بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 6 قصة
ج ۱۲، ص ۱۲۰–۱۳۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
99 - 113.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " فلما بلغ معه السعي " أي شب حتى بلغ سعيه
سعي إبراهيم، والمعنى: بلغ إلى أن يتصرف ويمشي معه ويعينه على أموره، قالوا: وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة.
وقيل: يعني بالسعي العمل لله والعبادة " إني أرى في المنام " أي أبصرت في المنام رؤيا تأويلها الامر بذبحك فانظر ماذا تراه من الرأي، والأولى أن يكون الله تعالى قد أوحى إليه في اليقظة بأن يمضي ما يأمره به في حال نومه من حيث إن منامات الأنبياء لا تكون إلا صحيحة " فلما أسلما " أي استسلما لأمر الله ورضيا به " وتله للجبين " أي أضجعه على جبينه; وقيل: وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه فتلحقه رقة الاباء، وروي أنه قال: إذ بحني وأنا ساجد لا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني " قد صدقت الرؤيا " أي فعلت ما أمرت به في الرؤيا " إن هذا لهو البلاء المبين " أي الامتحان الظاهر والاختبار الشديد، أو النعمة الظاهرة " وفديناه بذبح عظيم " الذبح هو المذبوح، فقيل: كان كبشا من الغنم، قال ابن عباس: هو الكبش الذي تقبل من هابيل حين قر به. وقيل: فدي بو عل اهبط عليه من ثبير، وسمي عظيما لأنه كان مقبولا أو لان قدر غيره من الكباش يصغر بالإضافة إليه; وقيل: لأنه رعى في الجنة أربعين خريفا; وقيل: لأنه كان من عند الله كونه ولم يكن عن نسل; وقيل: لأنه فداء عبد عظيم " وبشرناه بإسحق " من قال: إن الذبيح إسحاق قال: يعني: بشرناه بنبوة إسحاق بصبره " وباركنا عليه وعلى إسحق " أي وجعلنا فيما أعطيناهما من الخير البركة والنماء والثبات، ويجوز أن يكون أراد كثرة ولدهما وبقاءهم قرنا بعد قرن إلى أن تقوم الساعة " ومن ذريتهما " أي ومن أولاد إبراهيم وإسحاق " محسن " بالايمان والطاعة " وظالم لنفسه " بالكفر والمعاصي " مبين " بين الظلم.
1 - عيون أخبار الرضا (ع)، الخصال: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه
قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين، قال:
يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وعبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله به إبراهيم " فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر " ولم يقل له يا أبت افعل ما رأيت " ستجدني إن شاء الله من الصابرين " فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبول ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وما خرج من رحم أنثى، وإنما قال الله عز وجل له: كن فكان، ليفتدى به إسماعيل، فكلما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين. أقول: ثم ساق الخبر وذكر قصة عبد الله وسيجئ الخبر بتمامه.
ثم قال الصدوق رحمه الله: فد اختلفت الروايات في الذبيح، فمنها ما ورد بأنه إسماعيل، ومنها ما ورد بأنه إسحاق، ولا سبيل إلى رد الاخبار متى صح طرقها، وكان الذبيح إسماعيل، لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه فكان يصبر لأمر الله ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله عز وجل ذلك من قلبه فسماه بين ملائكته ذبيحا لتمنيه لذلك.
وحدثنا بذلك محمد بن علي بن بشار، عن المظفر بن أحمد القزويني، عن محمد بن جعفر الكوفي الأسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن عبد الله بن
داهر، عن أبي قتادة الحراني، عن وكيع ابن الجراح، عن سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وقول النبي صلى الله عليه وآله: " أنا ابن الذبيحين " يؤيد ذلك، لان العم قد سماه الله عز وجل أبا في قوله: " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق " وكان إسماعيل عم يعقوب فسماه الله في هذا الموضع أبا، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " العم والد " فعلى هذا الأصل أيضا يطرد قول النبي صلى الله عليه وآله: " أنا ابن الذبيحين " أحدهما ذبيح بالحقيقة، والاخر ذبيح بالمجاز، واستحقاق الثواب على النية والتمني، فالنبي صلى الله عليه وآله هو ابن الذبيحين من وجهين على ما ذكرناه.
