پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 9 قصته عليه السلام مع بلقيس الآيات، النمل 27 وتفقد

ج ۱۴، ص ۱۰۹–۱۲۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۴

من قبلها وكنا مسلمين * وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين * قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير * قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

20 - 44

1 - الاختصاص: أحمد بن محمد وفضالة، عن أبان، عن أبي بصير وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما زاد العالم على النظر إلى ما خلفه وما بين يديه مد بصره ثم نظر إلى سليمان عليه السلام ثم مد بيده فإذا هو ممثل بين يديه.

2 - وذكر علي بن مهزيار، عن أحمد بن محمد، عن حماد بن عثمان، عن زرارة قال:

سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما زاد صاحب سليمان على أن قال بإصبعه هكذا، فإذا هو قد جاء بعرش صاحبة سبأ، فقال له حمران: كيف هذا أصلحك الله؟ فقال: إن أبي كان يقول: إن الأرض طويت له إذا أراد طواها.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: كان سليمان عليه السلام إذا قعد على كرسيه جاءت جميع الطير التي سخرها الله لسليمان فتظل الكرسي والبساط بجميع من عليه من الشمس، فغاب عنه الهدهد من بين الطير فوقعت الشمس من موضعه في حجر سليمان، فرفع رأسه، وقال كما حكى الله:

" مالي لا أرى الهدهد " إلى قوله: " بسلطان مبين " أي بحجة قوية، فلم يمكث إلا قليلا إذ جاء الهدهد فقال له سليمان: أين كنت؟ قال: " أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين " أي بخبر صحيح " إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ " و هذا مما لفظه عام ومعناه خاص، لأنها لم تؤت أشياء كثيرة منها الذكر واللحية، ثم قال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله " إلى قوله: " فهم لا يهتدون " ثم قال الهدهد: " ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات " أي المطر وفي " الأرض " النبات ثم قال سليمان: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين " إلى قوله:

" ماذا يرجعون " فقال الهدهد: إنها في عرش عظيم أي سرير، فقال سليمان: ألق الكتاب على قبتها، فجاء الهدهد فألقى الكتاب في حجرها فارتاعت من ذلك و جمعت جنودها وقالت لهم كما حكى الله: " يا أيها الملا إني ألقي إلي كتاب كريم "

أي مختوم " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين " أي لا تتكبروا علي، ثم قالت: " يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " قالوا لها كما حكى الله: " نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد * والامر إليك فانظري ماذا تأمرين " فقالت لهم: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة " فقال الله عز وجل: " وكذلك يفعلون " ثم قالت: إن كان هذا نبيا من عند الله كما يدعي فلا طاقة لنا به، فإن الله لا يغلب، ولكن سأبعث إليه بهدية فإن كان ملكا يميل إلى الدنيا قبلها و علمت أنه لا يقدر علينا، فبعثت إليه حقا فيه جوهرة عظيمة، وقالت للرسول: قل له:

يثقب هذه الجوهرة بلا حديد ولا نار، فأتاه الرسول بذلك فأمر سليمان عليه السلام بعض جنوده من الديدان فأخذ خيطا في فمه ثم ثقبها وأخرج الخيط من الجانب الآخر وقال سليمان لرسولها: " ما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها " أي لا طاقة " ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " فرجع إليها الرسول فأخبرها بذلك وبقوة سليمان فعلمت أنه لا محيص لها، فارتحلت وخرجت نحو سليمان، فلما أخبر الله سليمان بإقبالها نحوه قال للجن والشياطين: " أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت " من عفاريت الجن: " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " قال سليمان: أريد أسرع من ذلك، فقال آصف ابن برخيا: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " فدعا الله باسمه الأعظم فخرج السرير من تحت كرسي سليمان بن داود عليه السلام فقال سليمان: " نكروا لها عرشها " أي غيروه " ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون * فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو " و كان سليمان قد أمر أن يتخذ لها بيت من قوارير ووضعه على الماء، ثم قيل لها: " ادخلي الصرح " فظنت أنه ماء فرفعت ثوبها وأبدت ساقيها فإذا عليها شعر كثير، فقيل لها: " إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "

فتزوجها سليمان وهي بلقيس بنت الشرح الجبيرية، وقال سليمان للشياطين:

اتخذوا لها شيئا يذهب هذا الشعر عنها، فعملوا الحمامات وطبخوا النورة فالحمامات والنورة مما اتخذته الشياطين لبلقيس ، وكذا الأرحية التي تدور على الماء.

