أن قوم يونس استدركوا ذلك بالتوبة وأولئك لم يستدركوا، فوصف أهل القرية بأنهم سوى قوم يونس ليعرفهم به بعض التعريف، إذ كان أخبر عنهم على سبيل الاخبار عن النكرة، عن الجبائي، وهذا إنما يصح إذا كان " إلا قوم يونس " مرفوعا. انتهى. قوله: (أنزله على أشد الامرين) ظاهره أن المراد أن الله تعالى لما كلفه أمرا شديدا وهو الصبر على وقوع خلاف ما أخبر به ظن به تعالى ظنا شديدا لا يليق به، أو المعنى أنه لما وكله الله إلى نفسه وهو أشد الأمور ظن بالله أشد الظن بفرط الرجاء حيث غفل عن عقابه تعالى، وسيأتي بسط القول في تأويل الآية.

3 - علل الشرائع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم،

عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة صرف الله عز وجل العذاب عن قوم يونس وقد أظلهم ولم يفعل ذلك بغيرهم من الأمم؟ فقال: لأنه كان في علم الله عز وجل أنه سيصرفه عنهم لتوبتهم، وإنما ترك إخبار يونس بذلك لأنه عز وجل أراد أن يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته. تفسير العياشي: عن أبي بصير مثله. بيان: يمكن توجيه الخبر بوجهين : الأول أن يكون السؤال عن علة عدم نزول العذاب عليهم دفعة بل بأن أظلهم ولم ينزل بهم حتى تابوا، فالجواب أنه لما علم الله أنهم يتوبون بعد رؤيته جعله مظلا بهم حتى تابوا فصرف عنهم.

الثاني: أن يكون السؤال على ظاهره ويكون الجواب أنهم لما تابوا صرف عنهم، والتعرض لحديث العلم لبيان أنه كان عالما بتوبتهم، وإنما لم يخبر يونس للحكمة المذكورة، والأول أظهر لا سيما في الخبر الآتي.

4 - علل الشرائع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي المغرا، عن سماعة أنه سمعه عليه السلام وهو يقول: مارد الله العذاب عن قوم قد أظلهم إلا قوم يونس، فقلت: أكان قد أظلهم؟ فقال: نعم حتى نالوه بأكفهم، قلت:

فكيف كان ذلك؟ قال: كان في العلم المثبت عند الله عز وجل الذي لم يطلع عليه أحد أنه سيصرفه عنهم.

5 - علل الشرائع: أبي، عن الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن ابن أبي

عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر يونس بن متى عليه السلام بصفائح الروحاء وهو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك. الخبر. الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير مثله.

6 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن سجيم، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول - وهو رافع يده إلى السماء -: " رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا " لا أقل من ذلك ولا أكثر، قال: فما كان بأسرع من أن تحدر الدموع من جوانب لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا ابن أبي يعفور إن يونس بن متى وكله الله عز وجل إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك الظن، قلت: فبلغ به كفرا أصلحك الله؟ قال: لا، ولكن الموت على تلك الحال هلاك.

7 - عيون أخبار الرضا (ع): في خبر ابن الجهم أنه سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل:

" وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه " فقال الرضا عليه السلام: ذلك يونس بن متى عليه السلام ذهب مغاضبا لقومه " فظن " بمعنى استيقن " أن لن نقدر عليه " أي لن نضيق عليه رزقه، ومنه قول الله عز وجل: " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه " أي ضيق عليه فقتر " فنادى في الظلمات " ظلمة الليل، وظلمة البحر، وبطن الحوت " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت فاستجاب الله له، وقال عز وجل: " فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ".

بيان: (بتركي مثل هذه العبادة) أي لما عبد الله تعالى في بطن الحوت أحسن العبادة وذكره أحسن الذكر لفراغ باله عن الشواغل خضع لله وأقر بالظلم حيث ترك قبل دخوله في بطن الحوت مثل تلك العبادة، ولعل ذكر الآية الأخيرة لبيان أنه كان مشتغلا بالتسبيح في بطن الحوت، ويحتمل أن يكون عليه السلام تأول الآية بأنه لو لم يكن خارجا من بطن الحوت من المسبحين للبث في بطنه، لأنه كان أصلح له وأفرغ لعبادته، ولكنه لما كان في الخارج أيضا من المسبحين وكان يترتب على خروجه هداية الخلق أيضا فلذا أخرجناه.

