بحارالانوار · المجلد التاسع عشر
باب الاستشفاع بمحمد وآل محمد في
ج ۹۰، ص ۳۹۴–۲۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
يا رب وكيف لي بالهبوط في النار؟ قال: إني قد أمرتها أن تكون عليك بردا وسلاما، قال: يا رب فما علمي بموضعه؟ قال: إنه في جب من سجين قال:
فهبط في النار، فوجده وهو معقول على وجهه، فأخرجه، فقال عز وجل: يا عبدي كم لبثت تناشدني في النار؟ قال: ما أحصي يا رب، قال: أما وعزتي لولا ما سألتني به لأطلت هوانك في النار، ولكنه حتم على نفسي أن لا يسألني عبد بحق محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته إلا غفرت له، ما كان بيني وبينه، وقد غفرت لك اليوم.
معاني الأخبار: أبي، عن سعد، عن الحسن بن علي الكوفي مثله.
ثواب الأعمال: ابن الوليد، عن الصفار، عن الحسن بن علي مثله.
مجالس المفيد: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار بالاسناد السابق، عن الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه إذا كان يوم القيامة وسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. مكث عبد في النار سبعين خريفا إلى آخر الخبر وزاد في آخره: ثم يؤمر به إلى الجنة.
2 - أمالي الطوسي: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن ابن فضال، عن العباس بن عامر مثله إلى قوله مكث في النار يناشد الله سبعين خريفا وسبعين خريفا والخريف سبعون سنة وسبعون سنة وسبعون سنة إلى قوله قال: إنه في جب من سجين قال: فهبط إليه وهو معقول على وجهه بقدمه، قال : قلت: كم لبثت في النار؟ قال: ما أحصي كم بدلت فيها خلقا، قال: فأخرجه إليه، قال: فقال له:
يا عبدي إلى آخر الخبر.
3 - أمالي الطوسي: المفيد عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن محمد، عن يحيى بن زكريا، عن الحسين بن سفيان، عن أبيه، عن محمد بن المشمعل، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من دعا الله بنا أفلح، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك.
4 - الإحتجاج: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج توقيع من الناحية المقدسة حرسها الله تعالى بعد المسائل:
بسم الله الرحمن الرحيم لا لامره تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة، فما تغن النذر عن قوم لا يؤمنون، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا
أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا فقولوا كما قال الله تعالى: سلام على آل يس السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقه، السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام عليك في آناء ليلك وأطراف نهارك، السلام عليك يا بقية الله في أرضه، السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده، السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه، السلام عليك أيها العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة، وعد غير مكذوب، السلام عليك حين تقوم، السلام عليك حين تقعد، السلام عليك حين تقرأ وتبين السلام عليك حين تصلي وتقنت، السلام عليك حين تركع وتسجد، السلام عليك حين تستغفر وتحمد، السلام عليك حين تكبر وتهلل، السلام عليك حين تصبح وتمسي السلام عليك في الليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، السلام عليك أيها الامام المأمون، السلام عليك أيها المقدم المأمول، السلام عليك بجوامع السلام.
أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده رسوله، لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد [ك] أن [عليا] أمير المؤمنين حجته والحسن حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي حجته وجعفر بن محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي حجته، وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله.
أنتم الأول والآخر، وإن رجعتكم حق لا ريب فيها، يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وأن الموت حق وأن ناكرا ونكير حق، وأشهد أن النشر والبعث حق، وأن لصراط حق، والميزان والحساب حق، والجنة والنار حق، والوعد الوعيد بهما حق.
يا مولاي شقي من خالفكم، وسعد من أطاعكم، فاشهد على ما أشهدتك عليه وأنا ولي لك، برئ من عدوك، فالحق ما رضيتموه، والباطل ما سخطتموه والمعروف ما أمرتم به، والمنكر ما نهيتم عنه، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله وبأمير المؤمنين وبكم يا مولاي أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم
ومودتي خالصة لكم آمين آمين.
الدعاء عقيب هذا القول:
اللهم إني أسئلك أن تصلي على محمد نبي رحمتك، وكلمة نورك، وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الايمان، وفكري نور النيات، وعزمي نور العلم وقوتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور البصائر من عندك، وبصري نور الضياء، وسمعي نور الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله عليهم السلام حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك فتسعني رحمتك يا ولي يا حميد.
اللهم صل على محمد حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة ومنير الحق، والناطق بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص وارتدى، ومجلي الغماء، الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا إنك على كل شئ قدير.
اللهم صل على وليك وابن أوليائك، الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقهم وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.
اللهم انصره وانتصر به لدينك، وانصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره واجعلنا منهم، اللهم أعذه من شر كل باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه وامنعه من أن يوصل إليه بسوء، واحفظ فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، وأقسم به جبابرة الكفر، واقتل به الكفار والمنافقين وجميع الملحدين حيث كانوا من مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملا به الأرض عدلا وأظهر به دين نبيك صلى الله عليه وآله، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه وأتباعه وشيعته وأرني في آل محمد عليهم السلام ما يأملون، وفي عدوهم ما يحذرون، إله الحق آمين يا ذا
الجلال والاكرام يا أرحم الراحمين.
5 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن الحسن بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد، عن نصر بن مزاحم، عن قطرب بن عليف، عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمان بن سابط، عن سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال: كنت ذات يوم عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل أعرابي على ناقة له فسلم ثم قال: أيكم محمد؟ فأومئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد أخبرني عما في بطن ناقتي حتى أعلم أن الذي جئت به حق وأومن بالهلك وأتبعك، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله فقال: حبيبي علي يدلك فأخذ علي بخطام الناقة ثم مسح يده على نحرها، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إني أسئلك بحق محمد وأهل بيت محمد وبأسمائك الحسنى وبكلماتك التامات، لما أنطقت هذه الناقة، حتى تخبرنا بما في بطنها، فإذا الناقة قد التفت إلى علي صلوات عليه وهي تقول: يا أمير المؤمنين إنه ركبني يوما وهو يريد زيارة ابن عم له، وواقعني فأنا حامل منه، فقال الاعرابي: ويحكم! النبي هذا أم هذا؟ فقيل: هذا النبي وهذا أخوه وابن عمه، فقال الاعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله. وأنك رسول الله.
6 - الخرائج: روي أن عثمان بن جنيد قال: جاء رجل ضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ائت الميضاة فتوض، ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسئلك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليجلو به عن بصري، اللهم شفعه في وشفعني في نفسي.
قال ابن جنيد: فلم يطل بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر قط.
7 - تفسير العياشي: عن محمد بن أبي زيد الرازي عمن ذكره، عن الرضا عليه السلام قال:
إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله " ولله الأسماء الحسنى
فادعوه بها " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: فادعوه بها.
