پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 18 قصص لقمان وحكمه الآيات، لقمان 31 ولقد آتينا

ج ۱۳، ص ۴۰۷–۴۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۳

11 - 19.

تفسير: " أن اشكر " أي لان اشكر، أو أي اشكر، فإن إيتاء الحكمة في معنى القول " وهنا " أي ذات وهن، أو تهن وهنا على وهن، أي تضعف ضعفا فوق ضعف " وفصاله " أي فطامه في انقضاء عامين، وكانت الام ترضعه في تلك المدة " أن اشكر " تفسير لوصينا أو علة له، أو بدل من والديه بدل الاشتمال " إنها " أي الخصلة من الإساءة والاحسان " إن تك " مثلا في الصغر كحبة الخردل " فتكن " في أخفى مكان وأحرزه كجوف صخرة أو أعلاه كمحدب السماوات أو أسفله كمقعر الأرض يحضرها الله فيحاسب عليها " من عزم الأمور " أي مما عزمه الله من الأمور، أي قطعه قطع إيجاب " ولا تصعر خدك للناس " أي لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة وجهك كما تفعله المتكبرون " مرحا "

أي فرحا وبطرا " واقصد في مشيك " أي توسط بين الدبيب والاسراع " واغضض من صوتك " أي اخفضه إلا في موضع الحاجة، أو توسط في ذلك أيضا.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " وهنا على وهن " يعني ضعفا على ضعف، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " واتبع سبيل من أناب إلي " يقول: اتبع سبيل محمد. قال علي بن إبراهيم: ثم عطف على خبر لقمان وقصته فقال: " يا بني إنها إن تك مثقال حبة " قال: من الرزق " يأتيك به الله ".

قوله: " ولا تصعر خدك للناس " أي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم " ولا تمش في الأرض مرحا " أي فرحا. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولا تمش في الأرض مرحا " يقول: بالعظمة. وقال علي بن إبراهيم في قوله: " واقصد في مشيك ": أي لا تعجل " واغضض من صوتك " أي لا ترفعه. بيان: تفسير تصعير الخد بالتذلل خلاف المشهور بين اللغويين والمفسرين، لكن لا يبعد كثيرا عن أصل المعنى اللغوي، فإن التصعير إمالة الوجه، فكما يكون عن الناس تكبرا يكون إلى الناس تذللا، بل هو أنسب باللام.

قال الطبرسي رحمه الله: أي ولا تمل وجهك عن الناس تكبرا، ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به، وهذا معنى قول ابن عباس وأبي عبد الله عليه السلام، يقال: أصاب البعير صعر أي داء يلوي منه عنقه.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حماد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل، فقال: أما والله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال، ولكنه كان رجلا قويا في أمر الله، متورعا في الله، ساكتا، سكينا، عميق النظر، طويل الفكر، حديد النظر، مستغن بالعبر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط

ولا اغتسال لشدة تستره وعموق نظره وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شئ قط مخافة الاثم، ولم يغضب قط، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح لشئ إن أتاه من أمر الدنيا، ولا حزن منها على شئ قط، وقد نكح من النساء وولد له الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم إفراطا فما بكى على موت أحد منهم، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة مما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويحترز به من الشيطان، وكان يداوي قلبه بالتفكر، ويداري نفسه بالعبر، وكان لا يظعن إلا فيما يعنيه، فبذلك أوتي الحكمة، ومنح العصمة، وإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس؟ فقال لقمان:

إن أمرني ربي بذلك فالسمع والطاعة، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني، وإن هو خيرني قبلت العافية، فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لان الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين، وأكثر فتنا وبلاء ما يخذل ولا يعان، ويغشاه الظلم من كل مكان، وصاحبه منه بين أمرين: إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكما سريا شريفا. ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما، تزول هذه ولا تدرك تلك. قال: فتعجبت الملائكة من حكمته، واستحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم، وغطاه بالحكمة غطاء، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه، وخرج على الناس

ينطق بالحكمة ويبينها فيها، قال: فلما أوتي الحكم ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان، فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة، وكل ذلك يهوي في الخطاء يقيله الله ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه، وكان يقول داود له: طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة، وصرفت عنك البلية، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالخطأ والفتنة.

ثم قال أبو عبد الله في قول الله: " وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " قال: فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر وانشق، وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال: يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بني جالس العلماء وازحمهم بركبتيك، ولا تجادلهم فيمنعوك، وخذ من الدنيا بلاغا، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، وصم صوما يقطع شهوتك، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة، فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام. يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الايمان، واجعل شراعها التوكل، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك. يا بني إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن عنى بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، ومن اشتد له طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة، فإنك تخلف في سلفك، وتنفع به من خلفك، ويرتجيك فيه راغب، ويخشى صولتك راهب، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره، فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة، فإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة، واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا

في طلب العلم، فإنك لم تجد له تضييعا أشد من تركه، ولا تمارين فيه لجوجا، ولا تجادلن فقيها، ولا تعادين سلطانا، ولا تماشين ظلوما، ولا تصادقنه، ولا تؤاخين فاسقا، ولا تصاحبن متهما، واخزن علمك كما تحزن ورقك.

يا بني خف الله خوفا لو أتيت يوم القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك، وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك.

فقال له ابنه: يا أبه وكيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟ فقال له لقمان:

يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران: نور للخوف، ونور للرجاء، لو وزنا ما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله، ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله، فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض، فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا، ومن يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا، ومن يطع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن أحبه اتبع أمره، ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه، نعوذ بالله من سخط الله.