ولنذكر بعض ما قيل من التأويلات في تلك الآيات:

قال السيد قدس الله روحه: أما من ظن أن يونس عليه السلام خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الافتراء على الأنبياء بسوء الظن بهم عن الحد، وليس يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا وجاهلا بأن الحكمة في سائر أفعاله، وهذا لا يليق بأتباع الأنبياء من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله ورفع درجته، وأقبح من ذلك ظن الجهال أنه ظن أن ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل، ويكاد يخرج عندنا من ظن بالأنبياء مثل ذلك عن باب التمييز والتكليف، ولكن كان غضبه عليه السلام على قومه لمقامهم على تكذيبه وإصرارهم على الكفر ويأسه من إقلاعهم وتوبتهم فخرج من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم، فأما قوله: " فظن أن لن نقدر عليه " فمعناه أنا لا نضيق عليه المسلك، ونشدد عليه المحنة والتكليف، لان ذلك مما يجوز أن يظنه النبي، ولا شك في أن قول القائل: قدرت وقدرت بالتشديد والتخفيف معناه التضييق، قال الله تعالى: " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، وقال تعالى: " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " وقال تعالى: " وأما

إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه " والتضييق الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت، وما لحقه في ذلك من المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى منها. وأما قوله تعالى: " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع بين يديه، وليس لاحد أن يقول: كيف يعترف بأنه كان من الظالمين ولم يقع منه ظلم؟ وذلك أنه يمكن أن يريد أني من الذين يقع منهم الظلم، فيكون صدقا وإن ورد على سبيل الخشوع والخضوع، لان جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم، والفائدة في ذلك التطأمن لله تعالى والتخاضع ونفي التكبر والتجبر كما يقول الانسان إذا أراد أن يكسر نفسه: إنما أنا من البشر ولست من الملائكة، وأنا ممن يخطئ ويصيب، وهو لا يريد إضافة الخطاء إلى نفسه. انتهى. أقول: على ما ذكره رحمه الله يحتمل أن يكون الغرض عد نعمه تعالى عليه بأني مع كوني ممن يقع منه الظلم عصمتني عنه، فلو وكلتني إلى نفسي لكنت مثلهم ظالما، ولكن بعصمتك نجيتني، ومن آداب الدعاء والمسألة عد النعم السالفة للمنعم على السائل.

ثم قال رحمه الله: ووجه آخر وهو أنا قد بينا في قصة آدم عليه السلام أن المراد بذلك أنا نقصنا الثواب وبخسنا حظنا منه، لان الظلم في أصل اللغة: النقص والثلم، ومن ترك المندوب فقد ظلم نفسه من حيث نقصها ثواب ذلك. وأما قوله تعالى: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت " فليس على ما ظنه الجهال من أنه ثقل عليه أعباء النبوة لضيق خلقه فقذفها، وإنما الصحيح أن يونس لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله بها لغاية الثواب، فشكا إلى الله تعالى منها وسأله الفرج والخلاص،

ولو صبر لكان أفضل، فأراد الله لنبيه صلى الله عليه وآله أفضل المنازل وأعلاها. انتهى. أقول: لما كان الظاهر من أكثر الاخبار أنه كان هجرته عن القوم بعد العلم بتوبتهم وصرف العذاب عنهم فيحتمل أن يكون غضبه كناية عن حزنه وأسفه على طلب العذاب لهم، وخوفه من أن يكذبوه بعد رجوعه إليهم حيث لم يقع ما أخبر به، وأما قوله تعالى: " فظن أن لن نقدر عليه " فالأكثر على أنه بمعنى التضييق كما مر. وقد قيل فيه وجوه أخر:

الأول: أن يكون هذا من باب التمثيل، يعني كانت حاله ومثله كحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله. والثاني: أن يفسر القدر بالقضاء، فالمعنى: فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس، واختيار الفراء و الزجاج، ويؤيده أنه قرئ في الشواذ بضم النون وتشديد الدال المكسورة.

والثالث: أن المعنى: فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، لان بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر.

الرابع: أنه استفهام بمعنى التوبيخ.

ثم اختلفوا في الظلمات فقيل: أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، وقيل: ظلمة الليل والبحر والحوت، وقيل: كان حوت في بطن حوت.

8 - الخصال: الفامي وابن مسرور، عن ابن بطة، عن الصفار، عن ابن معروف، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران وهو قول الله تعالى: " وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " و السهام ستة، ثم استهموا في يونس لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات، قال: فمضى يونس إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه. الخبر.

9 - معاني الأخبار: معنى يونس أنه كان مستأنسا لربه، مغاضبا لقومه، وصار مؤنسا لقومه بعد رجوعه إليهم.

