بحارالانوار · كتاب العقل والعلم والجهل
باب 14 من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وذم التقليد والنهى عن
ج ۲، ص ۸۱–۱۰۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
لقمان: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير 21 الصافات: إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون 69، 70 الزمر: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى 17 الزخرف: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون 23
1 - رجال الكشي: محمد بن سعد الكشي، ومحمد بن أبي عوف البخاري، عن محمد بن أحمد ابن حماد المروزي، رفعه قال: قال الصادق عليه السلام: اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثا؟ قال: يكون مفهما، والمفهم محدث.
2 - رجال الكشي: حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن علي بن حبيب المدائني، عن علي بن سويد السائي قال: كتب إلى أبو الحسن الأول وهو في السجن:
وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك؟ لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، إنهم اؤتمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرفوه وبدلوه، فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله وملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة.
3 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام أسأله عمن آخذ معالم ديني؟
وكتب أخوه أيضا بذلك، فكتب إليهما: فهمت ما ذكرتما، فاعتمدا في دينكما على مسن في حبكما وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهم كافوكما إن شاء الله تعالى.
4 - معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لرجل من أصحابه: لا تكون إمعة تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس.
أقول: قد أثبتنا ما يناسب هذا الباب في باب ذم علماء السوء
5 - معاني الأخبار: ماجيلويه، عن عمه، عن محمد بن علي الكوفي، عن حسين بن أيوب بن أبي غفيلة الصيرفي، عن كرام الخثعمي، عن الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك و الرئاسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال، فقلت: جعلت فداك: أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال، فقال: ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال.
بيان: ظن السائل أن مراده عليه السلام بوطئ أعقاب الرجال مطلق أخذ العلم عن الناس فقال عليه السلام: المراد أن تنصب رجلا غير الحجة فتصدقه في كل ما يقول برأيه من غير أن يسند ذلك إلى المعصوم عليه السلام فأما من يروي عن المعصوم أو يفسر ما فهمه من كلامه لمن ليس له صلاحية فهم كلامه من غير تلقين فالأخذ عنه كالأخذ عن المعصوم، ويجب على من لا يعلم الرجوع إليه ليعرف أحكام الله تعالى.
6 - معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن أبي حفص محمد بن خالد، عن أخيه سفيان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا سفيان إياك والرئاسة، فما طلبها أحد إلا هلك، فقلت له: جعلت فداك قد هلكنا إذا، ليس أحد منا إلا وهو يحب أن يذكر ويقصد ويؤخذ عنه، فقال ليس حيث تذهب إليه، إنما ذلك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال، وتدعو الناس إلى قوله.
7 - معاني الأخبار: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن زياد، قال: قال الصادق عليه السلام: كذب من زعم أنه يعرفنا وهو مستمسك بعروة غيرنا.
8 - تفسير الإمام العسكري: قال أبو محمد العسكري عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلاب حطام الدنيا وحرامها، ويمنعون الحق أهله، ويجعلونه لغير أهله، واتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
9 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا، إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، تفلتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، وأعيتهم السنة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا، وماله دولا، فذلت لهم الرقاب، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق أهله، وتمثلوا بالأئمة الصادقين وهم من الكفار الملاعين، فسئلوا عما لا يعملون فأنفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا وأضلوا . أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما.
10 - وقال الرضا عليه السلام: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخالها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فإن شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما.
فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغركم حتى تنظروا ما عقده عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله، فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟
أو يكون مع عقله على هواه؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتى إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه.
فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا.
ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وإن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم به فتوسلوا، فإنه لا ترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة.
11 - الإحتجاج: بالإسناد إلى أبي محمد العسكري، عن الرضا عليهما السلام أنه قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل. إلى آخر الخبر.
بيان: قوله عليه السلام: فإذا لم ينزل عالم إلى عالم من باب الإفعال أو التفعيل أي إذا لم يعلم العالم علمه، إما للتقية أو لعدم قابلية المتعلمين، فمات ذلك العالم صرف طلاب حطام الدنيا الناس عن العلم لقلة أعوان العلم، ويمنعون الحق أهله لذهاب أنصار الحق.
