بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 19 قصة اشمويل عليه السلام وطالوت وجالوت وتابوت السكينة
ج ۱۳، ص ۴۳۴–۴۵۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
246 - 251.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " هل عسيتم " أي لعلكم إن فرض عليكم المحاربة مع ذلك الملك " أن لا تقاتلوا " أي لا تفوا بما تقولون وتجبنوا " من ديارنا وأبنائنا "
أي من أوطاننا وأهالينا بالسبي والقهر على نواحينا " تولوا " أي أعرضوا عن القتال " إلا قليلا منهم " وهم الذين عبروا النهر " قد بعث لكم طالوت ملكا " أي جعله ملكا، وهو من ولد بنيامين، ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة، وسمي طالوت لطوله، ويقال: كان سقاء، وقيل: خربندجا، وقيل: دباغا، وكانت النبوة في سبط لاوي، والمملكة في سبط يهودا، وقيل: في سبط يوسف، وقيل: بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا " وزاده بسطة " أي فضيلة وسعة " في العلم والجسم " وكان أعلم بني إسرائيل في وقته وأجملهم وأتمهم وأعظمهم جسما وأقواهم شجاعة، وقيل: كان إذا قام الرجل فبسط يده رافعا لها نال رأسه، قال وهب: كان ذلك قبل الملك وزاده ذلك بعد الملك " فلما فصل " أي خرج من مكانه وقطع الطريق بالجنود، اختلف في عددهم قيل: كانوا ثمانين ألف مقاتل، وقيل: سبعين ألفا، وذلك أنهم لما رأوا التابوت أيقنوا بالنصر فتبادروا إلى الجهاد " قال " يعني طالوت " إن الله مبتليكم بنهر " أي ممتحنكم ومختبركم، وكان سبب ابتلائهم شكايتهم عن قلة الماء وخوف التلف من العطش، وقيل: إنما ابتلوا ليشكروا فيكثر ثوابهم واختلف في النهر فقيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين، وقيل: نهر فلسطين " فليس مني " أي من أهل ولايتي وممن يتبعني " ومن لم يطعمه " أي لم يجد طعمه ولم يذق منه " إلا من اغترف غرفة بيده " أي إلا من أخذ من الماء مرة واحدة باليد، ومن قرأ غرفة بالضم - وهو غير ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة - فمعناه: إلا من شرب
مقدار ملء كفه " فشربوا منه " أي أكثر من غرفة " إلا قليلا منهم " وقيل: إن الذين شربوا منه غرفة كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وقيل: أربعة آلاف رجل، ونافق ستة وسبعون ألفا، ثم نافق الأربعة آلاف إلا ثلاث مائة وبضعة عشر، وقيل: من استكثر من ذلك الماء عطش ومن لم يشرب إلا غرفة روي وذهب عطشه، ورد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر " فلما جاوزه " أي فلما تخطى النهر طالوت والمؤمنون معه، وروي أنه جاوز معه المؤمنون خاصة كانوا مثل عدد أهل بدر، وقيل: بل جاوزا المؤمنون والكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا وبقي المؤمنون على عدد أهل بدر وهذا أقوى، فلما رأوا كثرة جنود جالوت " قالوا " أي الكفار منهم " قال الذين يظنون " أي يستقنون " أنهم ملاقوا الله " أي راجعون إلى الله وإلى جزائه، أو يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الوقعة، وهم المؤمنون الذين عددهم عدة أهل بدر " كم من فئة " أي فرقة " بإذن الله " أي بنصره " افرغ علينا " أي اصبب علينا " وثبت أقدامنا " حتى لا نفر " وآتاه الله " أي داود " الملك " بعد قتل جالوت بسبع سنين " والحكمة " قبل النبوة ولم يكن نبيا قبل قتله جالوت، فجمع الله له الملك والنبوة عند موت طالوت في حالة واحدة، لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي على نبي، وقيل: يجوز ذلك إذا كان يفعل ما يفعل بأمره ومشورته " وعلمه مما يشاء " من أمور الدين والدنيا، منها: صنعة الدروع فإنه كان يلين له الحديد كالشمع، وقيل: الزبور والحكم بين الناس وكلام الطير والنمل، وقيل: الصوت الطيب والألحان.
1 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون
له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه " قال: لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة " قال إن الله اصطفاه عليكم " وقال: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون " فجاءت به الملائكة تحمله، وقال الله جل ذكره: " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " فشربوا منه إلا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، منهم من اغترف، ومنهم من لم يشرب، فلما برزوا قال الذين اغترفوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " وقال الذين لم يغترفوا:
" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ". تفسير العياشي: عن أبي بصير مثله.
