بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 8 تفسير
ج ۱۴، ص ۹۷–۱۰۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
30 - 34.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " نعم العبد " أي سليمان " إنه أواب " أي رجاع إلى الله تعالى في أموره ابتغاء مرضاته " إذ عرض عليه " متعلق بنعم، أو باذكر المقدر " بالعشي " أي بعد زوال الشمس " حب الخير " أي الخيل أو المال " عن ذكر ربي " أي آثرته على ذكر ربي.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم في قوله: " ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب " إلى قوله: " حتى توارت بالحجاب " وذلك أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل
ويستعرضها، فعرضت عليه يوما إلى أن غابت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فاغتم من ذلك غما شديدا، فدعا الله عز وجل أن يرد عليه الشمس حتى يصلي العصر، فرد الله سبحانه عليه الشمس إلى وقت صلاة العصر حتى صلاها، ثم دعا بالخيل فأقبل يضرب أعناقها وسوقها بالسيف حتى قتلها كلها، وهو قوله عز اسمه: " ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق * ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب " إلى قوله:
" إنك أنت الوهاب " وهو أن سليمان لما تزوج باليمانية ولد منها ابن وكان يحبه، فنزل ملك الموت على سليمان وكان كثيرا ما ينزل عليه، فنظر إلى ابنه نظرا حديدا، ففزع سليمان من ذلك، فقال لامه: إن ملك الموت نظر إلى ابني نظرة أظنه قد أمر بقبض روحه، فقال للجن والشياطين: هل لكم حيلة في أن تفروه من الموت؟ فقال واحد منهم: أنا أضعه تحت عين الشمس في المشرق، فقال سليمان: إن ملك الموت يخرج ما بين المشرق والمغرب، فقال واحد منهم: أنا أضعه في الأرضين السابعة، فقال: إن ملك الموت يبلغ ذلك، فقال آخر: أنا أضعه في السحاب والهواء، فرفعه ووضعه في السحاب فجاء ملك الموت فقبض روحه في السحاب، فوقع ميتا على كرسي سليمان، فعلم أنه قد أخطأ، فحكى الله ذلك في قوله: " وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب " فقال: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب " والرخاء: اللينة " والشياطين كل بناء وغواص " أي في البحر " وآخرين مقرنين في الأصفاد " يعني مقيدين قد شد بعضهم إلى بعض، وهم الذين عصوا سليمان عليه السلام حين سلبه الله عز وجل ملكه.
وقال الصادق عليه السلام: جعل الله عز وجل ملك سليمان عليه السلام في خاتمه، فكان إذا لبسه حضرته الجن والإنس والشياطين وجميع الطير والوحش وأطاعوه فيقعد على كرسيه ويبعث الله عز وجل ريحا تحمل الكرسي بجميع ما عليه من الشياطين والطير والانس و الدواب والخيل فتمر بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان عليه السلام، وكان يصلي الغداة
بالشام، والظهر بفارس، وكان يأمر الشياطين أن يحملوا الحجارة من فارس يبيعونها بالشام، فلما مسح أعناق الخيل وسوقها بالسيف سلبه الله ملكه، وكان إذا دخل الخلاء دفع خاتمه إلى بعض من يخدمه فجاء شيطان فخدع خادمه وأخذ من يده الخاتم ولبسه، فخرت عليه الشياطين والجن والانس والطير والوحوش، وخرج سليمان عليه السلام في طلب الخاتم فلم يجده، فهرب ومر على ساحل البحر وأنكرت بنو إسرائيل الشيطان الذي تصور في صورة سليمان، وصاروا إلى أمه فقالوا لها: أتنكرين من سليمان شيئا؟
فقالت: كان أبر الناس بي وهو اليوم يعصيني، وصاروا إلى جواريه ونسائه وقالوا:
أتنكرن من سليمان شيئا؟ قلن: لم يكن يأتينا في الحيض وهو يأتينا في الحيض، فلما خاف الشيطان أن يفطنوا به ألقى الخاتم في البحر، فبعث الله سمكة فالتقمته وهرب الشيطان فبقوا بنو إسرائيل يطلبون سليمان عليه السلام أربعين يوما، وكان سليمان عليه السلام يمر على ساحل البحر تائبا إلى الله مما كان منه، فلما كان بعد أربعين يوما مر بصياد يصيد السمك فقال له:
أعينك على أن تعطيني من السمك شيئا؟ قال: نعم، فأعانه سليمان عليه السلام، فلما اصطاد دفع إلى سليمان عليه السلام سمكة فأخذها فشق بطنها وذهب يغسلها فوجد الخاتم في بطنها فلبسه، وحوت عليه الشياطين والجن والانس والطير والوحوش ورجع إلى ما كان، وطلب ذلك الشيطان وجنوده الذين كانوا معه فقيدهم وحبس بعضهم في جوف الماء وبعضهم في جوف الصخر بأسامي الله، فهم محبوسون معذبون إلى يوم القيامة.