10 - بصائر الدرجات: ابن معروف، عن سعدان، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض أقر بها من أقر، وأنكرها من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها. بيان: المراد بالانكار عدم القبول التام وما يلزمه من الاستشفاع والتوسل بهم.

11 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن أورمة، عن الحسن بن علي بن محمد، عن رجل، عن أبي عبد الله صلوات الله عليه قال: خرج يونس عليه السلام مغاضبا من قومه لما رأى من معاصيهم حتى ركب مع قوم في سفينة في اليم فعرض لهم حوت ليغرقهم، فساهموا ثلاث مرات، فقال يونس: إياي أراد فاقذفوني، ولما أخذت السمكة يونس أوحى الله تعالى جل وعلا إليها أني لم أجعله لك رزقا فلا تكسر له عظما، ولا تأكل له لحما، قال فطافت به البحار، فنادى في الظلمات: " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " وقال: لما صارت السمكة في البحر الذي فيه قارون سمع قارون صوتا لم يسمعه، فقال للملك الموكل به: ما هذا الصوت؟ قال: هو يونس النبي عليه السلام في بطن الحوت، قال: فتأذن لي أن أكلمه؟ قال: نعم، قال: يا يونس ما فعل هارون؟ قال: مات، فبكى قارون، قال: ما فعل موسى؟ قال: مات، فبكى قارون، فأوحى الله تعالى جلت عظمته إلى الملك الموكل به: أن خفف العذاب على قارون لرقته على قرابته.

وفي خبر آخر: ارفع عنه العذاب بقية أيام الدنيا لرقته على قرابته، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه وآله يقول: ما ينبغي لاحد أن يقول: أنا خير من يونس ابن متى عليه السلام.

بيان: لعل المعنى على تقدير صحة الخبر أنه لا ينبغي أن يقول أحد: أنا خير من يونس من حيث المعراج، بأن يظن أني صرت من حيث العروج إلى السماء أقرب إلى الله تعالى منه، فإن نسبته تعالى إلى السماء والأرض والبحار نسبة واحدة، وإنما أراني الله تعالى عجائب خلقه في السماوات وأرى يونس عجائب خلقه في البحار، وإني عبدت الله في السماء وهو عبد الله في ظلمات البحار، ولكن التفضيل من جهات أخر.

12 - تفسير العياشي: عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله أن جبرئيل عليه السلام حدثه أن يونس بن متى عليه السلام بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة، وكان رجلا يعتريه الحدة، وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم، عاجزا عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوة وأعلامها، وأنه يفسخ تحتها كما يفسخ الجذع تحت حمله، وأنه أقام فيهم يدعوهم إلى الايمان بالله والتصديق به واتباعه ثلاثا وثلاثين سنة، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلا رجلان: اسم أحدهما روبيل واسم الآخر تنوخا، وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوة والحكمة، وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه الله بالنبوة، وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا في العبادة وليس له

علم ولا حكم، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته، فلما رأى يونس عليه السلام أن قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون به ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر فشكا ذلك إلى ربه، وكان فيما شكا أن قال: يا رب إنك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الايمان بك، والتصديق برسالاتي، وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلاثا وثلاثين سنة فكذبوني ولم يؤمنوا بي، وجحدوا نبوتي واستخفوا برسالاتي، وقد تواعدوني وخفت أن يقتلوني، فأنزل عليهم عذابك فإنهم قوم لا يؤمنون.

قال: فأوحى الله إلى يونس أن فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير و المرأة الضعيفة والمستضعف المهين، وأنا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي، لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفي عيلتي أحب أن أتأناهم وأرفق بهم وأنتظر توبتهم، وإنما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا عليهم، تعطف عليهم بالرحم الماسة منهم، وتأناهم برأفة النبوة، وتصبر معهم بأحلام الرسالة، وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوي، العالم بمداواة الداء، فخرقت بهم، ولم تستعمل قلوبهم بالرفق، ولم تسسهم بسياسة المرسلين، ثم سألتني عن سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك، وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه، وأحسن صحبة وأشد تأنيا في الصبر عندي، وأبلغ في العذر، فغضبت له حين غضب لي وأجبته حين دعاني.

فقال يونس: يا رب إنما غضبت عليهم فيك، وإنما دعوت عليهم حين عصوك، فوعزتك لا أتعطف عليهم برأفة أبدا، ولا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إياي وجحدهم بنبوتي، فأنزل عليهم عذابك فإنهم لا يؤمنون أبدا، فقال الله: يا يونس إنهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي، يعمرون بلادي، ويلدون عبادي، ومحبتي أن

أتأناهم للذي سبق من علمي فيهم وفيك، وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك، وأنت المرسل وأنا الرب الحكيم، وعلمي فيهم يا يونس باطن في الغيب عندي لا تعلم ما منتهاه، وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له، يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم وما ذلك يا يونس بأوفر لحظك عندي، ولا أجمل لشأنك، وسيأتيهم عذاب في شوال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فأعلمهم ذلك.

