بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 6 معنى قول سليمان عليه
ج ۱۴، ص ۸۴–۸۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - معاني الأخبار، علل الشرائع: أحمد بن يحيى المكتب، عن أحمد بن محمد الوراق، عن علي بن هارون الحميري، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، عن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: أيجوز أن يكون نبي الله عز وجل بخيلا؟ فقال: لا، فقلت له: فقول سليمان: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي " ما وجهه ومعناه؟ فقال: الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله تعالى ذكره كملك آل إبراهيم وملك طالوت وملك ذي القرنين، فقال سليمان عليه السلام: " هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي " أن يقول: إنه مأخوذ بالغلبة والجور
وإجبار الناس، فسخر الله عز وجل له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وجعل غدوها شهرا ورواحها شهرا، وسخر الله عز وجل له الشياطين كل بناء وغواص وعلم منطق الطير، ومكن في الأرض، فعلم الناس في وقته وبعده أن ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قبل الناس والمالكين بالغلبة والجور. قال: فقلت له: فقول رسول الله صلى الله عليه وآله:
رحم الله أخي سليمان بن داود ما كان أبخله؟! فقال: لقوله عليه السلام وجهان: أحدهما ما كان أبخله بعرضه وسوء القول فيه، والوجه الآخر: يقول: ما كان أبخله إن كان أراد ما يذهب إليه الجهال. ثم قال عليه السلام: قد والله أوتينا ما أوتي سليمان وما لم يؤت سليمان وما لم يؤت أحد من الأنبياء، قال الله عز وجل في قصة سليمان: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " وقال عز وجل في قصة محمد صلى الله عليه وآله: " ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ". بيان: تأويله عليه السلام للآية الكريمة يحتمل وجهين: الأول أن يكون عليه السلام قدر في الآية شيئا وهو قوله: أن يقول، أي هب لي ملكا يكون لعظمته بحيث لا يقدر أحد على أن يقول: إنه كملك سائر الملوك مأخوذ بالجور والغلبة. ويؤيده الوجه الأول من وجهي تأويل الخبر حيث بخل بعرضه في هذا الدعاء، وسأل الله أن يرفع عنه ألسن الناس بأن ملكه مأخوذ بالجور، ولا يكون عرضه عرضة لملام لئام الخلق.
الثاني: أن يكون المعنى أنه عليه السلام سأل ربه ملكا لا يتهيأ للملوك الجائرين تحصيله بالجور والغلبة ليكون معجزا له على نبوته وآية على خلافته، فلا يمنع هذا الكلام أن يعطي الله من بعده من الأنبياء والأوصياء أضعاف ما أعطاه، فيكون قوله: (لا ينبغي لاحد من بعدي أن يقول) بيانا لحاصل المعنى ولازمه لا تقديرا في الكلام، أي طلب
ملكا لم يقدر أحد على تحصيله بقوته لئلا يقال: إن ملكه مأخوذ بالغلبة ، فلا يكون معجزا له، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام: (ما أبخله بعرضه) لأنه كان ذلك أيضا مقصودا له ضمنا وإن كان المقصود بالذات كونه معجزا، والظاهر أنه عليه السلام كان يعلم أن الخبر موضوع، وإنما أوله تحرزا عن طرح الخبر المشهور بينهم تقية، ولذا ردد عليه السلام بين الوجهين، ولو كان صادرا عنه صلى الله عليه وآله لكان عالما بما أراده به، وأما كون ما أعطاه الرسول أفضل فلانه تعالى أعطى سليمان ما أعطى وفوض الامر إليه في بذله ومنعه ولم يفوض إليه تعيين أمر بخلاف نبينا صلى الله عليه وآله فإنه فوض إليه الامر وأمر الناس باتباعه في كل ما يقول، وهذا مبني على التفويض وسيأتي تحقيقه في كتاب الإمامة.