2 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قرأ: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: كانت تحمله في صورة البقرة.
3 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: رضراض الألواح فيها العلم والحكمة.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن النضر، عن يحيي الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن
أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام إن بني إسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن أمر ربهم، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه، وروي أنه أرميا النبي، فسلط الله عليهم جالوت وهو من القبط فأذلهم وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم وأخذ أموالهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم وقالوا: سل الله أن يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله لهم النبوة والملك في بيت واحد، فمن ذلك قالوا: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " فقال لهم نبيهم: " هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا " وكان كما قال الله تبارك وتعالى: " فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم " فقال لهم نبيهم:
" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " فغضبوا من ذلك وقالوا: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال " وكانت النبوة في ولد لاوي، والملك في ولد يوسف، وكان طالوت من ولد ابن يامين أخي يوسف لامه، لم يكن من بيت النبوة، ولا من بيت المملكة، فقال لهم نبيهم: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " وكان أعظمهم جسما وكان شجاعا قويا وكان أعلمهم إلا أنه كان فقيرا فعابوه بالفقر، فقالوا: " لم يؤت سعة من المال " فقال لهم نبيهم: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " وكان التابوت الذي أنزله الله على موسى فوضعته فيه أمه وألقته في اليم، فكان في بني إسرائيل بتبركون به، فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيه فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل
بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم، فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلما سألوا النبي وبعث الله إليهم طالوت ملكا يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت، كما قال الله " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: البقية: ذرية الأنبياء، وقوله:
" فيه سكينة من ربكم " فإن التابوت كان يوضع بين يدي العدو وبين المسلمين فتخرج منه ريح طيبة لها وجه كوجه الانسان.
حدثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام أنه قال: السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان، وكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار فإن تقدم التابوت رجل لا يرجع حتى يغلب أو يقتل، ومن رجع عن التابوت كفر وقتله الامام، فأوحى الله إلى نبيهم إن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى عليه السلام وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام اسمه داود بن إيشا، وكان إيشا راعيا وكان له عشرة بنين أصغرهم داود، فلما بعث طالوت إلى بني إسرائيل وجمعهم لحرب جالوت بعث إلى إيشا أن احضر واحضر ولدك، فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه الدرع درع موسى عليه السلام فمنهم من طال عليه، ومنهم من قصر عنه، فقال لايشا: هل خلفت من ولدك أحدا؟ قال: نعم أصغرهم تركته في الغنم راعيا، فبعث إليه فجاء به فلما دعي أقبل ومعه مقلاع، قال: فناداه ثلاث صخرات في طريقه، فقالت: يا داود خذنا، فأخذها في مخلاته، وكان شديد البطش، قويا في بدنه شجاعا، فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوى عليه ففصل طالوت بالجنود، وقال لهم نبيهم: يا بني إسرائيل: إن الله مبتليكم بنهر في هذه المفازة، فمن شرب منه فليس من حزب الله، ومن لم يشرب فهو من الله إلا من اغترف
غرفة بيده، فلما وردوا النهر أطلق الله لهم أن يغرف كل واحد منهم غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم، فالذين شربوا منه كانوا ستين ألفا، وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله.
وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الذين شربوا:
" لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " وقال الذين لم يشربوا: " ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " فجاء داود عليه السلام فوقف بحذاء جالوت وكان جالوت على الفيل، وعلى رأسه التاج، وفي جبهته ياقوتة يلمع نورها، وجنوده بين يديه، فأخذ داود عليه السلام من تلك الأحجار حجرا فرمى به في ميمنة جالوت فمر في الهواء فوقع عليهم فانهزموا، وأخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فوقع عليهم فانهزموا، ورمى جالوت بحجر فصكت الياقوتة في جبهته ووصلت إلى دماغه ووقع إلى الأرض ميتا، وهو قوله: " فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ". بيان: قوله: (وروي) من كلام المصنف ادخل بين الخبر. قوله: (البقية ذرية الأنبياء) كأنه هكذا فهم ما سيأتي من رواية أبي المحسن، وفي تلك الرواية يحتمل أن يكون تفسيرا للملائكة، أي الملائكة الحاملون للتابوت حقيقة هم الأوصياء من ذرية الأنبياء، واطلقت الملائكة عليهم مجازا، وعلى ما رواه يحتمل أن يكون المراد كون ذكرهم وبيان فضلهم في التابوت، أو يكون " في " بمعنى " مع ".