8 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام عليه السلام: إن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر، أوحى الله عز وجل إليه: قل لبني إسرائيل: جددوا توحيدي، وأمروا بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدي وإمائي، وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعلي أخي محمد وآله الطيبين وقولوا اللهم بجاههم جوزنا على متن هذا الماء، يتحول لكم أرضا فقال لهم موسى ذلك فقالوا: تورد علينا ما نكره، وهل فررنا من فرعون إلا من خوف الموت وأنت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، وما يدرينا ما يحدث من هذه علينا؟ فقال لموسى كالب بن يوحنا وهو على دابة له وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ: يا نبي الله أمرك الله بهذا أن نقوله وندخل الماء؟ فقال: نعم، قال: وأنت تأمرني به؟ قال:
بلى، قال: فوقف وجدد على نفسه من توحيد الله ونبوة محمد وولاية علي والطيبين من آلهما كما أمر به، ثم قال: اللهم بجاههم جوزني على متن هذا الماء، ثم أقحم فرسه فركض على متن الماء، وإذا الماء تحته كأرض لينة، حتى بلغ آخر الخليج، ثم عاد راكضا ثم قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل أطيعوا موسى فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان، ومغاليق أبواب النيران، ومستنزل الأرزاق وجالب على عبيد الله وإمائه رضا المهيمن الخلاق، فأبوا وقالوا: نحن لا نسير إلا على الأرض.
فأوحى الله إلى موسى: اضرب بعصاك البحر وقل اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما فلقته، ففعل فانفلق، وظهرت الأرض إلى آخر الخليج، فقال موسى عليه السلام ادخلوا قالوا: الأرض وحلة نخاف أن نرسب فيها، فقال الله: يا موسى قل اللهم بجاه محمد وآله الطيبين جففها، فقالها فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفت، وقال موسى ادخلوها قالوا: يا نبي الله نحن اثنا عشر قبيلة بنو اثني عشر أبا وإن دخلنا رام كل
فريق تقدم صاحبه فلا نأمن وقوع الشر بيننا، فلو كان لكل فريق منا طريق على حدة لامنا ما نخافه.
فأمر الله موسى ان يضرب البحر بعددهم اثني عشر ضربة في اثني عشر موضعا إلى جانب ذلك الموضع ويقول اللهم بجاه محمد وآله الطيبين بين الأرض لنا وأمط ألمنا عنا، فصار فيه تمام اثني عشر طريقا وجف قرار الأرض بريح الصبا فقال ادخلوها، قالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا تدري ما يحدث على الآخرين.
فقال الله عز وجل فاضرب كل طود من الماء بين هذه السكك فضرب وقال اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت هذا الماء طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا منها، فحدث طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا ثم دخلوها فلما بلغوا آخرها جاء فرعون وقومه، فدخل بعضهم فلما دخل آخرهم وهموا بالخروج أولهم أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم فغرقوا، وأصحاب موسى ينظرون إليهم فذلك قوله عز وجل وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون إليهم.
قال الله عز وجل لبني إسرائيل في عهد محمد صلى الله عليه وآله: فإذا كان الله تعالى فعل هذا كله بأسلافكم لكرامة محمد صلوات الله عليه وآله، ودعا موسى دعاء تقرب بهم أفما تعقلون أن عليكم الايمان لمحمد وآله إذ قد شاهدتموه الآن.
9 - تفسير الإمام العسكري: في قصة التوبة عن عبادة العجل: فأمر الله الاثني عشر ألفا أن يخرجوا على الباقين شاهرين السيوف، يقتلونهم ، ونادى مناد: ألا لعن الله أحدا اتقاهم بيد أو رجل، ولعن الله من تأمل المقتول لعله ينسبه حميما قريبا فيتعداه إلى الأجنبي فاستسلم المقتولون.
فقال القاتلون: نحن أعظم مصيبة منهم، نقتل بأيدينا آباءنا وأمهاتنا وإخواننا وقراباتنا، ونحن لم نعبد. فقد ساوى بيننا وبينهم في المصيبة فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني إنما امتحنتهم كذلك، لأنهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل، ولم
يهجروهم، ولم يعادوهم على ذلك، قل لهم: من دعا الله بمحمد وآله الطيبين أن يسهل عليهم قتل المستحقين للقتل بذنوبهم، ففعل فقالوها فسهل عليهم، ولم يجدوا لقتلهم لهم ألما.
فلما استمر القتل فيهم وهم ستمائة ألف إلا اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل وفق الله بعضهم فقال لبعضهم والقتل لم يفض بعد إليهم فقال: أوليس الله قد جعل التوسل بمحمد وآله الطيبين أمرا لا يخيب معه طلبة، ولا يرد به مسألة وهكذا توسلت بهم الأنبياء والرسل؟ فمالنا لا نتوسل؟ قال فاجتمعوا وضجوا يا ربنا بجاه محمد الأكرم وبجاه علي الأفضل الأعظم وبجاه فاطمة ذي الفضل والعصمة وبجاه الحسن والحسين سبطي سيد المرسلين، وسيدي شباب أهل الجنان أجمعين وبجاه الذرية الطيبة الطاهرة من آل طه ويس لما غفرت لنا ذنوبنا، وغفرت لنا هفوتنا، وأزلت هذا القتل عنا.
فذلك حين نودي موسى عليه السلام من السماء: أن كف القتل فقد سألني بعضهم مسألة وأقسم علي قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون للعجل، وسألني بعضهم العصمة حتى لا يعبدوه لوفقتهم وعصمتهم، ولو أقسم علي بها إبليس لهديته، ولو أقسم علي بها نمرود أو فرعون لنجيتهم، فرفع عنهم القتل، فجعلوا يقولون: يا حسرتنا أين كنا عن هذا الدعاء بمحمد وآله الطيبين حتى كان الله يقينا شر الفتنة، ويعصمنا بأفضل العصمة.
10 - تفسير الإمام العسكري: قال الله تعالى " وإذا استسقى موسى لقومه " قال: واذكروا بني إسرائيل " إذ استسقى موسى لقومه " طلب لهم السقي لما لحقهم العطش في التيه وضجوا بالبكاء إلى موسى، وقالوا هلكنا بالعطش، فقال موسى: إلهي بحق محمد سيد الأنبياء وبحق علي سيد الأوصياء وبحق فاطمة سيدة النساء، وبحق الحسن سيد الأولياء وبحق الحسين أفضل الشهداء، وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الأزكياء لما سقيت عبادك هؤلاء.
