بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 2 قصة داود عليه السلام واوريا وما صدر عنه من ترك الأولى
ج ۱۴، ص ۱۸–۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
17 - 26.
تفسير: " الأيد " القوة " أواب " أي رجاع إلى الله تعالى ومرضاته " والاشراق " هو حين تشرق الشمس، أي تضئ وتصفو شعاعها وهو وقت الضحى، أو وقت شروق الشمس وطلوعها، والحاصل وقت الرواح والصباح " محشورة " أي مجموعة إليه تسبح الله معه " كل له " من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح " وشددنا ملكه " أي قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود " وآتيناه الحكمة " أي النبوة، أو كمال العلم وإتقان العمل " وفصل الخطاب " قيل: يعني الشهود والايمان، وقيل: هو علم القضاء والفهم " إذ تسوروا المحراب " أي تصعدوا سور الغرفة، تفعل من السور " ففزع منهم " لأنهم
نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب " ولا تشطط " أي ولا تجر علينا في حكمك " إلى سواء الصراط " أي وسطه وهو العدل " والنعجة " الأنثى من الضأن " أكفلنيها " أي ملكنيها، وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، وقيل: اجعلها كفلي أي نصيبي " وعزني في الخطاب " أي غلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج ولم أقدر رده، أو في مغالبته إياي في الخطبة " وقليل ما هم " أي وهم قليل، وما مزيدة للابهام والتعجب من قلتهم " أنما فتناه " أي امتحناه " وخر راكعا " قال الأكثر: أي ساجدا، وقيل: خر للسجود راكعا، أي مصليا.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصادق عليه السلام قال: إن داود عليه السلام لما جعله الله عز وجل خليفة في الأرض، وأنزل عليه الزبور أوحى الله عز و جل إلى الجبال والطير أن يسبحن معه، وكان سببه أنه إذا صلى يقوم وزيره بعد ما يفرغ من الصلاة فيحمد الله ويسبحه ويكبره ويهلله، ثم يمدح الأنبياء عليهم السلام نبيا نبيا، ويذكر من فضلهم وأفعالهم وشكرهم وعبادتهم لله سبحانه، والصبر على بلائه، ولا يذكر داود عليه السلام، فنادى داود ربه فقال: يا رب قد أثنيت على الأنبياء بما قد أثنيت عليهم ولم تثن علي، فأوحى الله عز وجل إليه: هؤلاء عباد ابتليتهم فصبروا، وأنا أثني عليهم بذلك، فقال: يا رب فابتلني حتى أصبر، فقال: يا داود تختار البلاء على العافية؟ إني أبليت هؤلاء ولم أعلمهم، وأنا أبليك وأعلمك أنه يأتيك بلائي في سنة كذا و شهر كذا في يوم كذا، وكان داود يفرغ نفسه لعبادته يوما، ويقعد في محرابه، ويوم يقعد لبني إسرائيل فيحكم بينهم، فلما كان في اليوم الذي وعده الله عز وجل اشتدت عبادته وخلا في محرابه وحجب الناس عن نفسه وهو في محرابه يصلي، فإذا بطائر قد وقع بين يديه، جناحاه من زبرجد أخضر، ورجلاه من ياقوت أحمر، ورأسه ومنقاره من اللؤلؤ و الزبرجد، فأعجبه جدا ونسي ما كان فيه، فقام ليأخذه، فطار الطائر فوقع على حائط بين داود وبين أوريا بن حنان، وكان داود قد بعث أوريا في بعث، فصعد داود الحائط ليأخذ
الطير، وإذا امرأة أوريا جالسة تغتسل، فلما رأت ظل داود نشرت شعرها، وغطت به بدنها، فنظر إليها داود وافتتن بها ورجع إلى محرابه ونسي ما كان فيه، وكتب إلى صاحبه في ذلك البعث أن يسيروا إلى موضع كيت وكيت، ويوضع التابوت بينهم وبين عدوهم، وكان التابوت في بني إسرائيل كما قال الله عز وجل: " فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " وقد كان رفع بعد موسى عليه السلام إلى السماء لما عملت بنو إسرائيل بالمعاصي، فلما غلبهم جالوت وسألوا النبي أن يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل الله - تقدس وجهه - بعث إليهم طالوت وأنزل عليهم التابوت وكان التابوت إذا وضع بين بني إسرائيل وبين أعدائهم ورجع عن التابوت إنسان كفر وقتل، ولا يرجع أحد عنه إلا ويقتل، فكتب داود إلى صاحبه الذي بعثه أن ضع التابوت بينك وبين عدوك، و قدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت، فقدمه وقتل، فلما قتل أوريا دخل عليه الملكان ولم يكن تزوج