بحارالانوار · كتاب الطهارة
20. باب النوادر
ج ۷۹، ص ۱۵۵–۱۸۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
يا له مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، أفبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت، وحركات سكنت، ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة.
لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة، وضربوا منهم في غمرة جهالة، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا: تطأون في هامهم، وتستثبتون في أجسادهم، و ترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا، وإنما الأيام بينهم وبينكم، بواك ونوائح عليكم.
أولئكم سلف غايتكم، وفراط مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر، ملوكا وسوقا، سلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون، لا يفرغهم ورود الأهوال، ولا يحزنهم تنكر الأحوال ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف.
غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون، وإنما كانوا جميعا فتشتتوا والافا فافترقوا، وما عن طول عهدهم ولابعد محلهم عميت أخبارهم، وصمت ديارهم، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا، وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا
فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات، جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب الإخاء، فكلهم وحيد، وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء، لا يتعارفون لليل صباحا، ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا.
شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء، فلو كانوا ينطقون بها، لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا.
ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر، و سمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجساد النواعم، ولبسنا أهدام البلاء، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة، وتهكمت علينا الربوع الصموت، فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا.
فلو مثلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها، وهمدت القلوب في صدرهم بعد يقظتها، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات، فلا أيد تدفع، ولا قلوب تجزع، لرأيت أشجان قلوب، وأقذاء عيون، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي.
وكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون، كان في الدنيا غذي ترف، وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه، وشحاحة بلهوه ولعبه.
فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه، في ظل عيش غفول، إذ وطئ الدهر به حسكه، ونقضت الأيام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث
لا يعرفه، ونجي هم ما كان يجده، وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته.
ففزع إلى ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار، وتحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، ولا حرك بحار إلا هيج برودة، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء حتى فتر معلله، وذهل ممرضه، وتعايا أهله بصفة دائه، وخرسوا عن جواب السائلين عنه، وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل هو لما به، وممن لهم إياب عافيته، ومصبر لهم على فقده، يذكرهم أسى الماضين من قبله.
فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا، وترك الأحبة، إذ عرض له عارض من غصصه، فتحيرت نوافذ فطنته، ويبست رطوبة لسانه، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه، من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه، وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا.
بيان: قيل: نزلت سورة التكاثر في اليهود، قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، حتى ماتوا ضلالا، وقيل: في فخذ من الأنصار وقيل: في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي وبني سهم بن عمرو، تكاثرا فعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور وقالوا هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم، لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية.
وكلامه عليه السلام يدل على الأخير " ألهيكم التكاثر " أي شغلكم عن طاعة الله، وعن ذكر الآخرة التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها، " حتى زرتم المقابر " أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال، ولم تتوبوا، أو حتى عددتم الأموات في القبور.
" يا له مراما ما أبعده " اللام للتعجب كقولهم يا للدواهي و " مراما وزورا
وخطرا " منصوبات على التميز، والمرام المقصد، والمعنى التعجب من بعد ذلك المرام، فان الغاية المطلوبة لا يدركها الانسان، لان كل غاية بلغها فان فوقها غاية أخرى قد أدركها غيره، فيطمح نفسه إليها، أو ما أبعده عن نظر العقل وعما هو الغاية الأصلية التي لابد من السعي في الوصول إليها و " زورا ما أغفله " الزور الزائرون أو مصدر لزار يزور، فنسبة الغفلة إليه توسع أي ما أغفل صاحبه، وهو أنسب بالمرام " والخطر " الاشراف على الهلاك، والسبق الذي يتراهن عليه وخطر الرجل قدره ومنزلته، وفظع الشئ بالضم وهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للحد والخطر الفظيع الموت، أو شدايد الآخرة اللازمة لتلك الغفلة.
" لقد استخلوا منهم أي مدكر " الضمير في " استخلوا " للاحياء وفي " منهم " للأموات، وكني بالمدكر عما خلفوه من الآثار التي هي محل العبرة، و " أي مدكر " استفهام على سبيل التعجب من ذلك المدكر في حسن إفادته للعبر لأولي الأبصار ، واستخلوا أي اتخذوا تخلية الذكر دأبهم وشأنهم وقيل استخلوا أي وجدوه خاليا كذا ذكره ابن ميثم، وقال ابن أبي الحديد: استخلوا أي ذكروا من خلا من آبائهم أي من مضى، يقال هذا الامر من الأمور الخالية، وهذا القرن من القرون الخالية أي الماضية، واستخلا فلان في حديثه أي حدث عن أمور خالية، والمعنى أنه عليه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا وعمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير، فقال: أي مذكر وواعظ في ذلك، وروي أي مدكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد.
" وتناوشوهم) أي تناولوهم من مكان بعيد عنهم وعن تناولهم، فإنهم بأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، وقال الجوهري: عددته أحصيته عدا والاسم العدد والعديد.
" يرتجعون منهم أجسادا خوت " يقال خوت الدار أي خلت أو سقطت أي خلت عن الروح أو سقطت وخربت، والمعنى يذكرون آباءهم فكأنهم يردونهم إلى الدنيا بذكرهم والافتخار بهم أو هو استفهام على الانكار، والمفتخر محل الافتخار.
" ولان يهبطوا بهم جناب ذلة " الجناب الناحية أي يذلوا ويخشعوا بذكر مصارعهم أو يذكروهم بالموت والاندراس والذلة " وأحجى " بمعنى أولى وأجدر و أحق، من قولهم حجى بالمكان إذا أقام وثبت، والعشوة مرض في العين، والضرب في الأرض السير فيها، وقال الخليل في العين: الضرب يقع على كل فعل، والغمر الماء الكثير، والغمرة الشدة، ومزدحم الشئ أي صاروا بسببهم في بيداء جهالة أو ألقوا أنفسهم في شدتها ومزدحمها، أو خاضوا في بحرها.
" ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية " أي لو طلب الاحياء أن تنطق العرصات والربوع ، وتفصح عن أحوال الأموات لنطقت بلسان حالها أو مقالها بناء على شعورها، وبينت أحوال الأموات، واستطردت بيان حال الاحياء، فالضمير في " استنطقوا " راجع إلى الاحياء وفي " عنهم " إلى الأموات والعكس بعيد، ويحتمل إرجاع الضمير في " عنهم " إلى الجميع، فلا يكون بيان حال الاحياء استطرادا، والديار والربوع منازلهم حال حياتهم أو قبورهم والخاوية الخالية أو الساقطة، والربع الدار والمحلة، والهامة الرأس والجمع هام أي تمشون على رؤسهم.
" وتستثبتون " أي تنصبون الأشياء الثابتة كالعمود والأساطين وفي بعض النسخ تستنبتون أي تزرعون النبات، ورتعت الماشية أي أكلت ما شاءت، ولفظت الشئ رميته " وتسكنون فيما خربوا " أي فارقوها وأخلوها فكأنهم خربوها أولم يعمروها بالذكر والعبادة.
" أولئكم سلف غايتكم " السلف المتقدمون، والغاية الحد الذي ينتهى إليه حسا أو معنى، والمراد هنا الموت، وفرط القوم من سبقهم إلى الماء، والمنهل المورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار مناهل، لان فيها ماء.
و " مقاوم العز " دعائمه جمع مقوم وأصلها الخشبة التي تمسكها الحراث و " حلبات الفخر " جمع حلبة وهي الخيل تجمع للسباق، والسوق جمع سوقة، وهو من دون
الملك، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، وما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فالمراد هنا القبر لأنه حاجز بين الميت والدنيا، ويحتمل الثاني أي بطون القبور الواقعة في البرزخ، وفي بعض النسخ وفي بطون القبور، والفجوة هي الفرجة المتسعة بين الشيئين.
" جمادا لا ينمون " من النمو ويروى بتشديد الميم من النميمة وهي الهمس والحركة، وقال في النهاية: المال الضمار: الغائب الذي لا يرجى، وإذا رجي فليس بضمار من أضمرت الشئ إذا غيبته، فعال بمعنى فاعل ومفعل.
" ولا يحزنهم تنكر الأحوال " أي الأحوال الحادثة في الدنيا وأسباب الحزن لأهلها، أو اندراس أجزاء أبدانهم وتشتتها، ولا ينافي عذاب القبر " ولا يحفلون " أي لا يبالون " بالرواجف " أي الزلازل " ولا يأذنون للقواصف " أي لا يسمعون الأصوات الشديدة يقال: رعد قاصف، أي شديد الصوت.
" غيبا لا ينتظرون " على بناء المجهول أي لا ينتظر الناس حضورهم، أو المعلوم أي لا يطمع الموتى في حضور الناس عندهم، " وشهودا لا يحضرون " إذ أبدانهم شاهدة وأرواحهم غائبة، " وما عن طول عهدهم " أي ليس عدم علمنا بأخبارهم وعدم سماعهم للأصوات، أو عدم سماعنا صوتا منهم في قبورهم، لطول عهد بيننا وبينهم كالمسافر الذي يغيب عنا خبره ولا نسمع صوته، أو لا يسمع صوتنا، فإنهم حال موتهم بلا تراخي زمان كذلك بل لأنهم سقوا كأس الموت فصار نطقهم مبدلا بالخرس، و سمعهم بالصمم، ونسبة الصمم إلى ديارهم التي هي القبور تجوز.
وقوله عليه السلام: " وبالسمع صمما " يدل على أن المراد بقوله " صمت ديارهم " عدم سماعهم صوتنا، لاعدم سماعنا صوتهم.
قوله عليه السلام: " في ارتجال الصفة " قال الجوهري: ارتجال الخطبة والشعر ابتداؤه من غير تهيئة قبل ذلك انتهى، أي ولو وصفهم واصف بلا تهيئة وتأمل بل بحسب ما يبدو له في بادي الرأي لقال: هم سقطوا على الأرض لسبات والسبات نوم للمريض والشيخ المسن، وهو النومة الخفيفة، وأصله من السبت، وهو القطع
وترك الاعمال، أو الراحة والسكون.
" أحباء لا يتزاورون " الأحباء بالموحدة جمع حبيب، كخليل، وأخلاء، أي هم أحباء لتقاربهم بأبدانهم أو لأنهم كانوا أحباء قبل موتهم في الدنيا، وفي بعض النسخ المصححة الاحياء بالمثناة التحتانية، فالظاهر أنه جمع حي بمعنى القبيلة، قال الجوهري: الحي واحد أحياء العرب، ويحتمل أن يراد أنهم أحياء بنفوسهم لا يتزاورون بأبدانهم.
" بليت بينهم " أي اندرست أسباب التعارف بينهم، والسبب في الأصل الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ ذكره الجزري، وقيل: لفظة جنب موضوعة في الأصل للمباعدة، ومنه قولهم الجار الجنب أي جارك من قوم آخرين، ولذا يقولون فلان في جانب الهجر، وفي جانب القطيعة، ولا يقولون في جانب المواصلة، والظعن السير، والجديدان الليل والنهار، والسرمد الدائم.
وقال ابن أبي الحديد: ليس المراد أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ما توا فيه، ولا يشعرون بما يتعقبه من الأوقات، بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت من غير أن يزيلها وقت آخر يطرؤ عليها، ويجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس فيقال: إن النفس التي تفارق ليلا تبقى الليلة والظلمة حاصلة عندها أبدا، ولا تزول بطريان نهار عليها، لأنها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شئ من المحسوسات بعد المفارقة، وإنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه وكذلك الأنفس التي تفارق نهارا.
" مما قدروا " أي تصوروا وجعلوا له مقدارا بأوهامهم.
" فكلا الغايتين " اللام العهدي في الكلام إشارة إلى الغايتين المعهودتين بين المتكلم والمخاطب. أي غاية السعداء والأشقياء، ويحتمل أن يكون المراد بالغاية امتداد المسافة أي مدة البرزخ [أو منتهى الامتداد وهو البرزخ] لأنه غاية حياة الدنيا، وهو يمتد إلى أن ينتهى إلى مباءة هي الجنة أو النار.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى الغايتين المفهومتين من الفقرتين السابقتين
أي الاخطار والآيات البالغتين الغاية أو إلى المدتين المنتهيتين إلى غاية أي مدة حياة السعداء والأشقياء، لازمان كونهم في عالم البرزخ وقيل: إشارة إلى الجديدين المذكورين سابقا.