قال: ولما رجع سليمان إلى ملكه قال لآصف بن برخيا - وكان آصف كاتب سليمان وهو الذي كان عنده علم من الكتاب -: قد عذرت الناس بجهالتهم فكيف أعذرك؟ فقال:
لا تعذرني فلقد عرفت الحوت الذي أخذ خاتمك وأباه وأمه وعمه وخاله، ولقد قال لي: اكتب لي، فقلت له: إن قلمي لا يجري بالجور، فقال: اجلس ولا تكتب، فكنت أجلس ولا أكتب شيئا، ولكن أخبرني عنك يا سليمان صرت تحب الهدهد وهو أخس
الطير منتنا وأخبثه ريحا، قال: إنه يبصر الماء من وراء الصفا الأصم: فقال: وكيف يبصر الماء من وراء الصفا وإنما يوارى عنه الفخ بكف من تراب حتى يأخذ بعقبه؟ فقال سليمان: قف يا وقاف إنه إذا جاء القدر حال دون البصر. بيان: قوله: (حتى يأخذ بعقبه) أي يأخذ الفخ برجله، وفي بعض النسخ: بعنقه، وفي بعضها: رقبته، أي يأخذ الفخ أو الصائد رقبته.
وقال الفيروزآبادي: الوقاف: المتأني. والمحجم عن القتال.
أقول: ما ذكره علي بن إبراهيم في تأويل تلك الآيات كلها موافقة لروايات المخالفين، وإنما أولها علماؤنا على وجوه أخر: قال الصدوق رحمه الله في الفقيه: قال زرارة والفضيل: قلنا لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت قول الله عز وجل: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا "؟ قال: يعني كتابا مفروضا، وليس يعني وقت فوتها إن جاز ذلك الوقت ثم صلاها لم تكن صلاة مؤداة، ولو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود عليه السلام حين صلاها بغير وقتها، ولكنه متى ذكرها صلاها.
ثم قال رحمه الله: إن الجهال من أهل الخلاف يزعمون أن سليمان عليه السلام اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتى توارث الشمس بالحجاب، ثم أمر برد الخيل وأمر بضرب سوقها وأعناقها، وقال: إنها شغلتني عن ذكر ربي، وليس كما يقولون، جل نبي الله سليمان عليه السلام عن مثل هذا الفعل، لأنه لم يكن للخيل ذنب فيضرب سوقها وأعناقها لأنها لم تعرض نفسها عليه ولم تشغله، وإنما عرضت عليه وهي بهائم غير مكلفة.
والصحيح في ذلك ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن سليمان بن داود عليه السلام عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتى توارث الشمس بالحجاب فقال للملائكة: ردوا الشمس علي حتى أصلي صلاتي في وقتها، فردوها فقام فطفق مسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك، وكان ذلك وضوؤهم
للصلاة، ثم قام فصلى فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عز وجل " ووهبنا لداود سليمان " إلى قوله: " فطفق مسحا بالسوق والأعناق " وقد أخرجت هذا الحديث مسندا في كتاب الفوائد انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله: " الصافنات ": الخيل الواقفة على ثلاث قوائم، الواضعة أطراف السنبك الرابع على الأرض " الجياد ": السريعة المشي، الواسعة الخطو، قال مقاتل: إنه ورث من أبيه ألف فرس، وكان أبوه قد أصاب ذلك من العمالقة، وقال الكلبي غزا سليمان دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس، وقال الحسن: كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة، وقال: المراد بالخير الخيل هنا، فإن العرب تسمي الخيل الخير، وقيل: معناه حب المال، وكان سليمان عليه السلام قد صلى الصلاة الأولى وقعد على كرسيه والخيل تعرض عليه حتى غابت الشمس.