يا بني لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين. بيان: تحاجزا: تصالحا وتمانعا. قوله: (لا يظعن) أي لا يسافر، قوله عليه السلام:

(ما يخذل) أي هو شئ يخذل صاحبه، أو بتقدير اللام، أي هو أكثر فتنا وبلاء لما يخذل صاحبه، أو هو أكثر فتنا ما دام يخذل صاحبه ولا يعينه الله ، أو الموصول مبتدأ وأكثر خبره، ولعل الثالث أظهر الوجوه، ويؤيده أن في رواية الثعلبي هكذا: " لان الحاكم بأشد المنازل وآكدها، يغشاه الظلم من كل مكان، إن يعن فبالحري أن ينجو

ولا يبعد زيادة الواو في " يغشاه " فيكون " ما يخذل " متعلقا به، وفي القصص: لان الحكم بين الناس أشد المنازل من الدين وأكثرها فتنا وبلاء، يخذل صاحبه ولا يعان، ويغشاه الظلم من كل مكان. والسري: الشريف. قوله: (ويبينها فيها) أي في جماعة الناس أو في الدنيا، والأظهر " يبثها فيهم " كما في القصص.

قوله عليه السلام: (حتى تفطر وانشق) كناية عن غاية تأثير الحكمة فيه. قوله:

(وازحمهم) قال الفيروزآبادي: زحمه كمنعه: ضايقه، وزاحم الخمسين: قاربها، أي ادخل بينهم ولو بمشقة، ويحتمل أن يكون كناية عن القرب منهم.

قوله عليه السلام: (ومن عنى بالأدب) أي اعتنى به وعرف فضله. قوله عليه السلام: (فإنك تخلف) أي تكون من حيث الاتصاف بتلك العادات الحسنة خليفة من مضى من المتخلقين بها. قوله عليه السلام: (من تركه) أي ترك طلب العلم يفضي إلى ضياع ما حصلته.

3 - أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن القاساني، عن المنقري عن حماد بن عيسى، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: كان فيما أوصى به لقمان ابنه ناتان أن قال له: يا بني ليكن مما تتسلح به على عدوك فتصرعه المماسحة وإعلان الرضى عنه، ولا تزاوله بالمجانبة فيبدو له ما في نفسك فيتأهب لك، يا بني خف الله خوفا لو وافيته ببر الثقلين خفت أن يعذبك الله، وارج الله رجاء لو وافيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك، يا بني إني حملت الجندل والحديد وكل حمل ثقيل فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارات كلها فلم أذق شيئا أمر من الفقر. بيان: قال الفيروزآبادي: تماسحا: تصادقا أو تبايعا فتصافقا، وماسحا: لاينا في القول غشا.

4 - أمالي الصدوق: أبي، عن الحسين بن موسى، عن الصفار ولم يحفظ الحسين الاسناد

قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ ألف صديق وألف قليل، ولا تتخذ عدوا واحدا والواحد كثير، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

تكثر من الاخوان ما اسطعت إنهم * عماد إذا ما استنجدوا وظهور وليس كثيرا ألف خل وصاحب * وإن عدوا واحدا لكثير

5 - الخصال: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له:

يا بني ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيته في طلب الرزق أن الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره وأتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة، إن الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة، أما أول ذلك فإنه كان في رحم أمه يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حر ولا برد، ثم أخرجه من ذلك وأجرى له رزقا من لبن أمه يكفيه به ويربيه وينعشه من غير حول به ولا قوة، ثم فطم من ذلك فأجرى له رزقا من كسب أبويه برأفة ورحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك حتى أنهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره وظن الظنون بربه وجحد الحقوق في ماله، وقتر على نفسه وعياله مخافة إقتار رزق، وسوء يقين بالخلف من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بني. قصص الأنبياء: مرسلا مثله. بيان: لا يملكان غير ذلك أي لا يستطيعان ترك ذلك لما جبلهما الله عليه من حبه

أو ينفقان عليه كسبهما وإن لم يكونا يملكان غيره.

6 - قرب الإسناد: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قيل للقمان:

ما الذي أجمعت عليه من حكمتك؟ قال: قال: لا أتكلف ما قد كفيته، ولا أضيع ما وليته.

7 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن ابن عامر، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حما بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما وعظ لقمان ابنه أن قال له: يا بني اجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيبا لك في طلب العلم، فإنك لن تجد له تضييعا مثل تركه.

8 - الخصال: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: يا بني لكل شئ علامة يعرف بها ويشهد عليها، وإن للدين ثلاث علامات: العلم، والايمان، والعمل به. وللايمان ثلاث علامات:

الايمان بالله وكتبه ورسله.

وللعالم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحب، وما يكره، وللعامل ثلاث علامات:

الصلاة، والصيام، والزكاة، وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول مالا يعلم، ويتعاطى مالا ينال، وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويعين الظلمة، وللمنافق ثلاث علامات: يخالف لسانه قلبه، وقلبه فعله، وعلانيته سريرته، وللآثم ثلاث علامات: يخون، ويكذب، ويخالف ما يقول، وللمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان الناس عنده، ويتعرض في كل أمر للمحمدة، وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة، وللمسرف ثلاث علامات: يشتري ما ليس له، ويلبس ما ليس له، ويأكل ما ليس له، و للكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم، وللغافل ثلاث علامات: السهو، واللهو، والنسيان.