وللذبح العظيم وجه آخر: حدثنا ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل قال:
سمعت الرضا عليه السلام يقول: لما أمر الله عز وجل إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده، وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو
أحب إلي من حبيبك محمد، فأوحى الله إليه: أفهو أحب إليك أم نفسك؟ قال بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك؟ قال: بل ولده، قال:
فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فإن طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي; فجزع إبراهيم لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجز عك على الحسين وقتله، و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول الله عز وجل: " وفديناه بذبح عظيم ". أقول: قد روى هذا الخبر في " ن " أيضا.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام إن إبراهيم أتاه جبرئيل عليه السلام عند زوال الشمس من يوم التروية، فقال: يا إبراهيم ارتو من الماء لك ولأهلك، ولم يكن بين مكة وعرفات ماء فسميت التروية لذلك، فذهب به حتى انتهى به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والعشائين والفجر حتى إذا بزغت الشمس خرج إلى عرفات فنزل بنمرة وهي بطن عرنة، فلما زالت الشمس خرج وقد اغتسل فصلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وصلى في موضع المسجد الذي بعرفات وقد كانت ثم أحجار بيض فأدخلت في المسجد الذي بنى، ثم مضى به إلى الموقف فقال: يا إبراهيم اعترف بذنبك، واعرف مناسكك; ولذلك سميت عرفة، وأقام به حتى غربت الشمس،
ثم أفاض به فقال: يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام فسميت المزدلفة، وأتى به المشعر الحرام فصلى به المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين ثم بات بها حتى إذا صلى بها صلاة الصبح أراه الموقف، ثم أفاض به إلى منى فأمره فرمى جمرة العقبة، وعندها ظهر له إبليس، ثم أمره بالذبح وإن إبراهيم عليه السلام حين أفاض من عرفات بات على المشعر الحرام وهو قزح فرأى في النوم أن يذبح ابنه، وقد كان حج بوالدته فلما انتهى إلى منى رمى الجمرة هو وأهله، وأمر سارة أن زوري البيت، واحتبس الغلام فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى فاستشار ابنه وقال كما حكى الله: " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى " فقال الغلام كما ذكر الله: امض لما أمرك الله به " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " وسلما لأمر الله وأقبل شيخ فقال:
يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام؟ قال: أريد أن أذبحه، فقال: سبحان الله تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين، فقال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك، فقال: ربك ينهاك عن ذلك، و إنما أمرك بهذا الشيطان، فقال له إبراهيم: ويلك إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به والكلام الذي وقع في اذني فقال: لا والله ما أمرك بهذا إلا الشيطان، فقال إبراهيم:
لا والله لا أكلمك، ثم عزم على الذبح فقال: يا إبراهيم إنك إمام يقتدى بك، وإنك إن ذبحته ذبح الناس أولادهم، فلم يكلمه وأقبل على الغلام واستشاره في الذبح فلما أسلما
جميعا لأمر الله قال الغلام: يا أبتاه خمر وجهي، وشد وثاقي، فقال إبراهيم: يا بني الوثاق مع الذبح؟ لا والله لا أجمعهما عليك اليوم، فرمى له بقرطان الحمار، ثم أضجعه عليه، وأخذ المدية فوضعها على حلقه ورفع رأسه إلى السماء، ثم انتحى عليه المدية وقلب جبرئيل المدية على قفاها، واجتر الكبش من قبل ثبير وأثار الغلام من تحته، ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف: " أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين " قال: ولحق إبليس بأم الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء البيت فقال لها: ما شيخ رأيته؟
قالت: ذاك بعلي، قال: فوصيف رأيته معه؟ قالت: ذاك ابني، قال: فإني رأيته وقد أضجعه وأخذ المدية ليذبحه، فقالت: كذبت إن إبراهيم أرحم الناس كيف يذبح ابنه؟! قال:
فورب السماء والأرض ورب هذا البيت لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية، فقالت: ولم؟ قال:
زعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فحق له أن يطيع ربه; فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر، فلما قضت نسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى وهي واضعة يدها على رأسها تقول: يا رب لا تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل. قلت: فأين أراد أن يذبحه؟
قال: عند الجمرة الوسطى. قال: ونزل الكبش على الجبل الذي عن يمين مسجد منى نزل من السماء وكان يأكل في سواد، ويمشي في سواد، أقرن. قلت: ما كان لونه؟ قال:
كان أملح أغبر.