فأوحى الله تعالى: يا موسى " اضرب بعصاك الحجر " فضربه بها " فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس " كل قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب " مشربهم " فلا يزاحم الآخرين في مشربهم، قال الله تعالى " كلوا واشربوا من رزق الله " الذي آتاكموه " ولا تعثوا في الأرض مفسدين " ولا تسعوا فيها وأنتم مفسدون عاصون.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أقام على موالاتنا أهل البيت سقاه الله تعالى من محبته كأسا لا يبغون به بدلا، ولا يريدون سواه كافيا ولا كاليا ولا ناصرا، ومن وطن نفسه على احتمال المكارم في موالاتنا، جعله الله يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كل من تضمنه تلك العرصات أبصارهم عما يشاهدون من درجاتهم، وإن كل واحد منهم ليحيط بما له من درجات كاحاطته في الدنيا، لما يلقاه بين يديه.
ثم يقال له: وطنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمد وآله الطيبين فقد جعل الله إليك ومكنك من تخليص كل ما تحب تخليصه من أهل الشدائد في هذه العرصات، فيمد بصره فيحيط ثم ينتقد من منهم أحسن إليه أو بره في الدنيا بقول أو فعل أو رد غيبة أو حسن محضرا وإرفاق، فينتقده من بينهم كما ينتقد الدرهم الصحيح من المكسور ثم يقال له: اجعل هؤلاء في الجنة حيث شئت، فينزلهم جنات ربنا.
ثم يقال قد جعلنا لك ومكناك من لقاء من تريد في نار جهنم، فيراهم فيحيط بهم وينتقدهم من بينهم كما ينتقد الدينار من القراضة، ثم يقال له: صيرهم في النيران إلى حيث تشاء، فيصيرهم حيث يشاء من مضائق النار.
فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه وآله: فإذا كان أسفلاكم إنما دعوا إلى موالاة محمد وآله، فأنتم لما شاهدتموهم فقد وصلتم إلى الغرض والمطلب الأفضل إلى موالاة محمد وآله، فأنتم الان فتقربوا إلى الله عز وجل بالتقرب إليهم ولا تتقربوا من سخطه، ولا تباعدوا من رحمته بالإزراء عنا.
أقول: قد أوردنا الأخبار الكثيرة في ذلك في باب ذبح البقرة وغيره، من أبواب قصص الأنبياء عليهم السلام.
11 - تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل " ولما جائهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " قال الإمام عليه السلام: ذم الله اليهود فقال " ولما جائهم " يعني هؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم وإخوانهم من اليهود " كتاب من عند الله " القرآن " مصدق " ذلك الكتاب " لما معهم " من التوراة التي بين فيها أن محمدا الأمي من ولد إسماعيل المؤيد بخير خلق الله بعده، علي ولي الله، " وكانوا " يعني هؤلاء اليهود " من قبل " ظهور محمد بالرسالة " يستفتحون " يسألون الله الفتح والظفر " على الذين كفروا " من أعدائهم والمناوين لهم، فكان الله يفتح وينصرهم قال الله عز وجل " فلما جائهم " هؤلاء اليهود " ما عرفوا " من نعت محمد وصفته " كفروا به " وجحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه، قال الله عز وجل: " فلعنة الله على الكافرين ".
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إن الله تعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وآله بما كان من إيمان اليهود بمحمد قبل ظهوره، ومن استفتاحهم على أعدائهم بذكره، والصلاة عليه وعلى آله، قال عليه السلام وكان الله أمر اليهود في أيام موسى وبعده إذا دهمهم أمر ودهمتهم داهية أن يدعوا الله عز وجل بمحمد وآله الطيبين وأن يستنصروا بهم وكانوا يفعلون ذلك حتى كانت اليهود من أهل المدينة قبل ظهور محمد النبي صلى الله عليه وآله بعشر سنين يعادونهم أسد وغطفان وقوم من المشركين ويقصدون أذاهم يستدفعون شرورهم وبلاءهم بسؤالهم ربهم بمحمد وآله الطيبين حتى قصدهم في بعض الأوقات أسد وغطفان في ثلاثة آلاف إلى بعض اليهود حوالي المدينة، فتلقاهم اليهود وهم ثلاثمائة فارس ودعوا الله بمحمد وآله فهزموهم وقطعوهم.
فقال أسد وغطفان بعض لبعض: تعالوا نستعين عليهم بسائر القبائل ، فاستعانوا عليهم
بالقبائل وأكثروا حتى اجتمعوا قدر ثلاثين ألفا، وقصدوا هؤلاء ثلاثمائة في قريتهم فألجأوهم إلى بيوتها وقطعوا عنها المياه الجارية التي كانت تدخل إلى قراهم، ومنعوا عنهم الطعام، واستأمن اليهود إليهم فلم يؤمنوهم، وقالوا لا إلا أن نقتلكم ونسبيكم وننهبكم.
فقالت اليهود بعضها لبعض: كيف نصنع؟ فقال لهم أمثلهم وذو الرأي منهم:
أما أمر موسى عليهم السلام أسلافكم ومن بعدهم بالاستنصار بمحمد وآله؟ أما أمركم بالابتهال إلى الله عز وجل عند الشدائد بهم؟ قالوا: بلى، قالوا: فافعلوا، فقالوا: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما سقيتنا فقد قطعت عنا الظلمة المياه حتى ضعف شبابنا، وتماوت ولداننا، وأشرفنا على الهلكة، فبعث الله تعالى وابلا هطلا حتى ملاء حياضهم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم وظروفهم فقالوا: هذه إحدى الحسنيين.
ثم أشرفوا من سطوحهم والعساكر المحيطة بهم، فإذا المطر قد أذاهم غاية الأذى وأفسد أمتعتهم وأسلحتهم وأموالهم، فانصرف عنهم لذلك بعضهم، وذلك أن المطر أتاهم في غير أوانه في حمارة القيظ حين لا يكون مطر، فقال الباقون من العساكر: هبكم سقيتم فمن أين تأكلون؟ ولئن انصرف عنا هؤلاء فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم وعيالاتكم وأهاليكم وأموالكم، ونشفي غيظنا منكم فقالت اليهود: إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد وآله قادر على أن يطعمنا وإن الذي صرف عنا من صرفه قادر أن يصرف الباقين.
ثم دعوا الله بمحمد وآله أن يطعمهم فجائت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل وبغل وحمار موقرة حنطة ودقيقا، وهم لا يشعرون بالعساكر فانتهوا إليهم وهم نيام، ولم يشعروا بهم، لان الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ولم يمنعوهم وطرحوا أمتعتهم وباعوها منهم، فانصرفوا وبعدوا وتركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف، فلما بعدوا وانتبهوا، ونابذوا اليهود الحرب وجعل يقول بعضهم لبعض الوحا الوحا، فان هؤلاء اشتد بهم الجوع، وسيذلون لنا قالت لهم اليهود:
هيهات بل أطعمنا ربنا وكنتم نياما: جائنا من الطعام كذا وكذا، ولو أردنا أن نقتلكم في حال نومكم لتهيأ لنا ولكنا كرهنا البغي عليكم، فانصرفوا عنا وإلا دعونا
بمحمد وآله واستنصرنا بهم أن يخزيكم كما قد أطعمنا وسقانا.