قال حماد بن عيسى: قال أبو عبد الله عليه السلام: ولكل واحدة من هذه العلامات شعب يبلغ العلم بها أكثر من ألف باب وألف باب وألف باب، فكن يا حماد طالبا للعلم في آناء الليل والنهار، فإن أردت أن تقر عينك وتنال خير الدنيا والآخرة فاقطع الطمع مما في أيدي الناس، وعد نفسك في الموتى، ولا تحدث لنفسك أنك فوق أحد من الناس، واخزن لسانك كما تحزن مالك.

9 - معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن البرقي رفعه، قال: قال لقمان لابنه: يا بني صاحب مائة ولا تعاد واحد، يا بني إنما هو خلاقك وخلقك، فخلاقك دينك، وخلقك بينك وبين الناس، فلا تبتغض إليهم، وتعلم محاسن الأخلاق، يا بني كن عبدا للأخيار ولا تكن ولدا للأشرار، يا بني أد الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكن أمينا تكن غنيا. بيان: الخلاق بالفتح: الحظ والنصيب، والمراد هنا: نصيبك في الآخرة.

10 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كان لقمان عليه السلام يقول لابنه: يا بني إن الدنيا بحر وقد غرق فيها جيل كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وليكن جسرك إيمانا بالله، وليكن شراعها التوكل، لعلك يا بني تنجو وما أظنك ناجيا! يا بني كيف لا يخاف الناس ما يوعدون وهم ينتقصون في كل يوم، و كيف لا يعد لما يوعد من كان له أجل ينفذ، يا بني خذ من الدنيا بلغة، ولا تدخل

فيها دخولا تضر فيها بآخرتك، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس، وصم صياما يقطع شهوتك، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة، فإن الصلاة أعظم عند الله من الصوم، يا بني لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء، أو تماري به السفهاء، أو ترائي به في المجالس، ولا تترك العلم زهادة فيه ورغبة في الجهالة، يا بني اختر المجالس على عينيك، فإن رأيت قوما يذكرون الله فاجلس إليهم، فإنك إن تكن عالما ينفعك علمك ويزيدوك علما، وإن تكن جاهلا يعلموك، ولعل الله تعالى أن يظلهم برحمة فيعمك معهم. وقال: قيل للقمان: ما يجمع من حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيته، ولا أتكلف مالا يعنيني.

11 - قصص الأنبياء: بهذا الاسناد عن ابن عيسى، عن الحسين، عن أخيه، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث فادفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك، فإنك إذا فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنزلة الموت، وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت.

وقال: قال لقمان عليه السلام: يا بني لا تقترب فيكون أبعد لك، ولا تبعد فتهان، كل دابة تحب مثلها وابن آدم لا يحب مثله؟! لا تنشر بزك إلا عند باغيه، وكما ليس بين الكبش والذئب خلة كذلك ليس بين البار والفاجر خلة، من يقترب من الزفت تعلق كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرقه، من يحب المراء يشتم، ومن يدخل مدخل السوء يتهم، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يندم.

وقال: يا بني صاحب مائة ولا تعاد واحدا، يا بني إنما هو خلاقك وخلقك، فخلاقك دينك، وخلقك بينك وبين الناس، فلا تبغضن إليهم، وتعلم محاسن الأخلاق،

يا بني كن عبدا للأخيار، ولا تكن ولدا للأشرار، يا بني أد الأمانة تسلم دنياك وآخرتك، وكن أمينا فإن الله تعالى جل وعلا لا يحب الخائنين، يا بني لا تر الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر. بيان: لا تقترب أي من الناس في المعاشرة كثيرا فيصير سببا لكثرة البعد عنهم، والغرض بيان أن ما ينبغي في معاشرتهم هو رعاية الوسط، فإن كثرة الخلطة وبث الاسرار أقرب إلى المفارقة، والبعد عنهم يوجب الإهانة. قوله عليه السلام: (لا تنشر بزك) أي لا تعرض متاعك من العلم والحكمة إلا عند طالبه ومن هو أهله.

12 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما وعظ لقمان ابنه فقال:

أنا منذ سقطت إلى الدنيا استدبرت واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت منها متباعد، يا بني لا تطلب من الامر مدبرا، ولا ترفض منه مقبلا، فإن ذلك يضل الرأي ويزري بالعقل، يا بني ليكن مما تستظهر به على عدوك الورع عن المحارم، والفضل في دينك، والصيانة لمروتك، والاكرام لنفسك أن تدنسها بمعاصي الرحمن ومساوي الأخلاق وقبيح الافعال، واكتم سرك، وأحسن سريرتك، فإنك إذا فعلت ذلك أمنت بستر الله أن يصيب عدوك منك عورة ، أو يقدر منك على زلة، ولا تأمنن مكره فيصيب منك غرة في بعض حالاتك، وإذا استمكن منك وثب عليك ولم يقلك عثرة، وليكن مما تتسلح به على عدوك إعلان الرضى عنه، واستصغر الكثير في طلب المنفعة، واستعظم الصغير في ركوب المضرة، يا بني لا تجالس الناس بغير طريقتهم، ولا تحملن عليهم فوق طاقتهم فلا يزال جليسك عنك نافرا، والمحمول عليه فوق طاقته مجانبا لك، فإذا أنت فرد لا صاحب لك يؤنسك، ولا أخ لك يعضدك، فإذا بقيت وحيدا كنت