و " المباءة " المنزل، والموضع الذي يبوء الانسان إليه أي يرجع " فأتت مبالغ الخوف " أي تجاوزت عن أن يبلغها خوف خائف أو رجاء راج، لعظمها وشدتها، وقال الجوهري: العي خلاف البيان، وقد عى في منطقه وعيي أيضا، والادغام أكثر وتقول في الجمع عيوا مخففا كما قلناه في حيوا، ويقال أيضا عيوا بالتشديد انتهى.
" لقد رجعت فيهم أبصار العبر " رجع يكون لازما ومتعديا قال الله تعالى:
" فارجع البصر كرتين " أي فرد البصر وأدرها في خلق الله واستقص في النظر مرة بعد أخرى، وتكلموا أي بلسان الحال، وفي النهاية الكلوح العبوس، يقال:
كلح الرجل وكلحه الهم، والنظرة الحسن والرونق، وفي النهاية الاهدام الأخلاق من الثياب: واحدها هدم بالكسر، وهدمت الثوب رقعته.
" تكاءدنا " أي شق علينا " وتوارثنا الوحشة " قيل: لما مات الأب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش أهله منه صار الابن وارثا لتلك الوحشة من أبيه وقيل لما أصاب كل ابن بعد أبيه وحشة القبر، فكأنه ورثها من أبيه.
أقول: ويحتمل أن يكون المعنى استوحش أهالينا وديارنا منا واستوحشنا منهم ومنها، أو صارت القبور سببا لوحشتنا وصرنا سببا لوحشة القبور.
" وتهكمت علينا الربوع الصموت " قال ابن أبي الحديد: يروى تهدمت بالدال يقال: تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت، ويروى تهكمت بالكاف وهو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا، ويعني بالربوع الصموت، القبور لأنه لا نطق فيها كقولك نهاره صائم انتهى، وفي أكثر النسخ المعروضة على المصنف بالكاف، ويحتمل أن يكون بمعنى الاستهزاء، أو بمعنى التكبر لكونهم أدلاء في القبور، أو بمعنى التندم والتأسف، وقد ورد بتلك
المعاني في اللغة ولعلها أنسب بوصف الربوع بالصموت، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بالربوع مساكنهم في الدنيا، وفي الصحاح امرأة حسنة المعارف أي الوجه وما يظهر منها، والواحد معرف.
" ولم نجد من كرب " أي من بعد كرب أو هو متعلق بفرجا " أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك " من إضافة الصفة إلى الموصوف والمحجوب بمعنى الحاجب كقوله سبحانه: " حجابا مستورا " وقال ابن ميثم: أي ما حجب بأغطية التراب ولا يخفى ما فيه، لان ما حجب هي أبدانهم ولا يكشف عنهم إلا أن يريد به الأكفان المستورة بالتراب.
" وقد ارتسخت " قال ابن أبي الحديد: ليس معناه ثبتت كما ظنه القطب الراوندي لأنها لم تثبت وإنما ثبتت الهوام فيها، بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه ونضب، ويقال: قد ارتسخ المطر بالتراب إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان انتهى.
أقول: لعل الراوندي - رحمه الله - حمل الكلام على القلب، وهو أوفق بما في اللغة.
وفي القاموس استكت المسامع أي صمت وضاقت " فخسفت " أي غارت و ذهبت في الرأس، وذلاقة اللسان حدتها " وهمدت " أي سكنت وخمدت، والعيث الافساد، وقوله سمجها أي قبح صورتها بيان لافساد البلى الجديد " مستسلمات " أي منقادات طائعات ليس لها يد تدفع منها الآفات.
" لرأيت " جواب " لو " والأشجان جمع الشجن وهو الحزن، والأقذاء جمع قذى، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها " لا تنتقل " أي إلى حسن وصلاح، والغمرة الشدة، والأنيق الحسن المعجب " غذي ترف " أي كان معتادا في الدنيا بأن يتغذى بالترف وهو التنعم المطغي، " وربيب شرف " أي قد ربي في العز و الشرف، وقال الجوهري: تعلل به أي تلهى به، ويفزع إلى السلوة أي يلجأ إلى ما يسليه عن الهم " ضنا " بالكسر أي بخلا كقوله شحاحة، والغضارة طيب
العيش، يضحك إلى الدنيا أي كأن الدنيا تحبه وهو يحب الدنيا، قال ابن ميثم:
ضحكه إلى الدنيا كناية عن ابتهاجه بها وبما فيها، وغاية اقباله عليها، فان غاية المتبهج بالشئ أن يضحك له.
" في ظل عيش غفول " أي عيش غافل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم يتنبه له الدهر فيكدر عليه، أو عيش تكثر الغفلة فيه لطيبه، من قبيل نهاره صائم أوذي غفلة يغفل فيه صاحبه كقوله سبحانه " عيشة راضية ".
" إذ وطئ الدهر به حسكه " الباء للتعدية، والحسك جمع حسكة شوكة صلبة معروفة، واستعار لفظ الحسك للآلام والأمراض ومصائب الدهر، ورشح بذكر الوطئ " والحتوف " جمع الحتف وهو الموت، و " الكثب " بالتحريك القرب والجمع إما باعتبار تعدد أسبابه أو لان بطلان كل قوة وضعف كل عضو موت والبث الحزن، وباطل الامر الدخيل ونجئ فعيل من المناجاة، والفترة الانكسار والضعف، وقال ابن أبي الحديد الفترات أوائل المرض.
" آنس ما كان بصحته " قال ابن ميثم انتصاب آنس على الحال، وما بمعنى الزمان، وكان تامة، وبصحته متعلق بآنس أي حال ما هو آنس زمان مدة صحته وقيل ما مصدرية والتقدير آنس كونه على أحواله بصحته.