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " إذ قالوا لنبي لهم ": اختلف في ذلك النبي فقيل: اسمه شمعون بن صفية من ولد لاوي، عن السدي، وقيل: هو يوشع، وقيل: هو
إشمويل، وهو بالعربية إسماعيل، عن أكثر المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " اختلف في سبب سؤالهم ذلك فقيل:
كان سببه استذلال الجبابرة لهم لما ظهروا على بني إسرائيل وغلبوهم على كثير من ديارهم وسبوا كثيرا من ذراريهم بعد أن كانت الخطايا قد كثرت في بني إسرائيل، فبعث إليهم اشمويل نبيا فقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، عن الربيع والكلبي، وقيل: أرادوا قتال العمالقة فسألوا ملكا يكون أميرا عليهم، وقيل: بعث الله إشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان، فقالوا لاشمويل: ابعث لنا ملكا. ثم قال رحمه الله: قيل: كان التابوت في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل، وحدث فيهم الاحداث ثم انتزعه الله من أيديهم ورده على بني إسرائيل تحمله الملائكة، عن ابن عباس ووهب وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: كان التابوت الذي أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء فتوارثته أولاد آدم عليه السلام، وكان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم، قال قتادة: كان في برية التيه خلفه هناك يوشع بن نون تحمله الملائكة إلى بني إسرائيل، وقيل: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين، عليه صفائح الذهب، وكان من شمشاد، وكانوا يقدمونه في الحروب ويجعلونه أمام جندهم، فإذا سمع من جوفه أنين زف تابوت أي سار، وكان الناس يسيرون خلفه فإذا سكن الأنين وقف فوقفوا.
5 - قرب الإسناد: ابن عيسى، عن ابن أسباط، عن أبي الحسن عليه السلام قال: السكينة ريح تخرج من الجنة لها صورة كصورة الانسان، ورائحة طيبة، وهي التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام، فأقبلت تدور حول أركان البيت، وهو يضع الأساطين، قلنا هي من التي قال فيه:
" سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: تلك السكينة كانت في التابوت، وكانت فيها طست يغسل فيها قلوب الأنبياء، وكان التابوت يدور في بني إسرائيل مع الأنبياء عليهم السلام ثم أقبل علينا فقال: فما تابوتكم؟ قلنا:
السلاح، قال: صدقتم هو تابوتكم. الخبر.
6 - معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: " فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم " قال: كان القليل ستين ألفا. تفسير العياشي: عن أبي بصير مثله.
7 - معاني الأخبار: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن السندي بن محمد، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: السكينة الايمان.
8 - معاني الأخبار: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن مرار، عن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته فقلت: جعلت فداك ما كان تابوت موسى وكم كان سعته؟
قال: ثلاث أذرع في ذراعين، قلت: ما كان فيه؟ قال: عصا موسى والسكينة، قلت: وما السكينة؟ قال: روح الله يتكلم، كانوا إذا اختلفوا في شئ كلمهم وأخبرهم ببيان ما يريدون.
9 - عيون أخبار الرضا (ع)، معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن إسماعيل بن همام، عن الرضا عليه السلام أنه قال لرجل: أي شئ السكينة عندكم؟ فلم يدر القوم ما هي، فقالوا: جعلنا الله فداك ما هي؟ قال: ريح تخرج من الجنة طيبة لها صورة كصورة الانسان، تكون مع الأنبياء عليهم السلام، وهي التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام حين بنى الكعبة فجعلت تأخذ كذا وكذا، وبنى الأساس عليها. بيان: قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في السكينة فقيل: إن السكينة التي فيه كانت ريحا هفافة من الجنة لها وجه كوجه الانسان، عن علي عليه السلام، وقيل: كان له جناحان ورأس كرأس الهرة من الزبرجد والزمرد، عن مجاهد، وروي ذلك في أخبارنا، وقيل: كان فيه آية يسكنون إليها، عن عطا، وقيل: روح من الله يكلمهم بالبيان عند وقوع الاختلاف، عن وهب، واختلف في البقية أيضا فقيل: إنها عصا موسى ورضاض الألواح، عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: هي التوراة وشئ من ثياب موسى عليه السلام عن الحسن، وقيل: وكان فيه لوحان أيضا من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى وعمامة هارون وعصاه، هذه أقوال أهل التفسير في السكينة والبقية.