مخذولا وصرت ذليلا، ولا تعتذر إلى من لا يحب أن يقبل لك عذرا، ولا يرى لك حقا، ولا تستعن في أمورك إلا بمن يحب أن يتخذ في قضاء حاجتك أجرا، فإنه إذا كان كذلك طلب قضاء حاجتك لك كطلبه لنفسه، لأنه بعد نجاحها لك كان ربحا في الدنيا الفانية، وحظا وذخرا له في الدار الباقية، فيجتهد في قضائها لك، وليكن إخوانك وأصحابك الذين تستخلصهم وتستعين بهم على أمورك أهل المروة والكفاف والثروة والعقل والعفاف، الذين إن نفعتهم شكروك، وإن غبت عن جيرتهم ذكروك. ايضاح: لا تطلب من الامر مدبرا أي الامر الذي لم يتهيأ أسبابه ويبعد حصوله، أو أمور الدنيا فإن كلها مدبرة فانية. وقال الفيروزآبادي: أزرى بأخيه:

أدخل عليه عيبا أو أمرا يريد أن يلبس عليه، به وبالأمر: تهاون.

13 - قصص الأنبياء: بهذا الاسناد عن الصادق عليه السلام قال: قال لقمان: يا بني إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن عنى بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، ومن اشتد له طلبه أدرك به منفعة فاتخذه عادة، وإياك والكسل منه والطلب بغيره، وإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة، وإنه إن فاتك طلب العلم فإنك لن تجد تضييعا أشد من تركه، يا بني استصلح الاهلين والاخوان من أهل العلم إن استقاموا لك على الوفاء، واحذرهم عند انصراف الحال بهم عنك، فإن عداوتهم أشد مضرة من عداوة الأباعد لتصديق الناس إياهم لاطلاعهم عليك.

14 - قصص الأنبياء: بالاسناد المتقدم عن الصادق عليه السلام قال: قال لقمان: يا بني إياك والضجر وسوء الخلق وقلة الصبر فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب، وألزم نفسك التؤدة في أمورك، وصبر على مؤونات الاخوان نفسك، وحسن مع جميع الناس

خلقك، يا بني إن عدمك ما تصل به قرابتك وتتفضل به على إخوانك فلا يعد منك حسن الخلق وبسط البشر، فإنه من أحسن خلقه أحبه الأخيار وجانبه الفجار، واقنع بقسم الله ليصفو عيشك، فإن أردت أن تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس، فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم.

وقال الصادق عليه السلام: قال لقمان عليه السلام: يا بني إن احتجت إلى سلطان فلا تكثر الالحاح عليه، ولا تطلب حاجتك منه إلا في مواضع الطلب، وذلك حين الرضى وطيب النفس، ولا تضجرن بطلب حاجة فإن قضاءها بيد الله ولها أوقات، ولكن ارغب إلى الله وسله وحرك إليه أصابعك، يا بني إن الدنيا قليل وعمرك قصير، يا بني احذر الحسد فلا يكونن من شأنك، واجتنب سوء الخلق فلا يكونن من طبعك، فإنك لا تضر بهما إلا نفسك، وإذا كنت أنت الضار لنفسك كفيت عدوك أمرك، لان عداوتك لنفسك أضر عليك من عداوة غيرك، يا بني اجعل معروفك في أهله وكن فيه طالبا لثواب الله، وكن مقتصدا، ولا تمسكه تقتيرا، ولا تعطه تبذيرا.

يا بني سيد أخلاق الحكمة دين الله تعالى، ومثل الدين كمثل شجرة نابتة، فالايمان بالله ماؤها، والصلاة عروقها، والزكاة جذعها، والتأخي في الله شعبها، والأخلاق الحسنة ورقها، والخروج عن معاصي الله ثمرها، ولا تكمل الشجرة إلا بثمرة طيبة، كذلك الدين لا يكمل إلا بالخروج عن المحارم، يا بني لكل شئ علامة يعرف بها وإن للدين ثلاث علامات: العفة، والعلم، والحلم.

15 - قصص الأنبياء: بالاسناد المتقدم عن سليمان بن داود المنقري، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: قال لقمان: يا بني إن أشد

العدم عدم القلب، وإن أعظم المصائب مصيبة الدين، وأسنى المرزئة مرزئته، وأنفع الغنى غنى القلب، فتلبث في كل ذلك، والزم القناعة والرضى بما قسم الله، وإن السارق إذا سرق حبسه الله من رزقه، وكان عليه إثمه، ولو صبر لنال ذلك وجاءه من وجهه، يا بني أخلص طاعة الله حتى لا تخاطها بشئ من المعاصي، ثم زين الطاعة باتباع أهل الحق فإن طاعتهم متصلة بطاعة الله تعالى وزين ذلك بالعلم، وحصن علمك بحلم لا يخالطه حمق، واخزنه بلين لا يخالطه جهل، وشدده بحزم لا يخالطه الضياع وامزج حزمك برفق لا يخالطه العنف. 16 - قصص الأنبياء: عن سليمان بن داود، عن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت الصادق عليه السلام يقول: قال لقمان عليه السلام: حملت الجندل والحديد وكل حمل ثقيل فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارات كلها فما ذقت شيئا أمر من الفقر، يا بني لا تتخذ الجاهل رسولا، فإن لم تصب عاقلا حكيما يكون رسولك فكن أنت رسول نفسك، يا بني اعتزل الشر يعتزلك.

وقال الصادق صلوات الله عليه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قيل للعبد الصالح لقمان:

أي الناس أفضل؟ قال: المؤمن الغني، قيل: الغني من المال؟ فقال: لا، ولكن الغني من العلم الذي إن احتيج إليه انتفع بعلمه، فإن استغنى عنه اكتفى، وقيل: فأي الناس أشر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.

