بحارالانوار · كتاب العقل والعلم والجهل
باب 9 استعمال العلم، والاخلاص في طلبه، وتشديد الامر على العالم
ج ۲، ص ۲۵–۳۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
الشعراء: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون 224، 225، 226 الزمر: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب 17، 18 الصف: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون 2، 3
1 - أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن يزيد، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال:
قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: بم يعرف الناجي؟ فقال: من كان فعله لقوله موافقا فهو ناج ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع.
بيان: المستودع بفتح الدال: من استودع الإيمان أو العلم أياما ثم يسلب منه أي يتركه بأدنى فتنة.
2 - أمالي الصدوق: في كلمات الرسول صلى الله عليه وآله زينة العلم الإحسان.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: في قوله تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون. قال الصادق عليه السلام: نزلت في قوم وصفوا عدلا ثم خالفوه إلى غيره.
4 - وفي خبر آخر قال: هم بنو أمية، والغاوون بنو فلان.
بيان: قال الجوهري: كبه لوجهه أي صرعه، وكبكبه أي كبه، ومنه قوله تعالى
فكبكبوا فيها. أقول: ذكر أكثر المفسرين أن ضمير " هم " راجع إلى الآلهة، ولا يخفى أن ما ذكره عليه السلام أظهر. والعدل: كل أمر حق يوافق العدل والحكمة من الطاعات والأخلاق الحسنة والعقائد الحقة.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حفص، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها، يا حفص إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد (عليه) عاملون، وإلى ما هم صائرون، فخلم عنهم عند أعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت. ثم تلا قوله تعالى: تلك الدار الآخرة. الآية. وجعل يبكي ويقول: ذهبت والله الأماني عند هذه الآية، ثم قال: فاز والله الأبرار، تدري من هم؟ (هم) الذين لا يؤذون الذر كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا، يا حفص إنه يغفر الجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد، ومن تعلم وعمل وعلم لله دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلم لله، وعمل لله، وعلم لله. قلت: جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا؟ فقال:
فقد حد الله في كتابه فقال عز وجل: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. إن أعلم الناس بالله أخوفهم لله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهد هم فيها. فقال له رجل:
يا بن رسول الله أوصني، فقال: اتق الله حيث كنت فإنك لا تستوحش.
بيان: ما أنزلت الدنيا من نفسي لفظة من إما بمعنى في أو للتبعيض أي من منازل نفسي، كأن للنفس مواطن ومنازل للأشياء تنزل فيها على حسب درجاتها ومنازلها عند الشخص. قوله عليه السلام: ذهبت والله الأماني أي ما يرجوه الناس ويحكمونه ويتمنونه على الله بلا عمل، إذ الآية تدل على أن الدار الآخرة ليست إلا لمن لا يريد شيئا من العلو في الأرض والفساد، وكل ظلم علو، وكل فسق فساد. والذر: النمل الصغار، والمراد عدم إيذاء أحد من الناس، أو ترك إيذاء جميع المخلوقات حتى الذر، ولا ينافي ما ورد في بعض الأخبار من جواز قتل النمل وغيرها، إذ الجواز لا ينافي الكراهة، مع أنه يمكن حملها على ما إذا كانت مؤذية. قوله: لكيلا تأسوا أي لكيلا تحزنوا. قوله: فإنك لا تستوحش أي بل يكون الله تعالى أنيسك في كل حال.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الإصفهاني، عن المنقري، رفعه قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام فسأله عن مسائل، ثم عاد ليسأل عن مثلها، فقال علي بن الحسين عليهما السلام:
مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعملون ولما عملتم بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد من الله إلا بعدا.
ايضاح: لعل المراد النهى عن طلب علم لا يكون غرض طالبه العمل به، ولا يكون عازما على الإتيان به، ويحتمل أن يكون النهى راجعا إلى القيد، أي لا تكونوا غير عاملين بما علمتم حتى إذا طلبتم العلم الذي يلزمكم طلبه يكون بعد عدم العمل بما علمتم، فيكون مذموما من حيث عدم العمل لا من حيث الطلب.
7 - قرب الإسناد: ابن سعد، عن الأزدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أبلغ موالينا عنا السلام وأخبرهم أنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل، وأنهم لن ينالوا ولايتنا إلا بعمل أو ورع، و أن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره.
تبيين: قال الجزري: يقال: أغن عني الشرك، أي أصرفه وكفه، ومنه قوله تعالى:
لن يغنوا عنك من الله شيئا.
