پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب ما يحصل من الأنواع للصلوات اليومية بحسب ما يعرض لها

8 - باب الاعمال والدعوات بعد صلاة العصر يوم الجمعة

ج ۸۷، ص ۹۹–۱۲۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۷

الاختيار تقول بعد دعاء السمات " اللهم بحق هذا الدعاء، وبحق هذه الأسماء التي لا يعلم تفسيرها ولا تأويلها ولا باطنها ولا ظاهرها غيرك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن ترزقني خير الدنيا والآخرة، وافعل بي كذا وكذا، وافعل

بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله، وانتقم لي من فلان بن فلان، واغفر لي من ذنوبي ما تقدم منها وما تأخر، ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات، و وسع على من حلال رزقك، واكفني مؤنة إنسان سوء، وجار سوء، وسلطان سوء وقرين سوء، ويوم سوء، وساعة سوء، وانتقم لي ممن يكيدني وممن يبغي على ويريد بي وبأهلي وأولادي وإخواني وجيراني وقراباتي من المؤمنين والمؤمنات ظلما إنك على ما تشاء قدير، وبكل شئ عليم، آمين يا رب العالمين.

ويقول: اللهم بحق هذا الدعاء تفضل على فقراء المؤمنين والمؤمنات بالغناء والثروة، وعلى مرضى المؤمنين والمؤمنات بالشفاء والصحة، وعلى أحياء المؤمنين والمؤمنات باللطف والكرامة، وعلى أموات المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والرحمة وعلى مسافري المؤمنين والمؤمنات بالرد إلى أوطانهم سالمين غانمين، برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا.

ووجدت في نسخة أخرى قرئ أمير المؤمنين عليه السلام عقيب دعاء السمات هذه الكلمات:

يا عدتي عند كربتي، ويا غياثي عند شدتي، ويا وليي في نعمتي، يا منجحي في حاجتي، ويا مفزعي في ورطتي، ويا منقذي من هلكتي، ويا كالئي في وحدتي صل على محمد وآل محمد، وأغفر لي خطيئتي ويسر لي أمري، واجمع لي شملي، وأنجح لي طلبتي، وأصلح لي شأني، واكفني ما أهمني، واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ولا تفرق بيني وبين العافية، أبدا ما أبقيتني، وعند وفاتي إذا توفيتني، يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآل محمد يا رب العالمين.

توضيح وتبيين أقول: هذا الدعاء من الدعوات التي اشتهرت بين أصحابنا غاية الاشتهار، وفي جميع الأعصار والأمصار، وكانوا يواظبون عليها، وقال الشيخ إبراهيم بن علي الكفعمي طيب الله تربته في كتاب صفوة الصفات: روي عن الإمام الباقر عليه السلام

أنه قال: لو حلفت أن في هذا الدعاء الاسم الأعظم لبررت، فادعوا به على ظالمنا ومضطهدنا، والمتعززين علينا.

ثم قال عليه السلام: إن يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام لما حارب العماليق، و كانوا في صور هائلة ضعفت نفوس بني إسرائيل عنهم، فشكوا إلى الله عز وجل فأمر الله تعالى يوشع عليه السلام أن يأمر الخواص من بني إسرائيل أن يأخذ كل واحد منهم في القرن هذا الدعاء لان لا يسترق السمع بعض شياطين الجن والإنس، فيتعلموه، ثم يلقون الجرار في عسكر العماليق آخر الليل ويكسرونها، ففعلوا ذلك فأصبح العماليق كأنهم أعجاز نخل خاوية، منتفخي الأجواف موتى، فاتخذوه على من اضطهدكم من سائر الناس، ثم قال: هذا من عميق مكنون العلم، ومخزونه، فادعوا به ولا تبذلوه للنساء السفهاء، والصبيان، والظالمين والمنافقين.

ثم قال الكفعمي: وهو مروي عن الصادق عليه السلام أيضا بعينه إلا أنه ذكر أن محاربة العمالقة كانت مع موسى عليه السلام روى ذلك عنه عثمان بن سعيد العمروي قال محمد ابن علي الراشدي: ما دعوت به في مهم ولا ملم إلا ورأيت سرعة الإجابة، ويستحب أن يدعى بها عند غروب الشمس من يوم كل جمعة وليلة السبت أيضا ويقال: إن من اتخذ هذا الدعاء في كل وجه يتوجه أو كل حاجة يقصدها أو يجعله أمام خروجه إلى عدو يخافه أو سلطان يخشاه، قضيت حاجته، ولم يقدر عليه عدوه، ومن لم يقدر على تلاوته فليكتبه في رقعة ويجعله في عضده أو في جيبه، فإنه يقوم مقام ذلك.

ثم قال - ره - دعاء السمات بكسر السين أي العلامات، والسمة العلامة، كأن عليه علامات الإجابة، وسمي أيضا دعاء الشبور قال الجوهري في صحاحه وهو البوق قلت: وفيه المناسبة للقرون المثقوبة كما مر أو يكون مأخوذا من الشبر باسكان الباء وتحريكها، وهو العطاء يقال شبرت فلانا وأشبرته أي أعطيته، فكأنه دعاء العطاء من الله تعالى، وقيل بالعبرانية دعاء يوم السبت، وقال بعضهم اسمه سمة ومعني سمة الاسم الأعظم انتهى.

وفي النهاية في حديث الاذان: ذكر له الشبور جاء تفسيره في الحديث أنه البوق وفسروه أيضا بالقنع واللفظة عبرانية انتهى.

" إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة، انفتحت، وإذا دعيت به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت " لا يخفى ما في الفقرتين من الاستعارات اللطيفة واللطائف البديعة اللفظية والمعنوية، قال الكفعمي: الضمير في " به " راجع إلى الاسم الأعظم، والمغالق جمع مغلاق وهو ما يغلق ويفتح بالمفتاح، ويقال: للمغلاق أيضا الغلق، وفتح المغالق هنا مجاز أو المراد أن بهذا الاسم يستفتح الاغلاق، ويستمنح الأعلاق، وهو السبيل الموصل إلى المسؤول، والدليل الدال على المأمول والمضايق جمع مضيق والمعنى أن هذا الاسم يفتح الفرج في المضايق ويثبت القدم في المزالق.

وفي الفقرتين أنواع من البديع، المناسبة اللفظية من مغالق ومضايق، و انفتحت وانفرجت، والمطابقة - وهو الجمع بين المتضادين - بين السماء والأرض ولام العلة في للفتح وللفرج.

والتوشيح وهو أن يكون معنى أول الكلام دالا على آخره إذا عرف الروي وائتلاف اللفظ مع اللفظ للملائمة بين المغالق والأبواب والفتح والانفتاح، وبين المضايق والأبواب، والفرج والانفراج، والبسط أي الاتيان باللفظ الكثير للمعنى القليل إذ كان يمكنه عليه السلام أن يقول لو ترك الاطناب " مغالق السماء لانفتحت بالرحمة ومضايق الأرض لانفرجت بالرحمة " والفوائد في الاطناب ظاهرة.

والتكرار، وهو أن يكرر الكلمة بلفظها ومعناها لتأكيد الوصف أو المدح وهنا كرر ذكر الرحمة والأبواب للتأكيد بحصول الرحمة وكشف العذاب وتفريج المضايق وفتح الأبواب.