وفي روايات أصحابنا أنه فاته أول الوقت، وقال الجبائي: لم يفته الفرض، و إنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار لاشتغاله بالخيل، وقيل: إن ذكر ربي كناية عن كتاب التوراة انتهى. ولنذكر بعض ما ذكر من وجوه التأويل في تلك الآيات: قال السيد المرتضى قدس الله روحه: ظاهر الآية لا يدل على إضافة قبيح إلى النبي، والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلة لا يلتفت إليها لو كانت قوية ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟! والذي يدل على ما ذكرناه على سبيل الجملة أن الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه والثناء عليه، فقال:
" نعم العبد إنه أواب " وليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه، وأنه تلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة، والذي يقتضيه الظاهر أن حبه للخيل وشغفه بها كان عن إذن ربه وأمره وبتذكيره إياه، لان الله تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل وإعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان عليه السلام مأمورا بمثل ذلك انتهى.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في مرجع الضمير في قوله: " توارت بالحجاب " وقوله:
" ردوها علي " إذ يجوز بحسب ظاهر اللفظ إرجاع الضميرين إلى الشمس وإن لم يجر لها ذكر بقرينة المقام ولذكر ماله تعلق بها وهو العشي وإلى الخيل والأول إلى الشمس والثاني إلى الخيل وبالعكس فقيل: بإرجاعهما جميعا إلى الشمس كما مر فيما رواه الصدوق، وروى الطبرسي رحمه الله عن ابن عباس أنه قال: سألت عليا عليه السلام عن هذه الآية، فقال:
ما بلغك فيها يا ابن عباس؟ فقلت: سمعت كعبا يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة، فقال: ردوها علي يعني الأفراس، وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها و أعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها. فقال علي عليه السلام: كذب كعب، لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها علي، فردت فصلى العصر في وقتها، وإن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم لأنهم معصومون مطهرون. وقيل: بإرجاعهما معا إلى الخيل وفيه وجهان: الأول أنه أمر بإجراء الخيل حتى غابت عن بصره فأمر بردها فمسح سوقها وأعناقها صيانة لها وإكراما لما رأى من حسنها، فمن عادة من عرضت عليه الخيل أن يمر يده على أعرافها وأعناقها وقوائمها، ويمكن أن يكون الغرض من ذلك المسح بيان أن إكرامها وحفظها مما يرغب فيه، لكونها من أعظم الأعوان على دفع العدو، أو أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه، أو أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.
الثاني: أن يكون المسح ههنا هو الغسل فإن العرب تسمي الغسل مسحا، فكأنه لما رأى حسنها أراد صيانتها وإكرامها فغسل قوائمها وأعناقها.
وقيل: بإرجاع الأول إلى الشمس والثاني إلى الخيل وهذا يحتمل وجوها:
الأول: ما ذكره السيد رضي الله عنه أن المراد أنه عرقبها ومسح سوقها و
أعناقها بالسيف من حيث شغلته عن النافلة، ولم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها، لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات، لان للانسان أن يذبح فرسه لاكل لحمه، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر لحسنه. وقد قيل: إنه يجوز أن يكون لما كانت الخيل أعز ماله أراد أن يكفر عن تفريطه في النافلة بذبحها والتصدق بلحمها على المساكين، قالوا: فلما رأى حسن الخيل وراقته وأعجبته أراد أن يتقرب إلى الله بالمعجب له الرائق في عينه، ويشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ".
الثاني: أنه مسح سوقها وأعناقها وجعلها مسبلة في سبيل الله.
الثالث: أن يكون قوله: " حتى توارت بالحجاب " بيانا لغاية عرض الخيل واستعادته بها، من غير أن يكون فات عنه بسببها شئ، وإنما أمر بردها إكراما لها كما مر، وعلى هذا فقوله: " أحببت حب الخير عن ذكر ربي " يحتمل وجهين ذكرهما الرازي في تفسيره. الأول: أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل: أبنت حب الخير عن ذكر ربي وهو التوراة، لان ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح.
الثاني: أن الانسان قد يحب شيئا ولكنه لا يحب أن يحبه، كالمريض الذي يشتهي ما يضره في مرضه، وأما من أحب شيئا وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله: " أحببت حب الخير " أي أحببت حبي لهذه الخيل، ثم قال: " عن ذكر ربي " بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى، وأما الاحتمال الرابع فلم يقل به أحد وإن أمكن توجيهه ببعض الوجوه السابقة، فإذا
أحطت خبرا بما حكيته لك علمت أنه يمكن تأويلها بوجوه كثيرة لا يتضمن شئ منها إثبات ذنب له عليه السلام.