" من تسكين الحار " إنما استعمل في البارد التسكين وفي الحار التهييج، لان الحرارة شانها التهييج والبرودة شأنها التسكين والتجميد " فلم يطفئ ببارد " أي لم يزد إطفاء الحرارة ببارد " إلا ثور حرارة " أي غلبت الحرارة الطبيعية على الدواء، وظهر بعده الداء فكان الدواء ثورها " ولا اعتدل بممازج " أي ما أراد الاعتدال بدواء مركب من الحار والبارد، إلا أعان صاحب المرض كل طيبعة ذات داء ومرض من تلك الطبايع بمرض زائد على الأول أو بقوة زائدة على ما كان، ففاعل " أمد " الشخص ويحتمل الممازج ويظهر من ابن ميثم أنه جعل أمد بمعنى صار مادة ولا يخفى بعده.
" حتى فتر معلله " قال الجوهري علله بالشئ لهاه به كما يعلل الصبي بشئ
من الطعام يتجزأ به عن اللبن انتهى، أي ضعف عن التعليل لطول المرض أو لان المعلل يكون له نشاط في أوائل المرض لوجاء البرء، فإذا رأى أمارات الهلاك فترت همته وفي الصحاح مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه، " وتعايا أهله " أي عجزوا عن تحقيق مرضه، قال الجوهري عييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه وأعياني هو وأعيى عليه الامر وتعيا وتعايا بمعنى.
" وخرسوا " أي سكتوا عن جواب السائلين عنه، لأنهم لا يخبرون عن عافية لعدمها، ولا عن عدمها لكونه غير موافق لنفوسهم " وتنازعوا دونه شجى خبر " الشجي ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، والشجو الهم والحزن، أي تخاصموا في خبر معترض في حلوقهم لا يمكنهم إساغته لشدته ولا بثه لفظاعته، و قال ابن أبي الحديد أي تخاصموا في خبر ذي شجى أو خبر ذي غصة يتنازعونه وهم حول المريض سرا دونه وهو لا يعلم بنجواهم، " فقائل منهم هو لما به " أي قد أشفى على الموت، " وممن لهم " أي يمنيهم " إياب عافيته " أي عودها يقول رأينا من بلغ أعظم من هذا ثم عوفي " أسى الماضين " الأسى جمع أسوة أي التأسي بالماضين أو صبر الماضين، قال الجوهري: الأسوة والأسوة بالكسر والضم لغتان وهو ما يأتسي به الحزين، ويتعزى به وجمعها إسي وأسي ثم سمي الصبر أسى، ولا تأنس بمن ليس لك بأسوة أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة انتهى.
والغصص جمع غصة، وهو ما يعترض في مجرى الأنفاس " فكم من مهم من جوابه " كوصية أرادها أو مال مدفون أراد أن يعرفه أهله " فعي " أي عجز " فتصام عنه " أي أظهر الصمم، لأنه لا حيلة له، ثم وصف عليه السلام ذلك الدعاء فقال: " من كبير كان يعظمه " كصراخ الوالد على الولد، والولد يسمع ولا يستطيع الكلام، أو صغير كان يرحمه كصراخ الولد على الوالد " وإن للموت لغمرات " أي شدايد هي أشد وأشنع من أن يبين بوصف كما هو حق بيانها " أو تعتدل على عقول أهل الدنيا " أي لا تستقيم على العقول ولا تقبلها، أو لا يقدر أهل الدنيا على تعقلها.
2 - دعائم الاسلام: عن أبي ذر رحمة الله عليه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه، فقال: ادن مني يا أبا ذر أستند إليك فدنوت منه، فاستند إلى صدري إلى أن دخل علي صلوات الله عليه فقال لي: قم يا أبا ذر فان عليا أحق بهذا منك، فجلس علي عليه السلام فاستند إلى صدره ثم قال لي:
ههنا بين يدي فجلست بين يديه، فقال لي اعقد بيدك من ختم له بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن ختم له بحجة دخل الجنة، ومن ختم له بعمرة دخل الجنة ومن ختم له بطعام مسكين دخل الجنة، ومن ختم له بجهاد في سبيل الله ولو قدر فواق الناقة دخل الجنة.
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ربما أمر ملك الموت عليه السلام فردد نفس المؤمن ليخرجها من أهون المواضع عليه، ويرى الناس أنه شدد عليه، وإن الله تبارك وتعالى ربما أمر ملك الموت بالتشديد على الكافر فيجذب نفسه جذبة واحدة كما يجذب السفود من الصوف المبلول، ويرى الناس أنه هون عليه.
بيان السفود بالتشديد الحديدة التي يشوى بها اللحم.
3 - الدعائم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن العبد لتكون له المنزلة من الجنة، فلا يبلغها بشئ من البلاء حتى يدركه الموت، ولم يبلغ تلك الدرجة، فيشدد عليه عند الموت فيبلغها.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أوصى رجلا من الأنصار فقال: أوصيك بذكر الموت فإنه يسليك عن أمر الدنيا.
وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: أكثروا من ذكر هادم اللذات، فقيل: يا رسول الله فما هادم اللذات؟ قال: الموت، فان أكيس المؤمنين أكثرهم ذكرا للموت، و
أشدهم له استعدادا.
وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال لقوم من أصحابه: من أكيس الناس؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له.
وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه أوصى بعض أصحابه فقال: أكثروا ذكر الموت فإنه ما أكثر ذكر الموت إنسان إلا زهد في الدنيا.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الموت ريحانة المؤمن.
وعنه صلى الله عليه وآله قال: مستريح ومستراح منه، فأما المستريح فالعبد الصالح استراح من غم الدنيا، وما كان فيه من العبادة إلى الراحة ونعيم الآخرة وأما المستراح منه فالفاجر يستريح منه ملكاه.
وعنه صلى الله عليه وآله أنه كان يقول: ألا رب مسرور مقبور وهو لا يشعر يأكل ويشرب ويضحك، وحق له من الله أن سيصلى السعير.
وعن علي صلوات الله عليه أنه قال: لولا أن الله خلق ابن آدم أحمق ما عاش، ولو علمت البهايم أنها تموت كما تعلمون ما سمنت لكم.
وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: ما رأيت إيمانا مع يقين أشبه منه بشك، إلا هذا الانسان، إنه كل يوم يودع وإلى القبور يشيع، وإلى غرور الدنيا يرجع، و عن الشهوة واللذة لا يقلع، فلو لم يكن لابن آدم المسكين ذنب يتوقعه، ولا حساب يوقف عليه إلا موت يبدد شمله، ويفرق جمعه، ويؤتم ولده، لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه، ولقد غفلنا عن الموت غفلة أقوام غير نازل بهم، و ركنا إلى الدنيا وشهواتها ركون أقوام لا يرجون حسابا، ولا يخافون عقابا.
وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وآله غشي عليه فبكت فاطمة عليها السلام فأفاق صلى الله عليه وآله وهي تقول: من لنا بعدك يا رسول الله؟ فقال:
أنتم المستضعفون بعدي.
وعن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه رخص في زيارة القبور وقال:
تذكركم الآخرة.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت فاطمة صلوات الله عليها تزور قبر حمزة وتقوم عليه، وكانت في كل سنة تأتي قبور الشهداء مع نسوة معها فيدعون ويستغفرون.
وعن علي صلوات الله عليه أنه كان إذا مر بالقبور قال: " السلام عليكم أهل الديار. وإنا بكم لاحقون " ثلاث مرات.
وعنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن تخطي القبور والضحك عندها.
4 - الهداية: قال الرضا عليه السلام من زار قبر مؤمن فقرء عنده " إنا أنزلناه " سبع مرات غفر الله له، ولصاحب القبر.
ومن يزور القبر يستقبل القبلة ويضع يده على القبر إلا أن يزور إماما فإنه يجب أن يستقبله بوجهه ويجعل ظهره إلى القبلة.
وقال الصادق عليه السلام لما أشرف أمير المؤمنين عليه السلام على القبور قال: " يا أهل التربة يا أهل الغربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا. فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: لو اذن لهم في الكلام لأخبروكم إن خير الزاد التقوى.
وروي أن من مسح يده على رأس يتيم ترحما كتب الله له بعدد كل شعرة مرت على يده حسنة.
5 - مشكاة الأنوار: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله!
إذا حضر جنازة وحضر مجلس عالم أيهما أحب إليك أن أشهد؟ فقال صلى الله عليه وآله:
إن كان للجنازة من يتبعها ويدفنها فان حضور مجلس عالم أفضل من حضور ألف جنازة، ومن عيادة ألف مريض، ومن قيام ألف ليلة، ومن صيام ألف يوم، ومن ألف درهم يتصدق بها على المساكين، ومن ألف حجة سوى الفريضة، ومن ألف غزوة سوى الواجب تغزوها في سبيل الله بمالك وبنفسك.
وأين تقع هذه المشاهد من مشهد عالم؟ أما علمت أن الله يطاع بالعلم، و يعبد بالعلم، وخيرة الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل ألا أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الناس يوم القيامة بمنازلهم من الله عز وجل، على منابر من نور؟ قيل: من هم يا رسول الله؟ قال : هم الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده، قلنا هذا حببوا الله إلى عباده، فكيف يحببون عباد الله إلى الله؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله.
ومنه عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أسلم على أهل القبور؟
قال: نعم، قلت كيف أقول؟ قال: تقول " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا فرط وإنا بكم إنشاء الله راجعون " ومنه: قال: قال الباقر عليه السلام أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته ثم أردت التحول عنه من يومك، أو كمال اكتسبه في منامك وليس في يدك منه شئ، وإذا حضرت في جنازة فكن كأنك المحمول عليها، وكأنك سألت ربك الرجعة إلى الدنيا فردك، فاعمل عمل من قد عاين.
ومنه: عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رجلا فيما مضى من الدهر كان لا يرفع لأهل الأرض من الحسنات ما يرفع له، ولم
يكن له سيئة، فأحبه ملك من الملائكة فسأل الله عز وجل أن يأذن له فينزل إليه فيسلم عليه، فأذن له فنزل، فإذا الرجل قائم يصلي فجلس الملك وجاء أسد فوثب على الرجل فقطعه أربعة آراب، وفرق في كل جهة من الأربعة إربا وانطلق.
فقام الملك فجمع تلك الأعضاء فدفنها ثم مضى على ساحل البحر فمر برجل مشرك تعرض عليه ألوان الأطعمة في آنية الذهب والفضة وهو ملك الهند، وهو كذلك إذ تكلم بالشرك.
فصعد الملك فدعي فقيل له: ما رأيت؟ فقال: من أعجب ما رأيت عبدك فلان الذي لم يكن يرفع لاحد من الآدميين من الحسنات مثل ما يرفع له، سلطت عليه كلبا فقطعه إربا ثم مررت بعبد لك قد ملكته تعرض عليه آنية الذهب والفضة فيها ألوان الأطعمة فيشرك بك وهو سوي؟
قال: فلا تعجبن من عبدي الأول فإنه سألني منزلة من الجنة لم يبلغها بعمل فسلطت عليه الكلب لأبلغه الدرجة التي أرادها، وأما عبدي الآخر فاني استكثرت له شيئا صنعته به لما يصير إليه غدا من عذابي.
6 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: تحفة المؤمن الموت.
وقال: الموت كفارة لكل مسلم، وإذا مات المؤمن ثلم في الاسلام ثلمة لا يسد مكانها شئ، وبكت عليه بقاع الأرض التي كان يعبد الله فيها.
وقال صلى الله عليه وآله: إذا تقارب الزمان انتقى الموت خيار أمتي كما ينتقي أحدكم خيار الرطب من الطبق.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ليس بيننا وبين الجنة أو النار إلا الموت.
وقال الصادق عليه السلام: هول لا تدري متى يغشاك، ما يمنعك أن تستعد له قبل أن يفجأك.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله
وما أطال عبد الامل إلا أساء العمل وطلب الدنيا.
وقال الصادق عليه السلام إنه لم يكثر عبد ذكر الموت إلا زهد في الدنيا.