وقال الصادق عليه السلام: أعطي سليمان بن داود عليه السلام مع علمه معرفة المنطق بكل لسان ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع، فكان إذا شاهد الحروب تكلم بالفارسية وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلم بالرومية، فإذا خلا مع نسائه تكلم بالسريانية والنبطية، وإذا قام في محرابه لمناجاة ربه تكلم بالعربية، وإذا جلس للوفود والخصماء تكلم بالعبرانية قوله: " لأعذبنه عذابا شديدا " يقول: لأنتفن ريشه، قوله:

" أن لا تعلوا علي " يقول: لا تعظموا علي، قوله: " لا قبل لهم بها " يقول: لا طاقة لهم بها، وقول سليمان: " ليبلوني أأشكر " الذي آتاني من الملك " أم أكفر " إذا رأيت من هو دوني أفضل مني علما، فعزم الله له على الشكر.

4 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر أو غيره، عن محمد بن حماد، عن أخيه أحمد بن حماد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله ورث النبيين كلهم؟ قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه؟ قال:

ما بعث الله نبيا إلا ومحمد صلى الله عليه وآله أعلم منه قال: قلت: إن عيسى بن مريم عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله، قال: صدقت، وسليمان بن داود عليه السلام كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقدر على هذه المنازل، قال: فقال: إن سليمان بن داود عليه السلام قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال: " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " حين فقده فغضب عليه فقال: " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " وإنما غضب

لأنه كان يدله على الماء فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والجن والانس والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه، وإن الله يقول في كتابه: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى " وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال، وتقطع به البلدان وتحيى به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وإن في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلا أن يأذن الله به، الخبر. بيان: تحت الهواء لعل المراد منه تحت الأرض كما سيأتي، فإن الأرض أيضا تحت الهواء، أو المراد معرفته حين كونهم على البساط في الهواء.

5 - الكافي: محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل، عن شريس الوابشي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، وإنما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة العين، ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا وحرف عند الله تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

6 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد النوفلي، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام قال: سمعته يقول: إن اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا، كان عند آصف حرف فتكلم به فانخرقت له الأرض فيما بينه وبين سبأ، فتناول عرش بلقيس حتى صيره إلى سليمان، ثم انبسطت الأرض في أقل من طرفة عين

7 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل، عن سعد أبي عمر الجلاب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس، ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كان أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب المكتوب عنده.

8 - بصائر الدرجات: أحمد بن موسى، عن أحمد بن عبدوس الخليجي، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل، عن سعد أبي عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن اسم الله الأعظم على اثنين وسبعين حرفا، وإنما كان عند آصف كاتب سليمان عليه السلام وكان يوحى إليه حرف واحد ألف أو واو، فتكلم فانخرقت له الأرض حتى التفت فتناول السرير، وإن عندنا من الاسم أحدا وسبعين حرفا، وحرف عند الله في غيبه. أقول: قد أوردنا بعض الأخبار في أبواب الإمامة، وبعضها في أبواب التوحيد.

9 - بصائر الدرجات: محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل، عن ضريس الوابشي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك قول العالم: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال: فقال: يا جابر إن الله جعل اسمه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، فكان عند العالم منها حرف واحد فانخسفت الأرض ما بينه وبين السرير

حتى التفت القطعتان وحول من هذه على هذه، وعندنا من اسم الله الأعظم اثنان و سبعون حرفا، وحرف في علم الغيب المكنون عنده.

10 - الكافي: علي بن محمد بن بندار، عن السياري رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:

من أراد الاطلاء بالنورة فأخذ من النورة بإصبعه فشمه وجعله على طرف أنفه وقال:

" صلى الله على سليمان بن داود كما أمرنا بالنورة " لم تحرقه النورة.

11 - كامل الزيارة: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن صاحب سليمان تكلم باسم الله الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان وبين العرش من سهولة الأرض وحزونتها حتى التقت القطعتان فاجتر العرش، قال سليمان: يخيل إلي أنه خرج من تحت سريري، قال: ودحيت في أسرع من طرفة العين. بيان: ظاهر أكثر تلك الأخبار أن الأرض التي كانت بينه وبين السرير انخسفت وتحركت الأرض التي كان السرير عليها حتى أحضرته عنده. فإن قيل: كيف انخسفت الأبنية التي كانت عليها؟ قلنا: يحتمل أن تكون تلك الأبنية تحركت بأمره تعالى يمينا وشمالا، وكذا ما عليها من الحيوانات والأشجار وغيرها، ويمكن أن يكون حركة السرير من تحت الأرض بأن غار في الأرض وطويت وتكاثفت الطبقة التحتانية حتى خرج من تحت سريره ثم دحيت تلك الطبقة من تحت الأرض.