فأبوا إلا طغيانا فدعوا الله بمحمد وآله واستنصروا بهم ثم برز الثلاثمائة إلى ثلاثين ألفا فقتلوا منهم، وأسروا وطحطحوهم واستوثقوا منهم بأسرائهم فكان لا ينالهم مكروه من جهتهم لخوفهم على من لهم في أيدي اليهود.
فلما ظهر محمد صلى الله عليه وآله حسدوه إذ كان من العرب، فكذبوه.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد وآله عليهم السلام ألا فاذكروا يا أمة محمد محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم، فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته وملك عن يساره يكتب سيئاته، ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه فمن يجد منكم وسواسا في قلبه، وذكر الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، خنس الشيطانان [ثم صارا] إلى إبليس فشكواه وقالا له: قد أعيانا أمره فامددنا بالمردة، فلا يزال يمدهما حتى يمدها بألف مارد، فيأتونه فكلما راموه ذكر الله وصلى على محمد وآله الطيبين لم يجدوا عليه طريقا ولا منفذا.
قالوا لإبليس: ليس له غير أنك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده، فيقول الله تعالى للملائكة: هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا أو أمتي فلانة بجنوده، ألا فقابلوه فيقابلهم بإزاء كل شيطان رجيم منهم، مائة ألف ملك، وهم على أفراس من نار بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار، وقسي ونشاشيب وسكاكين وأسلحتهم من نار، فلا يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها، ويأسرون إبليس فيضعون عليه الأسلحة فيقول: يا رب وعدك وعدك، قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم.
فيقول الله عز وجل للملائكة: وعدته ألا أميته ولم أعده أن لا أسلط عليه
السلاح والعذاب والآلام اشتفوا منه ضربا بأسلحتكم فاني لا أميته، فيثخنونه بالجراحات ثم يدعونه، فلا يزال سخين العين على نفسه وأولاده المقتولين، ولا يندمل شئ من جراحه إلا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم.
فإن بقي هذا المؤمن على طاعة الله ذكره والصلاة على محمد وآله بقي على إبليس تلك الجراحات، وإن زال العبد عن ذلك وانهمك في مخالفة الله عز وجل ومعاصيه، اندملت جراحات إبليس ثم قوي على ذلك العبد حتى يلجمه ويسرج على ظهره ويركبه، ثم ينزل عنه ويقول: ظهره لنا الآن متى أردنا نركبه هذا.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فان أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه وألم جراحاته فدوموا على طاعة الله وذكره، والصلاة على محمد وآله، وإن كنتم على غير ذلك ذلك كنتم اسراء إبليس فيركب أقفيتكم بعض مردته.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: وكان قضاء الحوائج وإجابة الدعاء إذا سئل الله بمحمد وعلي وآلهما مشهورا في الزمن السالف، حتى أن من طال به البلاء قيل:
هذا طال بلاؤه لنسيانه الدعاء لله بمحمد وآله الطيبين.
ولقد كان من عجيب الفرج بالدعاء بهم فرج ثلاثة نفر كانوا يمشون في صحراء إلى جبل فأخذتهم السماء فألجأتهم إلى غار كانوا يعرفون، فدخلوه يتوقون به من المطر، وكان فوق الغار صخرة عظيمة تحتها مدرة هي راكبتها، فابتلت المدرة فتدحرجت الصخرة، فصارت في باب الغار فسدت وأظلمت عليهم المكان، وقال بعضهم لبعض: قد عفا الأثر، ودرس الخبر، ولا يعلم بنا أهلونا، ولو علموا ما أغنوا عنا شيئا لأنه لا طاقة للآدميين بقلب هذه الصخرة عن هذا الموضع، هذا والله قبرنا الذي فيه نموت ومنه نحشر.
ثم قال بعضهم لبعض: أوليس موسى بن عمران ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام أمروا أنه إذا دهمتنا داهية أن ندعوا الله محمد وآله الطيبين؟ قالوا: بلى، قالوا:
فلا نعرف داهية أعظم من هذه، فقالوا: ندعوا الله بمحمد وآله الطيبين ويذكر كل واحد منا حسنة من حسناته التي أراد الله بها فلعل الله أن يفرج عنا.
فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أني كنت رجلا كثير المال، حسن الحال أبني القصور، والمساكن والدور، وكان لي اجراء وكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين ، فلما كان عند المساء عرضت عليه اجره واحدة، فيمتنع، وقال: إنما عملت عمل رجلين، فأنا أبغي اجرة رجلين فقلت له: إنما شرطت عليك عمل رجل والثاني فأنت به متطوع لا اجرة لك، فذهب وسخط ذلك، وتركه علي، فاشتريت بتلك الأجرة حنطة فبذرتها، فزكت ونمت، ثم أعدت بعد ما ارتفع من الأرض فعظم زكاؤها ونماؤها ثم أعدت بعد مرتفع من الثاني في الأرض فعظم الزكاء والنماء ثم ما زالت هكذا حتى عقدت به الضياع والقصور والقرى والدور والمنازل والمساكن، وقطعان الإبل والغنم وصوار العنز والدواب والأثاث والأمتعة والعبيد والإماء والفراش والآلات والنعم الجليلة، والدراهم والدنانير الكثيرة.
فلما كان بعد سنين مر بي الأجير، وقد ساءت حاله، وتضعضعت واستولى عليه الفقر، وضعف بصره، فقال لي: يا عبد الله أما تعرفني؟ أنا أجيرك الذي سخطت اجرة واحدة ذلك اليوم، وتركتها لغنائي عنها، وأنا اليوم فقير، وقد رضيت بها فأعطنيها، فقلت له: دونك هذا الضياع والقرى والدور والقصور والمساكن وقطعان الإبل والبقر والغنم وصوار العنز والدواب والأثاث والأمتعة والعبيد والإماء والفراش والآلات والنعم الجليلة والدراهم والدنانير الكثيرة، فتناولها إليك أجمع، مباركة لك، فهي لك.
فبكى وقال: يا عبد الله سوفت حقي ثم الآن تهزأ بي فقلت: ما أهزأ بك وما أنا إلا جاد مجد، فهذه كلها نتائج أجرتك تلك، تولدت عنها، فالأصل كان لك، فهذه الفروع كلها تابعة للأصل فهي لك فسلمتها أجمع، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت هذا رجاء ثوابك، وخوف عقابك، فافرج عنا بمحمد الأفضل الأكرم سيد الأولين والآخرين الذي شرفته بآله أفضل آل النبيين، وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين، وأمته خير الأمم أجمعين. قال عليه السلام: فزال ثلث الحجر
ودخل عليهم الضوء.
وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي بقرة أحتلبها ثم أروح بلبنها على أمي ثم أروح بسؤرها على أهلي وولدي، فأخرني عائق ذات ليلة، فصادفت أمي نائمة، فوقفت عند رأسها لتنتبه لا أنتبهها من طيب وسادها، وأهلي وولدي يتضاغون من الجوع والعطش، فمازلت واقفا لا أحفل بأهلي وولدي حتى انتبهت هي من ذات نفسها وسقيتها حتى رويت، ثم عطفت بسؤرها على أهلي وولدي اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك، وخوف عقابك، فافرج عنا بحق محمد الأفضل الاكرام سيد الأولين والآخرين، الذي شرفته بآله أفضل آل النبيين، وأصحابه أكرم صحابة المرسلين، وأمته خير الأمم أجمعين، قال عليه السلام:
فزال ثلث آخر من الحجر وقوي طمعهم في النجاة.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني هويت امرأة في بني إسرائيل فراودتها عن نفسها، فأبت علي إلا بمائة دينار، ولم أكن أملك شيئا فما زلت أسلك برا وبحرا، وسهلا وجبلا، وأباشر الاخطار، وأسلك الفيافي والقفار، وأتعرض للمهالك والمتالف، أربع سنين، حتى جمعتها وأعطيتها إياها وأمكنتني من نفسها فلما قعدت منها مقعد الرجل من أهله، ارتعدت فرائصها، وقالت لي: يا عبد الله إني جارية عذراء فلا تفض خاتم الله إلا بأمر الله عز وجل، وإنما حملني على أن أمكنك من نفسي الحاجة والشدة، فقمت عنها وتركتها، وتركت المائة الدينار عليها، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك وخوف عقابك، فافرج عنا بحق محمد الأفضل الأكرم سيد الأولين والآخرين الذي شرفته بآله أفضل آل النبيين وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين وأمته خير الأمم أجمعين، قال:
فزال الحجر كله، وتدحرج وهو ينادي بصوت فصيح بين يعقلونه ويفهمونه:
بحسن نياتكم نجوتم، وبمحمد الأفضل الأكرم سيد الأولين والآخرين المخصوص بآله أفضل آل النبيين، وبخير أمته سعدتم ونلتم أفضل الدرجات.
12 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام عليه السلام: قوله تعالى: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا " بما يوردونه عليكم من الشبه " حسدا من عند أنفسهم " بكم بأن أكرمكم بمحمد وعلي وآلهما الطيبين " من بعد ما تبين لهم الحق " بالمعجزات الدالات على صدق محمد وفضل علي وآلهما " فاعفوا واصفحوا " عن جهلهم، وقابلوهم بحجج الله وادفعوا بها باطلهم " حتى يأتي الله بأمره " بالقتل يوم فتح مكة فحينئذ تجلونهم عن بلد مكة، وعن جزيرة العرب، ولا يقرون بها كافرا " إن الله على كل شئ قدير " ولقدرته على الأشياء قدر ما هو أصلح لكم من تعبده إياكم من مداراتهم ومقابلتهم بالجدال التي هي أحسن.
قال عليه السلام: وذلك أن المسلمين لما أصابهم يوم أحد من المحن ما أصابهم أتى قوم من اليهود بعده بأيام عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، فقالوا لهما:
ألم تريا ما أصابكم يوم أحد؟ إنما يحرب كأحد طلاب الدنيا حربه سجالا تارة له، وتارة عليه، فارجعوا عن دينه فأما حذيفة فقال: لعنكم الله لا أقاعدكم، ولا أسمع مقالتكم، أخاف على نفسي وديني فأفر بها منكم، وقام عنهم يسعى، وأما عمار بن ياسر فلم يقم عنهم ولكن قال لهم: معاشر اليهود إن محمدا صلى الله عليه وآله وعد أصحابه الظفر يوم بدر، إن يصبروا، فصبروا وظفروا، ووعدهم الظفر يوم أحد أيضا إن صبروا، ففشلوا وخالفوا، فلذلك أصابهم ما أصابهم، ولو أنهم أطاعوا فصبروا ولم يخالفوا غلبوا.
قالت له اليهود: يا عمار وإذا أطعت أنت غلب محمد سادات قريش مع دقة ساقيك، فقال: نعم والله الذي لا إله إلا هو باعثه بالحق نبيا، لقد وعدني محمد من الفضل والحكمة ما عرفنيه من نبوته، وفهمنيه من فضل أخيه ووصيه وخير من يخلفه بعده، والتسليم لذريته الطيبين، وأمرني بالدعاء بهم في شدائدي ومهماتي، ووعدني أنه لا يأمرني بشئ فاعتقدت فيه طاعته إلا بلغته حتى لو أمرني بحط السماء إلى الأرض أو رفع الأرضين إلى السماوات، لقوى عليه ربي
بدني بساقي هاتين الدقيقتين.
فقالت اليهود: لا والله يا عمار محمد أقل عند الله من ذلك، وأنت أوضع عند الله وعند محمد من ذلك، وكان فيها أربعون منافقا فقام عمار عنهم وقال: لقد أبلغتكم حجة ربي ونصحت لكم، ولكنكم للنصيحة كارهون، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمار وصل إلي خبر كما أما حذيفة فقد فر بدينه من الشيطان وأوليائه فهو من عباد الله الصالحين، وأما أنت يا عمار فإنك قد ناضلت عن دين الله، ونصحت لمحمد رسول الله، فأنت من المجاهدين في سبيل الله الفاضلين.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وعمار يتحادثان إذا حضرت اليهود الذين كانوا كلموه، فقالوا:
يا محمد ها صاحبك يزعم أنك إن أمرته بحط السماء إلى الأرض أو رفع الأرض إلى السماء فاعتقد طاعتك وعزم على الايتمار، لأعانه الله عليه، ونحن نقتصر منك ومنه على ما هو دون هذا إن كنت نبيا، فقد قنعنا أن يحمل عمار مع دقة ساقيه هذا الحجر! وكان الحجر مطروحا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بظاهر المدينة، يجتمع عليه مائتا رجل ليحركوه فلم يقدروا فقالوا له: يا محمد إن رام احتماله لم يحركه ولو حمل في ذلك على نفسه لانكسرت ساقاه وتهدم جسمه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تحتقروا ساقيه، فإنهما أثقل في ميزان حسناته من ثور وثبير وحرا وأبي قبيس بل من الأرض كلها وما عليها، وإن الله قد خفف بالصلاة على محمد وآله الطيبين ما هو أثقل من هذه الصخرة، خفف العرش على كواهل ثمانية من الملائكة، بعد أن كان لا يطيقه معهم العدد الكثير، والجم القفير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمار اعتقد طاعتي وقل اللهم بجاه محمد وآله الطيبين قوني ليسهل الله عليك ما آمرك به، كما سهل على كالب بن يوحنا عبور البحر على متن الماء، وهو على فرسه يركض عليه، بسؤاله الله تعالى بحقنا أهل البيت.
فقالها عمار واعتقدها فحمل الصخرة فوق رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي!
يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لهو أخف في يدي من خلالة أمسكها بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلق بها في الهواء، فستبلغ بها قلة ذلك الجبل - وأشار بيده إلى جبل بعيد على قدر فرسخ - فرمى بها عمار وتحلقت في الهواء حتى انحطت على ذروة الجبل.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لليهود: أو رأيتم؟ قالوا: بلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عمار قم إلى ذروة الجبل فتجد هناك صخرة أضعاف ما كانت فاحتملها وأعدها إلى حضرتي، فخطا عمار خطوة فطويت له الأرض، ووضع قدميه في الخطوة الثانية على ذروة الجبل، وتناول الصخرة المضاعفة وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالخطوة الثالثة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: اضرب بها الأرض ضربة شديدة، فتهاربت اليهود وخافوا، فضرب بها عمار على الأرض فتفتت حتى صار كالهباء المنثور، وتلاشت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: آمنوا أيها اليهود فقد شاهدتم آيات الله، فآمن بعضهم وغلب الشقاء على بعضهم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتدرون معاشر المسلمين ما مثل هذه الصخرة؟ فقالوا:
لا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا إن رجلا من شيعتنا تكون لهم ذنوب وخطايا أعظم من جبال الأرض، والأرض كلها والسماء أضعافا كثيرة، فما هو إلا أن يتوب ويجدد على نفسه ولايتنا أهل البيت إلا كان قد ضرب بذنوبه الأرض أشد من ضرب عمار هذه الصخرة بالأرض، وإن رجلا يكون له طاعات كالسماوات والأرضين والجبال والبحار فما هو إلا أن يكفر بولايتنا أهل البيت حتى يكون ضرب بها الأرض أشد من ضرب عمار لهذه الصخرة بالأرض وتتلاشى وتتفتت كتفتت هذه الصخرة، فيرد الآخرة ولا يجد حسنة، وذنوبه أضعاف الجبال والأرض والسماء، فيشدد حسابه، ويدوم عذابه.
قال: فلما رأى عمار بنفسه تلك القوة التي جلد بها على الأرض تلك الصخرة فتفتت أخذ بها أريحية وقال: أتأذن لي يا رسول الله أن أجادل بها هؤلاء اليهود
فأقتلهم أجمعين بما أعطيته من هذه القوة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمار إن الله يقول: " فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " بعذابهم ويأتي بفتح مكة وسائر ما وعد، فكان المسلمون تضيق صدورهم مما يوسوس به إليهم اليهود والمنافقون من الشبه في الدين. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولا أعلمكم ما يزيل به ضيق صدوركم إذا وسوس هؤلاء الأعداء لكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ما أمر به رسول الله من كان معه في الشعب الذي كان ألجأه إليه قريش فضاقت قلوبهم واتسخت ثيابهم فقال لهم رسول الله: انفخوا على ثيابكم، وامسحوها بأيديكم، وهي على أبدانكم وأنتم تصلون على محمد وآله الطيبين فإنما تنقى وتطهر، وتبيض وتحسن، وتزيل عنكم ضيق صدوركم ففعلوا ذلك فصارت ثيابهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا عجبا يا رسول الله بصلاتنا عليك وعلى آلك كيف طهرت ثيابنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن تطهير الصلاة على محمد وآله لقلوبكم من الغل والضيق والدغل، ولأبدانكم من الآثام أشد من تطهيرها لثيابكم، وإن غسلها للذنوب عن صحائفكم أحسن من غسلها للدرن عن ثيابكم، وإن تنويرها لتكتب حسناتكم مضاعفة ما فيها أحسن من تنويرها لثيابكم.
13 - تفسير العياشي: عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يوسف أتاه جبرئيل فقال: يا يوسف إن رب العالمين يقرئك السلام، ويقول لك: من جعلك أحسن خلقه؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال: أنت يا رب قال: ثم قال له ويقول لك: من حببك إلى أبيك دون إخوتك؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال: أنت يا رب قال: ويقول لك: من أخرجك من الجب بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال: أنت يا رب قال: فان ربك قد جعل لك عقوبة في استعانتك بغيره، فالبث في السجن بضع سنين.
قال: فلما انقضت المدة أذن له في دعاء الفرج، ووضع خده على الأرض ثم قال: اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فاني أتوجه إليك بوجه
آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. قال: ففرج الله عنه، قال:
فقلت له: جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء؟ فقال ادع بمثله، اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فاني أتوجه إليك بوجه نبيك نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام.
14 - الفضائل: روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه كان جالسا في الحرم في مقام إبراهيم عليه السلام فجاء رجل شيخ كبير قد فنى عمره في المعصية، فنظر إلى الصادق عليه السلام فقال: نعم الشفيع إلى الله للمذنبين، فأخذ بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
بحق جد هذا يا وليي * بحق الهاشمي الأبطحي بحق الذكر إذ يوحى إليه * بحق وصيه البطل الكمي بحق الطاهرين ابني علي * وأمهما ابنة البر الزكي بحق أئمة سلفوا جميعا * على منهاج جدهم النبي بحق القائم المهدي إلا * غفرت خطيئة العبد المسئ قال: فسمع هاتفا يقول: يا شيخ كان ذنبك عظيما ولكن غفرنا لك جميع ذنوبك بحرمة شفعائك، فلو سألتنا ذنوب أهل الأرض لغفرنا لهم، غير عاقر الناقة وقتلة الأنبياء والأئمة الطاهرين.
15 - كشف الغمة: من كتاب مولد فاطمة عليها السلام لابن بابويه عن ابن عباس قال:
سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه، قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي. فتاب عليه.
وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام إن امرأة من الجن يقال لها عفراء، وكانت تنتاب النبي صلى الله عليه وآله فتسمع من كلامه فتأتي صالحي الجن فيسلمون على يديها وفقدها النبي صلى الله عليه وآله وسأل عنها جبرئيل عليه السلام فقال: إنها زارت أختا لها تحبها في الله تعالى فقال عليه السلام: طوبى للمتحابين في الله إن الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا من ياقوتة حمراء، عليها سبعون ألف قصر في كل قصر سبعون ألف غرفة خلقها الله
عز وجل للمتحابين في الله.
وجاءت عفراء فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: يا عفراء أين كنت؟ فقالت زرت أختا لي، فقال: طوبى للمتحابين في الله والمتزاورين يا عفراء أي شئ رأيت؟ قالت: رأيت عجائب كثيرة، قال: فأعجب ما رأيت؟ قالت: رأيت إبليس في البحر الأخضر على صخرة بيضاء مادا يديه إلى السماء وهو يقول: إلهي إذا بررت قسمك، وأدخلتني نار جهنم، فأسئلك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا خلصتني منها وحشرتني معهم.