وقال النبي صلى الله عليه وآله لو نظرتم إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الامل وغروره إن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم سمينا.
عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من أحببت فإنك مفارقه، عجبت لمؤمل دنيا والموت يطلبه.
وروي أنه لما دنى وفاة إبراهيم عليه السلام قال: هلا أرسلت إلى رسولا حتى:
آخذ أهبة قال له: أو ما علمت أن الشيب رسولي.
وحدث أبو بكر بن عياش قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاءه رجل فقال رأيتك في النوم كأني أقول لك: كم بقي من أجلي؟ فقلت: لي بيدك هكذا، و أو مأ [ت] إلى خمس، وقد شغل ذلك قلبي، فقال عليه السلام إنك سألتني عن شئ لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهي خمس تفرد الله بها " إن الله عنده علم الساعة " إلى آخرها.
وقال: سمعته يقول: سبحان من لا يستأنس بشئ أبقاه، ولا يستوحش من شئ أفناه، وسمعته يقول: وأقسموا بالله جهد أيمانكم لا يبعث الله من يموت " أفتراك تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة وهي النار.
وروي أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال إن فلانا جاري يؤذيني قال:
اصبر على أذاه كف أذاك عنه، فما لبث أن جاء وقال: يا نبي الله إن جاري قد مات فقال صلى الله عليه وآله: كفى بالدهر واعظا وكفى بالموت مفرقا.
وقال النبي صلى الله عليه وآله يا رب أي عبادي أحب إليك؟ قال الذي يبكي لفقد الصالحين، كما يبكى الصبي على فقد أبويه.
وقال زيد بن أرقم قال الحسين بن علي عليه السلام: ما من شيعتنا إلا صديق شهيد، قلت أنى يكون ذلك وهم يموتون على فرشهم؟ فقال: أما تتلو كتاب الله " الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم " ثم قال عليه السلام: لو لم تكن الشهادة إلا لمن قتل بالسيف، لأقل الله الشهداء.
وقال زين العابدين عليه السلام أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله عز وجل: فاما إلى الجنة أو إلى النار.
ثم قال عليه السلام: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت، وإلا هلكت وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، [وإن نجوت حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت] وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت ثم تلا: " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " قال هو القبر، وإن لهم فيه معيشة ضنكا، والله إن القبور لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
وقال عليه السلام: القبر أول منزل من منازل الآخرة، فان نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده شر منه.
وقال علي بن الحسين عليهما السلام: من مات على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر واحد.
وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: ما شأنك جاورت المقبرة ؟ فقال: إني أجدهم جيران صدق يكفون السيئة ويذكرون الآخرة.
بيان: الانتقاء الاختيار، قوله عليه السلام من الموت أي من شدايد الموت والعقوبات بعده، أي لو كانوا مكلفين وعلموا ترتب العقاب على أعمالهم السيئة لكانوا دائما مهتمين لذلك، فيهزلون ولم تجدوا منهم سمينا فلا ينافي ما ورد أن الموت مما لم تبهم عنه البهايم، أو المعنى لو كانوا يعلمون كعلمكم بالتجارب وإخبار الله والأنبياء
والأوصياء والصالحين لكانوا كذلك فإنهم وإن علموا الموت مجملا ويحذرون منه، لكن لا يعلمون كعلمكم، والأول أظهر.
قوله عليه السلام بين أهل القسمين الظاهر أن القسم الآخر قوله تعالى في سورة التغابن " قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم " ويحتمل أن يكون إشارة إلى تتمة تلك الآية " بلى وعدا عليه حقا " فإنه في قوة القسم لكنه بعيد و كأن في الحديث سقطا.
7 - أعلام الدين: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: الناس اثنان رجل أراح، و آخر استراح، فأما الذي استراح فالمؤمن استراح من الدنيا ونصبها، وأفضى إلى رحمة الله وكريم ثوابه، وأما الذي أراح، فالفاجر استراح منه الناس، والشجر والدواب وأفضى إلى ما قدم.
8 - كتاب: جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن يحضره الموت إلا رأى محمدا و عليا عليهما السلام حيث تقر عينه، ولا مشرك يموت إلا رآهما حيث يسوؤه.
9 - مجالس الصدوق ومعاني الأخبار: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام إن للمرء المسلم ثلاثة أخلاء: فخليل يقول له أنا معك حيا وميتا وهو علمه، وخليل يقول له: أنا معك حتى تموت وهو ماله، فإذا مات صار للوارث، وخليل يقول له: أنا معك إلى باب قبرك ثم أخليك وهو ولده.
الخصال: عن أبيه، عن عبد الله الحميري، عن هارون مثله.
10 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد البرقي، عن ابن أبي نجران والحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن أبان
ابن تغلب، عن الصادق عليه السلام أنه قال: من مات بين زوال الشمس من يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة من المؤمنين أعاذه الله من ضغطة القبر.
11 - ومنه ومن العيون: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب الوفاة بكى، فقيل له: يا ابن رسول الله! أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أنت به؟ وقال فيك رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال فيك؟ وقد حججت عشرين حجة ماشيا؟ وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل؟ فقال عليه السلام: إنما أبكي لخصلتين:
لهول المطلع وفراق الأحبة.
12 - العيون: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما نزلت هذه الآية " إنك ميت وإنهم ميتون " قلت: يا رب أيموت الخلايق ويبقى الأنبياء؟ فنزلت " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ".
بيان: لعله صلى الله عليه وآله إنما سأل عن ذلك بعد نزول تلك الآية، لاحتمال كون الكلام مسوقا على الاستفهام الانكاري.
13 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن محمد بن علي بن حشيش، عن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب، عن محمد بن علي بن خلف، عن الحسن بن العلا، عن مكي بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الاحياء.