12 - الاختصاص: محمد بن علي، عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الأحمر قال: قال الصادق عليه السلام: يا أبان كيف تنكر الناس قول أمير المؤمنين عليه السلام لما قال: " لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر ابن أبي سفيان بالشام فنكسته عن سريره " ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عرش بلقيس وإتيانه سليمان به قبل أن يرتد إليه طرفه؟ أليس نبينا صلى الله عليه وآله أفضل الأنبياء ووصيه أفضل الأوصياء؟ أفلا

جعلوه كوصي سليمان عليه السلام؟ حكم الله بيننا وبين من جحد حقنا وأنكر فضلنا أقول: قال الشيخ أمين الدين الطبرسي برد الله مضجعه في قوله تعالى: " وتفقد الطير " أي طلبه عند غيبته " فقال مالي لا أرى الهدهد " أي ما للهدهد لا أراه؟ واختلف في سبب تفقده فقيل: إنه احتاج إليه في سفره ليدله على الماء، يقال: إنه يرى الماء في بطن الأرض كما نراه في القارورة، عن ابن عباس، وروى العياشي بالاسناد قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله عليه السلام: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لان الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة؟ فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه وضحك! فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما يضحكك؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك؟ قال: وكيف ذاك؟ قال: الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخ في التراب حتى تأخذ بعنقه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر أغشى البصر.

وقيل: إنما تفقده لاخلاله بنوبته، عن وهب ، وقيل: كانت الطيور تظله من الشمس فلما أخل الهدهد بمكانه بان بطلوع الشمس عليه " أم كان من الغائبين " معناه: أتأخر عصيانا أم غاب لعذر وحاجة؟ قال المبرد: لما تفقد سليمان الطير ولم ير الهدهد قال: مالي لا أرى الهدهد؟ على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك فشك في غيبته عن ذلك الجمع بحيث لم يره فقال: " أم كان من الغائبين " أي بل أكان من الغائبين؟ كأنه ترك الكلام الأول واستفهم عن حاله وغيبته، ثم أوعده على غيبته فقال: " لأعذبنه عذابا شديدا " أي بنتف ريشه وإلقائه في الشمس، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقيل:

بأن أجعله بين أضداده، وكما صح نطق الطير وتكليفه في زمانه معجزة له جازت معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنه كان مأمورا بطاعته فاستحق العقاب على غيبته " أو لأذبحنه " أو لأقطعن حلقه عقوبة له على عصيانه " أو ليأتيني بسلطان مبين " أي بحجة واضحة تكون عذرا له في الغيبة " فمكث غير بعيد " أي فلم يلبث سليمان إلا زمانا يسيرا حتى جاء الهدهد، وقيل: معناه: فلبث الهدهد في غيبته قليلا ثم رجع، وعلى هذا

فيجوز أن يكون التقدير: فمكث في مكان غير بعيد، قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة فقال: " أحطت بما لم تحط به " أي اطلعت على ما لم تطلع عليه " وجئتك من سبأ بنبأ يقين " أي بخبر صادق، وسبأ: مدينة بأرض اليمن، عن قتادة، وقيل: إن الله بعث إلى سبأ اثني عشر نبيا، عن السدي.

وروى علقمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبأ فقال: هو رجل ولد له عشرة من العرب ئيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فالذين تشاءموا: لخم وجذام، وغسان، وعاملة، والذين تيامنوا: كندة، والأشعرون، والأزد وحمير، ومذحج، وأنمار، ومن الانمار خثعم، وبجيلة " إني وجدت امرأة تملكهم " أي تتصرف فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد " وأوتيت من كل شئ " وهذا إخبار عن سعة ملكها، أي من كل شئ من الأموال وما يحتاج إليه الملوك من زينة الدنيا، قال الحسن:

وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ، وقيل: شرحيل ولدها أربعون ملكا آخرهم أبوها، قال قتادة: وكان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر قبيلا، كل قبيل منهم تحت رايته ألف مقاتل " ولها عرش عظيم " أي سرير أعظم من سريرك، وكان مقدمه من ذهب مرصع بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة مكللة بألوان الجواهر، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، وعن ابن عباس قال: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا، وقال أبو مسلم: المراد بالعرش الملك " وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم " أي عبادتهم للشمس من دون الله " فصدهم عن السبيل " أي صرفهم عن سبيل الحق " فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا " قرأ أبو جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب " ألا يسجدوا " خفيفة اللام، والباقون بالتشديد، فعلى الأول إنما هو على معنى الامر بالسجود ودخلت الياء للتنبيه، أو على تقدير ألا يا قوم اسجدوا لله، وقيل: إنه أمر من الله تعالى لجميع

خلقه بالسجود له، وقيل: إنه من كلام الهدهد قاله لقوم بلقيس حين وجدهم يسجدون لغير الله، أو قاله لسليمان عند عوده إليه استنكارا لما وجدهم عليه، والقراءة بالتشديد على معنى زين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله " الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض " الخب: المخبوء، وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه، وما يوجده الله فيخرجه من العدم إلى الوجود يكون بهذه المنزلة، وقيل: الخبء: الغيب، وقيل: إن خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات والأشجار " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " أي يعلم السر و العلانية " الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم " من كلام الهدهد، أو ابتداء إخبار من الله تعالى، فلما سمع سليمان ما اعتذر به الهدهد في تأخره " قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين " ثم كتب سليمان عليه السلام كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إليه فذاك قوله:

" اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم " يعني إلى أهل سبأ " ثم تول عنهم " أي استتر منهم قريبا بعد إلقاء الكتاب إليهم " فانظر ماذا يرجعون " أي يرجع بعضهم إلى بعض من القول، فمضى الهدهد بالكتاب فألقاه إليهم فلما رأته بلقيس " قالت " لقومها: " يا أيها الملا " أي أيها الاشراف " إني ألقي إلي كتاب كريم " قال قتادة: أتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها فقرأت الكتاب، وقيل: كانت لها كوة مستقبلة للشمس تقع الشمس عندما تطلع فيها، فإذا نظرت إليها سجدت، فجاء الهدهد إلى الكوة فسدها بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فقامت تنظر فرمى الكتاب إليها، عن وهب وابن زيد، فلما أخذت الكتاب جمعت الاشراف وهم ثلاثمائة واثنا عشر قبيلا، ثم قالت لهم: " إني ألقي إلي كتاب كريم " سمته كريما لأنه كان مختوما عن ابن عباس، ويؤيده الحديث: إكرام الكتاب ختمه. وقيل: وصفته بالكريم لأنه صدره ببسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: لحسن خطه وجودة لفظه وبيانه، وقيل:

لأنه كان ممن يملك الإنس والجن والطير، وقد كانت سمعت بخبر سليمان فسمته كريما لأنه من كريم رفيع الملك عظيم الجاه " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " معناه أن الكتاب من سليمان وأن المكتوب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم * ألا

تعلوا علي وأتوني مسلمين " فإن هذا القدر جملة ما في الكتاب " يا أيها الملا أفتوني في أمري " اي أشيروا علي بالصواب " ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " أي ما كنت ممضية أمرا حتى تحضرون، وهذا ملاطفة منها لقومها، قالوا لها في الجواب: " نحن أولوا قوة " أي أصحاب قوة وقدرة وأهل عدد " وأولوا بأس شديد " أي وأصحاب شجاعة شديدة " والامر إليك " أي أن الامر مفوض إليك في القتال وتركه " فانظري ماذا تأمرين " أي ما الذي تأمريننا به لنمتثله، فإن أمرت بالصلح صالحنا وإن أمرت بالقتال قاتلنا، قالت مجيبة لهم عن التعريض بالقتال: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة أهلكوها وخربوها " وجعلوا أعزة أهلها أذلة " أي أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الامر، والمعنى أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم و دخوله بلادهم وانتهى الخبر عنها وصدقها الله فيما قالت فقال: " وكذلك " أي وكما قالت هي " يفعلون " وقيل: إن الكلام متصل بعضه ببعض " وكذلك يفعلون " من قولها " وإني مرسلة إليهم " أي إلى سليمان عليه السلام وقومه " بهدية " أصانعه بذلك عن ملكي " فناظرة " أي منتظرة " بم يرجع المرسلون " بقبول أم رد، وإنما فعلت ذلك لأنها عرفت عادة الملوك في حسن موقع الهدايا عندهم، وكان غرضها أن يتبين لها بذلك أنه ملك أو نبي، فإن قبل الهدية تبين أنه ملك وعندها ما يرضيه، وإن ردها تبين أنه نبي.