والإشارة وهي أن يشير المتكلم إلى معان كثيرة بكلام قليل، وفي الفقرتين أشار بذكر الرحمة السماوية والأرضية إلى رفع الاعمال، ونزول الأرزاق والآجال وزوال الكرب وبلوغ الآمال، إلى غير ذلك مما لا يستقصى.

والمجاز في الأبواب والمغالق، والانسجام وهو انحدار الكلام كانحدار

الماء بسهولة سبكه وعذوبة لفظه، ليكون له في القلوب موقع، والابداع وهو أن يأتي في البيت الواحد أو الفقرة عدة ضروب من البديع وقد عرفت اجتماع تلك الوجوه في فقرتي الدعاء.

" وإذا دعيت به على العسر لليسر تيسرت " قال ره: العسر ضد اليسر، ويجوز ضم السين فيهما وإسكانها، قال ابن قتيبة: إذا توالت الضمتان في حرف كان لك أن تخفف وتثقل مثل رسل ورسل، وقال الجوهري: البأساء والضراء الشدة، وهما اسمان مؤنثان وفي جوامع الطبرسي البأساء الفقر والشدة، والضراء المرض والزمانة وفي الغريبين: البأساء في الأموال وهو الفقر، الضراء في الأنفس وهو القتل والبؤس شدة الفقر.

" وبجلال وجهك الكريم " قال - رحمه الله -: جلال الله عظمته، قاله الجوهري " أكرم الوجوه " أي أجلها وأعظمها، وقد يكون أكرم بمعنى أعز كقولهم فلان أكرم من فلان، أي أعز منه، ومنه قوله: " إنه لقرآن كريم " أي عزيز، وقد يكون أكرم بمعنى أجود، والكريم هو الجواد المفضال، ورجل كريم أي جواد سخي.

وفي نزهة العشاق فرق بين السخي والكريم بأن السخي الذي يأكل ويطعم والكريم الذي لا يأكل ويطعم، وقد يكون بمعنى أكثر خيرا، والكرم في اللغة كثرة الخير، والعرب تسمي الذي يكثر خيره ويدوم نفعه ويسهل تناوله كريما ونخلة كريمة إذا طاب حملها وكثر، ومن كرمه أنه يبتدء بالنعمة من غير استحقاق ويغفر الذنب ويعفو عن المسئ، وقد يكون أكرم بمعنى أكرم من أن يوصف والكريم الصفوح، والكريم المعبود.

" وأعز الوجوه " أي أمنعها وأغلبها ومنه قوله تعالى " أيبتغون عندهم العزة " أي المنعة وشدة الغلبة، وقد يكون أعز بمعنى عدم المثل والنظير، و عز الشئ إذا صار عزيزا لا يوجد، والعز خلاف الذل والمراد بوجهه تعالى

ذاته، والعرب تذكر الوجه وتريد صاحبه، فيقولون أكرم الله وجهك: أي أكرمك الله.

" الذي عنت له الوجوه " الضمير في " له " فيه وفيما بعده إلى الجلال المتقدم آنفا، وعنت أي خضعت وذلت، وقيل المراد بالوجوه الرؤساء والملوك، أي صاروا كالعناة، وهم الأسارى " وخشعت له الأصوات " أي خفضت وخفيت إشارة إلى قوله سبحانه " وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا " والوجل الخوف " أن تقع " المعنى أن لا تقع وأن لا تزولا " إلا باذنك " أي بمشيتك وأمرك.

" وبمشيتك التي دان لها العالمون " قال ره مشية الله تعالى إرادته، ودان أي ذل وأطاع، وفي بعض النسخ " كان له العالمون " من التكون، هو الوجود و العالم اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل هو اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر والاعراض، وقيل العالمون أصناف الخلق.

" وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والأرض " قال ره: أي مشيتك وأمرك والكلمة ترد كناية عن معان كثيرة.

" وبحكمتك التي صنعت بها العجائب " قال صاحب كتاب الحدود: الحكمة تستعمل في العلم، فإذا استعملت في الفعل فالمراد به كل فعل حسن وقع من العالم لحسنه، والحكيم من تكون أفعاله محكمة، والاحكام كون الفعل مطابقا للنفع المطلوب منه، والعجائب جمع عجيبة والأعاجيب جمع أعجوبة.

وقال المقداد في لوامعه: الفرق بين الصانع والخالق والبارئ أن الصانع هو الموجد للشئ المخرج له من العدم إلى الوجود، والخالق هو المقدر للأشياء على مقتضى حكمته سواء خرج إلى الوجود أم لا، والبارئ هو الموجد لها من غير تفاوت، والمميز لها بعضا عن بعض بالصور والاشكال، وقال: الجعل هنا بمعنى

الصيرورة ومنه " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " أي صيرناهم، ويكون جعل بمعنى عمل وهيأ كقوله: جعلت الشئ بعضه فوق بعض، ويكون بمعنى الوصف، ومنه قوله تعالى " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " أي وصفوهم بذلك، وبمعنى الخلق كقوله: " وجعلنا من الماء كل شئ حي " وبمعنى الرؤية، وبمعنى الحكم والاعتقاد، وبمعنى الانشاء والحدوث كقوله " وجعل الظلمات والنور " والضياء هو أعظم من النور.

وفي شرح النهج للشيخ مقداد أن الضوء ما كان عن ذات الشئ كالنار والشمس والنور ما كان مكتسبا من غيره كاستنارة الجدار بالشمس، ومنه قوله " جعل الشمس ضياء والقمر نورا ".

" وخلقت بها الكواكب - إلى قوله - ورجوما " هذا في علم البديع يسمى التقسيم وهو استيفاء أقسام الشئ فإنه عليه السلام قسم الكواكب إلى النجوم والبروج والمصابيح والزينة والرجوم، فاستوفى أقسامها، فان قيل إن من الكواكب ما يهتدى بها لقوله تعالى " وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها " ومنها ما يحفظ بها من استراق السمع لقوله تعالى: " وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا " ولم يذكر هذان في قسم الكواكب؟ قلت: الأولى داخلة في لفظي النجوم والمصابيح، و الثانية في لفظ الرجوم.

" وجعلت لها مشارق ومغارب " أي مختلفة بحسب الفصول والأيام فتخص

السيارة أو الأعم فتعم، وقال الكفعمي: المراد بها هنا السيارة التي تطلع كل يوم من مشرق وتغرب في مغرب وإنما ابتدأ بذكر المشارق اتباعا للفظ التنزيل في قوله " فلا اقسم برب المشارق والمغارب " ولان الشروق قبل الغروب، وقوله:

" رب المشرقين ورب المغربين " المشرقان مشرقا الصيف والشتاء فمشرق الشتاء مطلع الشمس في أقصر يوم من السنة، ومشرق الصيف مطلعها في أطول يوم من السنة والمغربان على نحو ذلك، ومشارق الأيام ومغاربها في جميع السنة من هذين المشرقين والمغربين انتهى وفيه ما لا يخفى، والمقصود ظاهر.