امرأة أوريا وكانت في عدتها وداود في محرابه يوم عبادته، فدخل عليه الملكان من سقف البيت وقعدا بين يديه، ففزع داود منهما فقالا: " لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط " ولداود حينئذ تسع وتسعون امرأة ما بين مهيرة إلى جارية، فقال أحدهما لداود: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب " أي ظلمني وقهرني، فقال داود كما حكى الله عز وجل: " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " إلى قوله: " وخر راكعا وأناب " قال: فضحك المستعدى عليه من الملائكة وقال: حكم الرجل على نفسه، فقال داود: أتضحك وقد عصيت لقد هممت أن أهشم فاك، قال: فعرجا، وقال الملك المستعدى عليه: لو علم داود أنه أحق بهشم فيه مني، ففهم داود الامر وذكر القضية فبقي أربعين يوما ساجدا يبكي ليله ونهاره، ولا يقوم إلا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه وسال الدم من عينيه.
فلما كان بعد أربعين يوما نودي: يا داود مالك؟ أجائع أنت فنشبعك، أم ظمآن فنسقيك، أم عريان فنكسوك، أم خائف فنؤمنك؟ فقال: أي رب وكيف لا أخاف وقد عملت ما علمت وأنت الحكم العدل الذي لا يجوزك ظلم ظالم؟ فأوحى الله عز وجل إليه:
تب يا داود، فقال: أي رب وأنى لي بالتوبة؟ قال صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك واسأله أن يغفر لك فإن غفر لك غفرت لك، قال: يا رب فإن لم يفعل؟ قال: أستوهبك منه، فخرج داود عليه السلام يمشي على قدميه ويقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى حجر ولا شجر ولا جبل ولا طائر ولا سبع إلا يجاوبه حتى انتهى إلى جبل وعليه نبي عابد يقال له حزقيل فلما سمع دوي الجبال وصوت السباع علم أنه داود، فقال: هذا النبي الخاطئ، فقال داود: يا حزقيل أتأذن لي أن أصعد إليك ؟ قال: لا، فإنك مذنب، فبكى داود عليه السلام فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل: يا حزقيل لا تعير داود بخطيئته، وسلني العافية، فنزل حزقيل وأخذ بيد داود وأصعده إليه، فقال له داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط؟ قال: لا، قال: فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله عز وجل؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهواتها ولذاتها؟ قال: بلى ربما عرص ذلك بقلبي، قال فما تصنع؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه، قال: فدخل داود عليه السلام الشعب فإذا بسرير من حديد عليه جمجمة بالية، وعظام نخرة، وإذا لوح من حديد وفيه مكتوب، فقرأه داود فإذا فيه: أنا أروى بن سلم، ملكت ألف سنة، وبنيت ألف مدينة وافتضضت ألف جارية، وكان آخر أمري أن صار التراب فراشي، والحجارة وسادي، و الحيات والديدان جيراني، فمن يراني فلا يغتر بالدنيا، ومضى داود حتى أتى قبر أوريا فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانية فلم يجبه، ثم ناداه ثالثة فقال أوريا: مالك يا نبي الله لقد شغلتني عن سروري وقرة عيني؟ قال يا أوريا اغفر لي وهب لي خطيئتي، فأوحى الله عز وجل: يا داود بين له ما كان منك، فناداه داود فأجابه في الثالثة فقال: يا أوريا فعلت كذا
وكذا، وكيت وكيت، فقال أوريا أيفعل الأنبياء مثل هذا؟! فناداه فلم يجبه، فوقع داود عليه السلام على الأرض باكيا، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه، فكشف عنه، فقال أوريا: لمن هذا؟ فقال لمن غفر لداود خطيئته، فقال: يا رب قد وهبت له خطيئته، فرجع داود عليه السلام إلى بني إسرائيل وكان إذا صلى قام وزيره يحمد الله ويثني عليه، ويثني على الأنبياء عليهم السلام ثم يقول: كان من فضل نبي الله داود قبل الخطيئة كيت وكيت، فاغتم داود عليه السلام فأوحى الله عز وجل إليه: يا داود قد وهبت لك خطيئتك وألزمت عار ذنبك بني إسرائيل، قال: يا رب كيف وأنت الحكم العدل الذي لا تجور؟
قال: لأنه لم يعاجلوك النكير، وتزوج داود عليه السلام بامرأة أوريا بعد ذلك، فولد له منها سليمان عليه السلام، ثم قال عز وجل: " فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ".