8 - الخصال: ابن الوليد، عن الصفار، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما حق العلم؟ قال: الإنصات له، قال: ثم مه؟ قال الاستماع له، قال: ثم مه؟ قال: الحفظ له، قال: ثم مه؟ قال: ثم العمل به، قال: ثم مه؟ قال ثم نشره.
أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن ابن نهيك، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القداح مثله.
بيان: لعل سؤال السائل كان عما يوجب العلم، أو عن آداب طلب العلم، ويحتمل أن يكون غرضه استعلام حقيقته، فأجابه عليه السلام ببيان ما يوجب حصوله لأنه الذي ينفعه فالحمل على المبالغة. والإنصات: السكوت عند الاستماع فإن كثرة المجادلة عند العالم توجب الحرمان عن علمه.
9 - عيون أخبار الرضا (ع): الوراق، عن ابن مهرويه، عن داود بن سليمان الغازي، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم، والعلم كله حجة إلا ما عمل به، والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصا والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له.
التوحيد: محمد بن عمرو بن علي البصري، عن علي بن الحسن المثنى، عن ابن مهرويه مثله.
بيان: لعل المراد بمواضع العلم الأنبياء والأئمة ومن اخذ عنهم العلم.
10 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن هارون، عن ابن زياد قال سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام - وقد سئل عن قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة - فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال له:
أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا، قال له: أفلا تعلمت حتى نعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة.
بيان: قوله: فيخصم. على البناء للمفعول، يقال: خاصمه فخصمه أي غلبه.
11 - أمالي الطوسي: المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، والمفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه جميعا، عن سعد، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
من تعلم لله عز وجل، وعمل لله وعلم لله، دعي في ملكوت السماوات عظيما، وقيل: تعلم لله، وعلم لله.
12 - أمالي الطوسي: بإسناد أخي دعبل، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال لخيثمة: أبلغ شيعتنا أنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره، وأبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة.
بيان: من وصف عدلا أي لغيره ولم يعمل به. ويحتمل أن يكون المراد أن يقول بحقية دين ولا يعمل بما قرر فيه من الأعمال.
13 - معاني الأخبار، عيون أخبار الرضا (ع): ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبد أحيا أمرنا فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا، قال : قلت يا ابن رسول الله فقد روي لنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
من تعلم علما ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار. فقال عليه السلام: صدق جدي عليه السلام أفتدري من السفهاء؟ فقلت: لا يا ابن رسول الله، قال: هم قصاص مخالفينا، وتدري من العلماء؟ فقلت: لا يا ابن رسول الله، فقال: هم علماء آل محمد عليهم السلام الذين فرض الله طاعتهم وأوجب مودتهم، ثم قال: وتدري ما معنى قوله:
أو ليقبل بوجوه الناس إليه؟ قلت: لا، قال: يعني والله بذلك ادعاء الإمامة بغير حقها، ومن فعل ذلك فهو في النار.
14 - ثواب الأعمال: أبي، عن سعد، عن الإصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عمل بما علم كفي ما لم يعلم.
بيان: كفي ما لم يعلم أي علمه الله بلا تعب.
15 - المحاسن: أبي، عن حماد، عن حريز، عن يزيد الصائغ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا يزيد أشد الناس حسرة يوم القيامة الذين وصفوا العدل ثم خالفوه، وهو قول الله عز وجل: أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله.
بيان: في جنب الله أي طاعة الله أو طاعة ولاة أمر الله الذين هم مقربوا جنابه فكأنهم بجنبه.
16 - المحاسن: في رواية عثمان بن عيسى أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: فكبكبوا فيها هم والغاوون. قال: من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره
17 - المحاسن: أبي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسرة والندامة والويل كله لمن لينتفع بما أبصر، ومن لم يدر الأمر الذي هو عليه مقيم أنفع هو له أم ضرر؟ قال قلت: فبما يعرف الناجي؟ قال: من كان فعله لقوله موافقا
فأثبت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع.
18 - فقه الرضا (ع): أروي من تعلم العلم ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو يصرف وجوه الناس إليه ليرئسوه ويعظموه فليتبوأ مقعده من النار.