والظاهر أن السكينة أمنة وطمأنينة جعلها الله سبحانه فيه ليسكن إليه بنو إسرائيل، والبقية جائز أن يكون بقية من العلم، أو شيئا من علامات الأنبياء، وجائز أن يتضمنهما جميعا. وأما قوله: " تحمله الملائكة " فقيل: حملته الملائكة بين السماء والأرض حتى رآه بنو إسرائيل عيانا، عن ابن عباس والحسن، وقيل: لما غلب الأعداء على التابوت أدخلوه بيت الأصنام فأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوه ووضعوه ناحية من المدينة فأخذهم وجع في أعناقهم وكل موضع وضعوه ظهر فيه بلاء وموت ووباء. فأشير عليهم بأن يخرجوا التابوت فأجمع رأيهم على أن يأتوا به ويحملوه على عجلة ويشدوها إلى ثورين، ففعلوا ذلك و أرسلوا الثورين فجاءت الملائكة وساقوا الثورين إلى بني إسرائيل. انتهى
أقول: يمكن الجمع بين ما ورد في أخبارنا من معنى السكينة بأن المراد جميع ذلك. وإنما ورد في كل خبر بعض ما هو داخل فيها.
10 - إكمال الدين: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: إن يوشع بن نون قام بالامر بعد موسى عليه السلام صابرا من الطواغيت على الاواء والضراء والجهد والبلاء حتى مضى منهم ثلاثة طواغيت فقوي بعدهم أمره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل، فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن الله تعالى ذكره، وأسر صفراء بنت شعيب وقال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن نلقى نبي الله موسى فأشكو ما لقيت منك ومن قومك، فقالت صفراء: وا ويلاه، والله لو أبيحت لي الجنة لاستحييت أن أرى فيها رسول الله وقد هتكت حجابه وخرجت على وصيه بعده، فاستتر الأئمة بعد يوشع إلى زمان داود عليه السلام أربعمائة سنة، وكانوا أحد عشر، وكان قوم كل واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم حتى انتهى الامر إلى آخرهم فغاب عنهم، ثم ظهر فبشرهم بداود عليه السلام، وأخبرهم أن داود عليه السلام هو الذي يطهر الأرض من جالوت وجنوده، ويكون فرجهم في ظهوره، وكانوا ينتظرونه فلما كان زمان داود عليه السلام كان له أربعة إخوة ولهم أب شيخ كبير، وكان داود عليه السلام من بينهم خامل الذكر، وكان أصغر إخوته لا يعلمون أنه داود النبي المنتظر
الذي يطهر الأرض من جالوت وجنوده، وكانت الشيعة يعلمون أنه قد ولد وبلغ أشده وكانوا يرونه ويشاهدونه ولا يعلمون أنه هو، فخرج داود عليه السلام وإخوته وأبوهم لما فصل طالوت بالجنود، وتخلف عنهم داود، وقال: ما يصنع بي في هذا الوجه؟ واستهان به إخوته وأبوه وأقام في غنم أبيه يرعاها، فاشتدت الحرب وأصاب الناس جهد فرجع أبوه وقال لداود: احمل إلى إخوتك طعاما يتقوون به على العدو، وكان عليه السلام رجلا قصيرا، قليل الشعر، طاهر القلب، أخلاقه نقية، فخرج والقوم متقاربون بعضهم من بعض قد رجع كل واحد منهم إلى مركزه، فمر داود على حجر فقال الحجر له بنداء رفيع: يا داود خذني فاقتل بي جالوت، فإني إنما خلقت لقتله، فأخذه ووضعه في مخلاته التي كانت يكون فيها حجارته التي كان يرمي بها غنمه، فلما دخل العسكر سمعهم يعظمون أمر جالوت، فقال لهم: ما تعظمون من أمره؟ فوالله إن عاينته لأقتلنه، فتحدثوا بخبره حتى ادخل على طالوت، فقال له: يا فتى ما عندك من القوة وما جربت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه واقلب لحيه عنها فاخذها من فيه، وقد كان الله تبارك وتعالى أوحى إلى طالوت أنه لا يقتل جالوت إلا من لبس درعك فملأها، فدعا بدرعه فلبسها داود فاستوت عليه، فراع ذلك طالوت ومن حضره من بني إسرائيل، فقال: عسى الله أن يقتل جالوت به، فلما أصبحوا والتقى الناس قال داود:
أروني جالوت، فلما رآه أخذ الحجر فرماه به فصك به بين عينيه فدمغه وتنكس عن دابته، فقال الناس: قتل داود جالوت، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت عليه بنو إسرائيل وأنزل الله تبارك وتعالى عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد فلينه له، وأمر الجبال والطير أن تسبح معه، وأعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا، وأعطي قوة في العبادة، وأقام في بني إسرائيل نبيا.
