بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم
باب 2 آخر ms02808 في
ج ۱۰، ص ۲۷–۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - الإحتجاج: روي عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي (عليه السلام) أن يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء (عليهم السلام) وعرف دلائلهم جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وابن عباس وأبو معبد الجهني، فقال: يا أمة محمد ما تركتم لنبي درجة ولا لمرسل فضيلة إلا نحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟
فكاع القوم عنه.
فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): نعم ما أعطى الله عز وجل نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد (صلى الله عليه وآله) وزاد محمد (صلى الله عليه وآله) على الأنبياء أضعافا مضاعفة.
فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبني؟ قال له: نعم، سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يقر الله به أعين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: ولا فخر، وأنا أذكر لك فضائله غير مزر بالأنبياء ولا منتقص لهم، ولكن شكر الله عز وجل على ما أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم
فقال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا فقال له على (عليه السلام): هات. قال له اليهودي: هذا آدم (عليه السلام) أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا من هذا؟
فقال له علي (عليه السلام): لقد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة إنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل، ولكن اعترفوا (اعترافا خ ل) لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله تعالى صلى عليه في جبروته، والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه فهذه زيادة له يا يهودي قال له اليهودي: فإن آدم تاب الله عليه من بعد خطيئته قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عز وجل: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) إن محمدا غير مواف القيامة بوزر ولا مطلوب فيها بذنب قال له اليهودي: فإن هذا إدريس (عليه السلام) رفعه الله عز وجل مكانا عليا وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، محمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إن الله جل ثناؤه قال فيه: (ورفعنا لك ذكرك) فكفى بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته فإن محمدا (صلى الله عليه وآله) أطعم في الدنيا في حياته بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل بجام من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام وهللت التحفة في يده وسبحا وكبرا وحمدا، فناولها أهل بيته ففعل الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل (عليه السلام) فقال له: كلها فإنها تحفة من الجنة أتحفك الله بها، وإنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل (صلى الله عليه وآله) وأكلنا معه (منه خ ل) وإني لا جد حلاوتها ساعتي هذه.
فقال له اليهودي: فهذا نوح (عليه السلام) صبر في ذات الله عز وجل وأعذار قومه إذ كذب.
قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب
وشرد وحصب بالحصى وعلاه أبو لهب بسلا شاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال: أن شق الجبال، وانته إلى أمر محمد (صلى الله عليه وآله)، فاتاه فقال له:
إني قد أمرت لك بالطاعة، فإن أمرت أن أطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها.
قال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت رحمة رب اهد أمتي فإنهم لا يعلمون ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق عليهم رقة القرابة وأظهر عليهم شفقة، فقال: (رب إن ابني من أهلي) فقال الله تبارك وتعالى اسمه: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) لما علنت من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين مقة قال له اليهودي فإن نوحا دعا ربه فهطلت له السماء بماء منهمر قال له (عليه السلام) لقد كان كذلك وكانت دعوته دعوة غضب ومحمد (صلى الله عليه وآله) هطلت له السماء بماء منهمر رحمة، إنه (عليه السلام) لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة، فقالوا له:
يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رئي بياض إبطيه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله، حتى أن الشاب المعجب بشبابه لتهمه نفسه في الرجوع إلى منزله فما يقدر من شدة السيل، فدام أسبوعا، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يا رسول الله لقد تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر، فضحك عليه الصلاة والسلام وقال: هذه سرعة ملالة ابن آدم ثم قال:
اللهم حوالينا ولا علينا اللهم في أصول الشيح ومراتع البقع) فرئي حوالي المدينة
المطر يقطر قطرا، وما يقع في المدينة قطرة لكرامته على الله عز وجل قال له اليهودي: فإن هذا هود (عليه السلام) قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل بمحمد (صلى الله عليه وآله) شيئا من هذا؟ قال (عليه السلام) لقد كان كذلك محمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إن الله عز وجل ذكره قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق إذ أرسل عليهم ريحا تذر والحصى، وجنودا لم يروها فزاد الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وآله على هود بثمانية آلاف ملك وفضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد (صلى الله عليه وآله) ريح رحمة، قال الله تبارك وتعالى: (يا إيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاء تكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) قال له اليهودي: فإن هذا صالح أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة قال علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد عليه وآله السلام أعطي ما هو أفضل من ذلك إن ناقة صالح لم تكلم صالحا ولم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة ومحمد (صلى الله عليه وآله) بينما نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قددنا ثم رغا فأنطقه الله عز وجل فقال: يا رسول الله إن فلانا استعملني حتى كبرت ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى صاحبه فاستوهبه منه فوهبه له وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها وقد استسلم للقطع لما زور عليه من الشهود، فنطقت له الناقة فقالت: يا رسول الله إن فلانا مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي.
قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الايمان به قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، وأعطي محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل من ذلك قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى وأحاطت دلالته (دلائله خ ل) بعلم الايمان به، وتيقظ إبراهيم وهو ابن خمسة عشرة سنة، ومحمد (صلى الله عليه وآله) كان ابن سبع سنين قدم تجار من النصارى فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ونعته وخبر مبعثه وآياته (صلى الله عليه وآله).