" وجعلت لها مطالع ومجاري، وجعلت لها فلكا ومسابح " المسابح هي المجاري، وكرر لضرب من التأكيد واختلاف اللفظين، قال الشاعر وألفى قولها كذبا ومينا، ومسبح الفرس جريه وقوله تعالى " كل في فلك يسبحون " أي يجرون والفلك مدار النجوم الذي يضمها يسمى فلكا لاستدارته، ومنه فلكة المغزل، و الفلكة أيضا القطعة المستديرة من أرض أو رمل انتهى.

وأقول: يمكن أن يكون الجاري إشارة إلى الحركة اليومية، والمسابح إلى الحركات الخاصة، فلا يكون تأكيدا وكذا تكرير المشارق والمطالع يحتمل أن يكون لذلك.

" وقدرتها في السماء منازل " اقتباس من قوله تعالى " والقمر قدرناه منازل " أي قدرنا مسيره منازل أي سيره ومنازل إشارة إلى المنازل المعروفة للقمر وهي ثمانية وعشرون، فالمعنى أنك قدرت تلك الكواكب لقربها وبعدها، والاشكال الحاصلة منها منازل للقمر، والتصوير إما لكل كوكب بحسب صغره وكبره ونوره وشكله أو لمجموع الصور الحاصلة من انضمام بعضها على بعض على ما هو المقرر عند أصحاب

الهيئة ولعله أظهر.

" وأحصيتها بأسمائك " أي بالأسماء التي عينت لكل منها أو بأسمائك التي تدل على علمك بالأشياء كالعليم والخبير.

" وسخرتها بسلطان الليل " أي بالسلطنة التي لك على الليل والنهار ، أو بالتسلط الذي جعلته لليل والنهار، أو بأن سلطتها على الليل والنهار، فإنهما يحصلان بسبب طلوع بعضها وغروبه.

قال الكفعمي - ره -: أي أجريتها ودبرتها بقوة الليل والنهار و قهرهما، وإنما أضاف السلطان الذي هو القهر والقوة هنا - وهو لله تعالى - إلى الملوين تفخيما لأمرهما، ولكونهما العلة في معرفة الساعات والسنين والحساب والمعنى أنه تعالى سخر الكواكب والنيرين لمعرفة الليل والنهار، ومعرفة الساعات، وعدد السنين والحساب، قال تعالى: " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب " أي فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم نخلق له شعاعا كشعاع الشمس، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شئ لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم وطلب أرزاقكم، ولتعلموا باختلاف الليل والنهار عدد السنين والشهور وجنس الحساب وآجال الديون وغير ذلك، ولولاهما لم يعلم شئ من ذلك، و لتعطلت الأمور، والمراد عدد سني الاعمار وآجال الديون والتواريخ، ونحو ذلك لا عدد سني العالم لان الناس لا يحصونها.

" وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرئى واحدا " أي في كل صقع وناحية لأهلها أو لجنس الكواكب، ولو على سبيل البدلية.

وقال الكفعمي - ره -: هذا الكلام ليس على إطلاقه على ما هو مشهور بين العلماء، فيكون المراد بالمرئى الواحد لجميع الناس بعد ارتفاع الكواكب والنيرين في مطالعها ومجاريها، وأما قبل ذلك فليس المرئى واحدا لان النيرين في بلاد الهند

والسند والصين يطلعان على أهل تلك البلاد قبل طلوعها على أهل إفريقية وأهل جزيرة الأندلس وبلاد النوبة، وعكس ذلك في غروبها.

وقال ابن قتيبة في أدبه: وسهيل كوكب أحمر منفرد عن الكواكب ومطلعه على يسار مستقبل القبلة العراقية، وهو لا يرى في شئ من بلاد أرمينية وبنات نعش تغرب في بلاد عدن ولا تغرب في شئ من أرمينية، والنسر يطلع على أهل الكوفة قبل قلب العقرب بسبع، وبين رؤية سهيل بالحجاز وبين رؤيته بالعراق بضع عشر ليلة:

والمرئي الرؤية.

" في المقدسين " بفتح الدال في الملائكة الذين قدستهم وطهرتهم من الذنوب والعيوب.

" فوق أحساس الكروبيين " المضبوط بخط الشيخ شمس الدين بفتح الهمزة جمع الحس، وفي نسخ المصباح وكتابي الكفعمي بكسر الهمزة، لكن يظهر من شرحه أنه بالفتح.

قال: فوق نقيض تحت قال تعالى: " والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة " أي أعلى منزلة عند الله تعالى، وأحساس الكروبيين أصواتهم والحس والحسيس الصوت الخفي، والمعنى أن كلامه سبحانه أعلى من كل شئ وفوق كل شئ لأنه فوق أصوات الكروبيين، والكروبيون هم القريبون منه تعالى، من قولك كرب كذا أي قرب، وكربت الشمس قريب للمغيب، وكل دان قريب فهو كارب، والمراد بقربهم منه تعالى شرف منزلتهم عنده وجلالة محلهم منه، ومنه حديث أبي العالية الكروبيون هم سادة الملائكة والكروبيون بالتشديد وروى التخفيف سليمان الطائي انتهى وفي القاموس الكروبيون مخففة الراء سادة الملائكة.

أقول: ويمكن أن يكون المراد بفوق أحساس الكروبيين أن المكان الذي حدث فيه ذلك الصوت كان فوق أمكنتهم، أو كان ذلك الصوت أخفى من أصواتهم، فالمراد فوقها في الخفاء كما قيل في قوله تعالى سبحانه " بعوضة فما

فوقها ".

" فوق غمائم النور " قال الكفعمي قدس سره: الغمائم جمع غمامة، وهي السحائب البيض سميت غمامة لسترها لأنها تغم الماء في أجوافها أي تستره " فوق تابوت الشهادة " قد مر ذكر تابوت بني إسرائيل وأحواله مفصلا في المجلد الخامس وكذا تفسير أكثر ما سيأتي في هذا الدعاء.

وقال الكفعمي: التابوت هو صندوق التوراة وفي كتاب الزبدة عن الباقر عليه السلام هذا التابوت هو الذي أنزله الله تعالى على أم موسى فوضعته فيه فألقته في البحر، فلما حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آثار النبوة، وأودعه وصيه يوشع بن نون فلم يزل بنو إسرائيل يتبرك به وهم في عز وشرف حتى استخفوا به فكانت الصبيان تلعب به فرفعه الله تعالى عنهم.

قيل كان في أيدي العمالقة حتى غلبوهم فرده الله عليهم، وقيل إن هذا التابوت انزل على آدم عليه السلام وفيه صور الأنبياء عليهم السلام فتوارثته أولاده إلى أن وصل إلى بني إسرائيل فكانوا يستفتحون به على عدوهم.

وعن علي عليه السلام كانت فيه ريح هفافة من الجنة لها وجه كوجه الانسان، وعند أهل الكتاب أن التابوت حمل إلى ناحية كرزيم من ناحية طور سيناء فكانت تظله بالنهار غمامة ويشرق عليه بالليل عمود من نار، وكان يدلهم على الطريق ليلا.

وقال الطبرسي: كان الغمام يظل بني إسرائيل من حر الشمس ويطلع بالليل عمودا من نور يضئ لهم.

" وفي طور سيناء وفي جبل حوريت " قال الجوهري طور سيناء جبل بالشام، وهو طورا ضيف إلى سيناء، وهي شجرة وكذلك طور سينين، قال وقرئ سيناء بكسر السين، قيل وفتح السين أجود.