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وظن داود " أي علم " و أناب " أي تاب، وذكر أن داود كتب إلى صاحبه أن لا تقدم أوريا بين يدي التابوت و رده، فقدم أوريا إلى أهله ومكث ثمانية أيام ثم مات. بيان: اعلم أن هذا الخبر محمول على التقية لموافقته لما روته العامة في ذلك، وسيأتي تحقيق القول فيه.
2 - عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني والمكتب والوراق جميعا، عن علي بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد البرمكي، عن أبي الصلت الهروي قال: سأل الرضا عليه السلام علي بن محمد بن الجهم فقال: ما يقول من قبلكم في داود عليه السلام؟ فقال: يقولون: إن داود عليه السلام كان في محرابه يصلي إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته و
قام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود عليه السلام في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام الحرب، فقدم فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوريا رحمه الله وتزوج داود بامرأته قال: فضرب عليه السلام بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيا من أنبياء الله عليهم السلام إلى التهاون بصلاته حين خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل، فقال يا ابن رسول الله: فما كانت خطيئته؟ فقال عليه السلام: ويحك إن داود عليه السلام إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: " خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب " فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال: " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكم لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عز وجل يقول: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " إلى آخر الآية؟ فقال: يا ابن رسول الله فما قصته مع أوريا؟ قال الرضا عليه السلام: إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا، وأول من أباح الله عز وجل أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فتزوج بامرأة أوريا لما قتل وانقضت عدتها منه، فذلك الذي شق على أوريا. بيان: قد مر الخبر بتمامه وبيانه مع أخبار أخر في باب عصمتهم.
3 - إكمال الدين، أمالي الصدوق: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن داود عليه السلام خرج ذات يوم يقرأ الزبور، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلا جاوبه، فما زال يمر حتى انتهى إلى جبل، فإذا على ذلك الجبل نبي عابد يقال له حزقيل، فلما سمع دوي الجبال وأصوات السباع والطير علم أنه داود عليه السلام، فقال داود: يا حزقيل أتأذن لي فأصعد إليك؟ قال: لا، فبكى داود عليه السلام فأوحى الله جل جلاله إليه: يا حزقيل لا تعير داود وسلني العافية، فقام حزقيل فأخذ بيد داود فرفعه إليه، فقال داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط؟ قال: لا، قال:
فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله عز وجل؟ قال: لا، قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذتها؟ قال: بلى ربما عرض بقلبي، قال: فماذا تصنع إذا كان ذلك؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه، قال: فدخل داود النبي عليه السلام الشعب فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية، وعظام فانية، وإذا لوح من حديد فيه كتابة فقرأها داود عليه السلام فإذا هي: أنا أروى سلم ملكت ألف سنة، وبنيت ألف مدينة، وافتضضت ألف بكر، فكان آخر أمري أن صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، والديدان والحيات جيراني، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا.
4 - تنبيه الخاطر: دخل داود غارا من غيران بيت المقدس فوجد حزقيل يعبد ربه وقد يبس
جلده على عظمه فسلم عليه، فقال: أسمع صوت شبعان ناعم، فمن أنت؟ قال: أنا داود، قال الذي له كذا وكذا امرأة؟ وكذا وكذا أمة؟ قال: نعم، وأنت في هذه الشدة؟!