19 - الإرشاد: في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام تركنا صدرها: الحمد لله الذي هدانا من الضلالة، وبصرنا من العمى، ومن علينا بالإسلام، وجعل فينا النبوة، وجعلنا النجباء، وجعل أفراطنا أفراط الأنبياء، وجعلنا خيره أمة أخرجت للناس، نأمر بالمعروف، وننهي عن المنكر، ونعبد الله ولا نشرك به شيئا، ولا نتخذ من دونه وليا، فنحن شهداء الله، والرسول شهيد علينا، نشفع فنشفع فيمن شفعنا له، وندعو فيستجاب دعاؤنا، ويغفر لمن ندعو له ذنوبه، أخلصنا لله فلم ندع من دونه وليا. أيها الناس تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
أيها الناس إني ابن عم نبيكم وأولاكم بالله ورسوله، فاسألوني ثم اسألوني، وكأنكم بالعلم قد نفد، وإنه لا يهلك عالم إلا يهلك بعض علمه، وإنما العلماء في الناس كالبدر في السماء، يضيئ نوره على سائر الكواكب، خذوا من العلم ما بدا لكم، وإياكم أن تطلبوه لخصال أربع: لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، أو تراؤوا به في المجالس، أو تصرفوا وجوه الناس إليكم للترؤس، لا يستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون و الذين لا يعلمون، نفعنا الله وإياكم بما علمنا، وجعله لوجهه خالصا إنه سميع مجيب.
بيان: الفرط: العلم المستقيم يهتدى به، وما لم يدرك من الولد، والذي يتقدم الواردة ليهيأ لهم ما يحتاجون إليه. فقوله عليه السلام: وجعل أفراطنا أفراط الأنبياء أي جعل أولادنا أولاد الأنبياء، أي نحن وأولادنا من سلالة النبيين، أو المراد أن الهادي منا أي الإمام إمام للأنبياء، وقدوة لهم أيضا، أو شفعاؤنا شفعاء الأنبياء أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: أنا فرطكم على الحوض.
20 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: العلم أصل كل حال سني، ومنتهى كل منزلة
رفيعة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. أي علم التقوى واليقين.
21 - وقال علي عليه السلام اطلبوا العلم. ولو بالصين، وهو علم معرفة النفس، وفيه معرفة الرب عز وجل.
22 - قال النبي صلى الله عليه وآله: من عرف نفسه فقد عرف ربه، ثم عليك من العلم بما لا يصح العمل إلا به، وهو الإخلاص.
23 - قال النبي صلى الله عليه وآله: نعوذ بالله من علم لا ينفع، وهو العلم الذي يضاد العمل بالإخلاص، واعلم أن قليل العلم يحتاج إلى كثير العمل لأن علم ساعة يلزم صاحبه استعماله طول عمره.
24 - قال عيسى عليه السلام: رأيت حجرا مكتوبا عليه: قلبني، فقلبته فإذا على باطنه:
من لا يعمل بما يعلم مشوم عليه طلب ما لا يعلم، ومردود عليه ما علم.
25 - أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام: إن أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشد من سبعين عقوبة أن اخرج من قلبه حلاوة ذكري، وليس إلى الله عز وجل طريق يسلك إلا بعلم، والعلم زين المرء في الدنيا وسائقه إلى الجنة، وبه يصل إلى رضوان الله تعالى، والعالم حقا هو الذي ينطق عنه أعماله الصالحة، وأوراده الزاكية وصدقه وتقواه، لا لسانه وتصاوله ودعواه، ولقد كان يطلب هذا العلم في غير هذا الزمان من كان فيه عقل ونسك وحكمة وحياء وخشية، وأنا أرى طالبه اليوم من ليس فيه من ذلك شئ، والعالم يحتاج إلى عقل ورفق وشفقة ونصح وحلم وصبر وبذل وقناعة، والمتعلم يحتاج إلى رغبة وإرادة وفراغ ونسك وخشية وحفظ وحزم.
بيان: علم التقوى هو العلم بالأوامر والنواهي والتكاليف التي يتقى بها من عذاب الله، وعلم اليقين علم ما يتعلق من المعارف بأصول الدين، ويحتمل أن يكون علم التقوى أعم منهما ويكون اليقين معطوفا على العلم وتفسيرا له أي العلم المأمور به هو اليقين.
قوله عليه السلام: وفيه معرفة الرب أي معرفة الشؤون التي جعلها الله تعالى للنفس، ومعرفة معايبها وما يوجب رفعتها وكمالاتها يوجب اكتساب ما يوجب كمال معرفته تعالى
بحسب قابلية الشخص، ويوجب العلم بعظمته وكمال قدرته فإنها أعظم خلق الله إذا عرفت كما هي . أو المراد أن معرفة صفات النفس معيار لمعرفته تعالى إذ لولا اتصاف النفس بالعلم لم يمكن معرفة علمه بوجه، وكذا سائر الصفات، أو المراد أنه كل ما عرف صفة في نفسه نفاه عنه تعالى لأن صفات الممكنات مشوبة بالعجز والنقص، وأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فإذا رأى الجهل في نفسه وعلم أنه نقص نزه ربه عنه، وإذا نظر في علمه ورأي أنه مشوب بأنواع الجهل، ومسبوق به ومأخوذ من غيره فنفى هذه الأشياء عن علمه تعالى، ونزهه عن الاتصاف بمثل علمه. وقيل: إن النفس لما كان مجردا يعرف بالتفكر في أمر نفسه ربه تعالى وتجرده، وقد عرفت ما فيه. وقد ورد معنى آخر في بعض الأخبار لهذا الحديث النبوي، وهو أن المراد أن معرفته تعالى بديهية فكل من بلغ حد التميز وعرف نفسه عرف أن له صانعا. قوله عليه السلام: العالم حقا " الخ " أي العالم يلزم أن يكون أعماله شواهد علمه ودلائله، لا دعواه التي تكذبها أعماله القبيحة. و التصاول: التطاول والمجادلة، يقال: الفحلان يتصاولان أي يتواثبان.