وأما قوله تعالى: " ولقد فتنا سليمان " فاختلف العلماء في فتنته وزلته والجسد الذي ألقي على كرسيه على أقوال:
الأول: ما ذكره الرازي عن بعض رواة المخالفين أن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر، فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها وأخذ بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها، فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها، وكانت تبكي على أبيها فأمر سليمان الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته، وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشيا مع جواريها يسجدن له، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى بلاده وفرش الرماد وجلس عليه تائبا إلى الله تعالى، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان صاحب البحر على صورة سليمان وقال: يا أمينة خاتمي، فتختم به وجلس على كرسي سليمان، فأتاه الطير والجن والانس وتغيرت هيئة سليمان، فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته فطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته ، فكان يدور على البيوت ويتكفف وإذا قال: أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم أخذ يخدم الصيادين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على هذه الحالة أربعين يوما عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، وقيل: كان نفذ حكمه في كل شئ إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة و وقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا لله ورجع
إلى ملكه وأخذ ذلك الشيطان فحبسها في صخرة وألقاها في البحر، فهؤلاء قالوا: قوله:
" وألقينا على كرسيه جسدا " هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه عقوبة له، ثم قال:
واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه:
الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقى اعتماد على شئ قطعا، فلعل هؤلاء الذين رأوهم الناس في صورة محمد وموسى و عيسى عليهم السلام ما كانوا أولئك، بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية.
الثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله تعالى بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ويخرب ديارهم.
الثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان، ولا شك أنه قبيح.
الرابع: لو قلنا: إن سليمان عليه السلام أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان عليه السلام بفعل لم يصدر عنه؟! وقال السيد قدس الله روحه: أما ما رواه القصاص الجهال في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه، وأن مثله لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام، وأن النبوة لا تكون في خاتم يسلبها الجني، وأن الله تعالى لا يمكن الجني من التمثل بصورة النبي ولا غير ذلك مما افتروا به على النبي. أقول: ثم ذكر رحمه الله وجوها ذكر الطبرسي رحمة الله عليه مختصرا منها مع غيرها، منها: أن سليمان عليه السلام قال يوما في مجلسه: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف
عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم قال: فوالذي نفس محمد بيده لو قال: " إن شاء الله " لجاهدوا في سبيل الله فرسانا، فالجسد الذي ألقي على كرسيه كان هذا، ثم أناب إلى الله تعالى وفرغ إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه، وهذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة ولا كبيرة، لأنه عليه السلام وإن لم يستثن ذكره لفظا فلا بد من أن يكون استثناه ضميرا واعتقادا، إذ لو كان قاطعا للقول بذلك لكان مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا إلا أنه لما لم يذكر لفظة الاستثناء عوتب على ذلك من حيث ترك ما هو مندوب إليه.
ومنها ما روي أن الجن والشياطين لما ولد لسليمان عليه السلام ابن قال بعضهم لبعض:
إن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء، فأشفق عليه السلام منهم عليه، فاسترضعه في المزن وهو السحاب، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها على أن الحذر لا ينفع عن القدر، وإنما عوتب عليه السلام على خوفه من الشياطين، عن الشعبي وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
ومنها أنه ولد له ميت جسد بلا روح فألقي على سريره، عن الجبائي.
ومنها أن الجسد المذكور هو جسد سليمان لمرض امتحنه الله تعالى به، وتقدير الكلام: وألقيناه على كرسيه جسدا لشدة المرض، فيكون جسدا منصوبا على الحال، والعرب يقول في الانسان إذا كان ضعيفا: هو جسد بلا روح ولحم على وضم " ثم أناب " أي رجع إلى حال الصحة، عن أبي مسلم. وأما ما ذكر عن ابن عباس أنه ألقي شيطان اسمه صخر على كرسيه وكان ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه، وأقام أربعين يوما في ملكه وسليمان هارب، وعن مجاهد أن شيطانا اسمه
آصف قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك بذلك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه ومنعه الله تعالى نساء سليمان فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم فلا يطعم حتى أعطته امرأته يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه فيه فرد الله ملكه، وعن السدي أن اسم ذلك الشيطان خيفيق، وما ذكر أن السبب في ذلك أن الله سبحانه أمره أن لا يتزوج في غير بني إسرائيل فتزوج من غيرهم، وقيل: بل السبب فيه أنه وطئ امرأة في حال الحيض فسال منها الدم فوضع خاتمه ودخل الحمام فجاء الشيطان وأخذه، وقيل: تزوج امرأة مشركة ولم يستطع أن يكرهها على الاسلام فعبدت الصنم في داره أربعين يوما فابتلاه الله بحديث الشيطان والخاتم أربعين يوما، وقيل: احتجب ثلاثة أيام ولم ينظر في أمر الناس فابتلي بذلك فإن جميع ذلك مما لا يعول عليه، لان النبوة لا تكون في الخاتم ولا يجوز أن يسلبها الله النبي ولا أن يمكن الشيطان من التمثل بصورة النبي و القعود على سريره والحكم بين عباده، وبالله التوفيق.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.