قوله عليه السلام: المنتحلين مودتنا فيه تعريض بهم إذ الانتحال ادعاء أمر من غير الاتصاف به حقيقة، ويحتمل أن يكون المراد الذين اتخذوا مودتنا نحلتهم ودينهم. قوله عليه السلام:
تفلتت منهم الأحاديث أي فات وذهب منهم حفظ الأحاديث وأعجزهم ضبط السنة فلم يقدروا عليه. قوله عليه السلام: فاتخذوا عباد الله خولا قال الجزري: في حديث أبي هريرة:
إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان عباد الله خولا أي خدما وعبيدا، يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم. قوله عليه السلام: وماله دولا أي يتداولونه بينهم. وقوله: أشباه الكلاب نعت للخلق. قوله عليه السلام: وتمثلوا أي تشبهوا بهم وادعوا منزلتهم. قوله عليه السلام: فأنفوا أي تكبروا واستنكفوا. قوله عليه السلام: سمته وهديه قال الفيروزآبادي: السمت:
الطريق وهيئة أهل الخير. وقال: الهدى الطريقة والسيرة. قوله عليه السلام: وتماوت قال الفيروزآبادي: المتماوت: الناسك المرائي. وقال الجزري: يقال: تماوت الرجل إذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف من العبادة والزهد والصوم. قوله عليه السلام: وتخاضع أي أظهر الخضوع في جميع حركاته. قوله: فرويدا أي أمهل وتأن ولا تبادر إلى متابعته
والانخداع عن أطواره. قوله: ومهانته أي مذلته وحقارته. قوله: يختل الناس أي يخدعهم، قوله: اقتحمه أي دخله مبادرا من غير روية. قوله عليه السلام: من ينبوا عن المال الحرام أي يرتفع عنه ولا يتوجه إليه، قال الجزري: يقال: نبا عنه بصره ينبو أي تجافى ولم ينظر إليه. قوله عليه السلام: على شوهاء أي يحمل نفسه على امرأة قبيحة مشوهة الخلقة فيزني بها ولا يتركها فضلا عن الحسناء. قوله عليه السلام: ما عقده عقله يحتمل أن يكون كلمة ما موصولة، وعقد فعلا ماضيا أي حتى تنظروا إلى الأمور التي عقدها عقله و نظمها، فإن على العقل إنما يستدل بآثاره، ويحتمل أن تكون ما استفهامية والعقدة اسما بمعنى ما عقد عليه، فيرجع إلى المعنى الأول، ويحتمل على الأخير أن يكون المراد ثبات عقله واستقراره وعدم تزلزله فيما يحكم به عقله. قوله عليه السلام: أمع هواه يكون على عقله؟ حاصله أنه ينبغي أن ينظر هل عقله مغلوب لهواه أم هواه مقهور لعقله.
قوله: أخذته العزة بالإثم أي حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الإثم الذي يؤمر باتقائه لجاجا، من قولك: أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه، فحسبه جهنم، أي كفته جزاءا وعقابا، ولبئس المهاد جواب قسم مقدر، والمخصوص بالذم محذوف للعلم به. والمهاد: الفراش، وقيل: ما يوطأ للجنب، قوله عليه السلام: فهو يخبط خبط عشواء قال الجوهري: العشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شئ وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة، وفلان خابط خبط عشواء. قوله عليه السلام ويمده ربه أي يقويه، من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه أي بعد أن طلب ما لا يقدر عليه من دعوى الإمامة، ورئاسة الخلق، وإفتاء الناس، فعجز عنها لنقصه وجهله استحق منع لطفه تعالى عنه، فصار ذلك سببا لتماديه في طغيانه وضلاله. قوله: لا تبيد أي لا تهلك ولا تفني.
12 - تفسير الإمام العسكري (ع)، الإحتجاج: بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام في قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني. قال عليه السلام: ثم قال الله تعالى: يا محمد ومن هؤلاء اليهود أميون لا يقرؤون الكتاب ولا يكتبون كالأمي منسوب إلى أمه أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرا ولا يكتب، لا يعلمون الكتاب المنزل من السماء ولا المتكذب به ولا
يميزون بينهما إلا أماني أي إلا أن يقرأ عليهم ويقال: هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه، وإن هم إلا يظنون أي ما يقرا عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وآله في نبوته وإمامة علي عليه السلام سيد عترته عليهم السلام وهم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم. فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. قال عليه السلام: قال الله تعالى: هذا القوم من اليهود كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلى الله عليه وآله، وهي خلاف صفته. وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: أنه طويل، عظيم البدن والبطن، أصهب الشعر، ومحمد صلى الله عليه وآله بخلافه وهو يجيئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم، وتدوم لهم إصاباتهم، ويكفوا أنفسهم مؤونة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدمة علي عليه السلام وأهل خاصته، فقال الله عز وجل: فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون من هذه الصفات المحرفات المخالفات لصفة محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم، وويل لهم الشدة من العذاب ثانية مضافة إلى الأولى مما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا أعوامهم على الكفر بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله، والجحد لوصيه أخيه علي بن أبي طالب ولي الله. ثم قال عليه السلام: قال رجل للصادق عليه السلام: فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمهم بتقليد هم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم؟ فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم، فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة أما من حيث استووا فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم، وأما من حيث افترقوا فلا. قال: بين لي يا ابن رسول الله قال عليه السلام: إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا
بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكاياته، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم، وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقا، والترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقا. فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه. وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة، وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، وآخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم، ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن برآء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد عليه اللعنة على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، و هؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب ثم يوفقه الله
للقبول منه فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شرار علماء أمتنا المضلون عنا، القاطعون للطرق إلينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أندادنا بألقابنا، يصلون عليهم وهم للعن مستحقون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون، ثم قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام:
من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟ قال: العلماء إذا صلحوا. قيل: و من شر خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود وبعد المتسمين بأسمائكم وبعد المتلقبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمرين في ممالككم؟ قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عز وجل: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا. الآية.