واختلف في الهدية فقيل: أهدت إليه وصفاء ووصائف ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى، عن ابن عباس، وقيل: أهدت مائتي غلام ومائتي جارية ألبست الغلمان لباس الجواري وألبست الجواري لباس الغلمان، عن مجاهد، وقيل: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ ذلك سليمان عليه السلام أمر الجن فموهوا له الآجر بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلما جاؤوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان فلما رأوا ذلك صغر في أعينهم ما جاؤوا به، عن ثابت البناني، وقيل: إنها عمدت

إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري الأقبية والمناطق وألبست الغلمان في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع، وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت إليه كتابا بنسخة الهدية، قالت فيها: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، و أدخل الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جن، وقالت للرسول: انظر إليه إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك، فلا يهولنك أمره، فأنا أعز منه، وإن نظر إليك نظر لطف فاعلم أنه نبي مرسل.

فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى بضع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال للجن: علي بأولادكم فاجتمع خلق كثير فأقامهم عن يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان عليه السلام في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر الانس فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان تقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا، فلما وقفوا بين يدي

سليمان عليه السلام نظر إليهم نظرا حسنا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا به، وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقة؟ فأتي بها فحركها، وجاءه جبرئيل فأخبره بما في الحقة، وقال: إن فيها درة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الخرزة، فأرسل سليمان عليه السلام إلى الأرضة فجاءت فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم قال: من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام يأخذ من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب على باطن ساعدها والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميز بينهم بذلك، هذا كله مروي عن وهب وغيره. وقيل: إنها أيضا أنفذت مع هداياها عصا كانت تتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أن تعرفني رأسها من أسفلها، و بقدح ماء وقالت: تملاه ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء، فأرسل سليمان العصا إلى الهواء وقال: أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملا القدح من عرقها، وقال: هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء.

" فلما جاء سليمان " أي فلما جاء الرسول سليمان " قال أتمدونني بمال " أي أتزيدونني مالا؟ وهذا استفهام إنكار، يعني أنه لا يحتاج إلى مالهم " فما آتاني الله خير مما آتاكم " أي ما أعطاني الله من الملك والنبوة والحكمة خير مما أعطاكم من الدنيا و أموالها " بل أنتم بهديتكم تفرحون " إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بها،

أشار إلى قلة اكتراثه بأموال الدنيا، ثم قال سليمان للرسول: " ارجع إليهم " بما جئت به من الهدايا " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها " أي لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعها " ولنخرجنهم منها أذلة " أي من تلك القرية ومن تلك المملكة، وقيل: من أرضها وملكها " وهم صاغرون " أي ذليلون صغيروا القدر إن لم يأتوا مسلمين، فلما رد سليمان عليه السلام الهدية وميز بين الغلمان والجواري إلى غير ذلك علموا أنه نبي مرسل وأنه ليس كالملوك الذين يغترون بالأموال.

فلما رجع إليها الرسول وعرفت أنه نبي وأنها لا تقاومه فتجهزت للمسير إليه وأخبر جبرئيل عليه السلام سليمان عليه السلام أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه قال سليمان لأماثل جنده وأشراف عسكره: " يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ".

واختلف في السبب الذي خص العرش بالطلب على أقوال:

أحدها: أنه أعجبته صفته، فأراد أن يراه، وظهر له آثار إسلامها فأحب أن يملك عرشها قبل أن تسلم فيحرم عليه أخذ مالها، عن قتادة، وثانيها: أنه أراد أن يختبر بذلك عقلها وفطنتها، ويختبر هل تعرفه أو تنكره، عن ابن زيد، وقيل: أراد أن يجعل دليلا ومعجزة على صدقه ونبوته، لأنها خلفته في دارها وأوثقته ووكلت به ثقات قومها يحرسونه ويحفظونه، عن وهب، وقال ابن عباس: كان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا لا يبتدئ بالكلام حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما وجلس على سريره فرأى رهجا قريبا منه - أي غبارا - فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله، فقال: وقد نزلت منا بهذا المكان! وكان ما بين الكوفة والحيرة على قدر فرسخ، فقال: " أيكم يأتيني بعرشها ".