3 - قال: وحدثني أبي، عن صفوان بن يحيى وحماد، عن عبد الله بن المغيرة، عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألناه عن صاحب الذبح، فقال: إسماعيل عليه السلام. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل وعبد الله بن عبد المطلب.
فهذان الخبران عن الخاص في الذبيح قد اختلفا في إسحاق وإسماعيل، وقد روت العامة خبرين مختلفين في إسماعيل وإسحاق. بيان: قوله عليه السلام: (والكلام الذي وقع في اذني) لعله معطوف على الموصول المتقدم أي الكلام الذي وقع في اذني أمرني بهذا، فيكون كالتفسير لقوله: الذي بلغني هذا المبلغ; أو المراد بالأول الرب تعالى، وبالثاني وحيه; ويحتمل أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي وهو الكلام الذي وقع في اذني. وفي الكافي: ويلك الكلام الذي سمعت هو الذي بلغ بي ما ترى. وعلى التقادير المراد أن هذا الوحي هو الذي جعلني نبيا ولا أشك فيه. والقرطان:
البرزعة وهي الحلس الذي يلقى تحت الرحل. وقال الجوهري: أنحيت على حلقه السكين أي عرضت له. وقال الفيروزآبادي: انتحى: جد، وفي الشئ: اعتمد. والوصيف كأمير:
الخادم والخادمة، وإنما عبر الملعون هكذا تجاهلا عن أنه ابنه ليكون أبعد عن التهمة.
والملحة: بياض يخالطه سواد. والأعين: عظيم العين. وفي بعض النسح " أغبر " ولعله أظهر.
4 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد; والحسين ابن محمد، عن عبدويه بن عامر جميعا، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام مثل ما مر في خبر معاوية، وفيه: ثم انتحى عليه فقلبها جبرئيل عن حلقه فنظر إبراهيم فإذا هي مقلوبة، فقلبها إبراهيم على حدها، وقلبها جبرئيل على قفاها، ففعل ذلك مرارا، ثم نودي من ميسرة مسجد الخيف: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، واجتر الغلام من تحته. وفي آخره: قال: فلما جاءت سارة فأخبرت الخبر قامت إلى ابنها تنظر فإذا أثر السكين خدوشا في حلقه، ففزعت واشتكت وكان بدو مرضها الذي هلكت فذكر أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أراد أن يذبحه في الموضع الذي حملت أم رسول الله عند الجمرة الوسطى، فلم يزل مضربهم يتوارثونه كابرا عن كابر
حتى كان آخر من ارتحل منه علي بن الحسين عليه السلام في شئ كان بين بني هاشم وبين بني أمية فارتحل فضرب بالعرين.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: الحسين بن عبد الله السكيني، عن أبي سعيد البجلي، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد الله، عن آبائه صلوات الله وسلامه عليهم قال: سأل ملك الروم الحسن بن علي عليه السلام عن سبعة أشياء خلقها الله لم تركض في رحم، فقال عليه السلام: أول هذا آدم، ثم حواء، ثم كبش إبراهيم، ثم ناقة الله، ثم إبليس الملعون، ثم الحية، ثم الغراب التي ذكرها الله في القرآن.
6 - الخصال: ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن اليشكري، عن محمد بن زياد الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن سفيان بن أبي ليلى، عن الحسن عليه السلام مثله.
7 - قرب الإسناد: محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن علي بن فضال قال: سأل الحسين بن أسباط أبا الحسن الرضا عليه السلام - وأنا أسمع - عن الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل أما سمعت قول الله تبارك وتعالى: " وبشرناه بإسحق "؟
8 - الخصال، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن ستة لو يركضوا في رحم، فقال: آدم وحواء، وكبش إبراهيم، وعصا موسى، وناقة صالح، والخفاش الذي عمله عيسى ابن مريم فطار بإذن الله عز وجل.