17 - تنبيه الخاطر: قال لقمان: يا بني كما تنام كذلك تموت، وكما تستيقظ كذلك تبعث. وقال: يا بني كذب من قال: إن الشر يطفأ بالشر، فإن كان صادقا فليوقد

نارين، هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار. وقال يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا. وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول: يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك، فيقول لقمان: إن طول الوحدة أفهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طريق الجنة.

18 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقري، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتك إياهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريما على زادك، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، وأغلبهم بثلاث: بطول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابة أو مال أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، وأجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتصلي وأنت مستعمل فكرك وحكمتك في مشورته، فإن من لم يمحض النصيحة لمن استشاره سلبه الله تبارك وتعالى رأيه ونزع عنه الأمانة، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، وإذا تصدقوا وأعطوا قرضا فأعط معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنا، وإذا أمروك بأمر وسألوك فقل:

نعم، ولا تقل: لا، فإن (لا) عي ولوم، وإذا تحيرتم في طريقكم فانزلوا، وإذا شككتم في القصد وتؤامروا، وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم

ولا تسترشدوه، فإن الشخص الواحد في الفلات مريب، لعله أن يكون عينا للصوص، أو يكون هو الشيطان الذي يحيركم، واحذروا الشخصين أيضا إلا أن تروا مالا أرى، فإن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه، والشاهد يرى مالا يرى الغائب، يا بني فإذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ، وصلها واسترح منها، فإنها دين، وصل في جماعة ولو على رأس زج، ولا تنامن على دابتك فإن ذلك سريع في دبرها، وليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل، وإذا قربت من المنزل فأنزل عن دابتك، وابدء بعلفها قبل نفسك، وإذا أردت النزول فعليك من بقاع الأرض بأحسنها لونا، وألينها تربة، وأكثرها عشبا، وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجة فابعد المذهب في الأرض، فإذا ارتحلت فصل ركعتين، وودع الأرض التي حللت بها، وسلم عليها وعلى أهلها، فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة، وإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدء فتتصدق منه فافعل، وعليك بقراءة كتاب الله عز وجل ما دمت راكبا، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا، وإياك والسير من أول الليل، وعليك بالتعريس والدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره، وإياك ورفع الصوت في مسيرك. أقول: قال الشيخ أمين الدين الطبرسي: اختلف في لقمان فقيل: إنه كان حكيما ولم يكن نبيا، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين، وقيل: إنه كان نبيا، عن عكرمة والسدي والشعبي، وفسروا الحكمة في الآية بالنبوة، وقيل: إنه كان عبدا أسود حبشيا، غليظ المشافر، مشقوق الرجلين في زمن داود عليه السلام، وقال له بعض الناس: ألست كنت ترعى الغنم معنا؟ فقال: نعم، فقال: من أين أوتيت ما أرى؟ قال:

قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني، وقيل: إنه كان ابن أخت أيوب، عن وهب، وقيل: كان ابن خالة أيوب، عن مقاتل، وروي عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حقا أقول، له يكن لقمان نبيا ولكنه كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين أحب الله فأحبه ومن عليه بالحكمة، كان نائما نصف النهار إذ جاء نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة؟ ثم ذكر نحوا مما مر في خبر حماد، ثم قال: ذكر أن مولى لقمان دعاه فقال: اذبح شاة فأتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه بالقلب واللسان، فسأله عن ذلك فقال: إنهما أطيب شئ إذا طابا وأخبث شئ إذا خبثا.

وقيل: إن مولاه دخل المخرج فأطال فيه الجلوس فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة يفجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هونا، وقم هونا، قال: فكتب حكمته على باب الحش. قال عبد الله بن دينار: قدم لقمان من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أبي؟

قال: مات، قال: ملكت أمري، قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدد فراشي، قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت، قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال:

مات، قال: انقطع ظهري.

وقيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وقيل له: ما أقبح وجهك! قال: تعيب على النقش أو على فاعل النقش؟ وقيل: إنه دخل على داود وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود عليه السلام: بحق ما سميت حكيما. انتهى. وقال المسعودي: كان لقمان نوبيا مولى للقين بن حسر، ولد على عشر سنين من ملك داود عليه السلام، وكان عبدا صالحا، ومن الله عليه بالحكمة، ولم يزل في فيافي الأرض مظهرا للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أيام يونس بن متى، حتى بعث إلى أهل نينوى من بلاد الموصل.

19 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الأزدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا، فأوف عملك واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت، فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر، أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها، واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما أفنيته، ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته فتأهب لذلك، وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك

وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك، وأكمش في فراقك قبل أن يقصد قصدك ويقضي قضاؤك ويحال بينك وبين ما تريد.

20 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عمن ذكره رفعه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تقرب فيكون أبعد لك، و لا تبعد فتهان، كل دابه تحب مثلها وابن آدم لا يحب مثله؟! ولا تنشر بزك إلا عند باغيه، كما ليس بين الذئب والكبش خلة كذلك ليس بين البار والفاجر خلة، من يقترب من الزفت يعلق به بعضه، كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرقه، من يحب المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يندم.