قال: ما أنا في شدة، ولا أنت في نعمة حتى تدخل الجنة.
5 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى النخعي، عن الحسين بن أبي سعيد، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول فيما يقول الناس في داود امرأة أوريا؟ فقال: ذلك شئ تقوله العامة.
6 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد ابن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أخذت أحدا يزعم أن داود عليه السلام وضع يده عليها لحددته حدين: حدا للنبوة، وحدا لما رماه به. أقول: روت العامة مثله عن أمير المؤمنين عليه السلام.
7 - تفسير العياشي: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بكى أحد بكاء ثلاثة:
آدم، ويوسف، وداود، فقلت: ما بلغ من بكائهم؟ فقال: أما آدم عليه السلام فبكى حين أخرج من الجنة، وكان رأسه في باب من أبواب السماء فبكى حتى تأذى به أهل السماء فشكوا ذلك إلى الله فحط من قامته، فأما داود فإنه بكى حتى هاج العشب من دموعه، وإن كان ليزفر الزفرة فيحرق ما نبت من دموعه، وأما يوسف عليه السلام فإنه كان يبكي على
أبيه يعقوب وهو في السجن فتأذى به أهل السجن، فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما.
8 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أسباط، عن أبي إسحاق الخراساني، عن بعض رجاله قال: إن الله عز وجل أوحى إلى داود: إني قد غفرت ذنبك وجعلت عار ذنبك على بني إسرائيل، فقال: كيف يا رب وأنت لا تظلم؟ قال: إنهم لن يعاجلوك بالنكرة. عرائس الثعلبي: قال: لما علم داود بعد نزول الملكين أنهما نزلا لتنبيهه على الخطاء خر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا ثم لا يرفع رأسه إلا لحاجة لابد منها، ثم يعود فيسجد تمام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة، وكان يقول في سجوده: " سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، إلهي لم أتعظ بما وعظت به غيري، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا صائر إليه، سبحان خالق النور، إلهي يغسل الثوب فيذهب درنه ووسخه والخطيئة لازمة لي لا تذهب عني، سبحان خالق النور، إلهي أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الرحيم فنسيت عهدك،
سبحان خالق النور، الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي؟
إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم تزل أقدام الخاطئين؟ سبحان خالق النور، إلهي الخطيئة لازمة لي سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده؟ سبحان خالق النور، إلهي مطرت السماء ولم تمطر حولي، سبحان خالق النور، إلهي أعشبت الأرض ولم تعشب حولي لخطيئتي، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم؟ سبحان خالق النور، إلهي كيف يستتر الخاطئون بخطاياهم وأنت شاهدهم حيث كانوا، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت العينان من مخافة الحريق على جسدي، سبحان خالق النور، إلهي تسبح لك الطير بأصوات ضعاف تخافك وأنا العبد الخاطئ الذي لم أرع وصيتك، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور إلهي أسألك يا إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تعطيني سؤلي، فإن إليك رغبتي، سبحان خالق النور، اللهم برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك بهواي، اللهم إني أعوذ بك من دعوة لا تستجاب، وصلاة لا تقبل، وعمل لا يقبل سبحان خالق النور، اللهم اغفر لي بنور وجهك الكريم ذنوبي التي أوبقتني سبحان
خالق النور، إلهي فررت إليك بذنوبي، واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وفنيت الدموع، وتناثر الدود من ركبتي، وخطيئتي ألزم بي من جلدي، سبحان خالق النور.
قالوا: فأتاه نداء: يا داود أجائع أنت فتطعم؟ أم ظمآن أنت فتسقى؟ أمظلوم أنت فتنصر؟ ولم يجبه في ذكر خطيئته، فصاح صيحة هاج ما حوله، ثم نادى: يا رب الذنب الذي أصبت، فنودي: يا داود ارفع رأسك، فقد غفرت لك، فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبرئيل فرفعه.