وقوله: " مسلمين " فيه وجهان: أحدهما أنه أراد مؤمنين موحدين، والآخر مستسلمين منقادين على ما مر بيانه " قال عفريت من الجن " أي مارد قوي، عن ابن عباس " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " أي من مجلسك الذي تقضي فيه، عن قتادة " وإني عليه لقوي أمين " أي وإني على حمله لقوي، وعلى الاتيان به في هذه المدة قادر، وعلى ما فيه من الذهب والجواهر أمين، وفي هذا دلالة على أن القدرة قبل الفعل، لأنه أخبر بأنه قوي عليه قبل أن يجئ به، وكان سليمان عليه السلام يجلس في مجلسه للقضاء غدوة إلى نصف النهار، فقال سليمان عليه السلام: أريد أسرع من ذلك، فعند ذلك " قال الذي عنده علم من الكتاب " وهو آصف بن برخيا وكان وزير سليمان وابن أخته، وكان صديقا يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، عن ابن عباس، وقيل: إن ذلك الاسم " الله " والذي يليه " الرحمن " وقيل: هو " يا حي يا قيوم " وبالعبرانية " اهيا شراهيا " وقيل:

هو " يا ذا الجلال والاكرام " عن مجاهد، وقيل إنه قال: يا إلهنا وإله كل شئ إلها واحدا لا إله إلا أنت، عن الزهري، وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب كان رجلا من الانس يعلم اسم الله الأعظم اسمه بلخيا، عن مجاهد، وقيل: اسمه اسطوم، عن قتادة، وقيل: هو الخضر عليه السلام، عن أبي لهيعة، وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب هو جبرئيل عليه السلام، أذن الله له في طاعة سليمان، وأن يأتيه بالعرش الذي طلبه، وقال الجبائي: هو سليمان عليه السلام قال ذلك للعفريت ليريه نعمة الله عليه، وهذا قول بعيد لم يؤثر عند أهل التفسير، وأما الكتاب المعرف في الآية بالألف واللام فقيل: إنه اللوح المحفوظ، وقيل: إن المراد به جنس كتب الله المنزلة على أنبيائه وليس المراد به كتاب بعينه، والجنس قد يعرف بالألف و اللام، وقيل: المراد به كتاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " اختلف في معناه، فقيل: يريد: قبل أن يصل إليك من كان منك على قدر مد البصر،

عن قتادة، وقيل: معناه: قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته ويرجع إليك، قال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه، والمعنى: حتى يرتد إليك طرفك بعد مده إلى السماء، وقيل: ارتداد الطرف إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا، عن مجاهد، فعلى هذا معناه أن سليمان عليه السلام مد بصره إلى أقصاه وهو يديم النظر فقبل أن ينقلب إليه بصره حسيرا يكون قد أتي بالعرش. وقال الكلبي:

خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان، وذكر العلماء في ذلك وجوها:

أحدها: أن الملائكة حملته بأمر الله تعالى. والثاني: أن الريح حملته. والثالث:

أن الله تعالى خلق فيه حركات متوالية. والرابع: أنه انخرق مكانه حيث هو هناك، ثم نبع بين يدي سليمان. والخامس: أن الأرض طويت له، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.

والسادس: أنه أعدمه الله في موضعه وأعاده في مجلس سليمان، وهذا لا يصح على مذهب أبي هاشم، ويصح على مذهب أبي علي الجبائي فإنه يجوز فناء بعض الأجسام دون بعض.

وفي الكلام حذف كثير لان التقدير: قال سليمان له: افعل، فسأل الله تعالى في ذلك فحضر العرش فرآه سليمان مستقرا عنده أي فلما رأى سليمان العرش محمولا إليه موضوعا بين يديه في مقدار رجع البصر " قال هذا من فضل ربي " أي من نعمته علي و إحسانه لدي لان تيسير ذلك وتسخيره مع صعوبته وتعذره معجزة له ودلالة على علو قدره وجلالته وشرف منزلته عند الله تعالى " ليبلوني أأشكر أم أكفر " أي ليختبرني هل أقوم بشكر هذه النعمة أم أكفر بها " ومن شكر فإنما يشكر لنفسه " لان عائدة شكره ومنفعته ترجعان إليه وتخصانه دون غيره، وهذا مثل قوله: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ".