21 - تنبيه الخاطر. قال لقمان: لان يضر بك الحكيم فيؤذيك خير من أن يدهنك الجاهل بدهن طيب. وقيل للقمان: ألست عبد آل فلان؟ قال: بلى، قيل: فما بلغ بك ما نرى؟ قال:

صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي مالا يعنيني، وغضي بصري، وكفي لساني، وعفتي في طعمتي، فمن نقص عن هذا فهو دوني، ومن زاد عليه فهو فوقي، ومن عمله فهو مثلي. وقال: يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة، ولا تشمت بالموت، ولا تسخر بالمبتلى، ولا تمنع المعروف. يا بني كن أمينا تعش غنيا. يا بني اتخذ تقوى الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة، وإذا أخطأت خطيئة فابعث في أثرها صدقة تطفئها. يا بني إن الموعظة تشق على السفيه كما يشق الصعود على الشيخ الكبير. يا بني لا ترث لمن ظلمته، ولكن ارث لسوء ما جنيته على نفسك، وإذا دعتك القدرة إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله عليك. يا بني تعلم من العلماء ما جهلت، وعلم الناس ما علمت.

22 - أقول: وجدت بخط أبي نور الله ضريحه ما هذا لفظه: جعفر بن الحسين شيخ الصدوق محمد بن بابويه وثقه (فهرست النجاشي) وله كتاب النوادر وكان ذلك عندنا فمن أخباره: بسم الله الرحمن الرحيم: عن الأوزاعي إن لقمان الحكيم لما خرج من بلاده نزل بقرية بالموصل يقال لها كوماس، قال: قلما ضاق بها ذرعه واشتد بها غمه ولم يكن أحد يتبعه على أثره أغلق الأبواب وأدخل ابنه يعظه، فقال: يا بني إن الدنيا بحر عميق هلك فيها ناس كثير، تزود من عملها، واتخذ سفينة حشوها تقوى الله، ثم اركب الفلك تنجو، وإني لخائف أن لا تنجو، يا بني السفينة إيمان، وشراعها التوكل، وسكانها الصبر، ومجاذيفها الصوم والصلاة والزكاة، يا بني من ركب البحر من غير سفينة غرق، يا بني أقل الكلام، واذكر الله عز وجل في كل مكان، فإنه قد أنذرك وحذرك وبصرك وعلمك، يا بني اتعظ بالناس قبل أن يتعظ الناس بك، يا بني اتعظ بالصغير قبل أن ينزل بك الكبير، يا بني أملك نفسك عند الغضب حتى لا تكون لجهنم حطبا، يا بني الفقر خير من أن تظلم وتطغى، يا بني إياك وأن تستدين فتخون في الدين.

23 - الاختصاص: عن الأوزاعي مثله، وزاد فيه: يا بني إن تخرج من الدنيا فقيرا

وتدع أمرك وأموالك عند غيرك قيما فتصيره أميرا، يا بني إن الله رهن الناس بأعمالهم، فويل لهم مما كسبت أيديهم وأفئدتهم، يا بني لا تأمن من الدنيا والذنوب والشيطان فيها، يا بني إنه قد افتتن الصالحون من الأولين فكيف تنجو منه الآخرون؟

يا بني اجعل الدنيا سجنك فتكون الآخرة جنتك، يا بني إنك لم تكلف أن تشيل الجبال، ولم تكلف مالا تطيقه، فلا تحمل البلاء على كتفك، ولا تذبح نفسك بيدك، يا بني لا تجاورن الملوك فيقتلوك، ولا تطعهم فتكفر، يا بني جاور المساكين، واخصص الفقراء والمساكين من المسلمين، يا بني كن لليتيم كالأب الرحيم، وللأرملة كالزوج العطوف، يا بني إنه ليس كل من قال: اغفر لي غفر له، إنه لا يغفر إلا لمن عمل بطاعة ربه، يا بني الجار ثم الدار، يا بني الرفيق ثم الطريق، يا بني لو كانت البيوت على العمل ما جاور رجل جار سوء أبدا، يا بني الوحدة خير من صاحب السوء، يا بني الصاحب الصالح خير من الوحدة، يا بني نقل الحجارة والحديد خير من قرين السوء، يا بني إني نقلت الحجارة والحديد فلم أجد شيئا أثقل من قرين السوء، يا بني إنه من يصحب قرين السوء لا يسلم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، يا بني من لا يكف لسانه يندم، يا بني المحسن تكافأ بإحسانه، والمسئ يكفيك مساويه، لو جهدت أن تفعل به أكثر مما يفعله بنفسه ما قدرت عليه، يا بني من ذا الذي عبد الله فخذله؟ ومن ذا الذي ابتغاه فلم يجده؟ يا بني ومن ذا الذي ذكره فلم يذكره؟ ومن ذا الذي توكل على الله فوكله إلى غيره؟ ومن ذا الذي تضرع إليه جل ذكره فلم يرحمه؟

يا بني شاور الكبير ولا تستحي من مشاورة الصغير، يا بني إياك ومصاحبة الفساق فإنما هم كالكلاب، إن وجدوا عندك شيئا أكلوه، وإلا ذموك وفضحوك. وإنما حبهم بينهم ساعة، يا بني معاداة المؤمن خير من مصادقة الفاسق، يا بني المؤمن تظلمه ولا يظلمك وتطلب عليه ويرضى عنك، والفاسق لا يراقب الله فكيف يراقبك؟! يا بني استكثر من

الأصدقاء ولا تأمن من الأعداء، فإن الغل في صدورهم مثل الماء تحت الرماد، يا بني ابدء الناس بالسلام والمصافحة قبل الكلام، يا بني لا تكالب الناس فيمقتوك، ولا تكن مهينا فيضلوك، ولا تكن حلوا فيأكلوك، ولا تكن مرا فيلفظوك - ويروى: ولا تكن حلوا فتبلع، ولا مرا فترمى -.