ايضاح: قوله عليه السلام: أي إلا أن يقرأ عليهم قال البيضاوي: استثناء منقطع. والأماني جمع أمنية وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب وعلى كل ما يتمنى وما يقرا والمعنى: ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدا من المحرفين، أو مواعيد فازعة سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره، من قوله:
تمنى كتاب الله أول ليلة * تمني داود الزبور على رسل وهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون.
أقول: على تفسيره عليه السلام لا يرد ما أورده فإن المراد حينئذ القراءة عليهم لا قراءتهم، وهو أظهر التفاسير لفظا ومعنا. قوله: أصهب الشعر قال الجوهري: الصهبة:
الشقرة في شعر الرأس. قوله عليه السلام: وأهل خاصته أي أهل سره أو الإضافة بيانية.
قوله عليه السلام: والتكالب قال الفيروزآبادي: المكالبة: المشارة والمضائفة، و التكالب: التواثب. قوله: والترفرف هو بسط الطائر جناحيه وهو كناية عن اللطف. و في بعض النسخ الرفوف يقال: رف فلانا أي أحسن إليه. قوله: فيتوجهون أي يصيرون
ذوي جاه ووجه معروف. قوله: وينتقصون بنا أي يعيبوننا. قوله عليه السلام: يقيض له أي يسبب له.
13 - الإحتجاج: الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، قال سألت محمد بن عثمان العمري رحمه الله أن يوصل لي كتابا سألت فيه عن مسائل أشكلت على فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. الخبر.
14 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الحسين بن صغير، عمن حدثه عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب فجعل لكل سبب شرحا، وجعل لكل شرح علما، وجعل لكل علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن.
15 - بصائر الدرجات: القاشاني، عن اليقطيني يرفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب فجعل لكل شئ سببا، وجعل لكل سبب شرحا، وجعل لكل شرح مفتاحا، وجعل لكل مفتاح علما، وجعل لكل علم بابا ناطقا، من عرفه عرف الله ومن أنكره أنكر الله، ذلك رسول الله ونحن.
بيان: لعل المراد بالشئ ذي السبب: القرب والفوز والكرامة والجنة، وسببه الطاعة وما يوجب حصول تلك الأمور، وشرح ذلك السبب هو الشريعة المقدسة، و المفتاح: الوحي النازل لبيان الشرع وعلم ذلك المفتاح - بالتحريك - أي ما يعلم به هو الملك الحامل للوحي. والباب الذي به يتوصل إلى هذا العلم هو رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام
16 - بصائر الدرجات: السندي بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن سليمان، قال:
سمعت أبا جعفر عليه السلام وعنده رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعمى، وهو يقول:
إن الحسن البصري يزعم: أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار. فقال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، وما زال مكتوما منذ بعث الله نوحا عليه السلام فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله ما يوجد العلم إلا ههنا.
17 - بصائر الدرجات: الفضل، عن موسى بن القاسم، عن حماد بن عيسى، عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: - وسأله رجل من أهل البصرة فقال: إن عثمان الأعمى يروي عن الحسن: أن الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار - قال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، كذبوا إن ذلك من فروج الزناة، وما زال العلم مكتوما قبل قتل ابن آدم، فليذهب الحسن يمينا وشمالا يوجد العلم إلا عند أهل بيت نزل عليهم جبرئيل.
بيان: قوله عليه السلام: إن ذلك أي الريح التي تؤذي أهل النار إنما هي من فروج الزناة.
أقول: قد أوردنا بعض الأخبار في باب كتمان العلم.
18 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الأهوازي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن معلى ابن أبي عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: إن الحكم بن عتيبة ممن قال الله: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. فليشرق الحكم وليغرب، أما والله لا يصيب العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل .
19 - بصائر الدرجات: السندي بن محمد، ومحمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ قال: لا فقلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز فقال: اللهم لا تغفر له ذنبه، ما قال الله للحكم:
إنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون. فليذهب الحكم يمينا وشمالا فوالله لا يوجد العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل.
رجال الكشي: محمد بن مسعود عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر وجعفر ابن محمد بن حكيم، عن أبان مثله.
بيان: أي إنما خاطب الله رسوله بهذا الخطاب. أن القرآن ذكر أي مذكر أو شرف لك ولقومك، وقومه أهل بيته. وقد ورد في الأخبار أن المخاطب في قوله تعالى:
وسوف تسئلون. هو أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله فإن الناس يسألونهم عن علوم القرآن.
20 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الحسين بن علي، عن أبي إسحاق ثعلبة، عن أبي مريم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة شرقا وغربا لن تجدا علما صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت.