ثم إن داود عليه السلام أراد أن يستخلف سليمان عليه السلام لان الله عز وجل أوحى إليه
يأمره بذلك، فلما أخبر بني إسرائيل ضجوا من ذلك، وقالوا: يستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه! فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيكم، فأي عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر بعدي، فقالوا: رضينا، وقال: ليكتب كل واحد منكم اسمه على عصاه فكتبوا، ثم جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه ثم أدخلت بيتا وأغلق الباب وحرسه رؤوس أسباط بني إسرائيل، فلما أصبح صلى بهم الغداة، ثم أقبل ففتح الباب فأخرج عصيهم وقد أورقت عصا سليمان وقد أثمرت، فسلموا ذلك لداود، فاختبره بحضرة بني إسرائيل فقال له: يا بني أي شئ أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال: يا بني فأي شئ أحلى؟ قال: المحبة وهي روح الله في عباده، فافتر داود ضاحكا فسار به في بني إسرائيل فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي ثم أخفى سليمان بعد ذلك أمره وتزوج بامرأة واستتر من شيعته ما شاء الله أن يستتر، ثم إن امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت وأمي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك!
ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلا أنك في مؤونة أبي، فلو دخلت السوق فتعرضت لرزق الله رجوت أن لا يخيبك، فقال لها سليمان: إني والله ما عملت عملا قط ولا أحسنه، فدخل السوق فجال يومه ذلك ثم رجع فلم يصب شيئا، فقال لها: ما أصبت شيئا، قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غدا، فلما كان من الغد خرج إلى السوق فجال فيه فلم يقدر على شئ ورجع فأخبرها فقالت: يكون غدا إن شاء الله، فلما كان في اليوم الثالث مضى حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصياد فقال له: هل لك أن أعينك وتعطينا شيئا؟ قال: نعم، فأعانه فلما فرغ أعطاه الصياد سمكتين فأخذهما وحمد الله عز وجل، ثم إنه شق بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها، فأخذه فصيره في ثوبه وحمد الله، وأصلح السمكتين وجاء بهما إلى منزله، وفرحت امرأته بذلك، وقالت له: إني أريد أن تدعو أبوي حتى يعلما أنك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه، فلما فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا:
لا والله إلا أنا لم نر خيرا منك، فأخرج خاتمه فلبسه فخر عليه الطير والريح وغشيه
الملك وحمل الجارية وأبويها إلى بلاد إصطخر، واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به ففرج الله عنهم ما كانوا فيه من حيرة غيبته، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا بإذن الله تعالى ذكره، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة ويأخذون عنه معالم دينهم ، ثم غيب الله عز وجل آصف غيبة طال أمدها، ثم ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء الله، ثم إنه ودعهم فقالوا له: أين الملتقى؟ قال: على الصراط، وغاب عنهم ما شاء الله، واشتدت البلوى على بني إسرائيل بغيبته وتسلط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ويطلب من يهرب، ويسبي ذراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال، واصطفى من ولد هارون عزيرا، وهم حينئذ صبية صغار، فمكثوا في يده وبنو إسرائيل في العذاب المهين، والحجة دانيال أسير في يد بخت نصر تسعين سنة، فلما عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج في ظهوره وعلى يده أمر أن يجعل في جب عظيم واسع ويجعل معه الأسد ليأكله، فلم يقربه، وأمر أن لا يطعم، فكان الله تعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يد نبي من أنبياء بني إسرائيل، فكان يصوم دانيال النهار، ويفطر الليل على ما يدلى إليه من الطعام، واشتدت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره، وشك أكثرهم في الدين لطول الأمد، فلما تناهى البلاء بدانيال وبقومه رأى بخت نصر في المنام كأن ملائكة من السماء قد هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجب الذي فيه دانيال مسلمين عليه، يبشرونه بالفرج، فلما أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال، فأمر أن يخرج من الجب فلما اخرج اعتذر إليه مما ارتكب منه من التعذيب، ثم فوض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل، ورفعوا رؤوسهم، واجتمعوا إلى دانيال عليه السلام موقنين بالفرج، فلم يلبث إلا القليل على تلك الحال حتى مضى لسبيله، وأفضى الامر بعده إلى عزير، وكانوا يجتمعون إليه، ويأنسون به، ويأخذون عنه معالم دينهم، فغيب الله عنهم شخصه مائة عام، ثم بعثه وغابت الحجج بعده، واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ولد يحيى بن زكريا عليه السلام وترعرع وظهر وله سبع سنين، فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكرهم بأيام الله ، وأخبرهم أن
محن الصالحين إنما كانت لذنوب بني إسرائيل، وأن العاقبة للمتقين، ووعدهم الفرج بقيام المسيح عليه السلام بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول، فلما ولد المسيح أخفى الله ولادته وغيب شخصه لان مريم عليها السلام لما حملته انتبذت به مكانا قصيا.