9 - أمالي الطوسي: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عنبسة بن عمرو، عن سليمان ابن يزيد، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: الذبيح إسماعيل.
10 - علل الشرائع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن البزنطي، عن أبان ابن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف صار الطحال حراما وهو من الذبيحة؟ فقال:
إن إبراهيم عليه السلام هبط عليه الكبش من ثبير - وهو جبل بمكة - ليذبحه أتاه إبليس فقال له:
أعطني نصيبي من هذا الكبش، قال: وأي نصيب لك وهو قربان لربي وفداء لابني؟
فأوحى الله عز وجل إليه: إن له فيه نصيبا وهو الطحال، لأنه مجمع الدم; وحرم الخصيتان لأنهما موضع للنكاح ومجرى للنطفة، فأعطاه إبراهيم عليه السلام الطحال والأنثيين وهما الخصيتان، قال: فقلت: فكيف حرم النخاع؟ قال: لأنه موضع الماء الدافع من كل ذكر وأنثى وهو المخ الطويل الذي يكون في فقار الظهر.
11 - معاني الأخبار: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود ابن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيهما كان أكبر إسماعيل أو إسحاق؟
وأيهما كان الذبيح؟ فقال: كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين، وكان الذبيح إسماعيل، وكانت مكة منزل إسماعيل، وإنما أراد إبراهيم أن يذبح إسماعيل أيام الموسم بمنى. قال: وكان بين بشارة الله لإبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق خمس سنين، أما تسمع لقول إبراهيم عليه السلام حيث يقول: " رب هب لي من الصالحين " إنما سأل الله عز وجل أن يرزقه غلاما من الصالحين، وقال في سورة الصافات: " فبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل من هاجر، قال: ففدي إسماعيل بكبش عظيم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ثم قال: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق " يعني بذلك إسماعيل قبل البشارة بإسحاق، فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل وأن الذبيح إسحاق فقد كذب بما أنزل الله عز وجل في القرآن من نبأهما. قصص الأنبياء: بإسناده إلى الصدوق مثله.
12 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن سعد بن سعد، عن
أبي الحسن عليه السلام قال: لو علم الله عز وجل شيئا أكرم من الضأن لفدى به إسماعيل عليه السلام.
13 - الكافي: علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه أظنه محمد بن إسماعيل، عن الرضا عليه السلام قال: لو خلق الله مضغة هي أطيب من الضأن لفدى بها إسماعيل عليه السلام.
14 - الكافي: بعض أصحابنا، عن جعفر بن إبراهيم الحضرمي، عن سعد بن سعد، عن الرضا عليه السلام قال: لو علم الله خيرا من الضأن لفدى به. قال: يعني إسحاق، هكذا جاء في الحديث.
15 - تفسير العياشي: عن مقرن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتب يعقوب إلى عزيز مصر:
نحن أهل بيت نبتلي، فقد ابتلى أبونا إبراهيم بالنار فوقاه الله، وابتلى أبونا إسحاق بالذبح.
16 - تفسير العياشي: عن محمد بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام: قد كبرت، فلو دعوت الله أن يرزقك ولدا فيقر أعيننا فإن الله قد أتخذك خليلا وهو مجيب دعوتك إن شاء الله، فسأل إبراهيم ربه أن يرزقه غلاما عليما، فأوحى الله إليه: إني واهب لك غلاما عليما، ثم أبلوك فيه بالطاعة لي; قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
فمكث إبراهيم بعد البشارة ثلاث سنين، ثم جاءته البشارة من الله بإسماعيل مرة أخرى بعد ثلاث سنين.
17 - الكافي: علي، عن أبيه، عن أحمد بن محمد وابن محبوب، عن العلاء، عن محمد قال:
سألت أبا جعفر عليه السلام أين أراد إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه؟ قال: على الجمرة الوسطى، وسألته عن كبش إبراهيم عليه السلام: ما كان لونه؟ وأين نزل؟ فقال: أملح، وكان أقرن، و
نزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى، وكان يمشي في سواد، ويأكل في سواد، وينظر ويبعر ويبول في سواد. فوائد لابد من التعرض لها:
الأولى في تعيين الذبيح، قال الرازي في تفسيره: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟ فقيل: إنه إسحاق، وقيل: إن هذا قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب و ابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل. وقيل: إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي.
واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أنا ابن الذبيحين " وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر إن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل; والذبيح الثاني إسماعيل.
الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: أيا أصمعي أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة، وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والنحر بمكة.
الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: " و إسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الصابرين " وهو صبره على الذبح فوفى به.
الحجة الرابعة: قوله تعالى: " وبشرناه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " فنقول:
لو كان الذبيح إسحاق لكان الامر بذبحه قبل ظهور يعقوب منه أو بعد ذلك، والأول باطل لأنه تعالى لما بشره بإسحاق وبشر معه بأنه يحصل منه يعقوب، فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الامر بذبحه وإلا حصل الخلف في قوله: " ومن وراء إسحق يعقوب " والثاني
باطل لان قوله: " فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك " يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وهذه تنافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق.
الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " ثم طلب من الله تعالى ولدا ليستأنس به في غربته قال: " رب هب لي من الصالحين " وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد لان طلب الحاصل محال، وقوله: " هب لي من الصالحين " لا يفيد إلا طلب الواحد، وكلمة من للتبعيض، وأقل درجات البعضية الواحد، فكان قوله: " من الصالحين " لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل. ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبح، فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
الحجة السادسة: الاخبار كثيرة في تعليق قرني الكبش بالكعبة وكان الذبح بمكة ولو كان الذبيح إسحاق لكان الذبح بالشام.
واحتج من قال بأنه إسحاق بأن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " وأجمعوا على أن المراد مهاجرته إلى الشام، ثم قال: " فبشرناه بغلام حليم " فوجب أن يكون هذا الغلام الحليم قد حصل له في الشام، وذلك الغلام ليس إلا إسحاق، ثم قال بعده: " فلما بلغ معه السعي " هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق; وأما مؤخرة الآية فهي أيضا تدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين " و معناه أنه بشره بكونه نبيا من الصالحين، وذكر هذه البشارة عند حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل الشدائد في قصة الذبح
فثبت لما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.
الحجة الثانية: ما اشتهر من كتاب يعقوب عليه السلام: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.
واعلم أنه يتفرع على ما ذكرناه اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا: الذبيح هو إسماعيل قالوا: كان المذبح بمنى، والذين قالوا: إنه إسحاق قالوا: هو بالشام، وقيل بيت المقدس. والله أعلم انتهى. وقال الشيخ أمين الدين الطبرسي قدس الله روحه بعد ذكر القولين: وكلا القولين قد رواه أصحابنا عن أئمتنا عليهم السلام إلا أن الأظهر في الروايات أنه إسماعيل. ثم ذكر بعض ما مر من الوجوه ثم قال: وحجة من قال: إنه إسحاق أن أهل الكتابين أجمعوا على ذلك، وجوابه أن إجماعهم ليس بحجة، وقولهم غير مقبول، وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فسألني عن الذبيح، فقلت: إسماعيل و استدللت بقوله: " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين " فأرسل إلى رجل بالشام كان يهوديا وأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده فقال: إسماعيل، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود ليعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الذي كان من أمر الله فيه ما كان، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لان إسحاق أبوهم انتهى. أقول: لا يخفى ضعف ما احتجوا به على القول الأخير سوى الأخبار الدالة على ذلك لكن يعارضها ما هو أكثر وأصح منها، ويؤيدها ما ذكر من الوجوه أولا وإن كان بعضها لا يخلو من وهن، واشتهار هذا القول بين علماء الشيعة ومحدثيهم في جميع الأعصار.
وأما الجمع بين الاخبار فيمكن حمل الأخبار الدالة على المذهب الثاني على التقية بأن يكون زمان صدور الخبر هذا القول أشهر بين علماء المخالفين، ويمكن حمل بعضها على ما مر في الخبر من تمني الذبح، ويمكن الجمع أيضا بالقول بوقوعهما معا إن لم ينعقد إجماع على كون الذبيح أحدهما.