وقال الكفعمي: قال ابن خالويه في كتاب ليس: ليس في كلام العرب صفة على فعلاء إلا طور سيناء، قال الطور الجبل والسيناء والسينين الحشيش، وجبل حوريث

هو جبل بأرض مدين خوطب عليه موسى عليه السلام أول خطابه، ومدين قال صاحب كتاب تلخيص الآثار: هي مدينة قوم شعيب وهي تجاه تبوك بين المدينة والشام، بها البئر التي استقى منها موسى لابنة شعيب.

وفي جوامع الطبرسي أن مدين مسيرة ثمانية أيام عن مصر، وقال السيد بن طاوس - ره - رأيت في بعض تفسير كلمات هذا الدعاء أن جبل حوريث وقيل حوريثا هو الجبل الذي خاطب الله جل جلاله موسى عليه السلام عليه في أول خطابه، وتابوت يوسف عليه السلام حمل إلى ناحية حوريثا من ناحية طور سيناء.

" في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن من الشجرة ".

أما الوادي فقال صاحب تلخيص الآثار: هو بقرب بيت المقدس، وهو واد طيب كثير الزيتون، قيل إن موسى عليه السلام قبض فيه.

وأما الشجرة، فقال بعضهم هي عصاة هارون، وذلك أنه وقع بين بعض الأسباط مشاجرة، فقالوا استخلفت أخاك حبا له وايثارا، فقال موسى عليه السلام إنما فعلته عن أمر الله تعالى ثم أخذ موسى عصى الأسباط جميعها وكتب على كل واحدة اسم صاحبها، فلما كان من الغد أورقت عصاة هارون، وكانت من لوز وانعقد عليها اللوز.

قلت: هذا ليس بصحيح بل الشجرة هي المشار إليها في التنزيل بقوله تعالى:

" فلما أتيها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين " قال ابن عباس وجد النار في شجرة عناب، وقيل من العوسج، وقيل من العليق تتوقد بضياء مع شدة خضرة الشجرة من أسفلها إلى أعلاها لم تكن الخضرة تطفئ النار ولا النار، تطفئ الخضرة، ورأي نورا عظيما وسمع تسبيح الملائكة فعلم أنه لأمر عظيم.

" وفي أرض مصر بتسع آيات " هذا عطف على ما تقدم، أي وبمجدك الذي كلمت به موسى ابن عمران بأرض مصر بتسع آيات، ومصر هي المملكة المشهورة، قال عبد الرشيد

ابن صالح الباكوتي في كتاب تلخيص الآثار: مصر ناحية مشهورة أرضها أربعون ليلة في مثلها طولها من العريش إلى أسوان، وعرضها من برقة إلى أيلة سميت بمصر بن مصرائيم بن حام بن نوح عليه السلام وهي أطيب الأرض ترابا وأبعدها خرابا ولا تزال البركة بها ما دام على وجه الأرض إنسان، ولا يصيبها المطر.

" ويوم فرقت لبني إسرائيل البحر " فرقت أي فلقت، قال المطرزي يقال:

فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء وقال الأزهري يقال: فرقت بين الكلام أفرق بالضم والتخفيف، وفرقت بين الاقسام أفرق بالكسر والتشديد.

" وفي المنبجسات التي صنعت بها العجائب في بحر سوف " هذا عطف على ما تقدم من القسم عليه سبحانه بمجده، فكأنه قال: وبمجدك يوم فرقت لبني إسرائيل البحر، وبمجدك في يوم المنبجسات، وهي العيون الجارية من الحجر وإليه الإشارة في التنزيل بقوله: " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتي عشرة عينا " وفي آية أخرى " فانبجست منه اثنتي عشرة عينا " والانبجاس والانفجار واحد وبجست الماء فجرته، قال الطبري الانبجاس هو الانفتاح بسعة وكثرة، وبحر سوف قيل هو بالعبرانية يمسوف كأنه يم سوف، قيل ومعناه بحر بعيد القعر، قلت كأنه أخذ من المسافة، قال الجوهري وهو البعد، وسماه الهروي في الغريبين إساف قال:

وهو الذي غرق فيه فرعون قلت: وهذا البحر هو بحر القلزم قال السيد بن طاوس وبحر سوف بلسان العبرانية يم سوف أي بحر بعيد.

" وعقدت ماء البحر في قلب الغمر كالحجارة " قلب الشئ باطنه، والغمرة الماء الكثير الذي يغمر صاحبه سميت الشدة غمرة لأنها تغمر القلب أي تغطيه، مأخوذ من غمرة الماء، ومنه رجل غمر العطاء أي يفضل عطاؤه فيغمر ما سواه، وفي حديث عمر أنه جعل على كل جريب عامرا وغامرا درهما وقفيزا، والغامر ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة، وإنما فعل ذلك لئلا يقصر الناس في المزارعة ويسمى

غامرا لأن الماء يغمره والمعني أنه سبحانه عقد ماء البحر في باطنه كما يعقد الحجارة وجعله قناطير، وكأنه إشارة إلى الكوى التي تراءى قوم موسى في البحر منها.

" وتمت كلمتك الحسنى عليهم بما صبروا وأورثتهم مشارق الأرض ومغاربها التي باركت فيها للعالمين " الحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة يعني تمت على بني إسرائيل أي مضت عليهم، من قولك تم على الامر إذا مضى عليه واستمر، وقوله تعالى: " بما صبروا " أي بسبب صبرهم، وأورثهم أرض مصر والشام بعد العمالقة فانصرفوا في نواحيها الشرقية والغربية كيف شاؤوا، وبارك لهم فيها بأنواع الخضر من الزرع والثمار والعيون والأنهار.

" ومواكبه في اليم " مواكبه جمع موكب، قال الجوهري الموكب ركوب القوم للزينة، والمراد هنا جيوشه وعساكره، وفي بعض النسخ " ومراكبه " جمع مركب وهي الأفراس وغيرها مما يركب وأركب المهر: حان أن يركب، وليس المراد المراكب التي هي السفن، واليم البحر وقديم الرجل إذا القي في اليم.

" ومسجد الخيف " بمنى معروف وقال - ره - في كتاب لمع البرق في معرفة الفرق للكفعمي عفى الله عنه أن الفرق بين الخليل والصديق أن الخليل لا يقتضي أن يكون من جنس من هو خليله، ولهذا قالت العرب سيفي خليلي، والصديق لا يكون إلا من جنس من يصادقه، ويكون رتبته قريبة منه، فلا يقال لرجل ذمي أنه صديق الأمير، وقوله: " صفيك " أي اخترته والصفي الصافي وصفو الشئ خالصه مثلثة الصاد، وأما بئر شيع فرقمه الشهيد - ره - بخطه بالشين المعجمة والياء المثناة من تحت ، وقد ذكر أنها بئر طمها عمال ملك اسمه أبو مالك فسأله إسحاق عليه السلام أن تعاد وتكنس، ففعل أبو مالك ذلك ورمى بقمامتها، فيكون معناه مأخوذا من قولك شاعت الناقة إذا رمت ببولها، ويجوز أن يكون المعنى مأخوذا من الشيع وهي الأصحاب الأعوان لتشايعهم على حفرها وكنسها، ومنه قوله تعالى:

" في شيع الأولين " أي أصحابهم، ورقمه بعضهم بالسين المهملة والباء المفردة

ومعناه أن إسحاق بن إبراهيم كاتب عليها ملكا يقال له: أبو مالك وتعاهد على البئر بسبعة من الكباش فسميت لذلك بئر سبع.

