پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع عشر

باب تأليف القرآن وأنه على غير ما أنزل الله عز وجل فمن الدلالة عليه في باب الناسخ والمنسوخ منه الآية في عدة النساء في المتوفى عنها زوجها، وقد ذكرنا ذلك في باب ال

ج ۸۹، ص ۶۵–۷۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۹

باب تأليف القرآن وأنه على غير ما أنزل الله عز وجل فمن الدلالة عليه في باب الناسخ والمنسوخ منه الآية في عدة النساء في المتوفى عنها زوجها، وقد ذكرنا ذلك في باب الناسخ والمنسوخ، واحتجنا إلى

إعادة ذكره في هذا الباب ليستدل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله جل وعز، لأن العدة في الجاهلية كانت سنة فأنزل الله في ذلك قرآنا في العلة التي ذكرناها في باب الناسخ والمنسوخ وأقرهم عليها ثم نسخ بعد ذلك فأنزل آية أربعة أشهر وعشرا والآيتان جميعا في سورة البقرة في التأليف الذي في أيدي الناس فيما يقرؤونه أولا الناسخة وهي الآية التي ذكرها الله قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ثم بعد هذا بنحو من عشر آيات تجئ الآية المنسوخة قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " فعلمنا أن هذا التأليف على خلاف ما أنزل الله جل وعز وإنما كان يجب أن يكون المتقدم في القراءة أولا الآية المنسوخة التي ذكر فيها أن العدة متاعا إلى الحول غير إخراج، ثم يقرأ بعد هذه الآية الناسخة التي ذكر فيها أنه قد جعل العدة أربعة أشهر وعشرا فقدموا في التأليف الناسخ على المنسوخ.

ومثله في سورة الممتحنة في الآية التي أنزلها الله في غزوة الحديبية وكان بين فتح مكة والحديبية ثلاث سنين، وذلك أن الحديبية كانت في سنة ست من الهجرة، وفتح مكة في سنة ثمان من الهجرة، فالذي نزل في سنة ست قد جعل في آخر السورة والتي نزلت في سنة ثماني في أول السورة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان في غزوة الحديبية شرط لقريش في الصلح الذي وقع بينه وبينهم أن يرد إليهم كل من جاء من الرجال على أن يكون الاسلام ظاهرا بمكة لا يؤذى أحد من المسلمين، ولم يقع في النساء شرط وكان رسول الله صلى الله عليه وآله على هذا يرد إليهم كل من جاء من الرجال إلى أن جاءه رجل يكنى أبا بصير.

فبعثت قريش رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبوا إليه يسألونه بأرحامهم أن يرد إليهم أبا بصير، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ارجع إلى القوم فقال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يعينوني ويعذبوني وقد آمنت بالله وصدقت برسول الله؟

فقال: يا أبا بصير، إنا قد شرطنا لهم شرطا ونحن وافون لهم بشرطهم، والله سيجعل لك مخرجا، فدفعه إلى الرجلين.

فخرج معهما فلما بلغوا ذا الحليفة أخرج أبا بصير جرابا كان معه فيه كسر وتمرات، فقال لهما: ادنوا فأصيبا من هذا الطعام فامتنعا، فقال: أما لو دعوتماني إلى طعامكما لأجبتكما، فدنيا فأكلا ومع أحدهما سيف قد علقه في الجدار، فقال له أبو بصير: أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم، قال: ناولنيه فدفع إليه قائمة السيف فسله فعلاه به فقتله وفر الآخر ورجع إلى المدينة فدخل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن صاحبكم قتل صاحبي وما كدت أن أفلت منه إلا بشغله بسلبه.

فوافى أبو بصير ومعه راحلته وسلاحه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا بصير اخرج من المدينة فان قريشا تنسب ذلك إلي فخرج إلى الساحل وجمع جمعا من الاعراب، فكان يقطع على عير قريش ويقتل من قدر عليه، حتى اجتمع إليه سبعون رجلا، وكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسألوه أن يأذن لأبي بصير وأصحابه في دخول المدينة، وقد أحلوه من ذلك، فوافاه الكتاب وأبو بصير قد مرض وهو في آخر رمق، فمات وقبره هناك ودخل أصحابه المدينة.