14 - ثواب الأعمال: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فذكروا عنده المؤمن، فالتفت إلى فقال: يا أبا الفضل ألا أحدثك بحال المؤمن عند الله؟ قلت: بلى فحدثني! قال: فقال: إذا قبض الله روح المؤمن صعد ملكاه إلى السماء، فقالا ربنا عبدك فلان ونعم العبد، كان لك سريعا في طاعتك بطيئا عن معصيتك، وقد قبضته إليك فماذا تأمرنا من بعده؟ قال: فيقول الله لهما اهبطا إلى الدنيا وكونا عند قبر عبدي، فمجداني وسبحاني وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي حتى أبعثه من قبره.
ثم قال: ألا أزيدك؟ فقلت بلى فزدني، فقال: إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه فكلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تحزن ولا تفزع، وأبشر بالسرور والكرامة من الله، فما يزال يبشره بالسرور والكرامة من الله عز وجل حتى يقف بين يدي الله جل جلاله فيحاسبه حسابا يسيرا، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه فيقول له المؤمن: رحمك الله نعم الخارج خرجت معي من قبري ما زلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله عز وجل حتى رأيت ذلك فمن أنت؟ فيقول له المثال: أنا السرور الذي كنت تدخله على أخيك المؤمن في الدنيا خلقني الله منه لأسرك.
15 - مجالس المفيد: عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد ابن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وذكر مثله.
16 - منتهى المطلب: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي. وتوفني إذا كانت
الوفاة خيرا لي.
17 - العيون: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر عن الرضا عليه السلام أنه كان إذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه وقال: اللهم إن كان فرجى مما أنا فيه بالموت فعجله لي الساعة ولم يزل مغموما إلى أن قبض.
بيان: يدل على جواز تمني الموت في بعض الأحوال ويحتمل أن يكون ذلك لإزالة وهم بعض الجاهلين الذين كانوا يظنون أنه عليه السلام مسرور بقرب المأمون راض بأفعاله، متوقع لولاية عهده.
18 - قرب الإسناد: عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول:
إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، و أبواب السماء التي كان يصعد بأعماله فيها، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ قال: لان المؤمنين الفقهاء حصون المسلمين كحصن سور المدينة لها.
منية المريد: عن الكاظم عليه السلام مثله.
بيان: بكاء البقاع والأبواب المراد به بكاء أهلهما من الملائكة أو هو كناية عن ظهور آثار فقده فيهما، أو تمثيل لبيان عظم المصيبة، فكأنه تبكي عليه السماء والأرض، كما هو الشايع في العرف أنهم يذكرون ذلك لبيان شدة المصيبة و عمومها، والثلمة بالضم فرجة المكسور والمهدوم، وإضافة الحصن إلى السور بيانية أو أريد به المعنى المصدري.
19 - مجالس المفيد: عن علي بن مالك النحوي، عن محمد بن الفضل الكاتب، عن عيسى بن حميد قال: سمعت أبا عبد الله الربعي يقول: حدثنا الأصمعي
قال: دخلت البصرة فبينا أنا أمشي بشارعها إذا أبصرت بجارية أحسن الناس وجها وإذا هي كالشن البالي، فلم أزل أتبعها وأحبس نفسي عنها حتى انتهت من المقابر إلى قبر فجلست عنده، ثم أنشأت تقول بصوت ما يكاد يبين هذا والله المسكن لامابه نغر أنفسنا، هذا والله المفرق بين الأحباب، والمقرب من الحساب، وبه عرفان الرحمة من العذاب، يا أبه فسح الله في قبرك، وتغمدك بما تغمد به نبيك أما إني لا أقول خلاف ما أعلم كنت علمي بك جوادا إذا اتيت اتيت وسادا، وإذا اعتمدت وجدت عمادا.
ثم قالت:
يا ليت شعري كيف غيرك البلى * أم كيف صار جمال وجهك في الثرى لله درك أي كهل غيبوا * تحت الجنادل، لا تحس ولا ترى لبا وحلما بعد حزم زانه * بأس وجود حين يطرق للقرى لما نقلت إلى المقابر والبلى * دنت الهموم فغاب عن عيني الكرى 20 - ومنه: عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله - عن محمد ابن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم عليهما السلام يا عيسى! هب لي من عينك الدموع، ومن قلبك الخشوع، واكحل عينك بميل الحزن، إذا ضحك البطالون، وقم على قبور الأموات، فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل: إني لاحق بهم في اللاحقين.
21 - ومنه: عن محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن محمد بن عطية، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الموت
كفارة لذنوب المؤمنين 22 - أعلام الدين: للديلمي فيما أوصى لقمان ابنه: اعلم يا بني أن الموت على المؤمن كنومة نامها، وبعثه كانتباهه منها.
23 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن يموت في غربته إلا بكت عليه الملائكة رحمة له، حيث قلت بواكيه، وفسح له في قبره بنور يتلألؤ من حيث دفن إلى مسقط رأسه.
وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الموت ريحانة المؤمن.
24 - كتاب الصفين: لنصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عبد الرحمان ابن جندب قال: لما رجع أمير المؤمنين عليه السلام من صفين، وجاز دور بني عوف و كنا معه، إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
ما هذه القبور؟ فقال له قدامة بن العجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين! إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر ، وكان الناس يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه.
فقال عليه السلام: رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا وابتلى في جسده أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، فجاء حتى وقف عليهم ثم قال: السلام عليكم يا أهل الديار، الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا سلف وفرط، ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم " ثم قال: " الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا الحمد لله الذي منها خلقنا وفيها يعيدنا وعليها يحشرنا، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي
عن الله عن بذلك.
بيان: قال الجوهري: الوحشة الخلوة والهم، وقد أوحشت الرجل فاستوحش، وأرض وحشة وبلد وحش بالتسكين أي قفر، وتوحشت الأرض صارت وحشة وأوحشت الأرض وجدتها وحشة، وقال: القفر مفازة لا نبات فيها ولا ماء، يقال:
أرض قفر ومفازة قفرة وأقفرت الدار خلت.
25 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة " يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، و نحن لكم تبع لاحق، أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال:
أما لو اذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى.
وقال عليه السلام: إن لله ملكا ينادي في كل يوم: لدوا للموت، واجمعوا للفناء وابنوا للخراب.
وقال عليه السلام: الهم نصف الهرم.