رجال الكشي: محمد بن مسعود، عن علي بن محمد بن فيروزان، عن الأشعري، عن ابن معروف، عن الحجال، عن أبي مريم مثله.
21 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، وسندي بن محمد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ شيئا منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، وانتهال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
الاختصاص: محمد بن الحسين، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن السندي مثله.
بصائر الدرجات: أحمد بن محمد: عن ابن فضال رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام مثله.
22 - رجال الكشي: محمد بن مسعود، عن علي بن محمد بن فيروزان القمي، عن البرقي، عن
البزنطي، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين كما ينفى الكير خبث الحديد.
23 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسين، عن النضر، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. قال:
عنى الله بها من اتخذ دينه رأيه من غير إمام من أئمة الهدى.
24 - بصائر الدرجات: يعقوب بن يزيد، عن إسحاق بن عمار، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه إلى يوم القيامة.
بيان: التيه الحيرة في الدين.
25 - بصائر الدرجات: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن علي ابن عبد الله قال: سأله رجل عن قول الله عز وجل: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى.
قال: من قال بالأئمة واتبع أمرهم ولم يجز طاعتهم.
26 - كتاب زيد الزراد، عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:
إن لنا أوعية نملؤها علما وحكما، وليست لها بأهل فما نملؤها إلا لتنقل إلى شيعتنا فانظروا إلى ما في الأوعية فخذوها، ثم صفوها من الكدورة، تأخذونها بيضاء نقية صافية وإياكم والأوعية فإنها وعاء فتنكبوها.
27 - ومنه، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اطلبوا العلم من معدن العلم و إياكم والولائج فيهم الصدادون عن الله. ثم قال: ذهب العلم وبقي غبرات العلم في أوعية سوء، فاحذروا باطنها فإن في باطنها الهلاك، وعليكم بظاهرها فإن في ظاهرها النجاة.
بيان: لعل المراد بتصفيتها تخليصها من آرائهم الفاسدة أو من أخبارهم التي هم متهمون فيها لموافقتها لعقائدهم، والمراد بباطنها عقائدها الفاسدة أو فسوقها التي يخفونها عن الخلق.
28 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحكمة لتكون في قلب المنافق فتجلجل في صدره حتى يخرجها فيوعيها المؤمن، وتكون كلمة المنافق في صدر المؤمن فتجلجل في صدره حتى يخرجها فيعيها المنافق.
29 - ومنه بهذا الإسناد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا دخل على أبي عليه السلام فقال: إنكم أهل بيت رحمة اختصكم الله بذلك. قال: نحن كذلك والحمد لله، لم ندخل أحدا في ضلالة، ولم نخرج أحدا من باب هدى نعوذ بالله أن نضل أحدا.
30 - تحف العقول: عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس.
31 - المحاسن: ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال أما أنه ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب إلا شئ أخذوه منا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحق وعدل وصواب إلا مفتاح ذلك القضاء وبابه وأوله وسببه علي بن أبي طالب عليه السلام فإذا اشتبهت عليهم الأمور كان الخطأ من قبلهم إذا أخطأوا، والصواب من قبل علي بن أبي طالب عليه السلام.
32 - بصائر الدرجات: ابن معروف، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كل ما لم يخرج من هذا لبيت فهو باطل.
33 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الأهوازي، عن محمد بن عمر، عن المفضل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنا أهل بيت من علم الله علمنا، ومن حكمه أخذنا، ومن قول الصادق سمعنا، فإن تتبعونا تهتدوا.
34 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن البزنطي، عن زرارة قال كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال لي رجل من أهل الكوفة: سله عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني عما شئتم، ولا تسألونني عن شئ إلا أنبأتكم به. قال: فسألته فقال: إنه ليس أحد عنده علم شئ إلا خرج من عند أمير المؤمنين عليه السلام فليذهب الناس حيث شاؤوا فوالله ليأتين الأمر ههنا. وأشار بيده إلى صدره.
بيان: قوله: ليأتين بفتح الياء، ورفع الأمر أي يأتي العلم وما يتعلق بأمور الخلق ويهبط إلى صدورنا، ويحتمل نصب الأمر فيكون ضمير الفاعل راجعا إلى كل أحد من الناس، أو كل من أراد اتضاح الأمر له.
35 - بصائر الدرجات: العباس بن معروف، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إنه ليس عند أحد من حق ولا صواب وليس أحد من الناس يقضي بقضاء يصيب فيه الحق إلا مفتاحه علي، فإذا تشعبت بهم الأمور كان الخطأ من قبلهم والصواب من قبله أو كما قال.
بصائر الدرجات: عبد الله بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم مثله.
36 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أما إنه ليس عند أحد علم ولا حق ولا فتيا إلا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وعنا أهل البيت، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي عليه السلام ومنا. فإذا اختلف عليهم أمرهم قاسوا وعملوا بالرأي، وكان الخطأ من قبلهم إذا قاسوا، وكان الصواب إذا اتبعوا الآثار من قبل علي عليه السلام.