26 - غوالي اللئالي: عن النبي صلى الله عليه وآله العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع.
27 - السرائر: من كتاب المشيخة لابن محبوب، عن الهيثم بن واقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه الله من الدنيا سالما إلى دار السلام.
28 - السرائر: من كتاب أبي القاسم بن قولويه عن أبي ذر قال: من تعلم علما من علم الآخرة يريد به الدنيا عرضا من عرض الدنيا لم يجد ريح الجنة.
29 - غوالي اللئالي: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه.
بيان: يهتف بالعمل أي العلم طالب للعمل، ويدعو الشخص إليه، فإن لم يعمل الشخص بما هو مطلوب العلم ومقتضاه فارقه.
30 - غوالي اللئالي: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، ورجل تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلى الله سبحانه فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه.
31 - غوالي اللئالي: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، وطالب علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك إلا أن يتوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به الدنيا فهو حظه.
بيان: قال الجوهري: النهمة: بلوغ الهمة في الشئ، وقد نهم فهو منهوم أي مولع انتهى. وقوله عليه السلام: أو يراجع يحتمل أن يكون الترديد من الراوي أو يكون " أو " بمعنى " الواو " أي يتوب إلى الله ويرد المال الحرام إلى صاحبه، أو تخص التوبة بما إذا لم يقدر على رد المال، والمراجعة بما إذا قدر عليه، وقرأ بعض الأفاضل على البناء للمفعول أي يراجع الله عليه بفضله ويغفر له بلا توبة. وقال: يمكن أن يقرأ على البناء للفاعل أي يراجع إلى الله بالأعمال الصالحة وترك أكثر الكبائر.
32 - تفسير الإمام العسكري: هدى للمتقين. الذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه على أنفسهم حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم.
33 - روضة الواعظين: روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من طلب العلم لله لم يصب منه بابا إلا ازداد في نفسه ذلا، وفي الناس تواضعا، ولله خوفا
وفي الدين اجتهادا، وذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه، ومن طلب العلم للدنيا و المنزلة عند الناس والحظوة عند السلطان لم يصب منه بابا إلا ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة، وبالله اغترارا، ومن الدين جفاءا، فلذلك الذي لا ينتفع بالعلم فليكف وليمسك عن الحجة على نفسه، والندامة والخزي يوم القيامة.
بيان: الجفاء: البعد.
34 - الحسين بن سعيد أو النوادر: النضر، عن درست، عن ابن أبي يعفور، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من وصف عدلا وخالفه إلى غيره كان عليه حسرة يوم القيامة.
35 - الحسين بن سعيد أو النوادر: النضر، عن الحلبي، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون. قال: هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم، ثم خالفوا إلى غيره.
36 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عبد الله بن بحر، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: فكبكبوا فيها هم والغاوون. فقال: يا أبا بصير هم قوم وصفوا عدلا وعملوا بخلافه.
37 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي أنه قال: سمعت عليا 4 يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منهومان لا يشبعان: منهوم في الدنيا لا يشبع منها، ومنهوم في العلم لا يشبع منه، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن تناولها من غير حلها هلك إلا أن يتوب ويراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل به نجا، ومن أراد به الدنيا هلك وهو حظه، العلماء عالمان: عالم عمل بعلمه فهو ناج، وعالم تارك لعلمه فقد هلك، وإن أهل النار ليتأذون من نتن ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له فأطاع الله فدخل الجنة، وأدخل الداعي إلى النار بتركه علمه واتباعه هواه، وعصيانه لله، إنما هما اثنان: اتباع الهوى، وطول
الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. أقول: تمامه في باب علة عدم تغيير أمير المؤمنين عليه السلام بعض البدع من كتاب الفتن.
38 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا . قيل: يا رسول الله ما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على أديانكم.