أقول: يظهر من التوراة أنه بئر سبع بالسين المهملة والباء الموحدة، و ذكر قصتها في موضعين أحدهما عند ذكر قصة إسماعيل وهاجر، حيث قال: فلما رأت سارة أن ابن هاجر المصرية يلعب مع إسحاق ابنها، قالت لإبراهيم أخرج هذه الأمة وابنها، لان ابن هذه الأمة لا يرب مع ابني إسحاق.

فصعب على إبراهيم لموضع ابنه، وقال الله له: فلا يصعبن عليك من أجل الصبي ومن أجل أمتك مهما قالت لك سارة اسمع منها، لأنه في إسحاق يدعى لك الزرع وابن الأمة أيضا فإنه سأجعله لشعب عظيم لأنه زرعك، فقام إبراهيم بالغداة وأخذ خبزا وسقاء من ماء، ووضع ذلك على عاتقها وأعطاها الصبي وأطلقها.

فلما مضت كانت تائهة في برية بئر سبع وفرع الماء من السقاء، فطرحت الصبي تحت شجرة هناك، ومضت، فجلست بإزائه من بعيد نحو رمية سهم لأنها قالت لا أرى الصبي يموت، وجلست قبالته ورفعت صوتها بالبكاء فسمع الله صوت الصبي ونادى ملاك الله هاجر من السماء: مالك يا هاجر؟ لا تخشي إنه قد سمع الله صوت الصبي من حيث هو قومي فخذي الصبي وأمسكي بيده فاني أجعله لشعب عظيم، وفتح الله عينها فنظرت بئرا من ماء وانطلقت فملأت السقاء، وسقت الصبي، وكان الله معه، ونمى وسكن في البرية وصار شابا يرمى بالسهام وسكن برية فاران و أخذت له أمه امرأة من أرض مصر في ذلك الزمان.

قال أبو مالك وفيكال رئيس جيشه لإبراهيم: الله معك في كل ما تعمل، فالآن احلف بالله أنك لا تؤذيني ولا لخلفائي وذريتي، بل كحسب رحمة فعلت معك تفعل معي ومع الأرض التي سكنتها، فقال إبراهيم: أنا أحلف لك وكلم إبراهيم أبا مالك من أجل بئر الماء التي غالب عليها عبيده، فقال أبو مالك: لا علم لي بمن فعل هذا، و أنت فلم تخبرني بشئ وأنا لم أسمع سوى اليوم.

وأخذ إبراهيم غنما وبقرا وأعطى أبا مالك وجعل بينهما ميثاقا وأقام إبراهيم

عليه السلام سبع نعاج من الضأن ناحية، فقال إبراهيم: لتأخذ مني هذه السبع نعاج لكي تكون لي شهادة أني أنا احتفرت هذا البئر، فمن أجل ذلك دعى الموضع بئر سبع، ونهض أبو مالك وفيكال ورجعا إلى أرض فلسطين، وغرس إبراهيم حقلا عند بئر سبع، ودعا هناك باسم الرب الاله الأزلي وسكن بأرض فلسطين أياما كثيرة.

ثم ذكر عند ذكر قصة إسحاق عليه السلام أنه وقع مجاعة في الأرض فذهب إسحاق إلى أبي مالك ملك فلسطين فتراءى له الرب وقال له: لا تنحدر إلى مصر لكن أسكن الأرض التي أقول لك وانتج عليها، فأكون معك وأباركك، فاني لك أعطي جميع هذه الأرض، ولنسلك، وأتم القسم الذي وعدته لإبراهيم وأكثر نسلك كنجوم السماء وأعطى خلفاءك جميع هذه البلدان، ويتبارك بنسلك جميع شعوب الأرض، وساق الكلام إلى أنه عليه السلام ذهب إلى وادي جرارة وحفر هناك آبارا كثيرة إلى أن انتهى إلى بئر سبع فخاصمه أصحاب أبي مالك فصالحهم ووقع الحلف بينهم، وسمى القرية بئر سبع إلى يومنا هذا انتهى، فظهر أن شيع بالمعجمة تصحيف.

ثم قال الكفعمي - ره - وأما بيت إيل فقال العماد الأصبهاني هو بيت المقدس ويجوز أن يكون معناه بيت الله لان إيل بالعبرانية الله، قال الطبرسي ومعنى جبرئيل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، لان جبر عبد وميك عبيد، وإيل هو الله.

أقول: في التوراة أن إسحاق أمر يعقوب عليه السلام أن ينطلق إلى بئر بين نهري سورية ويتزوج من بنات خاله لابان، فخرج يعقوب عليه السلام من بئر سبع ماضيا إلى حران وأتى إلى موضع وبات هناك فأخذ حجرا من حجارة ذلك الموضع، ووضعه تحت رأسه ونام هناك فنظر في الحلم سلما قائما على الأرض ورأسه يصل إلى السماء وملائكة الله يصعدون ويهبطون فيه، والرب كان ثابتا على رأس السلم، وقال أنا الرب إله إبراهيم وإله إسحاق فالأرض التي أنت عليها راقد أعطيها لك ولنسلك، ويكون نسلك مثل رمل الأرض، وتتسع إلى المشرق والمغرب، وتتبارك بك و بزرعك جميع قبايل الأرض، وأحفظك حيث ما انطلقت، وأعيدك إلى أهل هذه

الأرض، ولا أخليك حتى أعمل جميع ما قلته لك، فاستيقظ يعقوب من نومه وقال:

حقا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أكن أعلم، وقال ما أخوف هذا الموضع ما هذا إلا بيت الله، وباب السماء، وقام يعقوب بالغداة، وأخذ الحجر الذي كان توسد به وأقامه وسكب عليه دهنا ودعا اسم المدينة بيت إيل التي أولا كانت تدعي نوراء، إلى آخر ما ذكر فيه.

والمعنى أنه عليه السلام أقسم على الله سبحانه بمجده الذي تجلى به لهذه الأنبياء الأربعة في هذه الأماكن الأربعة، والتجلي سيأتي تفسيره إنشاء الله.

" وأوفيت لإبراهيم بميثاقك، ولإسحاق بحلفك، وليعقوب بشهادتك، و للمؤمنين بوعدك، وللداعين بأسمائك فأجبت " قال - ره - أما ميثاق إبراهيم فالظاهر أنه ما واثقه به من البشارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، والوراء ولد الولد، وعن الباقر عليه السلام أن هذه البشارة كانت بإسماعيل عليه السلام من هاجر، و يحتمل أن يراد بالميثاق الإمامة وإليها الإشارة بقوله تعالى: " وجعلها كلمة باقية في عقبه ".

وعن السدي: هم آل محمد عليهم السلام، والميثاق قال الجوهري هو العهد، والجمع مواثق ومياثق ومياثيق، وقوله تعالى: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين " أي أخذ العهد بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله قال الهروي: وأخذ الميثاق هنا بمعنى الاستحلاف، ومنه قوله:

" حتى تؤتوني موثقا من الله ".