ثم إن زكريا وخالتها أقبلا يقصان أثرها حتى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول: " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجتها، فلما ظهر اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكب الجبابرة والطواغيت عليهم، حتى كان من أمر المسيح ما قد أخبر الله به، واستتر شمعون ابن حمون والشيعة حتى أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجر لهم فيها العيون العذبة، واخرج لهم من كل الثمرات، وجعل لهم فيها الماشية، وبعث إليهم سمكة تدعى القمد لا لحم لها ولا عظم، وإنما هي جلد ودم فخرجت من البحر، وأوحى الله عز وجل إلى النحل أن تركبها، فركبتها فأتت النحل إلى تلك الجزيرة ونهض النحل وتعلق بالشجر فعرش وبنى وكثر العسل، ولم يكونوا يفقدون شيئا من أخبار المسيح عليه السلام. بيان: قد مضى صدر الخبر في باب وفاة موسى عليه السلام وقال الفيروزآبادي: دمغه كمنعه ونصره: شجه حتى بلغت الشجة الدماغ. وقال: افتر: ضحك ضحكا حسنا، وقال: عرش بالمكان: أقام.
11 - تفسير العياشي: عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام " ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " قال: وكان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود، والنبي يقيم له أمره وينبئه الخير من عند ربه، فلما قالوا ذلك لنبيهم قال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد، فقالوا:
إن كتب الله الجهاد فإذا أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلابد لنا من الجهاد ونطيع ربنا في جهاد عدونا، قال: " فإن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " فقالت عظماء بني إسرائيل: وما شأن طالوت يملك علينا وليس في بيت النبوة والمملكة؟ وقد عرفت أن النبوة والمملكة في اللاوي ويهودا، وطالوت من سبط ابن يامين بن يعقوب، فقال لهم: " إن الله قد اصطفاء عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم " والملك بيد الله يجعله حيث يشاء ليس لكم أن تخيروا، فإن آية ملكه أن يأتيكم التابوت من قبل الله، تحمله الملائكة فيه سكينة من ربكم وبقية، وهو الذي كنتم تهزمون به من لقيتم، فقالوا: إن جاء التابوت رضينا وسلمنا.
12 - تفسير العياشي: عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: رضاض الألواح، فيها العلم والحكمة، العلم جاء من السماء فكتب في الألواح وجعل في التابوت.
13 - تفسير العياشي: عن أبي المحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن قول الله:
" وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " فقال: ذرية الأنبياء.
14 - تفسير العياشي: عن العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته وهو يقول للحسن: أي شئ السكينة عندكم؟ وقرأ: " فأنزل الله سكينته على رسوله " فقال
له الحسن: جعلت فداك لا أدري، فأي شئ هو؟ قال: ريح تخرج من الجنة طيبة لها صورة كصورة وجه الانسان، قال: فيكون مع الأنبياء، فقال له علي بن أسباط تنزل على الأنبياء والأوصياء؟ فقال: تنزل على الأنبياء، قال: وهي التي نزلت علي إبراهيم عليه السلام حيث بنى الكعبة فجعلت تأخذ كذا وكذا ويبني الأساس عليها، فقال له محمد بن علي: قول الله: " فيه سكينة من ربكم " قال: هي من هذا.
ثم أقبل على الحسن فقال: أي شئ التابوت فيكم؟ فقال: السلاح، فقال: نعم هو تابوتكم، فقال: فأي شئ في التابوت الذي كان في بني إسرائيل؟ قال: كان فيه ألواح موسى التي تكسرت والطشت التي يغسل فيها قلوب الأنبياء.
15 - الخصال، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن يوم الأربعاء الذي يتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهر - وساق الحديث إلى أن قال -: ويوم الأربعاء أخذت العماليق التابوت.
16 - تفسير العياشي: عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان داود وإخوة له أربعة، ومعهم أبوهم شيخ كبير، وتخلف داود عليه السلام في غنم لأبيه، ففصل طالوت بالجنود فدعا أبو داود داود وهو أصغرهم، فقال: يا بني اذهب إلى إخوتك بهذا الذي قد صنعناه لهم يتقوون به على عدوهم وكان رجلا قصيرا أزرق، قليل الشعر، طاهر القلب فخرج وقد تقارب القوم بعضهم من بعض.