37 - المحاسن: ابن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي، قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى أدب نبيه على محبته فقال: إنك لعلى خلق عظيم. وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا. وقال: ومن يطع الرسول فقد أطاع الله. وإن رسول الله صلى الله عليه وآله فوض إلى علي عليه السلام، وائتمنه فسلمتم وجحد الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله.
توضيح: قوله: أدب نبيه على محبته أي على نحو ما أحب وأراد فيكون الظرف صفة لمصدر محذوف، ويحتمل أن تكون كلمة " على " تعليلية أي علمه وفهمه ما يوجب تأدبه بآداب الله وتخلقه بأخلاق الله لحبه إياه، وأن يكون حالا عن فاعل أدب أي حال كونه محبا له وكائنا على محبته، أو عن مفعوله، أو المراد أنه علمه ما يوجب محبته لله أو محبته الله له. قوله عليه السلام: ونحن فيما بينكم وبين الله أي نحن الوسائط في العلم وسائر الكمالات بينكم وبين الله فلا تسألوا عن غيرنا، أو نحن شفعاؤكم إلى الله.
38 - المحاسن: أبي، عمن ذكره، عن زيد الشحام، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله:
فلينظر الإنسان إلى طعامه. قال: قلت: ما طعامه؟ قال: علمه الذي يأخذه ممن يأخذه.
بيان: هذا أحد بطون الآية الكريمة، وعلى هذا التأويل المراد بالماء: العلوم الفائضة منه تعالى فإنها سبب لحياة القلوب وعمارتها، وبالأرض: القلوب والأرواح، وبتلك الثمرات: ثمرات تلك العلوم.
الاختصاص: محمد بن الحسين، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير عن الشحام مثله.
39 - المحاسن: علي بن عيسى القاساني، عن ابن مسعود الميسري، رفعه قال: قال المسيح عليه السلام: خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا نقاد الكلام فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله، كما زخرف الدرهم من نحاس بالفضة المموهة، النظر إلى ذلك سواء، والبصراء به خبراء.
ايضاح: قال الفيروزآبادي: موه الشئ: طلاه بفضة أو ذهب وتحته نحاس أو حديد.
40 - المحاسن: النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: غريبتان كلمة حكم من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها.
بيان: قوله عليه السلام فاغفروها أي لا تلوموه بها أو استروها ولا تذيعوها فإن الغفر في الأصل بمعنى الستر.
41 - المحاسن: علي بن سيف قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: خذوا الحكمة ولو من المشركين.
42 - المحاسن: ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال المسيح عليه السلام: معشر الحواريين! لم يضركم من نتن القطران إذا أصابتكم سراجه، خذوا العلم ممن عنده ولا تنظروا إلى عمله.
43 - المحاسن: النوفلي، عن علي بن سيف، رفعه قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: من أعلم الناس؟ قال: من جمع علم الناس إلى علمه.
44 - المحاسن: محمد بن علي، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام وحدثني الوشاء، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: أن كلمة الحكمة لتكون في قلب المنافق فتجلجل حتى يخرجها.
بيان: فتجلجل بفتح التاء أو ضمها أي تتحرك أو تحرك صاحبها على التكلم بها.
45 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الهيبة خيبة، والفرصة خلسة، والحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحق بها وأهلها.
46 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن أحمد بن عبد المنعم، عن حماد بن عثمان، عن حمران، قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: لا تحقر اللؤلؤة النفيسة أن تجتلبها من الكبا الخسيسة فإن أبي حدثني قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن الكلمة من الحكمة لتتلجلج في صدر المنافق نزاعا إلى مظانها حتى يلفظ بها فيسمعها المؤمن فيكون أحق بها وأهلها فيلقفها.
بيان: الكبا بالكسر والقصر: الكناسة.
47 - المحاسن: أبي، عمن ذكره، عن عمرو بن أبي المقدام، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال: والله ما صلوا لهم ولا صاموا، ولكن أطاعوهم في معصية الله.
48 - المحاسن : محمد بن خالد، عن حماد، عن ربعي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. فقال: والله ما صلوا ولا صاموا لهم، ولكنهم أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم.
49 - كتاب صفات الشيعة للصدوق: عن ماجيلويه، عن عمه، عن أبي سمينة، عن ابن سنان، عن المفضل قال: قال الصادق عليه السلام: كذب من زعم أنه من شيعتنا وهو متمسك بعروة غيرنا.
50 - المحاسن: أبي، عن عبد الله بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
51 - المحاسن: قال أبو جعفر عليه السلام: إن القرآن شاهد الحق ومحمد صلى الله عليه وآله لذلك مستقر فمن اتخذ سببا إلى سبب الله لم يقطع به الأسباب، ومن اتخذ غير ذلك سببا مع كل كذاب فاتقوا الله فإن الله قد أوضح لكم أعلام دينكم ومنار هداكم، فلا تأخذوا أمركم بالوهن، ولا أديانكم هزؤا فتدحض أعمالكم، وتخطؤا سبيلكم، ولا تكونوا في حزب الشيطان فتضلوا. يهلك من هلك، ويحيى من حي، وعلى الله البيان، بين لكم فاهتدوا، وبقول العلماء فانتفعوا، والسبيل في ذلك إلى الله فمن يهدي الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
بيان: قوله عليه السلام: ومحمد لذلك مستقر أي محل استقرار القرآن، وفيه ثبت علمه.