فقلت: أبا حارث! ما هذه الأسماء التي تدعو بها؟ فقال: رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بسبعة ألف سنة، فعلمت أنها أكرم الخلق على الله، فأنا أسأله بحقهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: والله لو أقسم أهل الأرض بهذه الأسماء لأجابهم الله تعالى.
وأنا أقول: اللهم إني أسئلك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أن تغفر لي ذنوبي وتتجاوز عن سيئاتي وتصلح شأني في الدنيا والآخرة وترزقني الخير في الدنيا والآخرة وتصرف عني الشر في الدنيا والآخرة وتفعل ذلك بالمؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويرحم الله عبدا قال آمينا.
16 - الاختصاص: الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن ابن أبي نجران، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال جابر الأنصاري:
قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال: ذاك نفسي، قلت:
فما تقول في الحسن والحسين؟ قال: هما روحي، وفاطمة أمهما ابنتي يسوؤني ما ساءها، ويسرني ما سرها، اشهد الله أني حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم يا جابر إذا أردت أن تدعو الله فيستجيب لك فادعه بأسمائهم فإنها أحب الأسماء إلى الله عز وجل.
17 - الاختصاص: قال الرضا عليه السلام: إذا نزلت بكم شديدة فاستعينوا بنا على الله عز وجل وهو قوله عز وجل " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ".
18 - أقول: روى السيد ابن طاووس في كشف المحجة من كتاب الرسائل لمحمد بن يعقوب الكليني، عمن سماه قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي إلى ربه، قال فكتب: إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك، فان الجواب يأتيك.
19 - دعوات الراوندي: عن النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد، وأتقرب بهم إليك وأقدمهم بين يدي حوائجي، اللهم إني أبرأ إليك من أعداء آل محمد وأتقرب إليك باللعنة عليهم.
وفي دعائهم عليهم السلام: اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك وحجبت دعائي عنك فصل على محمد وآل محمد، واستجب لي يا رب بهم دعائي.
وعن سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت لك حاجة إلى الله فقل: اللهم إني أسئلك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأنا من الشأن وقدرا من القدر، فبحق ذلك الشأن، وبحق ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا. وكذا. فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب، ولا نبي مرسل ولا مؤمن ممتحن، إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم.
20 - عدة الداعي: عن سلمان الفارسي قال: سمعت محمدا صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل يقول: يا عبادي أوليس من له إليكم حوائج كبار لا تجودون بها إلا أن يتحمل عليكم بأحب الخلق إليكم تقضونها كرامة لشيعتهم، ألا فاعلموا أن أكرم الخلق علي وأفضلهم لدي محمد وأخوه علي، ومن بعده الأئمة الذين هم الوسائل إلى الله ألا فليدعني من همته حاجة يريد نجحها أو دهته داهية يريد كشف ضررها بمحمد وآله الطيبين الطاهرين أقضها له أحسن ما يقضيها من تستشفعون بأعز الخلق عليه، فقال قوم من المشركين وهم مستهزؤن به: يا أبا عبد الله فمالك لا تقترح
على الله بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة، فقال سلمان: دعوت الله وسألته ما هو أجل وأنفع وأفضل من ملك الدنيا بأسرها، سألته بهم صلى الله عليهم أن يهب لي لسانا ذاكرا لتحميده وثنائه، وقلبا شاكرا لآلائه، وبدنا صابرا على الدواهي الداهية وهو عز وجل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها وما تشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرة.
21 - قبس المصباح: أخبرني الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الصقال ببغداد في مسجد الحذائين بالكرخ في رجب سنة اثنين وأربعين وأربع مائة قال: حدثنا الشيخ أبو المفضل محمد بن عبد الله بن البهلول بن همام بن المطلب الشيباني يوم السبت التاسع من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلاث مائة بالشرقية قال: سمعت أبا العباس أحمد بن كشمرد في داره ببغداد وقد سأله شيخنا أبو علي بن همام رحمه الله أن يذكر حاله إذ كان محبوسا عند الهجريين بالأحساء فحدثنا أبو العباس أنه كان ممن أسر بالهبير مع أبي الهيجاء، قال: وكان أبو طاهر سليمان بن الحسن مكرما لأبي الهيجاء معجبا برأيه وكان يستدعيه إلى طعامه فيتغدى معه ويستدعيه أيضا للحديث معه.
فلما كان ذات ليلة سألت أبا الهيجاء أن يجري ذكري عند سليمان بن الحسن ويسأله في إطلاقي فأجابني إلى ذلك ومضى إلى أبي الطاهر في تلك الليلة على رسمه وعاد من عنده ولم يلقني وكان من عادته أن يغشاني ورفيقي يعني الخال في كل ليلة عند عودته من التقائه مع سليمان بن الحسن فيسكن نفوسنا، ويعرفنا أخبار الدنيا فلما لم يعاود إلينا في تلك العشية مع سؤالي إياه الخطاب في أمري، استوحشت لذلك، فصرت إليه إلى منزله الموسوم به.
وكان أبو الهيجاء مبرزا في دينه مخلصا في ولايته وسيادته متوقرا على إخوانه فلما وقع طرفه علي بكى بكاء شديدا وقال: لبودي والله يا أبا العباس أني مرضت سنة كاملة، ولم اجر ذكرك له، قال: قلت: ولم؟ قال: لأني لما ذكرتك له اشتد غضبه وعظم، وحلف بالذي يحلف به مثله ليأمرن غدا بضرب رقبتك مع طلوع
الشمس، ولقد اجتهدت والله في إزالة هذا عنك بكل حيلة، وأوردت عليه كل لطيفة فأصر على قوله، وأعاد يمينه، ليفعلن ما أخبرتك به.
قال: ثم جعل أبو الهيجاء يطيب نفسي وقال: يا أخي لولا أني ظننت أن لك وصية أو حالا تحتاج إلى ذكرها لطويت عنك، ما أطلعتك عليه من ذلك وسترت ما أخبرتك به عنه، ومع هذا فثق بالله عز وجل وارجع فيما دهمك من هذه الحال الغليظة إليه فإنه جل ذكره يجير ولا يجار عليه ، وتوجه إليه تعالى بالعدة والذخيرة للشدائد والأمور العظام، لمحمد وآله صلوات الله عليهم.
قال أبو العباس: فانصرفت إلى منزلي الذي أنزلت فيه وأنا في صورة غليظة من الإياس من الحياة، واستشعار الهلكة، فاغتسلت ولبست ثيابا جعلتها أكفاني وأقبلت إلى القبلة، فجعلت أصلي وأناجي ربي وأتضرع إليه وأعترف له بذنوبي وأتوب منها ذنبا ذنبا، وتوجهت إلى الله بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي وحجة الله في أرضه والمأمول لاحياء دينه، ثم لم أزل وأنا مكروب قلق أتضرع إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أقول:
يا مولاي يا أمير المؤمنين أتوجه بك إلى الله يا أمير المؤمنين أتوجه بك إلى الله يا أمير المؤمنين يا مولاي أتوجه بك إلى الله ربي وربك فيما دهمني وأظلني.