وقال الكليني بعد أن أورد رواية عقبة بن بشير عن أحدهما عليهما السلام: إن إبراهيم عليه السلام أذن في الناس بالحج، وكان أول من أجابه من أهل اليمن، قال: وحج إبراهيم عليه السلام هو وأهله وولده; وقال: فمن زعم أن الذبيح هو إسحاق فمن ههنا كان ذبحه.
وذكر عن أبي بصير أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يزعمان أنه إسحاق، وأما زرارة فزعم أنه إسماعيل. وغرضه رحمه الله من هذا الكلام رفع استبعاد عن كون إسحاق ذبيحا بأن إسحاق كان بالشام، والذي كان بمكة إسماعيل عليه السلام، فكون إسحاق ذبيحا مستبعد، فدفع هذا الاستبعاد بأن هذا الخبر يدل على أن إبراهيم عليه السلام قد حج مع أهله وولده، فيمكن أن يكون الامر بذبح إسحاق في هذا الوقت، ويظهر منه رحمه الله أنه في ذلك من المتوقفين. وقال الطبرسي رحمه الله: ومن قال: إن الذبيح إسماعيل فمنهم محمد بن إسحاق بن بشار، وذكر أن إبراهيم كان إذا زار إسماعيل وهاجر حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ السعي اري في
المنام أن يذبحه، فقال له: يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما قد ذكره الله عنه، فقال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح من دمي شئ فتراه أمي، واشحذ شفرتك، واسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي، فإن الموت شديد، فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله; ثم ذكر نحوا مما تقدم ذكره.
وروى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين، قال الله سبحانه: " فبشرناه بغلام حليم " يعني إسماعيل، وهي أول بشارة بشر الله بها إبراهيم في الولد، ولما ولد لإبراهيم إسحاق من سارة وبلغ إسحاق ثلاث سنين أقبل إسماعيل إلى إسحاق وهو في حجر إبراهيم فنحاه وجلس في مجلسه فبصرت به سارة فقالت: يا إبراهيم ينحي ابن هاجر ابني من حجرك ويجلس هو مكانه! لا والله لا يجاورني هاجر وابنها في بلاد أبدا، فنحهما عني، وكان إبراهيم مكرما لسارة يعزها ويعرف حقها، وذلك أنها كانت من ولد الأنبياء وبنت خالته، فشق ذلك على إبراهيم واغتم لفراق إسماعيل، فلما كان في الليل أتى إبراهيم آت من ربه فأراه الرؤيا في ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكة، فأصبح إبراهيم حزينا للرؤيا التي رآها، فلما حضر موسم ذلك العام حمل إبراهيم هاجر وإسماعيل في ذي الحجة من أرض الشام فانطلق بهما إلى مكة ليذبحه في الموسم فبدأ بقواعد البيت الحرام، فلما رفع قواعده وخرج إلى منى حاجا وقضى نسكه بمنى رجع إلى مكة فطافا بالبيت أسبوعا ثم انطلق إلى السعي، فلما صارا في المسعى قال إبراهيم لإسماعيل: يا نبي إني أرى في المنام أني أذبحك في الموسم عامي هذا، فماذا ترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر، فلما فرغا من سعيهما انطلق به إبراهيم إلى منى وذلك يوم النحر، فلما انتهى به إلى الجمرة الوسطى وأضجعه لجنبه
الأيسر وأخذ السكين ليذبحه نودي: " أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " إلى آخره، و فدي إسماعيل بكبش عظيم فذبحه وتصدق بلحمه على المساكين.
وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن صاحب الذبح، قال: هو إسماعيل.
وعن زياد بن سوقة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن صاحب الذبح فقال: إسماعيل عليه السلام انتهى. أقول: هذه الأخبار المعتبرة أيضا مصرحة بكون الذبيح إسماعيل، وسيأتي في كتاب الدعاء وكتاب المزار في تضاعيف الدعوات والزيارات ما يدل على ذلك أيضا. الثانية في كيفية هذا الامر ورفعه:
قال الرازي: اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام هل كان مأمورا بماذا، وهذا الاختلاف متفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال؟ فقال: أكثر أصحابنا أنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية: إنه لا يجوز، فعلى القول الأول إن الله تعالى أمره بالذبح، وعلى القول الثاني لم يأمره بالذبح وإنما أمره بمقدمات الذبح، وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الامر قبل مجئ مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم صلى الله عليه وآله بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه، وذلك يفيد المطلوب; وإنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين:
الأول: أنه عليه السلام قال لولده: " إني أرى في المنام أني أذبحك " فقال الولد:
" افعل ما تؤمر " وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان مأمورا بمقدمات الذبح بل بنفس الذبح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود، فحينئذ يكون قد امر بشئ وقد أتى به، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى:
" وفديناه بذبح عظيم " فدل هذا على أنه لما أتى بالمأمور به وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح، فهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، فإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته، وذلك يدل على المقصود.
وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الله تعالى أمره بذبح الولد، بل نقول: إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح، ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما امر به بدليل قوله تعالى: " وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا " وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح، وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه والعزم الصحيح على الاتيان بذلك الفعل.
الثاني: الذبح عبارة عن قطع الحلقوم، فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءا أعاده الله التأليف، فلهذا السبب لم يحصل الموت.
والوجه الثالث: وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن، فإذا نهي عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الامر لزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالما بحال ذلك الفعل لزم أن يقال: أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى وإنه محال فهذا تمام الكلام في هذا الباب.
والجواب عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح، أما قوله تعالى: " قد صدقت الرؤيا " فهذا يدل على أنه اعترف بكون ذلك الرؤيا واجب العمل به، ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام.
وأما قوله ثانيا: كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءا أعاد الله التأليف إليه فنقول: هذا باطل لان إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما امر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما امر به.
وأما قوله ثالثا: إنه يلزم إما الامر بالقبيح وإما الجهل فنقول: هذا بناء على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته، ولا ينهى إلا عما يكون قبيحا في ذاته، وهذا قولك بناء على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضا إنا نسلم ذلك إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى الامر بالشئ تارة يأمر لكون المأمور به حسنا، وتارة يأمر لأجل أن ذلك الامر يفعل لمصلحة من المصالح ولو لم يكن المأمور به حسنا، ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده فإنه يقول له: إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، ويكون ذلك الفعل من الافعال الشاقة، ويكون مقصود السيد من ذلك الامر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل عنه ذلك التكليف، فكذا ههنا، فلما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم.
والله أعلم انتهى. أقول: لا ريب في وقوع مثل ذلك الامر الذي رفع قبل وقت الامتثال، وإنما الخلاف في توجيهه، فذهبت المعتزلة وأكثر المتكلمين من الامامية إلى أن رفع التكليف قبل الامتثال قرينة دالة على أن الامر لم يكن على ظاهره، بل كان المراد به أمرا آخر غير ما كان متبادرا منه كما في قصة الذبح، فإن رفع التكليف به قرينة على أن الامر إنما كان متوجها إلى مقدمات الذبح، وأما الآخرون فقالوا: إن الامر كان متوجها إلى نفس الذبح لكنه كان مشروطا بعدم النسخ قبل الفعل، فالفريقان متفقان في أنه قد ظهر بعد ذلك أمر كان المتبادر قبل ذلك خلافه، وأن ثمرة هذا التكليف ليس إلا العزم وتوطين النفس على الفعل، وإن الفداء كان لأمر قد ظهر عدم تعلق التكليف به، إما لنسخه وكونه مشروطا بعدم النسخ، أو لانكشاف أن الامر إنما كان متوجها إلى مقدمات الفعل، فإذا تأملت فيما ذكرناه يظهر لك أن الاشكالات الموردة في هذا المقام مشتركة
بين الفريقين، وأن الخلاف في ذلك قليل الجدوى، وتفصيل القول في ذلك يطلب من مظانه.
الثالثة: قال البيضاوي في قوله تعالى: " فلما بلغ معه السعي " أي فلما وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله، و " معه " متعلق بمحذوف دل عليه " السعي " لا " به " لان صلة المصدر لا يتقدمه، ولا ببلغ فإن بلوغهما لم يكن معا انتهى أقول: قد ظهر من بعض الأخبار السالفة أنه يحتمل أن يكون المراد بالسعي النسك المعروف بين الصفا والمروة، فلا يحتاج إلى ما تكلفه، إذ يحتمل تعلقه ببلغ كما لا يخفى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.