17 - تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: سمعته يقول: فمر داود على الحجر، فقال الحجر: يا داود خذني فاقتل بي جالوت، فإني إنما خلقت لقتله، فأخذه فوضعه
في مخلاته التي تكون فيها حجارته التي كان يرمي بها عن غنمه بمقذافه، فلما دخل العسكر سمعهم يتعظمون أمر جالوت، فقال لهم داود: ما تعظمون من أمره فوالله لئن عاينته لأقتلنه؟ فتحدثوا بخبره حتى ادخل على طالوت، فقال: يا فتى وما عندك من القوة وما جربت من نفسك؟ قال: كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه فاخذه برأسه فأفك لحيته عنها فاخذها من فيه، قال: فقال: ادع لي بدرع سابغة، قال: فاتي بدرع فقذفها في عنقه فتملأ منها حتى راع طالوت ومن حضره من بني إسرائيل، فقال طالوت: والله لعسى الله أن يقتله به، قال: فلما أن أصبحوا ورجعوا إلى طالوت والتقى الناس قال داود عليه السلام: أروني جالوت، فلما رآه أخذ الحجر فجعله في مقذافه فرماه فصك به بين عينيه فدمغه ونكس عن دابته، وقال الناس:
قتل داود جالوت، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر، واجتمعت بنو إسرائيل على داود وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد فلينه له، وأمر الجبال والطير يسبحن معه، قال: ولم يعط أحد مثل صوته، فأقام داود في بني إسرائيل مستخفيا وأعطي قوة في عبادته. أقول: قال صاحب الكامل: لما انقطع إلياس عن بني إسرائيل بعث الله اليسع، فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله، وعظمت فيهم الاحداث وعندهم التابوت يتوارثونه فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تحمله الملائكة، فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت إلا هزم الله العدو وكانت السكينة شبه رأس هر فإذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح، ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف، وكان الله يمنعهم ويحميهم، فلما عظمت أحداثهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت فاقتتلوا فغلبهم عدوهم على التابوت وأخذه منهم وانهزموا، فلما علم ملكهم أن التابوت اخذ مات كمدا، ودخل العدو أرضهم ونهب وسبى وعاد فمكثوا على اضطراب
من أمرهم واختلاف، وكانوا يتمادن أحيانا في غيهم فيسلط الله عليهم من ينتقم به منهم فإذا رجعوا إلى التوبة كفى الله عنهم شر عدوهم، فكان هذا حالهم من لدن توفي يوشع بن نون إلى أن بعث الله إشمويل، وملكهم طالوت ورد عليهم التابوت، و كانت مدة ما بين وفاة يوشع إلى أن رجعت النبوة إلى إشمويل أربعمائة سنة وستين سنة، وكان من خبر إشمويل أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء وطمع فيهم الأعداء واخذ التابوت عنهم فصاروا بعده لا يلقون ملكا إلا خائفين، فقصدهم جالوت ملك الكنانيين، وكان ملكه ما بين مصر وفلسطين فظفر بهم وضرب عليهم الجزية وأخذ منهم التوراة، فدعوا الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه، وكان سبط النبوة هلكوا فلم يبق منهم غير امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فولدت غلاما سمته إشمويل، ومعناه سمع الله دعائي، وسبب هذه التسمية أنها كانت عاقرا، وكان لزوجها امرأة أخرى قد ولدت له عشرة أولاد فبغت عليها بكثرة أولادها، فانكسرت العجوز ودعت الله أن يرزقها ولدا، فرحم الله تعالى انكسارها وحاضت لوقتها وقربت زوجها فحملت، فلما انقضت مدة الحمل ولدت غلاما فسمته إشمويل، فلما كبر أسلمته في بيت المقدس يتعلم التوراة وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتاه جبرئيل وهو يصلي فناداه بصوت يشبه صوت الشيخ، فجاء إليه فقال: ما تريد؟
فكره أن يقول: لم أدع فيفزع، فقال: ارجع ونم، فعاد جبرئيل لمثلها، فجاء إلى الشيخ فقال له: ما تريد؟ فقال: يا بني عد، وإذا دعوتك فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل عليه السلام وأمره بإنذار قومه وأعلمه أن الله بعثه رسولا، فدعاهم فكذبوه ثم أطاعوه، فأقام يدبر أمرهم عشر سنين، وقيل: أربعين سنة، وكانت العمالقة مع ملكهم
جالوت قد عظمت نكايتهم في بني إسرائيل حتى كادوا يهلكونهم، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " إلى قوله: " وأبنائنا " فدعا الله فأرسل إليه عصا وقرنا فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم طوله طول هذه العصا، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فدهن رأسه به وملكه عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها، وقيل: كان طالوت دباغا، وقيل: كان سقاء يستقي الماء ويبيعه فضل حماره فانطلق يطلبه، فلما اجتاز بالمكان الذي فيه إشمويل دخل يسأله أن يدعو له ليرد الله حماره، فلما دخل نش الدهن فقاسوه بالعصا فكان مثلها، فقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " فقالوا له: ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط الملك، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه؟ فقال إشمويل: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم " فقالوا: إن كنت صادقا فأت بآية، فقال: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت " الآية، فحملته الملائكة وأتت به إلى طالوت نهارا بين السماء والأرض والناس ينظرون، فأخرجه طالوت إليهم فأقروا بملكه ساخطين، وخرجوا معه كارهين، وهم ثمانون ألفا، فلما خرجوا قال لهم طالوت: " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " وهو نهر فلسطين، وقيل: هو الأردن، فشربوا منه إلا قليلا وهم أربعة آلاف، فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه لقيهم جالوت وكان ذا بأس شديد، فلما رأوه رجع أكثرهم وقالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " ولم يبق معه غير ثلاث مائة و بضعة عشر رجلا عدة أهل بدر، فلما رجع من رجع قالوا: " كم من فئة قليلة غلبت
فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " وكان فيهم أبو داود ومعه من أولاده ثلاثة عشر ابنا، وكان داود عليه السلام أصغر بنيه وقد خلفه يرعى لهم ويحمل إليهم الطعام، وكان قد قال لأبيه ذات يوم: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته، وقال له: لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه ولم أخفه، ثم أتاه يوما آخر فقال له: إني لامشي بين الجبال فاسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي، قال:
ابشر فإن هذا خير أعطاكه الله، فأرسل الله تعالى إلى النبي الذي مع طالوت قرنا فيه دهن وتنورا من حديد، فبعث الله إلى طالوت وقال: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا الدهن على رأسه فيغلي حتى يسيل من القرن ولا يجاوز رأسه إلى وجهه، و يبقى على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملؤه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد، فأحضر داود من رعيه فمر في طريقه بثلاثة أحجار، فكلمنه وقلن: خذنا يا داود فاقتل بنا جالوت، فأخذهن وجعلهن في مخلاته وكان طالوت قد قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي، وأجريت خاتمه في مملكتي، فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه، ولبس التنور فملأه، و كان داود مسقاما أزرق مصفارا، فلما دخل في التنور تضايق عليه حتى ملأه وفرح إشمويل وطالوت وبنو إسرائيل بذلك، وتقدموا إلى جالوت وصفوا للقتال، وخرج داود نحو جالوت وأخذ الأحجار ووضعها في قذافته ورمى بها جالوت فوقع الحجر بين عينيه ونقبت رأسه وقتلته، ولم يزل الحجر يقتل كل من أصابته ينفذ منه إلى غيره، فانهزم عسكر جالوت بإذن الله، ورجع طالوت فأنكح ابنته داود، وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه. أقول: في أكثر نسخ التواريخ التنور بالتاء، وفي العرائس شبه تنور، فأمره
أن يجلس فيه، وفي بعض النسخ بالسين، قال الفيروزآبادي: السنور: لبوس من قد كالدرع انتهى.
ثم اعلم أنه ذكر المؤرخون أن طالوت حسد داود وأراد قتله فمنعه الله من ذلك، وهو ليس بمعتمد، لأنه يظهر من الآية وبعض الروايات فضله وعلمه وكماله، ولم يرد في أخبارنا شئ من ذلك ولذا تركنا إيراده.
وذكر المسعودي هذه القصة نحوا مما مر، وفيه: إن الله تعالى جمع الأحجار الثلاثة في مخلاته فصارت حجرا واحدا، وذكر أن مدة مكث التابوت ببابل كان عشر سنين، فسمعوا عند الفجر حفيف الملائكة يحملون التابوت.
18 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية ابن وهب، عن سعيد السمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل أي أهل بيت وجد التابوت على بابهم أوتوا النبوة، فمن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة.
19 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن السكين، عن نوح بن دراج، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني إسرائيل، حيثما دار التابوت دار الملك، فأينما دار فينا السلاح دار العلم.
20 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن الرضا عليه السلام مثله. أقول: سيأتي الاخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
21 - من لا يحضره الفقيه: قال الصادق عليه السلام: مسجد السهلة هو بيت إدريس عليه السلام الذي كان يخيط فيه، وهو الموضع الذي خرج منه إبراهيم إلى العمالقة، وهو الموضع الذي خرج منه داود إلى جالوت.
22 - كنز الفوائد للكراجكي: ذكروا أن الوليد بن عبد الملك احتاج إلى رصاص أيام بناء مسجد دمشق، فقيل: إن في الأردن منارة فيها رصاص فابعث إليها، قال: فبعث إليها، فلما أخذوا في حفرها ضرب رجل بمعول فأصاب رجلا في سفط وناله المعول فسال دمه، فقيل: هذا طالوت الملك فتركه ولم يخرجه.
بسم الله الرحمن الرحيم
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.