وأما الحلف المضاف إلى إسحاق فمعناه قريب من معنى الميثاق المتقدم آنفا وقال بعضهم: معناه أن الله عاهد إسحاق أن لا تنجلي الغمامة عن نسله، وقال بعضهم معناه أن الله آلى أن لا يسلم ولد إسحاق إلى هلكة لمكان صبره على الذبح.

قلت: وهذا ليس بصحيح لتظافر روايات أئمتنا عليهم السلام بأن الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وروي أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى عالم مسلم بالشام كان يهوديا فسأله عن

الذبيح فقال إسماعيل، ثم قال: إن اليهود تعلم ولكنهم يحسدونكم لأنه أبوكم، ويزعمونه إسحاق، لأنه أبوهم، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلا عنه، فقال أين ذهب عقلك متى كان إسحق بمكة، وإنما كان إسماعيل، والمنحر بمكة لا شك.

وأما الشهادة المنسوبة إلى يعقوب: لما احتضر جمع ولده وأراد أن يخبرهم بما يأتي من الحوادث وبما يصيبهم من الشر فقال الله تعالى: لا تعلمهم ذلك، فان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله القائم في آخر الزمان وأنا أعطيك درجة الشهادة، ويحتمل أن يكون معنى " وأوفيت ليعقوب بشهادتك " أي باخبارك إياه أن ولده يوسف عليه السلام حي فأمل الاجتماع به، قال الجوهري الشهادة خبر قاطع، وأشهد بكذا أي أحلف وروي أن يعقوب عليه السلام رأى ملك الموت فسأله هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا، فعلم أنه حي وأما إيفاؤه بوعد المؤمنين فهو ما أوصله إليهم من الآجال والأرزاق والأولاد، وغير ذلك من النعم التي لا تحصى في الدنيا، وفي الآخرة بالجنة، و قوله: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " الرزق المراد به المطر لأنه سبب الأقوات، وما توعدون الجنة، وقوله: " الشيطان يعدكم الفقر " أي يخوفكم به، فيحملكم على منع الزكاة، ويحتمل أن يراد بالوعد هنا العهد، ومنه قوله تعالى: " ما أخلفنا موعدك بملكنا " أي عهدك، ومثله " أخلفتم موعدي " أي عهدي قال الهروي يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا وإذا لم تذكر الخير والشر قلت في مكان الخير وعدته وفي الشر أوعدته، قال:

وإني إذا واعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فان أدخلوا الباء في الشر أتوا بالألف فقالوا أوعد بالشر.

وروى أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلا، فقال : يا أبا عمر أيخلف الله ما وعد؟ قال: لا، قال أين أنت عمن أوعده الله على عمله عقابا أيخلف الله ما أوعده فيه؟ فقال أبو عمرو: من العجمة اتيت يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى ذلك كرما وفضلا، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله، قال فأوجدني هذا في كلام العرب! فأنشده البيت المتقدم.

وعن الصادق عليه السلام: يا من إذا وعد وفا، وإذا توعد عفا.

وأما استجابته للداعين بأسمائه، فهو عطف على ما تقدم، وأنه تعالى وفى لهم بالإجابة لما دعوه فقال: " ادعوني أستجب لكم " وقال سبحانه: " وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ".

إن قلت: إنا نرى كثيرا لا يجاب دعاؤهم؟ قلت: ذكر الطبرسي في مجمعه أن الدعاء وقع لا على وجه الحكمة، إذ شرطه عدم المفسدة، إن قيل ما فيه حكمة إن الله يفعله فلا حاجة إلى الدعاء، قلنا الدعاء في نفسه عبادة يتعبد الله بها، لما فيها من إظهار الخضوع والافتقار إليه تعالى، ويجوز كون المطلوب مصلحة عند الدعاء لا قبله.

وفي كتاب الدرر والغرر أن المراد بقوله: " أجيب دعوة الداعي " أي أسمعها و لذا يقال للرجل: دعوت من لا يجيب، أي من لا يسمع، وقد يكون أيضا يسمع بمعنى يجيب كما كان يجيب بمعنى يسمع يقال: سمع الله لمن حمده أي أجاب الله من حمده.

أقول: وذكر في ذلك فصلا طويلا نورده إنشاء الله تعالى في كتاب الدعاء.

" وبمجدك الذي ظهر لموسى بن عمران عليه السلام على قبة الزمان " أقول: قبة الزمان بالزاي المعجمة قد تكرر ذكرها في التوراة وهي القبة التي بناها موسى وهارون في التيه بأمره تعالى فكان معبدا لهم كما مر ذكره في المجلد الخامس، قال الكفعمي: وأما قبة الزمان فهو بيت المقدس، وقال المطرزي: القبة كل بناء مدور والجمع قباب.

وقال بعضهم: قبة الزمان هو الفلك، وإنما سميت قبة بيت المقدس بذلك لشرفها وعظم محلها، كما أن الشمس إذا كانت في قبة الفلك تكون في أوج السعادة وكذلك بيت المقدس من كان فيه كان في أوج السعاة، وقيل: المراد بها بيوت الأنبياء وقيل: المساجد.

وقال بعضهم: قبة الرمان في هذا الدعاء بالراء المهملة، قال: ومعناه أنها قبة يتعبد فيها موسى وهارون، فدخلها ابنا هارون وهما سكرانان فجاءت نار فأحرقتهما فخاف بنو إسرائيل من ذلك فعملوا جبة وفرجية وعلقوا في ذيلها جلاجل من ذهب ورمانا من ذهب، وربطوا فيها بسلسلة من داخل المكان إلى خارج فمن دخل ذلك المكان لبس تلك الجبة والفرجية، فان أصابه شئ تحركت تلك الجلاجل والرمان فجروه بالسلسلة انتهى.

وأقول: قصة الرمان والجلاجل مذكورة في توراتهم الان لكن لا على هذا الوجه، بل فيه في وصف قبة الرمان ودخول هارون عليه السلام وأولاده فيها أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يصنع قميصا لهارون ويصنع في أسافله باستدارته مثل الرمان والجلاجل، فيكون رمانة من ذهب، وبعدها جلجل من ذهب، وليلبسه هارون عند خدمة بيت المقدس فيسمع صوته إذا دخل وإذا خرج، وأن يتخذ لبني هارون أقمصة من كتان ومناطق للكرامة والمجد. وأن يلبس هذه كلها وهارون وبنيه معه! ليكونوا لله أحبارا، وأن يصنع تبانين من كتان ليغطوا بها عورة أجسادهم، فتكون على هارون وبنيه إذا ما دخلوا قبة الرمان، وإذا هم اقتربوا إلى المذبح ليخدموا القدس، لكيلا يقبلوا خطيئة فيموتوا، سنة دائمة إلى الأبد لهارون ولنسله من بعده انتهى.

واعلم أنه لما كان سدانة بيت المقدس وتعمير بيوت الله في بني إسرائيل لهارون وأولاده عليه السلام، فكذا كانت الإمامة والخلافة وسدانة بيوت الله لأمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام لأنه كان من رسول الله صلى الله عليه وآله بمنزلة هارون من موسى باتفاق الخاص والعام فتفطن.