" ومن كفر فإن ربي غني " يعني غني عن شكر العباد، غير محتاج إليه، بل هم

المحتاجون إليه لمالهم فيه من الثواب والاجر " كريم " أي متفضل على عباده شاكرهم و كافرهم وعاصيهم ومطيعهم، لا يمنعه كفرهم وعصيانهم من الافضال عليهم والاحسان إليهم " قال " سليمان " نكروا لها عرشها " أي غيروا سريرها إلى حال تنكرها إذا رأته، وأراد بذلك اختبار عقلها على ما قيل " ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون " أي أتهتدي إلى معرفة عرشها بفطنتها بعد التغيير أم لا تهتدي إلى ذلك، عن سعيد بن جبير وقتادة، وقيل:

أتهتدي أي أتستدل بعرشها على قدرة الله وصحة نبوتي، وتهتدي بذلك إلى طريق الايمان والتوحيد أم لا؟ عن الجبائي، قال ابن عباس: فنزع ما كان على العرش من الفصوص و الجواهر، وقال مجاهد: غير ما كان أحمر وجعل أخضر، وما كان أخضر فجعل أحمر، وقال عكرمة: زيد فيه شئ ونقص منه شئ " فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو " فلم تثبته ولم تنكره فدل ذلك على كمال عقلها حيث لم تقل: لا، إذ كان يشبه سريرها لأنها وجدت فيه ما تعرفه، ولم تقل: نعم إذ وجدت فيه ما غير وبدل ولأنها خلفته في بيتها وحمله في تلك المدة إلى ذلك الموضع غير داخل في مقدور البشر، قال مقاتل: عرفته ولكن شبهوا عليها حين قالوا لها: " أهكذا عرشك " فشبهت حين قالت: " كأنه هو " ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم، قال عكرمة: كانت حكيمة، قالت: إن قلت: هو هو خشيت أن أكذب، وإن قلت: لا خشيت أن أكذب، فقالت:

كأنه هو، شبهته به، فقيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، وكانت قد خلفته وراء سبعة أبواب لما خرجت، فقالت: " وأوتينا العلم " بصحة نبوة سليمان " من قبلها " أي من قبل الآية في العرش " وكنا مسلمين " طائعين لأمر سليمان، وقيل: إنه من كلام سليمان، عن مجاهد، ومعناه: أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة قبل مجيئها " وصدها ما كانت تعبد من دون الله " أي منعها عبادة الشمس عن الايمان بالله تعالى بعد رؤية تلك المعجزات، عن مجاهد، فعلى هذا تكون " ما " موصولة مرفوعة

الموضع بأنها فاعلة صد، وقيل: معناه: وصدها سليمان عما كانت تعبده من دون الله، و حال بينها وبينه، ومنعها عنه، فعلى هذا تكون " ما " في موضع النصب، وقيل: معناه منعها الايمان والتوحيد عن الذي كانت تعبده من دون الله وهو الشمس، ثم استأنف فقال:

" إنها كانت من قوم كافرين " أي من قوم يعبدون الشمس قد نشأت فيما بينهم فلم تعرف إلا عبادة الشمس " قيل لها ادخلي الصرح " والصرح هو الموضع المنبسط المنكشف من غير سقف.

وذكر أن سليمان عليه السلام لما أقبلت صاحبة سبأ أمر الشياطين ببناء الصرح، وهو كهيئة السطح المنبسط من قوارير أجري تحته الماء، وجمع في الماء الحيتان والضفادع و دواب البحر ثم وضع له فيه سرير فجلس عليه، وقيل: إنه قصر من زجاج كأنه الماء بياضا، وقال أبو عبيدة: كل بناء من زجاج أو صخر أو غير ذلك مونق فهو صرح، وإنما أمر سليمان عليه السلام بالصرح لأنه أراد أن يختبر عقلها وينظر هل تستدل على معرفة الله تعالى بما ترى من هذه الآية العظيمة؟ وقيل: إن الجن والشياطين خافت أن يتزوجها سليمان عليه السلام فلا ينفكون من تسخير سليمان وذريته بعده لو تزوجها وذلك أن أمها كانت جنية فأساؤوا الثناء عليها ليزهدوه فيها وقالوا: إن في عقلها شيئا، وإن رجلها كحافر الحمار، فلما امتحن ذلك وجدها على خلاف ما قيل، وقيل: إنه ذكر له أن على رجليها شعرا، فلما كشفته بان الشعر فساءه ذلك، فاستشار الجن في ذلك فعملوا الحمامات، وطبخوا له النورة والزرنيخ، وكان أول ما صنعت النورة " فلما رأته " أي رأت بلقيس الصرح " حسبته لجة " وهي معظم الماء " وكشفت عن ساقيها " لدخول الماء، وقيل: إنها لما رأت الصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق؟! وأنفت أن تجئ فلا تدخل ولم يكن من عادتهم لبس الخفاف فلما كشفت عن ساقيها قال لها سليمان: " إنه صرح ممرد " أي مملس " من قوارير " وليس بماء، ولما رأت سرير سليمان والصرح " قالت رب

إني ظلمت نفسي " بالكفر الذي كنت عليه " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " فحسن إسلامها، وقيل: إنها لما جلست دعاها سليمان إلى الاسلام، وكانت قد رأت الآيات والمعجزات فأجابته وأسلمت، وقيل: إنها لما ظنت أن سليمان عليه السلام يغرقها ثم عرفت حقيقة الامر قالت: " ظلمت نفسي " إذ توهمت على سليمان ما توهمت.