يا بني لا تخاصم في علم الله، فإن علم الله لا يدرك ولا يحصى، يا بني خف الله مخافة لا تيأس من رحمته، وارجه رجاء لا تأمن من مكره، يا بني انه النفس عن هواها، فإنك إن لم تنه النفس عن هواها لن تدخل الجنة ولن تراها - ويروى انه نفسك عن هواها، فإن في هواها رداها.

يا بني إنك منذ يوم هبطت من بطن أمك استقبلت الآخرة واستدبرت الدنيا، فإنك إن نلت مستقبلها أولى بك من مستدبرها، يا بني إياك والتجبر والتكبر والفخر فتجاوز إبليس في داره، يا بني دع عنك التجبر والكبر، ودع عنك الفخر، واعلم أنك ساكن القبور، يا بني اعلم أنه من جاور إبليس وقع في دار الهوان، لا يموت فيها ولا يحيى، يا بني ويل لمن تجبر وتكبر، كيف يتعظم من خلق من طين، وإلى طين يعود ثم لا يدري إلى ما يصير إلى الجنة فقد فاز، أو إلى النار فقد خسر خسرانا مبينا وخاب؟ - و يروى: كيف يتجبر من قد جرى في مجرى البول مرتين - يا بني كيف ينام ابن آدم و الموت يطلبه؟ وكيف يغفل ولا يغفل عنه؟ يا بني إنه قد مات أصفياء الله عز وجل و أحباؤه وأنبياؤه صلوات الله عليهم، فمن ذا بعدهم يخلد فيترك؟ يا بني لا تطأ أمتك ولو أعجبتك وانه نفسك عنها وزوجها، يا بني لا تفشين سرك إلى امرأتك، ولا تجعل مجلسك علي باب دارك، يا بني إن المرأة خلقت من ضلع أعوج إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها تعوجت، الزمهن البيوت فإن أحسن فاقبل إحسانهن، وإن أسأن فاصبر إن ذلك من عزم الأمور.

يا بني النساء أربع: ثنتان صالحتان، وثنتان ملعونتان، فأما إحدى الصالحتين: فهي الشريفة في قومها، الذليلة في نفسها، التي إن أعطيت شكرت،

وإن ابتليت صبرت، القليل في يديها كثير، والثاني: الولود الودود، تعود بخير على زوجها، هي كالأم الرحيم، تعطف على كبيرهم، وترحم صغيرهم، وتحب ولد زوجها و إن كانوا من غيرها، جامعة الشمل، مرضية البعل، مصلحة في النفس والأهل والمال و الولد، فهي كالذهب الأحمر، طوبى لمن رزقها، إن شهد زوجها أعانته، وإن غاب عنها حفظته. وأما إحدى الملعونتين فهي العظيمة في نفسها، الذليلة في قومها، التي إن أعطيت سخطت، وإن منعت عتبت وغضبت، فزوجها منها في بلاء، وجيرانها منها في عناء، فهي كالأسد إن جاورته أكلك، وإن هربت منه قتلك، والملعونة الثانية فهي قلى عن زوجها وملها جيرانها، إنما هي سريعة السخطة، سريعة الدمعة، إن شهد زوجها لم تنفعه، وإن غاب عنها فضحته، فهي بمنزلة الأرض النشاشة إن أسقيت أفاضته الماء وغرقت، وإن تركتها عطشت، وإن رزقت منها ولدا لم تنتفع به، يا بني لا تتزوج بأمة فيباع ولدك بين يديك وهو فعلك بنفسك.

يا بني لو كانت النساء تذاق كما تذاق الخمر ما تزوج رجل امرأة سوء أبدا، يا بني أحسن إلي من أساء إليك، ولا تكثر من الدنيا فإنك على غفلة منها، وانظر إلى ما تصير منها، يا بني لا تأكل مال اليتيم فتفتضح يوم القيامة، وتكلف أن ترده إليه، يا بني لو أنه أغنى أحد عن أحد لاغنى الولد عن والده، يا بني إن النار يحيط بالعالمين كلهم فلا ينجو منها أحد إلا من رحمه الله وقربه منه، يا بني لا يغرنك خبيث اللسان فإنه يختم على قلبه، وتتكلم جوارحه وتشهد عليه، يا بني لا تشتم

الناس فتكون أنت الذي شتمت أبويك، يا بني لا يعجبك إحسانك، ولا تتعظمن بعملك الصالح فتهلك، يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، يا بني ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، يا بني إن كل يوم يأتيك يوم جديد يشهد عليك عند رب كريم، يا بني إنك مدرج في أكفانك ومحل قبرك، ومعاين عملك كله، يا بني كيف تسكن دار من أسخطته؟ أم كيف من قد عصيته؟ يا بني عليك بما يعنيك، ودع عنك مالا يعنيك، فإن القليل منها يكفيك، والكثير منها لا يعنيك، يا بني لا تؤثرن على نفسك سواها، ولا تورث مالك أعداءك، يا بني إنه قد أحصي الحلال الصغير فكيف بالحرام الكثير؟ يا بني اتق النظر إلى مالا تملكه، وأطل التفكر في ملكوت السماوات والأرض والجبال وما خلق الله، فكفى بهذا واعظا لقلبك، يا بني اقبل وصية الوالد الشفيق، يا بني بادر بعملك قبل أن يحضر أجلك وقبل أن تسير الجبال سيرا، وتجمع الشمس والقمر، وتغير السماء وتطوى، وتنزل الملائكة صفوفا خائفين حافين مشفقين، وتكلف أن تجاوز الصراط ، وتعاين حينئذ عملك وتوضع الموازين وتنشر الدواوين، يا بني تعلمت سبعة آلاف من الحكمة فاحفظ منها أربعا ومر معي إلى الجنة: احكم سفينتك فإن بحرك

عميق، وخفف حملك فأن العقبة كؤود، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد، وأخلص العمل فإن الناقد بصير.