قال: فسر بذلك يونس ولم يسؤه ولم يدر ما عاقبته، فانطلق يونس إلى تنوخا العابد فأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم، وقال له:

انطلق حتى أعلمهم بما أوحى الله إلي من نزول العذاب، فقال تنوخا: فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله، فقال له يونس: بل نلقي روبيل فنشاوره فإنه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوة، فانطلقا إلى روبيل فأخبره يونس عليه السلام بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فقال له: ما ترى انطلق بنا حتى أعلمهم ذلك، فقال له روبيل: ارجع إلى ربك رجعة نبي حكيم ورسول كريم، وسله أن يصرف عنهم العذاب فإنه غني عن عذابهم، وهو يحب الرفق بعباده وما ذلك بأضر لك عنده، ولا أسوأ لمنزلتك لديه، ولعل قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما فصابرهم وتأنهم، فقال له تنوخا: ويحك يا روبيل ما أشرت على يونس وأمرته بعد كفرهم بالله، وجحدهم لنبيه، وتكذيبهم إياه وإخراجهم إياه من مساكنه، وما هموا به من رجمه؟ فقال روبيل لتنوخا: اسكت فإنك رجل عابد لا علم لك.

ثم أقبل على يونس فقال: أرأيت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك أنزله فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقى بعض؟ فقال له يونس: بل يهلكهم جميعا، وكذلك سألته، ما دخلتني لهم رحمة تعطف فأراجع الله فيهم وأسأله أن يصرف عنهم، فقال له روبيل:

أتدري يا يونس لعل الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسوا به أن يتوبوا إليه ويستغفروا فيرحمهم فإنه أرحم الراحمين، ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله أنه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذابا، فقال له تنوخا: ويحك ياروبيل لقد قلت عظيما، يخبرك النبي المرسل أن الله أوحى إليه أن العذاب ينزل عليهم فترد قول الله وتشك فيه وفي قول رسول الله اذهب فقد حبط عملك، فقال روبيل لتنوخا: لقد فشل رأيك.

ثم أقبل على يونس فقال: إذا نزل الوحي والامر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم وقوله الحق أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة، وتبطل رسالتك ، وتكون كبعض ضعفاء الناس ويهلك على يديك مائة ألف من الناس؟ فأبى يونس أن يقبل وصيته فانطلق ومعه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد، ورجع يونس إلى قومه فأخبرهم أن الله أوحى إليه أنه ينزل العذاب عليكم يوم الأربعاء في شوال في وسط الشهر بعد طلوع الشمس، فردوا عليه قوله فكذبوه وأخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا، فخرج يونس عليه السلام ومعه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد، وأقاما ينتظران العذاب، وأقام روبيل مع قومه في قريتهم حتى إذا دخل عليهم شوال صرخ روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم: أنا روبيل، شفيق عليكم، رحيم بكم، هذا شوال قد دخل عليكم، وقد أخبركم يونس نبيكم ورسول ربكم أن الله أوحى إليه أن العذاب ينزل عليكم في شوال في وسط الشهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس، ولن يخلف الله وعده رسله، فانظروا ما أنتم صانعون، فأفزعهم كلامه ووقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب فأجفلوا نحو روبيل وقالوا له: ماذا أنت تشير به علينا يا روبيل؟ فإنك رجل عالم حكيم، لم نزل نعرفك بالرقة علينا والرحمة لنا، وقد بلغنا ما أشرت به على يونس فينا فمرنا

بأمرك، وأشر علينا برأيك، فقال لهم روبيل: فإني أرى لكم وأشير عليكم أن تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشهر أن تعدلوا الأطفال عن الأمهات في أسفل الجبل في طريق الأودية، وتقفوا النساء في سفح الجبل، و يكون هذا كله قبل طلوع الشمس، فإذا رأيتم ريحا صفراء أقبلت من المشرق فعجوا الكبير منكم والصغير بالصراخ والبكاء، والتضرع إلى الله، والتوبة إليه والاستغفار له وارفعوا رؤوسكم إلى السماء وقولوا: ربنا ظلمنا وكذبنا نبيك، وتبنا إليك من ذنوبنا، وإن لا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين المعذبين، فاقبل توبتنا وارحمنا يا أرحم الراحمين، ثم لا تملوا من البكاء والصراخ والتضرع إلى الله والتوبة إليه حتى تتوارى الشمس بالحجاب، أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك، فأجمع رأي القوم جميعا على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل.