وأما الآيات التي وقعت على أرض مصر، فهي معروفة، وقد مر ذكرها في محلها.

" وبرحمتك التي مننت بها " أي أنعمت بها، ومن عليه بكذا أي أنعم، و الفرق بين الخلق والخليقة أن الخلق الناس، والخليقة البهائم والدواب، وفي حديث ذي الثدية " هو شر الخلق والخليقة ".

" وباستطاعتك التي أقمت بها العالمين " الاستطاعة هنا القدرة والمشية، وأقمت بها العالمين أي صورتهم وأحسنت نظامهم " لم تستقلها الأرض " أي لم تطق حملها والمراد عظم شأن الخمسة المتقدمة وجلالة قدرها أي لو كانت أجساما لكانت الأرض عاجزة عن حملها إذ لو ظهر شئ من آثارها وأنوارها على الأرض لتقطعت.

" وانخفضت لها السماوات وانزجر لها العمق الأكبر " قال الكفعمي - ره -:

الانخفاض الانحطاط، وهنا كناية عن الذلة والاذعان والانقياد، والزجر المنع، والعمق الأكبر باسكان الميم وضمها إشارة إلى تخوم الأرض، قال الجوهري: العمق والعمق قعر البئر والفج والوادي، وهو أيضا ما بعد من أطراف المفاوز، وعمق النطر في الأمور أي أبعد.

ويجوز أن يكون المعنى وانخفض لتلك الأمور ما في السماوات وانزجر لها ما في الأرض وتخومها، كقولك إن السهل والجبل للسلطان أي ما في السهل وما في الجبل، وتكون المطابقة بين السماء والأرض حاصلة معنا إن لم تكن لفظا لان الجمع بينهما أنبأ عن القدرة وأدل على الإلهية، كما جمع في الأسماء الحسنى بين الرافع والخافض، والمعز والمذل، والمحيي والمميت، والأول والاخر ونحو ذلك لأنك مثلا إذا ذكرت القابض مفردا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت

على المنع والحرمان، وإذا وصلت أحدهما بالاخر فقد جمعت بين الصفتين.

ويمكن أن يراد بالمزجور في العمق الأكبر الريح، فعن الباقر عليه السلام أن لله تعالى بيت ريح مقفل لو فتح لاذرت ما بين السماء والأرض، وما أرسل الله تعالى على قوم عاد إلا قدر الخاتم، فكانت تدخل على أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا، ونقول في الماء المزجور في العمق الأكبر كماء الطوفان ما قلناه في الريح، فإنه لولا زجر الله سبحانه إياه لاغرق الخلق.

وقال بعضهم: العمق الأكبر: الملك الأكبر، وهذا التفسير فيه ما فيه، لأنه لم يرد العمق بمعنى الملك لغة ولا عرفا.

" وركدت لها البحار والأنهار " أي ذلت البحار والأنهار واستقرت في مجاريها وانقادت وأذعنت لعلمه وجلاله وكبريائه وعزته وجبروته، ولم يرد بالركود السكون ضد الحركة لأنها غير ساكنة، اللهم إلا أن يراد ركودها ليلة القدر لأنه قيل إن في ساعتها تسكن أمواج البحار، وتسجد الأشجار، وتقف مياه الأنهار.

" وخضعت لها الرياح " بخط جد الشيخ البهائي رحمهما الله وأكثر نسخ المصباح " خفقت " أي اضطربت وتحركت وتصوتت " في جريانها " بفتح الراء، و إسكانها وهم.

" وخمدت لها النيران " أي سكن لهبها " في أوطانها " أي في أماكنها، وقال الكفعمي: يحتمل أن يكون نار الخليل التي أوقدها نمرود، وكذا القول في نار فارس التي أخمدها الله سبحانه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله، وكان لها ألف عام من قبل ذلك لم تخمد.

ويحتمل أن يكون المراد بالنيران المخمدة نيران اليهود، وإليها الإشارة في القرآن بقوله تعالى: " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " أي كلما أرادوا محاربة النبي صلى الله عليه وآله غلبوا، ولم يكن لهم ظفر قط، ثم قال: أقول في ذكر انزجار

العمق الأكبر الذي تحت التخوم الأرضية وذكر ركود البحار والأنهار وخضوع الرياح وخمود النيران له تعالى دليل على كمال جماله وجمال كماله.

وفي اللوامع أن هذه المذكورة هي البسائط الأربع: النار والهواء والماء والأرض وكل منها محيط بالاخر والمركبات تخلق عن امتزاجها.

واعلم أن العمق الأكبر إشارة إلى العنصر الترابي والبحار والأنهار إلى المائي، والرياح إلى الهوائي، والنيران إلى الناري، وهذا يسمى في علم البديع بالترتيب، وهو أن يعمد الشاعر أو الناثر إلى أوصاف شتى وموصوف واحد، فيوردها على ترتيبها في الخلقة الطبيعة.

" وبسلطانك الذي عرفت لك به الغلبة دهر الدهور " قال: السلطان مأخوذ من السلاطة وهي القهر، وهو فعلان يذكر ويؤنث ويجمع، والسلطان أيضا الحجة والبرهان وهو المعنى المراد هنا ولم يجمع لاجرائه مجرى المصدر، وكل سلطان في القرآن فمعناه الحجة النيرة، واشتقاقه قيل من السليط وهو دهن الزيت لإضاءته، والمراد بدهر الدهور هنا هو الأبد الذي لا ابتداء له ولا نهاية، والمعنى أنه عليه السلام أقسم عليه سبحانه بحجته وبرهانه الغالبة أبد الدهر.

" تجليت به للجبل " قال: التجلي هنا عبارة عن ظهور اقتداره تعالى للجبل، وتصدي أمره وإرادته " فجعلته دكا " أي مدكوكا وهو مصدر بمعنى مفعول، وقال العزيزي دكا أي مدكوكا أي مستويا مع وجه الأرض، ومنه يقال ناقة دكاء إذا كانت مستوية السنام، وأرض دكاء أي ملساء، وقرئ دكاء بالمد والهمزة من غير تنوين والدكاء الربوة الناشزة من الأرض لا تبلغ أن تكون جبلا، وأصل الدك الكسر.

" وخر موسى صعقا " أي خر مغشيا عليه غشية كالموت من هول ما رأى وفي الدرر والغرر أنه لما ظهر نوره تعالى للجبل جعله دكا أي مستويا من الأرض وقيل ترابا وقيل ساخ في الأرض، وقيل بقي أربع قطع واحدة بالمشرق وأخرى بالمغرب وواحدة بالبحر وأخرى صارت رملا، وقيل صارت ستة أجبل بالمدينة ثلاثة:

أحد وورقان ورضوي، وبمكة ثلاثة: ثور وثبير وحرى، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله.

" وبمجدك الذي ظهر - إلى قوله - في جبل فاران " قال أما طور سينا فقد مر شرحه عند ذكر جبل حوريث، وفي التكرار دلالة على تعظيم شأنه، وساعير جبل بالحجاز يدعى جبل الشرات، كان عيسى عليه السلام يناجي الله عليه وعنده إجابة الدعاء وقيل ساعير قبة كانت مع موسى كما يقال تخت الملك كرسيه وعندها إجابة الدعاء.