وكانت هذه سبيل من جاءه، وكانت امرأة يقال لها: كلثم بنت عقبة بمكة وهي بنت عقبة بن أبي معيط مؤمنة تكتم إيمانها، وكان أخواها كافرين أهلها يعذبونها ويأمرونها بالرجوع عن الاسلام، فهربت إلى المدينة، وحملها رجل من خزاعة حتى وافى بها إلى المدينة، فدخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقالت:

يا أم سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد شرط لقريش أن يرد إليهم الرجال ولم يشرط لهم في النساء شيئا، والنساء إلى ضعف، وإن ردني رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فتنوني وعذبوني وأخاف على نفسي فاسألي رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يرد ني إليهم.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله على أم سلمة وهي عندها فأخبرته أم سلمة خبرها فقالت: يا رسول الله هذه كلثم بنت عقبة، وقد فرت بدينها، فلم يجبها رسول الله صلى الله عليه وآله بشئ، ونزل عليه الوحي: " يا أيها الذين آمنوا إذا جائكم

المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن " إلى قوله جل وعز: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " فحكم الله في هذا أن النساء لا يرددن إلى الكفار، وإذا امتحنوا بمحنة الاسلام أن تحلف المرأة " بالله الذي لا إله إلا هو، ما حملها على اللحاق بالمسلمين بغضا لزوجها الكافر أو حبا لاحد من المسلمين، وإنما حملها على ذلك الاسلام " فإذا حلفت وعرف ذلك منها، لم ترد إلى الكفار، ولم تحل للكافر وليس للمؤمن أن يتزوجها ولا تحل له، حتى يرد على زوجها الكافر صداقها فإذا رد عليه صداقها حلت له وحل له مناكحتها.

وهو قوله جل وعز: " وآتوهم ما أنفقوا " يعني آتوا الكفار ما أنفقوا عليهن.

ثم قال: " ولا جناح عليهم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر " ثم قال: " واسئلوا ما أنفقتم على نسائكم " الذي يلحقن بالكفار " ذلكم حكم الله يحكم بينكم " ثم قال: " وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار " فاطلبوا من الكفار ما أنفقتم عليهن فان امتنع به عليكم " فعاقبتم " أي أصبتم غنيمة فليؤخذ من أول الغنيمة قبل القسمة ما يرد على المؤمن الذي ذهبت امرأته إلى الكفار، فرضي بذلك المؤمنون ورضي به الكافرون.

فهذه هي القصة في هذه السورة، فنزلت هذه الآية في هذا المعنى في سنة ست من الجهرة، وأما في أول السورة فهي قصة حاطب بن أبي بلتعة أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصير إلى مكة، فقال: اللهم أخف العيون والاخبار على قريش، حتى نبغتها في دارها، وكان عيال حاطب بمكة فبلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا فقالوا لعيال حاطب اكتبوا إلى حاطب ليعلمنا خبر محمد صلى الله عليه وآله فان أرادنا لنحذره، فكتب حاطب إليهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يريدكم، ودفع الكتاب إلى امرأة فوضعته في قرونها.

فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وأعلمه الله ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين والزبير بن العوام، فلحقاها بعسفان ففتشاها فلم يجدا معها شيئا

فقال الزبير: ما نجد معها شيئا فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: والله ما كذبني رسول الله صلى الله عليه وآله ولا كذب جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله لتظهرن الكتاب فرده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله لحاطب: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، والله ما غيرت ولا بدلت، ولأنا فقت، ولكن عيالي كتبوا إلى فأحببت أن إداري قريشا ليحسنوا معاش عيالي ويرفقوا بهم.

وحاطب رجل من لخم وهو حليف لأسد بن عبد العزى، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أؤمرني بضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اسكت فأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " إلى قوله: " والله بما تعملون بصير " ثم أطلق لهم فقال:

" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم " إلى قوله: " ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون " فإلى هذا المكان من هذه السورة نزل في سنة ثماني من الهجرة، حيث فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة، والذي ذكرنا في قصة المرأة المهاجرة نزل في سنة ست من الهجرة، فهذا دليل على أن التأليف ليس على ما أنزل الله.

ومثله في سورة النساء في قوله عز وجل: " وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " وليس هذه من الكلام الذي قبله في شئ، وإنما كانت العرب إذا ربت يتيمة يمتنعون من أن يتزوجوا بها، فيحرمونها على أنفسهم، لتربيتهم لها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وعن ذلك بعد الهجرة فأنزل الله عليه في هذه السورة " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان " " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فهذه الآية

هي مع تلك التي في أول السورة، فغلطوا في التأليف فأخروها، وجعلوها في غير موضعها.

ومثله في سورة العنكبوت في قوله عز وجل: " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون " فأما التأليف الذي في المصحف بعد هذا " وإن يكذبوك فقد كذب أمم من قبلهم وما على الرسول إلا البلاغ المبين * أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظر وا كيف بدء الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير " إلى قوله جل وعز: " أولئك لهم عذاب أليم * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجيه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ".