قوله عليه السلام: إلى سبب الله السبب الأول الحجة والسبب الثاني القرآن أو النبي صلى الله عليه وآله.
قوله عليه السلام: لم يقطع به الأسباب أي لم تنقطع أسبابه عما يريد الوصول إليه من الحق، من قولهم: قطع بزيد - على المجهول - أي عجز عن سفره أو حيل بينه وبين ما يؤمله.
قوله: فاتقوا الله هو جزاء الشرط أو خبر الموصول أي فاتقوا الله واحذروا عن مثل فعاله، ويحتمل أن يكون فيها سقط وكانت العبارة: كان مع كل كذاب. قوله عليه السلام: فتدحض أي تبطل.
52 - المحاسن: بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لكم معالم فاتبعوها، ونهاية فانتهوا إليها.
بيان: المعالم ما يعلم به الحق، والمراد بها هنا الأئمة عليهم السلام، والمراد بالنهاية إما حدود الشرع وأحكامه أو الغايات المقررة للخلق في ترقياتهم بحسب استعداداتهم في مراتب الكمال.
53 - دعوات الراوندي: من وصية ذي القرنين: لا تتعلم العلم ممن لم ينتفع به فإن من لم ينفعه علمه لا ينفعك.
54 - ومنه، قال أبو عبيد في قريب الحديث: في حديث النبي صلى الله عليه وآله حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا، فترى أن نكتب بعضها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! لقد جئتكم بها بيضاء تقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. قال أبو عبيد: أمتحيرون أنتم في الإسلام ولا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى؟! كأنه كره ذلك منه.
55 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: إن كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواءا، وإذا كان خطاءا كان داءا.
56 - وقال عليه السلام: خذ الحكمة أنى كانت فإن الحكمة تكون في صدر المنافق فتتخلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن.
57 - وقال عليه السلام في مثل ذلك: الحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق.
58 - أمالي الطوسي: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، عن أبي بكر المفيد الجرجاني عن المعمر أبي الدنيا، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها.
59 - الإرشاد: روى ثقات أهل النقل عند العامة والخاصة، عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام افتتاحه: الحمد لله والصلاة على نبيه، أما بعد فذمتي بما أقول رهينة و
أنابه زعيم إنه لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ عنه سنخ أصل، وإن الخير كله فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره، وأن أبغض الخلق عند الله رجل وكله إلى نفسه، جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج فيها بالصوم و الصلاة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به، حمال خطايا غيره، رهين بخطيئته، قد قمش جهلا في جهال غشوه، غار بأغباش الفتنة، عمى عن الهدى، قد سماه أشباه الناس عالما، ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واستكثر من غير طائل، جلس للناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، إن خالف من سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المهمات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع عليه، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ؟! ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا، إن قاس شيئا بشئ لم يكذب رأيه، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به، لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص والضرورة كيلا يقال: إنه لا يعلم، ثم أقدم بغير علم فهو خائض عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم به الحلال، لا يسلم بإصدار ما عليه ورد، ولا يندم على ما منه فرط.
أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون بجهالته، فإن العلم الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به النبيون إلى محمد خاتم النبيين في عترة محمد صلى الله عليه وآله، فأين يتاه بكم؟ بل أين تذهبون. يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة فهذه مثلها فيكم فاركبوها فكما نجا في هاتيك من نجا كذلك ينجو في هذي من دخلها، أنا رهين بذلك قسما حقا، وما أنا من المتكلفين. الويل لمن تخلف ثم الويل لمن تخلف. أما بلغكم ما قال فيهم نبيكم صلى الله عليه وآله؟ حيث يقول في حجة الوداع: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ ألا هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاجتنبوا.
نهج البلاغة: مرسلا مثله.
ايضاح: فذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم الذمة: العهد والأمان والضمان والحرمة والحق. أي حرمتي أو ضماني أو حقوقي عند الله مرهونة لحقية ما أقوله. قال في النهاية: وفي حديث علي عليه السلام: ذمتي رهينة وأنا به زعيم أي ضماني وعهدي رهن في الوفاء به. وقال: الزعيم: الكفيل. إنه لا يهيج على التقوى زرع قوم قال الجزري:
هاج النبت هياجا أي يبس واصفر، ومنه حديث علي عليه السلام: لا يهيج على التقوى زرع قوم.
أراد من عمل لله عملا لم يفسد عمله ولا يبطل كما يهيج الزرع فيهلك. ولا يظمأ عنه سنخ أصل الظماء: شدة العطش قال الجزري: وفي حديث علي عليه السلام: ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل: السنخ والأصل واحد فلما اختلف اللفظان أضاف أحدهما إلى الآخر.