فلما كان يوم الأربعاء الذي توقعوا العذاب تنحى روبيل من القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا نزل، فلما طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به، فلما بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة، لها صرير وحفيف وهدير فلما رأوها عجوا جميعا بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله، وتابوا إليه واستغفروه، و صرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها، وعجت سخال البهائم تطلب اللبن، وعجت الانعام تطلب الرعي، فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان صيحتهم وصراخهم ويدعوان الله عليهم بتغليظ العذاب عليهم، وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم و

يرى ما نزل وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم، فلما أن زالت الشمس وفتحت أبواب السماء وسكن غضب الرب تعالى رحمهم الرحمن فاستجاب دعاءهم وقبل توبتهم وأقالهم عثرتهم، وأوحى إلى إسرافيل أن اهبط إلى قوم يونس فإنهم قد عجوا إلي بالبكاء و التضرع، وتابوا إلي واستغفروا لي فرحمتهم وتبت عليهم، وأنا الله التواب الرحيم، أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذنوب، وقد كان عبدي يونس ورسولي سألني نزول العذاب على قومه وقد أنزلته عليهم، وأنا الله أحق من وفى بعهده، وقد أنزلته عليهم، ولم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزل عليهم العذاب أن أهلكهم، فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي.

فقال إسرافيل: يا رب إن عذابك قد بلغ أكتافهم وكاد أن يهلكهم وما أراه إلا وقد نزل بساحتهم، فكيف أنزل أصرفه؟ فقال الله: كلا إني قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ولا ينزلوه عليهم حتى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي، فاهبط يا إسرافيل عليهم واصرفه عنهم، واصرف به إلى الجبال بناحية مفاوض العيون، ومجاري السيول في الجبال العادية المستطيلة على الجبال فأذلها به ولينها حتى تصير ملينة حديدا جامدا فهبط إسرافيل عليهم فنشر أجنحته فاستاق بها ذلك العذاب حتى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها. قال أبو جعفر عليه السلام: وهي الجبال التي بناحية الموصل اليوم فصارت حديدا إلى يوم القيامة.

فلما رأى قوم يونس أن العذاب قد صرف عنهم هبطوا إلى منازلهم عن رؤوس الجبال وضموا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم، وحمدوا الله على ما صرف عنهم، وأصبح يونس وتنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه لا يشكان أن العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعا لما خفيت أصواتهم عندهما، فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع

طلوع الشمس ينظران إلى ما صار إليه القوم، فلما دنوا من القوم واستقبلتهم الحطابون والحماة والرعاة بأغنامهم ونظروا إلى أهل القرية مطمئنين قال يونس لتنوخا:

يا تنوخا كذبني الوحي، وكذبت وعدي لقومي، ولا عزة لي ولا يرون لي وجها أبدا بعدما كذبني الوحي، فانطلق يونس هاربا على وجهه مغاضبا لربه ناحية البحر مستنكرا فرارا من أن يراه أحد من قومه فيقول له: يا كذاب، فلذلك قال الله: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه " الآية، ورجع تنوخا إلى القرية فلقي روبيل فقال له:

يا تنوخا أي الرأيين كان أصوب وأحق أن يتبع؟ رأيي أو رأيك؟ فقال له تنوخا: بل رأيك كان أصوب، ولقد كنت أشرت برأي الحكماء العلماء، فقال له تنوخا: أما إني لم أزل أرى أني أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي حتى استبان فضلك لفضل علمك وما أعطاك الله ربك من الحكمة مع التقوى أفضل من الزهد والعبادة بلا علم، فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما، ومضى يونس على وجهه مغاضبا لربه فكان من قصته ما أخبر الله به في كتابه إلى قوله: " فآمنوا فمتعناهم إلى حين ".

قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر عليه السلام: كم كان غاب يونس عن قومه حتى رجع إليهم بالنبوة والرسالة فآمنوا به وصدقوه؟ قال: أربعة أسابيع: سبعا منها في ذهابه إلى البحر، وسبعا منها في رجوعه إلى قومه، فقلت له: وما هذه الأسابيع شهور أو أيام أو ساعات؟ فقال: يا عبيدة إن العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النصف من شوال، وصرف عنهم من يومهم ذلك، فانطلق يونس مغاضبا فمضى يوم الخميس سبعة أيام في مسيره إلى البحر، وسبعة أيام في بطن الحوت، وسبعة أيام تحت الشجرة بالعراء، وسبعة أيام في

رجوعه إلى قومه، فكان ذهابه ورجوعه مسيرة ثمان وعشرين يوما، ثم أتاهم فآمنوا به و صدقوه واتبعوه، فلذلك قال الله: " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ". قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، عنه عليه السلام مثله مع اختصار. بيان: قوله: (يفسخ) الفسخ بالسين المهملة والخاء المعجمة: الطرح والنقض والتفريق، وبالشين المعجمة والحاء المهملة: تفريج ما بين الرجلين، ويقال: فشح عنه أي عدل، وبالشين المعجمة والجيم أيضا معناه قريب مما ذكر، ويقال: أفسج عني - بالسين المهملة والجيم - أي تركني وخلا عني، والكل لا يخلو من مناسبة. والجذع: الناقة الشابة أو ما دخلت في الخامسة. والفشل: الضعف والجبن. وأجفلوا إليه أي انقلعوا وأسرعوا إليه.

وقوله عليه السلام: (بعد ما كذبني الوحي) أي باعتقاد القوم. وقوله: (مغاضبا لربه) أي على قومه لربه تعالى. أي كان غضبه لله تعالى لا للهوى، أو خائفا عن تكذيب قومه لما تخلف عنه من وعد ربه.

13 - تفسير العياشي: عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن يونس لما آذاه قومه دعا الله عليهم فأصبحوا أول يوم ووجوههم مصفرة، وأصبحوا اليوم الثاني ووجوههم مسودة قال: وكان الله واعدهم أن يأتيهم العذاب حتى نالوه برماحهم، ففرقوا بين النساء و أولادهن، والبقر وأولادها، ولبسوا المسوح والصوف، ووضعوا الحبال في أعناقهم، و الرماد على رؤوسهم، وضجوا ضجة واحدة إلى ربهم وقالوا: آمنا بإله يونس، قال:

فصرف الله عنهم العذاب إلى جبال آمد، قال: وأصبح يونس وهو يظن أنهم هلكوا فوجدهم في عافية فغضب وخرج - كما قال الله - مغاضبا حتى ركب سفينة فيها رجلان، فاضطربت السفينة فقال الملاح: يا قوم في سفينتي لمطلوب، فقال يونس: أنا هو، وقام ليلقي نفسه، فأبصر السمكة وقد فتحت فاها فهابها وتعلق به الرجلان وقالا له: أنت ويحك ونحن رجلان؟ فساهمهم فوقعت السهام عليه فجرت السنة بأن السهام إذا كانت ثلاث مرات أنها لا تخطئ، فألقى نفسه فالتقمه الحوت فطاف به البحار سبعة حتى صار إلى البحر المسجور وبه يعذب قارون، فسمع قارون دويا فسأل الملك عن ذلك، فأخبره أنه يونس، وأن الله حبسه في بطن الحوت، فقال له قارون: أتأذن لي أن أكلمه؟ فأذن له، فسأله عن موسى عليه السلام فأخبره أنه مات فبكى، ثم سأله عن هارون عليه السلام فأخبره أنه مات فبكى وجزع جزعا شديدا، وسأله عن أخته كلثم وكانت مسماة له فأخبره أنها ماتت فبكى وجزع جزعا شديدا، قال: فأوحى الله إلى الملك الموكل به أن ارفع عنه العذاب بقية الدنيا لرقته على قرابته.

14 - تفسير العياشي: عن معمر قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: إن يونس عليه السلام لما أمره الله بما أمره فأعلم قومه فأظلهم العذاب ففرقوا بينهم وبين أولادهم وبين البهائم وأولادها، ثم

عجوا إلى الله وضجوا، فكف الله العذاب عنهم، فذهب يونس عليه السلام مغاضبا فالتقمه الحوت فطاف به سبعة أبحر، فقلت له: كم بقي في بطن الحوت؟ قال: ثلاثة أيام ثم لفظه الحوت وقد ذهب جلده وشعره، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين فأظلته، فلما قوي أخذت في اليبس، فقال: يا رب شجرة أظلتني يبست، فأوحى الله إليه: يا يونس تجزع لشجرة أظلتك ولا تجزع لمائة ألف أو يزيدون من العذاب؟!. بيان: الاختلاف الذي وقع في تلك الأخبار في مدة مكثه في بطن الحوت يشكل رفعه، ولعل بعضها محمولة على التقية.