ويحتمل أن يكون الفضل بسبب أنه فوض إليه إعطاء الأمور الدنيوية ومنعها وأعطى النبي صلى الله عليه وآله الرئاسة العامة في الدين والدنيا لجميع الخلق، وفيه شئ.
وقال الطبرسي في قوله تعالى: " رخاء " أي لينة سهلة، وقيل: طيبة سريعة، و قيل: أي مطيعة " حيث أصاب " أي حيث أراد سليمان من النواحي.
2 - قرب الإسناد: محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول سليمان:
" هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب " قلت: فأعطي الذي دعا به؟
قال: نعم، ولم يعط بعده إنسان ما أعطي نبي الله عليه السلام من غلبة الشيطان فخنقه إلى
أسطوانة حتى أصاب بلسانه يد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله: لولا ما دعا به سليمان لأريتكموه. تذييل: قال الطبرسي قدس الله روحه: يسال عن هذا فيقال: إن هذا القول من سليمان يقتضي الضنة والمنافسة لأنه لم يرض بأن يسأل الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه. وأجيب عنه بأجوبة: أحدها أن الأنبياء لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته، وجائز أن يكون الله أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين، وأعلمه أنه لاصلاح لغيره في ذلك، ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول: اللهم اجعلني أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أن ذلك أصلح لي لكان ذلك منه حسنا جائزا، اختاره الجبائي.
وثانيها: أنه يجوز أن يكون عليه السلام التمس من الله آية لنبوته يبين بها من غيره وأراد: لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين كما يقال: أنا لا أطيع أحدا بعدك، أي لا أطيع أحدا سواك.
وثالثها: ما قاله المرتضى قدس الله سره: إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة، ويكون معنى قوله: " لا ينبغي لاحد من بعدي " لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد، من حيث لا يصلح أن يعمل ما يستحق به ذلك لانقطاع التكليف.
ورابعها: أنه التمس معجزة تختص به، كما أن موسى عليه السلام اختص بالعصا و اليد واختص صالح بالناقة، ومحمد صلى الله عليه وآله بالقرآن والمعراج، ويدل عليه ما روي مرفوعا
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي ليفسد علي الصلاة فأمكنني الله منه فودعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين فذكرت قول سليمان " رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي " فرده الله خاسئا خائبا. أورده البخاري ومسلم في الصحيحين انتهى. وقال الرازي: أجاب القائلون بأن الشيطان استولى على مملكته معناه أن يعطيه الله ملكا لا يقدر الشياطين أن يقوموا مقامه ويسلبونه منه، ثم قال بعد ما ذكر بعض الأجوبة السابقة: الثالث أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها، فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل.
الرابع: من الناس من يقول: الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة، فقال سليمان:
أعطني يا رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر حتى أني أبقى مع تلك القدرة الكاملة في غاية الاحتراز ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى انتهى.
وذكر البيضاوي وجها آخر وهو أن المعنى: لا ينبغي لاحد من بعدي لعظمته، كقولك: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، على إرادة وصف الملك بالعظمة، لا أن لا يعطى أحد مثله. أقول: بعد ثبوت عصمة الأنبياء وجلالتهم لابد من حمل ما صدر عنهم على محمل صحيح مجملا وإن لم يتعين في نظرنا، وما ذكر من الوجوه محتملة وإن كان بعضها لا يخلو من بعد، وما ذكره الطبرسي أولا أظهر الوجوه، ويمكن أن يقال: المنع عن غيره
لم يكن على وجه الضنة بل على وجه الشفقة، لان ملك الدنيا في نظرهم خسيس دني لا يليق بالمقربين قربه، ولما رأى صلاح زمانه في ذلك سأله اضطرارا ومنعه عن غيره إشفاقا عليهم، أو يقال: إن كلامه مخصوص بمن عدا الأنبياء والأوصياء وهو قريب من الثاني، ويحتمل وجوها أخر تركناها مخافة الاطناب.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.