وأما فاران فهو جبل كان نبينا محمد صلى الله عليه وآله يناجي الله تعالى عليه، وهو قريب من مكة وقال الطبرسي في الاحتجاج: بين فاران وبين مكة يومان وطلعة الله تعالى في ساعير وظهوره في جبل فاران عبارة عن ظهور وحيه وأمره، وبروز إرادته واقتداره.

قال الشهرستاني صاحب الملل والنحل: قد ورد في التوراة أنه تعالى جاء من طور سيناء وظهر على ساعير وعلن بفاران، ولما كانت الاسرار الإلهية والأنوار الربانية في الوحي والتنزيل والمناجاة والتأويل على مراتب ثلاثة مبدء ووسط وكمال والمجئ أشبه بالمبدء، والظهور بالوسط، والاعلان بالكمال، عبر عن طلوع شريعة التوراة بالمجئ من طور سيناء، وعن طلوع شريعة عيسى بالظهور على ساعير، وعن البلوغ إلى درجة الكمال والاستواء وهي شريعة المصطفى صلى الله عليه وآله بالاعلان على فاران.

" بربوات المقدسين - إلى قوله - المسبحين " قال: الربوات مواضع نزول الوحي على موسى عليه السلام، ومن قال: إن الربوات بنو إسرائيل فليس بشئ وهي جمع ربوة مثلثة الراء، وهي ما ارتفع من الأرض وكذا الرابية، وفي الحديث: الفردوس ربوة الجنة أي أرفعها، وكل شئ زاد وارتفع فقد ربا يربو فهو راب، والجنود هي الأعوان والملائكة مشتقة من الألوكة وهي الرسالة، والصافين أي تصف صفوفا في السماء أو تصف أقدامها في السماء كما تصف المؤمنون أو أجنحتها في الهواء منتظرين أمر الله، أو أجنحتها حول العرش، قيل: ولما نزل قوله تعالى: " وإنا لنحن

الصافون " اصطفت المسلمون في صلاتهم، وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين، والخشوع كالخضوع، والمسبحون المصلون، وسبح يعني صلى، والسبحة النافلة، وقيل المسبحين أي المنزهين الله، ويحتمل أن يراد به الذاكرين الله، قال الطبرسي في قوله تعالى: " فلو لا أنه كان من المسبحين " أي الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس، وقال في قوله سبحانه: " وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون " أي المصلون والمنزهون.

" وببركاتك - إلى قوله - في أمة موسى عليه السلام " قال: أقسم عليه سبحانه ببركاته التي بارك فيها على إبراهيم عليه السلام في أمة نبينا صلى الله عليه وآله، والأمة هم أتباع الأنبياء، والبركة لغة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بالبركة، وتبركت بكذا أي تيمنت وإنما نسب بركات إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وآله لان النبي صلى الله عليه وآله من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ولان آل إبراهيم هم آل محمد صلى الله عليهم وإنما نسب بركات إسحاق إلى أمة عيسى لأنه من ولده ولأنه أقرب إليه من موسى.

أقول: كذا في النسخ ولا أعرف له معنى، ولعل تخصيص إبراهيم بأمة محمد صلى الله عليه وآله لكثرة ثناء الله عليه في القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وآله مع كونه أشرف منه كان ينتمي إليه ويقول: أنا على ملة إبراهيم، ولاتمام ما فعله من كسر الأصنام، ولذكره مع النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة عليه، كما يقال " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " ولكونه أشبه الناس به خلقا وخلقا، ولغير ذلك من الروابط المعنوية، وتخصيص إسحاق بعيسى ويعقوب بموسى لبعض المشابهات والمناسبات الصورية والمعنوية التي خفيت علينا ولأنه أخذ من إبراهيم نزولا ومن محمد صلى الله عليه وآله صعودا فكان الأنسب بالترتيب ما ذكر فتفطن، ويمكن أن يكون ذكر عيسى مع إسحاق لكون أحدهما أول الأنبياء من تلك الشعبة، والاخر آخرهم.

" وباركت لحبيبك في عترته " أي في فضلهم وقربهم وكمالاتم ودرجاتهم

" وذريته " لأنهم صاروا أكثر من ذرية جميع من كان في عصره " وأمته " لأنهم ضعف جميع الأمم كما ورد في الاخبار.

" وكما غبنا عن ذلك " الظاهر أن اسم الإشارة والضمائر راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله " وبعثته ورسالته، وقال الكفعمي: الضمير في ذلك وفي " به " راجع إلى الاقسام والعزائم والأنبياء المذكورين وهذا الدعاء، أي مثل ما غبنا عن ذلك ولم نحضره وهو في معنى الشرط وجوابه أن تصلي - الخ.

وقال: وينبغي الوقوف على " لم نره " ثم يبتدء ويقول: " صدقا وعدلا " لئلا يشتبه المعنى بغيره لان المقصود وآمنا به صدقا وعدلا ولم نره. كما أمرت العلماء بالوقوف في مواضع كثيرة من القرآن كقوله: " فبهت الذي كفر " فيقف القاري هن ثم يبتدئ ويقول: " والله لا يهدي القوم الظالمين " وقوله: " وطعامكم حل لكم " فيقف ثم يقول: " والمحصنات من المؤمنات " وأمثلة ذلك كثيرة وقوله: " صدقا وعدلا " منصوبان على الحال.

وقال - رحمه الله - آخذا من كتاب ابن خالويه وغيره: الصلاة تقال على تسعة معان:

الأول الصلاة المعروفة بالركوع والسجود.

الثاني الدعاء كقوله تعالى: " وصل عليهم " ومنه الحديث إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل. أي فليدع لأرباب الطعام بالمغفرة والبركة.

الثالث الرحمة التي هي صلاة الله، قال السيد بهاء الدين بن عبد الحميد والشيخ مقداد أنها الرضوان تفصيا من التكرار في قوله تعالى: " أولئك عليهم

صلوات من ربهم ورحمة " وقال ابن خالويه: العطف لاختلاف اللفظين.

رابع التبريك كقوله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي صلى الله عليه وآله " أي يباركون عليه.

الخامس الغفران لقوله تعالى: " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " وقال ابن عباس: المؤمن إذا سلم الامر لله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله وهي المغفرة، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى.

السادس الدين والمذهب قال تعالى حكاية عن قول شعيب " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا " أي دينك.

السابع الاصلاح والتسوية قال الجوهري صليت العصا بالنار إذا لينتها وقومتها وصليت الرجل نارا أدخلته إليها وجعلته يصلاها.

الثامن بيت النصارى ومنه قوله تعالى: " لهدمت صوامع وبيع وصلوات " ويقال لهذا البيت أصلاة قاله ابن خالويه.

التاسع إحدى صلوي الدابة وهما ما اكتنف الذنب من يمين وشمال.

وقال: " الحميد ": هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله في جميع الأحوال سرائها وضراءها " والمجيد " هو الواسع الكرم، وقال: " الشهيد " هو الشريف ذاته الجميل فعاله.

أقول: إنما بسطنا الكلام في شرح هذا الدعاء زائدا على غيره لتصدي الكفعمي قدس سره لشرحه فأخذنا منه بعض فوائده، ولكونه من الأدعية المشهورة، وقد اشتمل على ألفاظ غريبة تحتاج إلى الشرح والبيان والله المستعان.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.