فلم أزل أقول هذا وما أشبهه من الكلام إلى أن انتصف الليل وجاء وقت الصلاة فقمت فصليت ودعوت وتضرعت، فبينا أنا كذلك وقد فرغت من الصلاة وأنا أستغيث إلى الله تعالى وأتوسل إليه بأمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ نعست فحملني النوم فرأيت أمير المؤمنين عليه السلام في منامي ذلك، فقال: يا ابن كشمرد، قلت: لبيك يا مولاي فقال: ما لي أراك على هذا الحال؟ قلت: يا مولاي يا أمير المؤمنين أو ما يحق لمن يقتل صباح هذه الليلة غريبا عن أهله وولده، وبغير وصية يسندها إلى متكفل بها، أن يشتد قلقه وجزعه.
فقال: بل تحول كفاية الله عز وجل ودفاعه بينك وبين الذي توعدك فيما
أرصدك به من سطواته اكتب بسم الله الرحمن الرحيم وتمام فاتحة الكتاب وآية الكرسي والعرش، واكتب: " من العبد الذليل فلان بن فلان إلى المولى الجليل الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وسلام على آل يس محمد وعلي والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن وحجتك رب على خلقك اللهم إني أشهدك بأني أشهد أنك الله إلهي وإله الأولين والآخرين لا إله غيرك أتوجه إليك بحق هذه الأسماء التي إذا دعيت بها أجبت وإذا سئلت بها أعطيت لما صليت عليهم وهونت علي خروج روحي وكنت لي قبل ذلك غياثا ومجيرا لمن أراد أن يفرط علي ويطغى " واجعل الرقعة في كتلة طين، واقرأ سورة يس وارم بها في البحر فقلت يا أمير المؤمنين إن البحر بعيد مني، وأنا محبوس ممنوع من التصرف فيما ألتمس، فقال: ارم بها في البئر أو فيما دنا منك من منابع الماء.
قال ابن كشمرد: فانتبهت وقمت ففعلت ما أمرني به أمير المؤمنين عليه السلام وأنا في ذلك قلق غير ساكن النفس لعظيم المحنة، وضعف اليقين في الآدميين، فلما أصبحنا وطلعت الشمس استدعيت، فلم أشك أن ذلك لما توعدني به من القتل فمضيت مع الداعي وأنا آئس من الحياة فأدخلت على أبي الطاهر وإذا هو جالس في صدر مجلس كبير على كرسي، وعن يمينه رجلان على كرسيين، وعن يساره أبو الهيجاء على كرسي وإذا كرسي آخر إلى جانب أبي الهيجاء ليس عليه أحد.
فلما بصر بي أبو طاهر استدعاني حتى وصلت إلى الكرسي، ثم أمرني بالجلوس عليه، فجلست وقلت في نفسي: ليس وراء هذا إلا خيرا. فاقبل علي وقال:
قد كنا عزمنا في أمرك على ما بلغك ثم رأينا بعد ذلك أن نفرج عنك، وأن نخيرك أحد أمرين: إما تخدمنا فنحسن إليك أو تنصرف إلى عيالك فنحسن إجازتك، فقلت له: في المقام عند السيد النفع والشرف، وفي الانصراف إلى أهلي ووالدة لي عجوز كبيرة ثواب جزيل، فقال لي: افعل ما شئت، والامر فيه مردود إلى اختيارك فخرجت منصرفا من بين يديه.
فردني وقال: من تكون من علي بن أبي طالب؟ فقلت: لست نسيبا له، ولكني
وليه، قال: فتمسك بولايته فهو أمرنا باطلاقك، فلم يمكنا المخالفة لامره، ثم أمر بي فجهزت وأصحبني من أوصلني مكرما إلى مأمني.
قال الشيخ أبو المفضل رحمه الله: فذكرت هذا الحديث في مجلس أبي وائل داود بن حمدان بنصيبين سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وحضر هذا المجلس يومئذ رجل من أهل نصيبين يقال له أبو عثمان سعيد بن البندقي الشاعر، وكان من شهود البلد، فقال أبو عثمان عند قولي ما تقدم من قول أبي العباس ابن كشمرد: على يدي كان الحديث وذلك أني حججت في سنة الهبير وهي السنة التي أسر فيها أبو العباس ابن كشمرد، والخال وفلفل الخادم وغيرهم من وجوه الأولياء مع أبي الهيجاء وأسرت فيمن أسر معهم من الحاج.
فطال بالأحساء محبسنا، وكنت أقول الشعر فامتدحت السيد أبي الطاهر بقصيدة أوصلها إليه أبو الهيجاء، فأذن لي السيد بالدخول، والخروج من الحبس فكنت أدخل على أبي العباس ابن كشمرد وكان يأنس بي ويحدثني فأرسل إلي ذات يوم في السحر قبل طلوع الشمس وقال لي: خذ هذه الرقعة وهي في كتلة الطين وامض بها إلى موضع وصفه لي، وكان فيه ماء جار، قال: واقرأ سورة يس واطرح الرقعة في الماء فأخذتها فصرت إلى الماء، وأحببت أن أقف على الرقعة فقلعت الطين عنها ونشرتها وقرأت ما فيها.
قال أبو عثمان: وأخذت عودا وبللته في الماء وكتبت ما في الرقعة على كفي وكتبت اسمي واسم أبي وأمي وأعدت الرقعة في الطين وقرأت سورة يس عني وغسلت كفي في الماء ثم قرأت سورة يس عن أبي العباس ابن كشمرد، وطرحت الرقعة في الماء وعدت إلى مجلسي ذلك بعقب طلوع الشمس، فلم يمض إلا ساعة زمانية وإذا رسول السيد يأمر باحضاري فحضرت فلما بصر بي قال: إنه قد القي في قلبي رحمة لك وقد عملت على إطلاقك فكيف تحب أن تسير إلى أهلك في البر أم في البحر؟ فخشيت إن سرت في البر أن يبدو له، فيلحقوني فيردوني، فقلت: في البحر، فأمر أن يدفع لي كفافي من زاد وتمر، وخرجت في البحر فصرت إلى البصرة.
فلما كان بعد ثلاثة أيام من وصولي البصرة، جلست عند أصحاب الكتب فإذا أنا بأبي العباس ابن كشمرد راكب في موكب عظيم والامراء من خلفه، وقد خرج أمير البصرة استقبله، والجند بين يديه ومن خلفه، والعساكر محدقة به وهو وأمير البصرة يتسايران، فلما رأيته قمت إليه فلما أبصر بي نزل عن دابته ووقف علي، وقال: يا فتى كيف عملت حتى تخصلت؟ فحدثته ما صنعت من كتبتي ما كان في الرقعة بالماء على كفي، وغسلت بالماء يدي، ما كنت كتبت عليها قبل أن رميت رقعته.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.