واختلف في أمرها بعد ذلك فقيل: إنها تزوجها سليمان وأقرها على ملكها، و قيل: إنه زوجها من ملك يقال له تبع وردها إلى أرضها، وأمر زوبعة أمير الجن باليمن أن يعمل له ويطيع، فصنع له المصانع باليمن. *

13 - وروى العياشي في تفسيره بالاسناد قال: التقى موسى بن محمد بن علي بن موسى ويحيى بن أكثم فسأله عن مسائل قال: فدخلت على أخي علي بن محمد عليه السلام بعد أن دار بيني وبينه من المواعظ حتى انتهيت إلى طاعته، فقلت له: جعلت فداك إن يحيى بن أكثم سألني عن مسائل أفتيه فيها، فضحك، فقال: فهل أفتيته فيها؟ قلت: لا، قال:

ولم؟ قلت: لم أعرفها، قال: وما هي؟ قلت: قال: أخبرني عن سليمان أكان محتاجا إلى علم آصف بن برخيا؟ ثم ذكر المسائل الاخر، قال: اكتب يا أخي: بسم الله الرحمن الرحيم سألت عن قول الله تعالى في كتابه: " قال الذي عنده علم من الكتاب " فهو آصف بن برخيا ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرفه آصف، لكنه أحب أن يعرف أمته من الانس و الجن أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر الله، ففهمه الله ذلك لئلا يختلف في إمامته ودلالته، كما فهم سليمان عليه السلام في حياة داود عليه السلام ليتعرف إمامته ونبوته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق.

تحف العقول: سأل يحيى بن أكثم. وذكر نحوه.

14 - تفسير الإمام العسكري: إن الله خص بسورة الفاتحة محمدا صلى الله عليه وآله وشرفه بها ولم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان عليه السلام فإنه أعطاه منها " بسم الله الرحمن الرحيم " ألا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت: " إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ". أقول: وقال الثعلبي في تفسيره: قالت العلماء بسير الأنبياء: إن نبي الله سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، فأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، فكان ينحر كل يوم طول مقامه بمكة خمسة آلاف بدنة، وخمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضر من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا يعطى النصر على جميع من ناواه، ويبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه، قالوا: فكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال:

ذهاب ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل، وإن اسمه لمثبت في زبر الأنبياء، قالوا: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم أحب أن يسير إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل، فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرض حسنة تزهر خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا، وكان دليله على الماء الهدهد، كان يرى الماء من تحت الأرض فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده، ثم تجئ الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الاهاب، ثم يستخرجون الماء، قالوا: فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان عليه السلام قد اشتغل

بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى عرض الدنيا وطولها، ففعل ذلك ونظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، واسم هدهد اليمن عنقير، فقال عنقير ليعفور: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان ابن داود، قال: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والطير والوحوش والشياطين والرياح، فمن أين أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال:

امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما، وليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها، وتحت يدها اثني عشر ألف قائد، تحت كل قائد مائة ألف مقاتل فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان عليه السلام إلا وقت العصر فلما طلبه سليمان عليه السلام فلم يجده دعا عريف الطيور وهو النسر فسأله عنه، فقال:

ما أدري أين هو؟ وما أرسلته مكانا، ثم دعا بالعقاب فقال: علي بالهدهد، فارتفع فإذا هو بالهدهد مقبلا فانقض نحوه، فناشده الهدهد بحق الله الذي قواك وأغلبك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، قال: فولى عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى المعسكر تلقته النسر والطير فقالوا: توعدك نبي الله، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله؟

فقالوا: بلى " أو ليأتيني بسلطان مبين " فلما أتيا سليمان وهو قاعد على كرسيه قال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فأخذ برأسه فمده إليه، فقال: أين كنت؟ فقال: يا نبي الله

اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع ذلك سليمان عليه السلام ارتعد وعفا عنه - وساق القصة إلى أن قال -: وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة و حولها القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها. إلى آخر القصة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.