فهذه الآية مع قصة إبراهيم صلى الله عليه متصلة بها فقد أخرت، وهذا دليل على أن التأليف على غير ما أنزل الله جل وعزفي كل وقت للأمور التي كانت تحدث، فينزل الله فيها القرآن وقد قدموا وأخروا لقلة معرفتهم بالتأليف وقلة علمهم بالتنزيل على ما أنزله الله، وإنما ألفوه بآرائهم، وربما كتبوا الحرف والآية في غير موضعها الذي يجب، قلة معرفة به، ولو أخذوه من معدنه الذي انزل فيه، ومن أهله الذي نزل عليهم، لما اختلف التأليف، ولوقف الناس على عامة ما احتاجوا إليه من الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام.

ومثله في سورة النساء في قصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد حيث أمرهم الله جل وعز بعد ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجراح أن يطلبوا قريشا " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون

من الله ما لا يرجون " فلما أمرهم الله بطلب قريش قالوا: كيف نطلب ونحن بهذه الحال من الجراحة والألم الشديد، فأنزل الله هذه الآية " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون " وفي سورة آل عمران تمام هذه الآية عند قوله: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين " الآية إلى آخرها والآيتان متصلتان في معنى واحد، ونزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله متصلة بعضها ببعض، فقد كتب نصفها في سورة النساء، ونصفها في سورة آل عمران.

وقد حكى جماعة من العلماء عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا: إن أقواما ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالناسخ وهم يرونه محكما، واحتجوا بالخاص وهم يرونه عاما، واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب، ولم ينظروا إلى ما يفتحه الكلام، وما يختمه، وما مصدره ومورده، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وسأصف من علم القرآن أشياء ليعلم أن من لم يعلمها لم يكن بالقرآن عالما، من لم يعلم الناسخ والمنسوخ والمبهم والخاص والعام، والمكي والمدني والمحكم والمتشابه وأسباب التنزيل والمبهم من القرآن وألفاظه المؤتلفة في المعاني، وما فيه من علم القدر، والتقديم منه والتأخير، والعمق والجواب والسبب والقطع والوصل، والاتفاق، والمستثنى منه، والمجاز، والصفة، في قبل وما بعد، والمفصل الذي هلك فيه الملحدون، والوصل من الألفاظ والمحمول منه على ما قبله وما بعده، والتوكيد منه، وقد فسرنا في كتابنا هذا بعض ذلك، وإن لم نأت على آخره.

ومن الدليل أيضا في باب تأليف القرآن أنه على خلاف ما أنزله الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب في قوله: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا " إلى قوله: " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " وهذه الآية

نزلت بمكة، وقبل هذه الآية ما نزل بالمدينة وهو قوله عز وجل في سورة الأحزاب: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا " إلى قوله: " ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ".

وفي هذه الآية وهذه القصة وقعت المحنة على المؤمنين والمنافقين، فأما المؤمنون فما مدحهم الله به من قوله عز وجل: ما زادهم ما كانوا فيه من الشدة إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين، وأما المنافقون فما قص الله من خبرهم وحكى عن بعضهم قوله تبارك وتعالى: " قد يعلم الله المعوقين منكم " إلى قوله: " وكان ذلك على الله يسيرا ".

وقد أجمعوا أن أول سورة نزلت من القرآن " اقرأ باسم ربك " وليس تقرء في ما ألفوا من المصحف إلا قريبا من آخره [وأن من أواخر ما نزلت] من القرآن سورة البقرة وقد كتبوها في أول المصحف.

وروى بعض العلماء أنه لما حفر عمرو بن عبد ود الخندق، قال رجل من المنافقين من قريش لبعض إخوانه: إن قريشا لا يريدون إلا محمدا فهلموا نأخذه.

فندفعه في أيديهم، ونسلم نحن بأنفسنا، فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله فتبسم وأنزل الله عليه هذه الآيات " قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لا خوانهم هلم إلينا " الآية.

46 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن القاسم بن زكريا، عن عباد بن يعقوب، عن مطر بن أرقم، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن صفوان بن قبيصة عن الحارث بن سويد، عن عبد الله بن مسعود قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وآله سبعين سورة من القرآن أخذتها من فيه، وزيد ذو ذؤابتين يلعب مع الغلمان، وقرأت

سائر - أو قال: بقية - القرآن على خير هذه الأمة وأقضاهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

أقول: سئل الشيخ المفيد رحمه الله في المسائل السروية: ما قوله أدام الله تعالى حراسته في القرآن؟ أهو ما بين الدفتين الذي في أيدي الناس أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شئ أم لا؟ وهل هو ما جمعه أمير المؤمنين عليه السلام أم ما جمعه عثمان على ما يذكره المخالفون ".