24 - كنز الفوائد للكراجكي: من حكم لقمان عليه السلام: يا بني أقم الصلاة فإن مثل الصلاة في دين الله كمثل عمود الفسطاط، فإن العمود إذا استقام نفعت الاطناب والأوتاد والظلال، وإن لم يستقيم لم ينفع وتد ولا طنب ولا ظلال، أي بني! صاحب العلماء وجالسهم، وزرهم في بيوتهم لعلك أن تشبههم فتكون منهم، اعلم أي بني! إني قد ذقت الصبر وأنواع المر فلم أر أمر من الفقر، فإن افتقرت يومك فاجعل فقرك بينك وبين الله، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم، يا بني ادع الله ثم سل في الناس هل من أحد دعا الله فلم يجبه؟ أو سأله فلم يعطه؟ يا بني ثق بالله العظيم عز وجل: ثم سل في الناس هل من أحد وثق بالله فلم ينجه؟ يا بني توكل على الله، ثم سل في الناس من ذا الذي توكل على الله فلم يكف؟ يا بني أحسن الظن بالله ثم سل في الناس:

من ذا الذي أحسن الظن بالله فلم يكن عند حسن ظنه به؟ يا بني من يرد رضوان الله يسخط نفسه إليه، ومن لا يسخط نفسه لا يرضى ربه، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه، يا بني تعلم الحكمة تشرف، فإن الحكمة تدل على الدين، وتشرف العبد على الحر، و ترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك وتزيد الشريف شرفا، والسيد سوددا، والغني مجدا، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة؟ ولن يهيئ الله عز وجل أمر الدنيا والآخرة إلا بالحكمة ومثل الحكمة بغير طاعة مثل الجسد بلا نفس، أو مثل الصعيد بلا ماء، ولا صلاح للجسد بغير نفس، ولا للصعيد بغير ماء، ولا للحكمة بغير طاعة .

25 - وأخبرني جماعة عن أبي المفضل الشيباني بإسناده عن أبي ذر رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني من ذا الذي ابتغى الله فلم يجده؟ ومن ذا الذي لجأ إلى الله فلم يدافع عنه؟ أم من ذا الذي توكل على الله فلم يكفه؟

26 - بيان التنزيل لابن شهرآشوب: قال: أول ما ظهر من حكم لقمان أن تاجرا سكر وخاطر نديمه أن يشرب ماء البحر كله وإلا سلم إليه ماله وأهله، فلما أصبح وصحا ندم وجعل صاحبه يطالبه بذلك، فقال لقمان: أنا أخلصك بشرط أن لا تعود إلى مثله. قل: أأشرب الماء الذي كان فيه وقتئذ فأتني به، أو أشرب ماءه الآن فسد أفواهه لأشربه، أو أشرب الماء الذي يأتي به فاصبر حتى يأتي، فأمسك صاحبه عنه.

27 - كتاب فتح الأبواب للسيد ابن طاوس قال: روي أن لقمان الحكيم قال لولده في وصيته: لا تعلق قلبك برضى الناس ومدحهم وذمهم فإن ذلك لا يحصل ولو بالغ الانسان في تحصيله بغاية قدرته، فقال ولده: ما معناه؟ أحب أن أرى لذلك مثالا أو فعالا أو مقالا، فقال له: أخرج أنا وأنت، فخرجا ومعهما بهيمة فركبه لقمان وترك ولده

يمشي وراءه، فاجتازوا على قوم فقالوا: هذا شيخ قاسي القلب، قليل الرحمة، يركب هو الدابة وهو أقوى من هذا الصبي، ويترك هذا الصبي يمشي وراءه، وإن هذا بئس التدبير! فقال لولده: سمعت قولهم وإنكارهم لركوبي ومشيك؟ فقال: نعم، فقال: اركب أنت يا ولدي حتى أمشي أنا، فركب ولده ومشى لقمان، فاجتازوا على جماعة أخرى فقالوا: هذا بئس الوالد وهذا بئس الولد، أما أبوه فإنه ما أدب هذا الصبي حتى يركب الدابة ويترك والده يمشي وراءه، والوالد أحق بالاحترام والركوب، وأما الولد فإنه عق والده بهذه الحال، فكلاهما أساءا في الفعال! فقال لقمان لولده: سمعت؟

فقال: نعم، فقال: نركب معا الدابة، فركبا معا فاجتازا على جماعة فقالوا: ما في قلب هذين الراكبين رحمة، ولا عندهم من الله خير، يركبان معا الدابة يقطعان ظهرها و يحملانها مالا تطيق، لو كان قد ركب واحد ومشى واحد كان أصلح وأجود، فقال: سمعت؟

فقال: نعم، فقال: هات حتى نترك الدابة تمشي خالية من ركوبنا، فساقا الدابة بين أيديهما وهما يمشيان فاجتازا على جماعة فقالوا: هذا عجيب من هذين الشخصين، يتركان دابة فارغة تمشي بغير راكب ويمشيان! وذموهما على ذلك كما ذموهما على كل ما كان، فقال لولده: ترى في تحصيل رضاهم حيلة لمحتال؟ فلا تلتفت إليهم، واشتغل برضى الله جل جلاله، ففيه شغل شاغل، وسعادة وإقبال في الدنيا ويوم الحساب والسؤال.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.