أقول: الفقرتان متقاربتان في المعنى، ويحتمل أن يكون المراد بهما عدم فوت المنافع الدنيوية أيضا بالتقوى، ويحتمل أن يراد بإحداهما إحداهما وبالأخرى الأخرى.
وفي نهج البلاغة: لا يهلك على التقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم، وإن الخير كله فيمن عرف قدره. قال ابن ميثم: أي مقداره ومنزلته بالنسبة إلى مخلوقات الله تعالى وأنه أي شئ منها، ولأي شئ خلق، وما طوره المرسوم له في كتاب ربه وسنن أنبيائه.
جائر عن قصد السبيل الجائر: الضال عن الطريق، والقصد: استقامة الطريق و وسطه، وفي بعض نسخ الكافي: حائر بالحاء المهملة من الحيرة. مشغوف بكلام بدعة قال الجوهري: الشغاف: غلاف القلب وهو جلدة دون الحجاب، يقال: شغفه الحب أي بلغ شغافه. قد لهج فيها بالصوم والصلاة قال الجوهري: اللهج بالشئ الولوع به، و ضمير فيها راجع إلى البدعة أي هو حريص في مبتدعات الصلاة والصوم، و " فيها " غير موجود في الكافي. ضال عن هدى من كان قبله هدى بضم الهاء وفتح الدال أو فتح الهاء و سكون الدال. وفي النهج بعد ذلك: مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته. وفي الكافي: وبعد موته. رهين بخطيئته أي هو مرهون بها قال المطرزي: هو رهين بكذا أي مأخوذ به. قد قمش جهلا في جهال. وفي الكتابين: ورجل قمش جهلا. والقمش: جمع الشئ المتفرق. غشوه أي أحاطوا به وليس فيهما. غار بأغباش الفتنة قال الجوهري: الغبش
ظلمة آخر الليل والجمع أغباش أي غفل وانخدع واغتر بسبب ظلمة الفتن والجهالات أو فيها. ولم يغن فيه يوما سالما، قال الجزري: وفي حديث علي عليه السلام: ورجل سماه الناس عالما ولم يغن في العلم يوما تاما من قولك غنيت بالمكان أغنى إذا أقمت به انتهى.
قوله: سالما أي من النقص بأن يكون نعتا لليوم، أو سالما من الجهل بأن يكون حالا عن ضمير الفاعل. بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر أي خرج في الطلب بكرة، كناية عن شدة طلبه واهتمامه في كل يوم أو في أول العمر وابتداء الطلب، وما موصولة، وهي مع صلتها صفة لمحذوف أي من شئ ما قل منه خير مما كثر، ويحتمل أن تكون ما مصدرية أيضا وقيل: قل مبتدأ بتقدير " أن " وخير خبره، كقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، و المراد بذلك الشئ إما الشبهات المظلة والآراء الفاسدة والعقائد الباطلة، أو زهرات الدنيا. حتى إذا ارتوى من آجن الآجن: الماء المتعفن المتغير، استعير للآراء الباطلة والأهواء الفاسدة. واستكثر من غير طائل قال الجوهري: هذا أمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء ومزية. وان نزلت به إحدى المهمات وفي الكتابين: المبهمات. هيأ لها حشوا أي كثيرا لا فائدة فيها. ثم قطع عليه أي جزم به. فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت قال ابن ميثم: وجه هذا التمثيل أن الشبهات التي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حل قضية مبهمة تكثر فتلتبس على ذهنه وجه الحق منها فلا يهتدي له لضعف ذهنه، فتلك الشبهات في الوهاء تشبه نسج العنكبوت وذهنه فيها يشبه لذباب الواقع فيه، فكما لا يتمكن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه كذلك ذهن هذا الرجل لا يقدر على التخلص من تلك الشبهات.
أقول. ويحتمل أيضا أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها وظهور بطلانها، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلص منها لجهلهم وضعف يقينهم، والأول أنسب بما بعده.