وروي أنه لما نادى أوريا فلم يجبه بعد ذكر ما فعل بزوجته قام عند قبره، وجعل يحثو التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود ثم الويل لداود، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين تقر به الزبانية مع الظالمين إلى النار، سبحان خالق النور. قال: فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك، و رحمت بكاءك، واستجبت دعاءك، وأقلت عثرتك. وعن أبي العالية قال: كان من دعاء داود عليه السلام: سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إلي روحي، إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا لي خطيئتي فكلهم عليك يدلني.
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: خد الدموع في وجه داود عليه السلام خديد الماء في الأرض.
تذنيب: قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في استغفار داود عليه السلام من أي شئ كان؟
فقيل: إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والخضوع له، والتذلل بالعبادة والسجود، كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام بقوله: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " وأما قوله: " فغفرنا له ذلك " فالمعنى أنا قبلناه منه وأثبتناه عليه، فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله: " يخادعون الله وهو خادعهم " وقوله: " الله يستهزئ بهم " فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول قيل في جوابه: " غفرنا " وهذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الامامية وغيرهم، ومن جوز على الأنبياء الصغائر قال: إن استغفاره عليه السلام كان لصغيرة.
ثم إنهم اختلفوا في ذلك على وجوه: أحدها أن أوريا بن حنان خطب امرأة فكان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه، فبلغ داود جمالها فخطبها أيضا فزوجوها منه وقدموه على أوريا، فعوتب داود عليه السلام على الحرص على الدنيا، عن الجبائي.
وثانيها: أنه أخرج أوريا إلى بعض ثغوره فقتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده إذ مالت نفسه إلى نكاح امرأته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين. وثالثها: أنه كان في شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزويج بها، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج بها، فلما قتل أوريا خطب داود امرأته ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها فعوتب على ذلك.
ورابعها: أن داود كان متشاغلا بالعبادة فأتاه رجل وامرأة محاكمين إليه فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وذلك نظر مباح، فمالت نفسه ميل الطباع، ففصل بينهما
وعاد إلى عبادة ربه، فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله فعوتب.
وخامسها: أنه عوتب على عجلته في الحكم قبل التثبت، وكان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيه، ولا يحكم عليه قبل ذلك، وإنما أنساه التثبت في الحكم فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة. انتهى. وقال الرازي بعد رد الرواية المشهورة والطعن فيها وإقامة الدلائل على بطلانها و ذكر بعض الوجوه السابقة وتزييفها:
روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما يمنعونه منهم فخافوا ووضعوا كذبا فقالوا: " خصمان بغى بعضنا على بعض " إلى آخر القصة. وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة: أحدها قوله: " وظن داود أنما فتناه " وثانيها:
قوله: " فاستغفر ربه " وثالثها: قوله: " وأناب " ورابعها قوله: " فغفرنا له ذلك " ثم نقول:
وهذه الألفاظ لا يدل شئ منها على ما ذكروه، وتقريره من وجوه:
الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم إلا أنه مال إلى التصفح والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة الله تعالى، فكانت هذه الواقعة هي الفتنة، لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم، وتاب عن ذلك الهم وأناب، فغفرنا له ذلك القدر من الهم والعزم.
والثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن، وقال: لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الامر كذلك فبئس ما عملت بهم حين ظننت بهم هذا الظن الردئ، فكان هذا هو المراد من قوله: " وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب " منه فغفر الله له ذلك.
الثالث: أن دخولهم عليه كان فتنة لداود إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل العازم على قتله، وقوله: " فغفرنا له ذلك " أي لاحترام داود عليه السلام وتعظيمه انتهى. وقال البيضاوي: أقصى ما في هذه الاشعار بأنه عليه السلام ود أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله، فنبهه الله بهذه القضية فاستغفر وأناب عنه. انتهى. أقول: لما ثبت بما قدمنا عصمتهم عليهم السلام عن جميع الذنوب لابد من رد ما يدل على صدور ذنب عنه عليه السلام في ذلك، وأما الوجوه التي يمكن حملها على ترك الأولى والأفضل كأكثر الوجوه السالفة فهي محتملة، ولا يمكن القطع بها إلا بعد ثبوتها، وقد عرفت ما يظهر من الاخبار والله يعلم حقيقة الحال.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.