الجواب: إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شئ من كلام البشر، وهو جمهور المنزل، والباقي مما أنزله الله تعالى قرآنا، عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام، لم يضع منه شئ وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك، منها قصورة عن معرفة بعضه، ومنه ما شك فيه، ومنه ما عمد بنفسه ومنه ما تعمد إخراجه منه.

وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخره، وألفه بحسب ما وجب من تأليفه، فقدم المكي على المدني، والمنسوخ على الناسخ ووضع كل شئ منه في حقه، فلذلك قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أما والله لو قرئ القرآن كما انزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا، وقال عليه السلام: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع قصص وأمثال، وربع قضايا وأحكام، ولنا أهل البيت فضائل القرآن.

فصل: غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه بلا زيادة فيه ولا نقصان منه، حتى يقوم القائم عليه السلام فيقرئ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام وإنما نهونا عليهم السلام عن قراءة ما وردت به الاخبار من أحرف يزيد على الثابت في المصحف، لأنها لم يأت على التواتر وإنما جاء بالآحاد، وقد يغلط الواحد فيما ينقله، ولأنه

متى قرأ الانسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه مع أهل الخلاف، وأغرى به الجبارين، وعرض نفسه الهلاك، فمنعونا عليهم السلام من قراءة القرآن بخلاف ما يثبت بين الدفتين لما ذكرناه.

فصل: فان قال قائل: كيف تصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنهم قرؤا " كنتم خير أئمة أخرجت للناس " " وكذلك جعلناكم أئمة وسطا " وقرؤا " يسئلونك الأنفال " وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس.

قيل له: قد مضى الجواب عن هذا، وهو أن الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيناه، مع أنه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين أحدهما ما تضمنه المصحف والثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى، فمن ذلك قوله تعالى: " وما هو على الغيب بظنين " يريد بمتهم، وبالقراءة الأخرى " وما هو على الغيب بضنين " يريد به ببخيل ومثل قوله: " جنات عدن تجري من تحتها الأنهار " على قراءة، وعلى قراءة أخرى " تجري تحتها الأنهار " ونحو قوله تعالى: " إن هذان لساحران " وفي قراءة أخرى " إن هذين لساحران " وما أشبه ذلك مما يكثر تعداده، ويطول الجواب باثباته، وفيما ذكرناه كفاية إنشاء الله تعالى.

أقول: روى البخاري والترمذي في صحيحيهما وذكره في جامع الأصول في حرف التاء في باب ترتيب القرآن وتأليفه وجمعه، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير وإني أرى أن

تذهب بجمع القرآن، قال: قلت لعمر: وكيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأي عمر، قال زيد: فقال لي أبو بكر:

إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله فتتبع القرآن فأجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن.

قال: قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، قال: فلم يزل أبو بكر يراجعني - وفي رواية أخرى فلم يزل عمر يراجعني - حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر قال: فتتبعت القرآن: أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره " لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه " خاتمة براءة. قال: فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر، قال بعض الرواة: فيه اللخاف يعني الخزف، قال في جامع الأصول: أخرجه البخاري والترمذي. وقد روى هذه الرواية في الاستيعاب عن ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، وروى البخاري والترمذي وصاحب جامع الأصول في الموضع المذكور عن الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن فقال حذيفة لعثمان: يا أمير - المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل

بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت يقول: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقرء بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " فألحقناها في سورتها من المصحف، قال: وفي رواية أبي اليمان خزيمة ابن ثابت الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله شهادته شهادة رجلين قال: وزاد في رواية أخرى قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوة وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص: التابوت فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش.

قال في جامع الأصول: أخرجه البخاري والترمذي وزاد الترمذي قال الزهري: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين اعزل عن نسخ المصاحف ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر، يريد زيد بن ثابت، ولذلك قال عبد الله ابن مسعود: يا أهل العراق! اكتموا المصاحف التي عندكم، وغلوها، فان الله تعالى يقول: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " فالقوا الله بالمصاحف.

قال الترمذي: فبلغني أنه كره ذلك من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وروى البخاري ومسلم بن حجاج والترمذي في صحاحهم وذكره في جامع الأصول عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد يعني ابن ثابت قلت لانس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي، وروى البخاري برواية أخرى عن أنس قال:

مات النبي صلى الله عليه وآله ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وروى البخاري عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قلت له: وما المحكم [قال: المفصل.].

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.