وقال عليه السلام: فيما كتب إلى الحارث الهمداني: أكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق.
بيان: أي لا تتمن الموت إلا مشروطا بالمغفرة أو بعد تحصيل ما يوجب رفع درجات الآخرة في بقية العمر، وقال ابن أبي الحديد: أي لا تتمن الموت إلا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة وتنقذك من النار.
أقول: على هذا يحتمل أن يكون نهيا عن تمني الموت مطلقا فان ذلك
الوثوق لا يكاد يحصل لاحد سوى الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
26 - كتاب الغارات: لإبراهيم بن محمد الثقفي باسناده عن ابن نباته قال:
كتب صاحب الروم إلى معاوية فسأله عن مسائل عجز عنها، فبعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام من يسأله عنها، فكان فيما سأله أين تأوى أرواح المسلمين؟ وأين تأوي أرواح المشركين؟ فقال عليه السلام: تأوي أرواح المسلمين عينا في الجنة تسمى سلمى، وتأوي أرواح المشركين في جب في النار يسمى برهوت الخبر.
27 - تفسير علي بن إبراهيم: قال: إن حنظلة بن أبي عامر تزوج في الليلة التي كان في صبيحتها حرب أحد، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم عند أهله، فأنزل الله " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " فأقام عند أهله ثم أصبح وهو جنب، فحضر القتال فاستشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف فضة بين السماء والأرض، فكان يسمى غسيل الملائكة.
بيان:: ربما يستدل به على أن الجنب إذا استشهد يغسل للجنابة ولا يخفى وهنه.
28 - كنز الكراجكي: روي أنه كان في التوراة مكتوبا: يا ابن آدم لا تشتهي تموت حتى تتوب وأنت لا تتوب حتى تموت.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير.
وقيل: إن من عجائب الدنيا أنك تبكي على من تدفنه، وتطرح التراب وجه من تكرمه.
ومنه قال أمير المؤمنين عليه السلام: موت الأبرار راحة لأنفسهم، وموت الفجار راحة للعالم.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه
عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قول الله عز وجل: " فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ".
وقال الكراجكي - ره - بعد إيراد الخبر: هذه الآية نزلت في قوم فرعون وإهلاكهم، وفيها وجوه من التأويل أحدها ما ورد في هذا الخبر، ومعنى البكاء ههنا الاخبار عن الاختلال بعده، كما يقال بكى منزل فلان بعده. قال مزاحم العقيلي:
بكت دارهم من بعدهم فتهللت * دموعي فأي الجازعين ألوم أمستعبرا يبكي من الهون والبلا * وآخر يبكي شجوه ويهيم فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله تعالى ببوارهم مقام صالح في الأرض ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء والأرض، و قد روي عن ابن عباس أنه قيل له: وقد سئل عن هذه الآية أتبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: نعم، مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء.
والثاني أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر وسقوط المنزلة، لان العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك، قالت: كسفت لفقده الشمس، وأظلم القمر، وبكاه الليل والنهار والسماء والأرض قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
الشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمر والثالث أن يكون الله تعالى أراد ببكائهما بكاء أهلهما كما في قوله تعالى:
" واسأل القرية ".
والرابع أن يكون المعنى لم يأخذ آخذ بثأرهم، ولا أحد انتصر لهم لان العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الاخذ بثاره، فكني بهذا اللفظ عن فقد الانتصار والاخذ بالثار، على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.
والخامس أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا، لان العرب تشبه المطر بالبكاء، فمعنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد بقطرها عليهم، على مذهب العرب المعهود بينهم، لأنهم كانوا يستسقون السحايب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون الزهر والرياض لمواقع حفرهم قال النابغة:
فلا زال قبر بين تبنى وحاسم * عليه من الوسمى طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا * سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام، ومسألة الله تعالى لهم الرضوان، والفعل إذا أضيف إلى السماوات كان لا تجوز إضافته إلى الأرض، فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر فعل يصح نسبته إليها، والعرب تفعل مثل هذا، قال الشاعر : يا ليت زوجك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا بعطف الرمح على السيف، وإن كان التقلد لا يجوز فيه، ومثل هذا يقدر في الآية فيقال: إنه تعالى أراد السماء لم تسق قبورهم، وأن الأرض لم تعشب عليها، وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله عز وجل، وربما شبه الشعراء النبات بضحك الأرض كما شبهوا المطر ببكاء السماء، وفي ذلك يقول أبو تمام:
إن السماء إذا لم تبك مقلتها * لم تضحك الأرض عن شئ من الخضر والزهر لا تنجلي أبصاره أبدا * إلا إذا رمدت من كثرة المطر بيان: قال الفيروزآبادي: هام يهيم هيما وهيمانا أحب امرأة، والهيام بالضم كالجنون من العشق، وقال: تبنى بالضم موضع، وقال: حاسم كصاحب موضع، و قال: الوسمي مطر الربيع الأول، وقال: الطل المطر الضعيف، والوابل المطر الشديد الضخم القطر، وقال الجوهري: الجوذان نبت نوره أصفر، وفي القاموس الغوف نبات طيب الرائحة.
29 - عدة الداعي: عن الصادق عليه السلام قال: إذا مات المؤمن صعد ملكاه فقالا:
يا ربنا أمت فلانا فيقول انزلا فصليا عليه عند قبره، وهللاني وكبراني واكتبا
ما تعملان له.
30 - أعلام الدين للديلمي: عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الانسان قد نفد أجله، وانقطع أكله، ألقى عليه الموت فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، الصارخة بويلها، الباكية بشجوها، فيقول ملك الموت: ويلكم مم الفزع؟ وفيم الجزع؟
والله ما أذهب لاحد منكم مالا ولا قربت له أجلا ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي إليكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، وبكوا على نفوسهم، حتى إذا حمل الميت على نعشه، رفرف روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي وولدي، لا تلعبن بكم الدنيا، كما لعبت بي جمعته من حله ومن غير حله، وخلفته لغيري، والمهناله، والتبعات على فاحذروا من مثل ما نزل بي.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.