لا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا، أي أنه لوفور جهله يظن أنه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد مذهب وموضع تفكر فهو خائض عشوات أي يخوض ويدخل في ظلمات الجهالات والفتن. خباط جهالات الخبط: المشي على غير استواء
أي خباط في الجهالات أو بسببها. ولا يعض في العلم بضرس قاطع كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعية وإحاطته بها، يقال: لم يعض فلان على الأمر الفلاني بضرس إذا لم يحكمه. يذري الروايات ذرو الريح الهشيم قال الفيروزآبادي: ذرت الريح الشئ ذروا وأذرته وذرته: أطارته وأذهبته. وقال: الهشيم نبت يابس متكسر، أو يابس كل كلاء وكل شجر، ووجه التشبيه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع وفائدة، فإن هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها ولا شعور بوجه العمل بها بل هو يمر على رواية بعد أخرى ويمشي عليها من غير فائدة، كما أن الريح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها، ولا يعود إليها من ذلك، نفع وإنما أتى الذور مكان الإذراء لاتحاد معنييهما. وفي بعض الروايات: يذروا الرواية. قال الجزري: يقال: ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه إذا أطارته، ومنه حديث علي عليه السلام: يذروا الرواية ذرو الريح الهشيم أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت. تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء الظاهر أنهما على المجاز، ويحتمل حذف المضاف أي أهل المواريث وأهل الدماء. لا يسلم بإصدار ما عليه ورد. أي لا يسلم عن الخطأ في إرجاع ما عليه ورد من المسائل أي في جوابها، وفي الكتابين: لا مليئ والله بإصدار ما عليه ورد أي لا يستحق ذلك ولا يقوي عليه. قال الجزري: المليئ بالهمز: الثقة الغني وقد ملؤ فهو مليئ بين الملآءة بالمد - وقد أولع الناس بترك الهمزة وتشديد الياء - ومنه حديث علي عليه السلام: لا مليئ والله بإصدار ما ورد عليه. ولا يندم على ما منه فرط. أي لا يندم على ما قصر فيه. وفي الكافي:
ولا هو أهل لما منه فرط " بالتخفيف " أي سبق على الناس وتقدم عليهم بسببه من ادعاء العلم، وليست هذه الفقرة أصلا في نهج البلاغة، وقال ابن أبي الحديد: في كتاب ابن قتيبة: ولا أهل لما فرط به أي ليس بمستحق للمدح الذي مدح به.
ثم اعلم أنه على نسخة المنقول عنه جميع تلك الأوصاف لصنف واحد من الناس، وعلى ما في الكتابين من زيادة: ورجل عند قوله: قمش جهلا فالفرق بين الرجلين إما بأن يكون المراد بالأول الضال في أصول العقائد كالمشبهة والمجبرة، والثاني هو المتفقه في فروع الشرعيات وليس بأهل لذلك، أو بان يكون المراد بالأول من نصب نفسه
لسائر مناصب الإفادة دون منصب القضاء، وبالثاني من نصب نفسه له.
فأين يتاه بكم: من التيه بمعنى التحير والضلال أي أين يذهب الشيطان أو الناس بكم متحيرين؟. بل أين تذهبون إضراب عما يفهم سابقا من أن الداعي لهم على ذلك غيرهم، و أنهم مجبورون على ذلك أي بل أنتم باختياركم تذهبون عن الحق إلى الباطل. يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة النسخ: الإزالة والتغيير أي كنتم في أصلاب من ركب سفينة نوح فأنزلتم عن تلك الأصلاب فاعتبروا بحال أجدادكم وتفكروا في كيفية نجاتهم فإن مثل أهل البيت كمثل سفينة نوح. وتي وذي للإشارة إلى المؤنث. قسما حقا أي اقسم قسما حقا. وما أنا من المتكلفين أي المتصنعين بما لست من أهله، ولست ممن يدعي الباطل ويقول الشئ من غير حقيقة. إني تارك فيكم الثقلين قال الجزري: فيه:
إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير نفيس: ثقيل. فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما.
ما إن تمسكتم بهما بدل من الثقلين. وإنهما لن يفترقا يدل على أن لفظ القرآن و معناه عندهم عليهم السلام. ألا هذا أي سبيل الحق الذي أريتكموه عذب فرات أي شديد العذوبة، وهذا أي سبيل الباطل الذي حذرتكموه ملح أجاج أي مالح شديد الملوحة والمرارة.
60 - تفسير العياشي: عن سعد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن هذه الآية: ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها. فقال: آل محمد - صلى الله عليه وآله - أبواب الله وسبيله والدعاة إلى الجنة والقادة إليها والأدلاء عليها إلى يوم القيامة.
61 - تفسير العياشي: عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ليس البر بأن تأتوا البيوت. الآية قال: يعني أن يأتي الأمر من وجهها من أي الأمور كان.
62 - قال وروى سعيد بن منخل في حديث له رفعه قال: البيوت: الأئمة عليهم السلام والأبواب: أبوابها.
63 - تفسير العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام وأتوا البيوت من أبوابها. قال: ائتوا الأمور من وجهها.
64 - غوالي اللئالي: قال النبي صلى الله عليه وآله: خذوا العلم من أفواه الرجال.
65 - وقال صلى الله عليه وآله: وإياكم وأهل الدفاتر، ولا يعزنكم الصحفيون.
66 - وقال صلى الله عليه وآله: الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.
67 - الغيبة للنعماني: روي عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه قال: من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل أن يزول.
68 - الغيبة للنعماني: سلام بن محمد، عن أحمد بن داود، عن علي بن الحسين بن بابويه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن المفضل بن زرارة، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من دان الله بغير سماع من عالم صادق ألزمه الله التيه إلى الفناء، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك، وذلك الباب هو الأمين المأمون على سر الله المكنون. الغيبة للنعماني: الكليني، عن بعض رجاله، عن عبد العظيم الحسني، عن مالك بن عامر، عن المفضل مثله.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.