39 - وبهذا الإسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه وما آتى الله عبدا علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله تعالى بعدا وازداد الله تعالى عليه غضبا.
40 - كتاب الدرة الباهرة: قال النبي صلى الله عليه وآله: العلم وديعة الله في أرضه، والعلماء امناؤه عليه، فمن عمل بعلمه أدى أمانته، ومن لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الخائنين.
41 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا، إذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقنتم فاقدموا.
42 - وقال عليه السلام: قطع العلم عذر المتعللين.
43 - وقال عليه السلام: العلم مقرو بالعمل، فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه.
44 - وقال عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر قوام الدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وجواد لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه.
45 - وقال عليه السلام في بعض الخطب: واقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى واستنوا بسنته فإنها أهدى السنن، وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من
جهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم.
46 - كنز الكراجكي: عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فذلك حجة على العباد.
47 - وقال صلى الله عليه وآله: من ازداد في العلم رشدا فلم يزدد في الدنيا زهدا لم يزدد من الله إلا بعدا.
48 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم الله وهانوا على الناس.
49 - وقال عليه السلام: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم.
50 - العدة: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا.
51 - وروى حفص بن البختري قال: سمعت أبا عبد الله يقول: حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لكميل بن زياد النخعي: تبذل ولا تشهر، ووار شخصك ولا تذكر، وتعلم واعمل، واسكت تسلم، تسر الأبرار، وتغيظ الفجار، ولا عليك إذا عرفك الله دينه أن لا تعرف الناس ولا يعرفوك.
52 - وروى هشام بن سعيد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: فكبكبوا فيها هم والغاوون. قال: الغاوون هم الذين عرفوا الحق وعملوا بخلافه.
53 - وقال عليه السلام: أشد الناس عذابا عالم لا ينتفع من علمه بشئ.
54 - وقال عليه السلام: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا به لان العلماء همتهم الرعاية، والسفهاء همتهم الرواية.
55 - وقال صلى الله عليه وآله: العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه، أتعب صاحبه نفسه في جمعه ولم يصل إلى نفعه.
56 - وقال صلى الله عليه وآله: مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه.
57 - منية المريد: من كلام المسيح عليه السلام: من علم وعمل فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء.
58 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
59 - وقال صلى الله عليه وآله: من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار.
60 - وقال صلى الله عليه وآله: لا تعلموا العلم لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، و لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه كونوا ينابيع الحكمة، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض.
61 - وقال صلى الله عليه وآله: من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أو يأخذ به من الامراء.
62 - وقال صلى الله عليه وآله: ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا.
63 - وقال صلى الله عليه وآله: كل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به.
64 - وقال صلى الله عليه وآله: أشد الناس عذابا يوم القيامة، عالم لم ينفعه علمه.
65 - وعن الباقر عليه السلام قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها.
66 - ومن كلام عيسى عليه السلام تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء السوء! الأجر تأخذون
والعمل تضيعون!، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ وكيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له فليس يرضى شيئا أصابه؟
كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر من آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلب ليعمل به؟.
67 - ومن كلامه عليه السلام ويل للعلماء السوء تصلى عليهم النار. ثم قال: اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة: أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا فاجر قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها.
68 - وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا.
69 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام - في كلام له خطبه على المنبر -: أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت الحجة عليه أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ عن علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم، فتدهنوا ولا تدهنوا في الحق فتخسروا، وإن من الحق أن تفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه،
وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب ويندم.
70 - وعن أبي عبد الله عليه السلام قال كان لموسى بن عمران عليه السلام جليس من أصحابه قد وعى علما كثيرا، فاستأذن موسى في زيارة أقارب له، فقال له موسى: إن لصلة القرابة لحقا، ولكن إياك أن تركن إلى الدنيا فإن الله قد حملك علما فلا تضيعه وتركن إلى غيره، فقال الرجل: لا يكون إلا خيرا، ومضى نحو أقاربه فطالت غيبته، فسأل موسى عليه السلام عنه فلم يخبره أحد بحاله، فسأل جبرئيل عليه السلام عنه، فقال له: أخبرني عن جليسي فلان ألك به علم؟ قال: نعم هو ذا على الباب قد مسخ قردا في عنقه سلسلة، ففزع موسى عليه السلام إلى ربه وقام إلى مصلاه يدعو الله، ويقول: يا رب صاحبي وجليسي، فأوحى الله إليه يا موسى لو دعوتني حتى ينقطع ترقوتاك ما استجبت لك فيه، إني كنت حملته علما فضيعه وركن إلى غيره.
71 - وقال أبو عبد الله عليه السلام: العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.