15 - مناقب ابن شهرآشوب: الثمالي قال: دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال:

يا ابن الحسين أنت الذي تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها؟ قال: بلى ثكلتك أمك، قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال: هيه وأريه ان كنت من الصادقين. ثم قال: يا أيها الحوت، قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال: من أنت؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتمنع من حملها لقي ما لقي آدم عليه السلام من المعصية، وما لقي نوح عليه السلام

من الغرق، وما لقي إبراهيم عليه السلام من النار، وما لقي يوسف عليه السلام من الجب، وما لقي أيوب عليه السلام من البلاء، وما لقي داود عليه السلام من الخطيئة إلى أن بعث الله يونس عليه السلام، فأوحى الله إليه:

أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا والأئمة الراشدين من صلبه في كلام له، قال:

فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه، وذهب مغتاظا، فأوحى الله تعالى إلي أن التقمي يونس ولا توهني له عظما، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث، ينادي: إنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قد قبلت ولاية علي ابن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك، واستوى الماء. بيان: قوله عليه السلام: (هيه وأريه) الظاهر أن الهائين للسكت، أي هي السمكة أريكها إن كنت من الصادقين كما قلت، ويحتمل أن تكون " أن " مخففة بحذف اللام.

16 - تنبيه الخاطر: علي بن الحكم، عمن رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن داود النبي عليه السلام قال: يا رب أخبرني بقريني في الجنة ونظيري في منازلي، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: إن ذلك متى أبا يونس، قال: فاستأذن الله في زيارته فأذن له، فخرج هو وسليمان ابنه عليهما السلام حتى أتيا موضعه، فإذا هما ببيت من سعف، فقيل لهما: هو في السوق، فسألا عنه فقيل لهما: اطلباه في الحطابين، فسألا عنه فقال لهما جماعة من الناس:

نحن ننتظره، الآن يجئ، فجلسا ينتظرانه إذا أقبل وعلى رأسه وقر من حطب، فقام إليه الناس فألقى عنه الحطب وحمد الله وقال: من يشتري طيبا بطيب؟ فساومه واحد وزاده آخر حتى باعه من بعضهم، قال: فسلما عليه، فقال: انطلقا بنا إلى المنزل، واشترى طعاما بما كان معه ثم طحنه وعجنه في نقير له، ثم أجج نارا وأوقدها، ثم جعل العجين في تلك النار وجلس معهما يتحدث، ثم قام وقد نضجت خبيزته، فوضعها في النقير و

فلقها وذر عليها ملحا، ووضع إلى جنبه مطهرة ملا ماء، وجلس على ركبتيه وأخذ لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله، فلما ازدردها قال: الحمد لله، ثم فعل ذلك بأخرى وأخرى، ثم أخذ الماء فشرب منه فذكر اسم الله، فلما وضعه قال: الحمد لله، يا رب من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني؟ قد صححت بصري وسمعي وبدني وقويتني حتى ذهبت إلى الشجر لم أغرسه ولم أهتم لحفظه جعلته لي رزقا، وسقت إلي من اشتراه مني فاشتريت بثمنه طعاما لم أزرعه، وسخرت لي النار فأنضجته، و جعلتني آكله بشهوة أقوى به على طاعتك فلك الحمد، قال: ثم بكى، قال داود: يا بني قم فانصرف بنا فإني لم أر عبدا قط أشكر لله من هذا. بيان: قال الجزري: النقير: أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينبذ فيه التمر ويلقى عليه الماء ليصير نبيذا.

17 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق " يعني هرب " إلى الفلك المشحون فساهم " أي ألقى السهام " فكان من المدحضين " أي من المغوصين " فالتقمه الحوت وهو مليم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين " قال: الدباء. تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " إذ أبق إلى الفلك المشحون " أي فر من قومه إلى السفينة المملوءة من الناس والأحمال خوفا من أن ينزل العذاب وهو مقيم فيهم " فساهم " يونس القوم بأن ألقوا السهام على سبيل القرعة، أي قارعهم " فكان من المدحضين " أي من المقروعين، عن الحسن وابن عباس، وقيل: من المسهومين، عن مجاهد، والمراد: من الملقين في البحر، واختلف في سبب ذلك فقيل: إنهم أشرفوا على الغرق فرأوا أنهم إن طرحوا

واحدا منهم في البحر لم يغرق الباقون، وقيل: إن السفينة احتبست فقال الملاحون: إن ههنا عبدا آبقا، فإن من عادة السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فلذلك اقترعوا فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات فعلموا أنه المطلوب فألقى نفسه في البحر، وقيل: إنه لما وقعت القرعة عليه ألقوه في البحر " فالتقمه الحوت " اي ابتلعه، وقيل: إن الله سبحانه أوحى إلى الحوت: إني لم أجعل عبدي رزقا لك، ولكني جعلت بطنك له مسجدا، فلا تكسرن له عظما، ولا تخدشن له جلدا " وهو مليم " أي مستحق اللوم - لوم العتاب، لا لوم العقاب - على خروجه من بين قومه من غير أمر ربه، وعندنا أن ذلك إنما وقع منه تركا للمندوب، وقد يلام الرجل على ترك المندوب، ومن يجوز الصغيرة على الأنبياء قال: قد وقع ذلك صغيرة مكفرة.

واختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقيل: كان ثلاثة أيام، عن مقاتل بن حيان، وقيل: سبعة أيام، عن عطاء، وقيل: عشرين يوما، عن الضحاك، وقيل: أربعين يوما، عن السدي ومقاتل بن سليمان والكلبي " فلولا أنه كان من المسبحين " أي كان من المصلين في حال الرخاء فنجاه الله عند البلاء، عن قتادة، وقيل: كان تسبيحه أنه كان يقول: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " عن سعيد بن جبير.

وقيل: " من المسبحين " أي من المنزهين الله عما لا يليق به " للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " أي لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة " فنبذناه بالعراء " أي طرحناه بالمكان الخالي الذي لا نبت فيه ولا شجر، وقيل: بالساحل، ألهم الله الحوت حتى قذفه ورماه من جوفه على وجه الأرض " وهو سقيم " أي مريض حين ألقاه الحوت " وأنبتنا عليه شجرة من يقطين " وهو القرع، عن ابن مسعود، وقيل: هو كل نبت يبسط على وجه الأرض ولا ساق له، عن ابن عباس والحسن.

وروى ابن مسعود قال: خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش، فاستظل بالشجرة من الشمس " وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " قيل: إن الله سبحانه أرسله إلى أهل نينوى من أرض الموصل، عن قتادة، وكانت رسالته هذه بعد ما نبذه

الحوت، عن ابن عباس، فعلى هذا يجوز أن يكون أرسل على قوم بعد قوم، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين بشريعة فآمنوا بها.

وقيل في معنى " أو " في قوله: " أو يزيدون " وجوه:

أحدها أنه على طريق الابهام على المخاطبين، كأنه قال: أرسلناه إلى إحدى العدتين.

وثانيها: أن " أو " تخيير كأن الرائي خير بين أن يقول: هم مائة ألف أو يزيدون عن سيبويه، والمعنى أنهم كانوا عددا لو نظر إليهم الناظر لقال: هم مائة ألف أو يزيدون.

وثالثها: أن " أو " بمعنى الواو، كأنه قال: ويزيدون، عن بعض الكوفيين، وقال بعضهم: معناه: بل يزيدون، وهذان القولان الأخيران غير مرضيين عند المحققين، وأجود الأقوال الأول والثاني.

واختلف في الزيادة على مائة ألف كم هي؟ فقيل: عشرون ألفا، عن ابن عباس و مقاتل، وقيل: بضع وثلاثون ألفا، عن الحسن والربيع، وقيل: سبعون ألفا، عن مقاتل بن حيان.

" فآمنوا فمتعناهم إلى حين " حكى سبحانه عنهم أنهم آمنوا بالله وراجعوا التوبة فكشف عنهم العذاب، ومتعهم بالمنافع واللذات إلى انقضاء آجالهم. وقال رحمه الله: إن قوم يونس كانوا بأرض نينوى من أرض الموصل، وكان يدعوهم إلى الاسلام فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث إن لم يتوبوا، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا، فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشئ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، قال وهب: أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم واسودت سطوحهم.

وقال ابن عباس: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ثلثي ميل، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ولبسوا المسوح وأظهروا التوبة، وفرقوا بين كل والدة وولدها.

قال ابن مسعود: بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل يأتي إلى الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه ويرده، وروي أنه قال شيخ من بقية علمائهم: قولوا: " يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت " فقالوها فكشف عنهم العذاب، وقال ابن مسعود: لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر فأهوى به إلى قرار الأرض، وكان في بطنه أربعين ليلة، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر وهو كالفرخ المتمعط، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فجعل يستظل تحتها، ووكل الله به وعلا يشرب من لبنها إلى أن رده الله إلى قومه. وقيل:

إنه عليه السلام أرسل إلى قوم غير قومه الأولين انتهى. وقال صاحب الكامل: كان يقطر عليه من شجرة اليقطين اللبن. وقال الشيخ في المصباح: في اليوم التاسع من المحرم أخرج الله يونس من بطن الحوت.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.