فقالوا له: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد قالوا: ما اسم أبيك؟ قال: عبد الله قالوا ما اسم هذه ؟ - وأشاروا بأيديهم إلى الأرض - قال: الأرض. قالوا:
فما اسم هذه؟ - وأشاروا بأيديهم إلى السماء - قال: السماء قالوا: فمن ربهما؟ قال:
الله، ثم انتهرهم وقال: أتشككونني في الله عز وجل؟ ويحك يا يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عز وجل مع كفر قومه إذ هو بينهم يستقسمون بالأزلام ويعبدون الأوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله.
قال اليهودي: فإن إبراهيم (عليه السلام) حجب عن نمرود بحجب ثلاثة فقال علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) حجب عمن أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل، قال الله عز وجل وهو يصف أمر محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: (وجعلنا من بين أيديهم سدا) فهذا الحجاب الأول (ومن خلفهم سدا) فهذا الحجاب الثاني (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) فهذا الحجاب الثالث، ثم قال: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) فهذا الحجاب الرابع، ثم قال: (فهي إلى الا ذقان فهم مقمحون) فهذه حجب خمسة قال له اليهودي: فإن إبراهيم (عليه السلام) قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أتاه مكذب بالبعث بعد الموت وهو أبي بن خلف الجمحي معه عظم نخر ففركه ثم قال: يا محمد (من يحيي العظام وهي رميم) فأنطق الله محمدا (صلى الله عليه وآله) بمحكم آياته وبهته ببرهان نبوته، فقال: (يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) فانصرف مبهوتا قال له اليهودي: فان هذا إبراهيم جذ أصنام قومه غضبا لله عز وجل.
قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله) قد نكس عن الكعبة ثلاث مائة و ستين صنما، ونفاها من جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف قال له اليهودي: فان هذا إبراهيم (عليه السلام) قد أضجع ولده وتله للجبين فقال
له على (عليهم السلام) لقد كان كذلك ولقد أعطي إبراهيم (عليه السلام) بعد الاضجاع (الاضطجاع خ ل) الفداء ومحمد (صلى الله عليه وآله) أصيب بأفجع منه فجيعة إنه وقف عليه وآله الصلاة والسلام على عمه حمزة أسد الله، وأسد رسوله، وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبين عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عز وجل بصبره ويستسلم لامره في جميع الفعال، وقال (صلى الله عليه وآله): لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك.
قال له اليهودي: فإن إبراهيم (عليه السلام) قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر فجعل الله عز وجل النار عليه بردا وسلاما فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟ قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله) لما نزل بخيبر سمته الخيبرية فستر الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، فالسم يحرق إذا استقر في الجوف، كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره.
قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب (عليه السلام) أعظم في الخير نصيبه، إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم ابنة عمران من بناته قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، و محمد (صلى الله عليه وآله) أعظم في الخير نصيبا منه إذ جعل فاطمة (عليها السلام) سيدة نساء العالمين من بناته والحسن والحسين من حفدته.
قال له اليهودي: فإن يعقوب (عليه السلام) قد صبر على فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن قال علي (عليه السلام) لقد كان كذلك وكان حزن يعقوب حزنا بعده تلاق ومحمد (صلى الله عليه وآله) قبض ولده إبراهيم قرة عينه في حياة منه، وخصه بالاختبار ليعظم له الادخار، فقال (صلى الله عليه وآله): تحزن النفس، ويجزع القلب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول ما يسخط الرب في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عز ذكره والاستسلام له في جميع الفعال.
فقال اليهودي: فإن هذا يوسف (عليه السلام) قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا للمعصية، فالقي في الجب وحيدا. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، محمد (صلى الله عليه وآله) قاسى مرارة الغربة وفارق الأهل والا ولاد والمال مهاجرا من حرم الله تعالى وأمنه فلما رأى الله عز وجل كآبته واستشعاره الحزن أراه تبارك وتعالى اسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف (عليه السلام) في تأويلها، وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم و مقصرين لا تخافون) ولئن كان يوسف (عليه السلام) حبس في السجن فلقد حبس رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه في الشعب ثلاثة سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرحم، و ألجؤوه إلى أضيق المضيق، فلقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا، إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف (عليه السلام) القي في الجب فلقد حبس محمد (صلى الله عليه وآله) نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه: (لا تحزن إن الله معنا) ومدحه الله بذلك في كتابه.
فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران (عليه السلام) آتاه الله التوراة التي فيها حكم قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل منه، أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) سورة البقرة والمائدة بالإنجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل و الحواميم بالتوراة، وأعطى نصف المفصل والتسابيح بالزبور، وأعطى سورة بني إسرائيل وبراءة بصحف إبراهيم (عليه السلام) وصحف موسى (عليه السلام)، وزاد الله عز ذكره محمدا (صلى الله عليه وآله) السبع الطوال، وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم وأعطى الكتاب والحكمة.
قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) ناجاه الله عز وجل على طور سيناء.
قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ولقد أوحى الله عز وجل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور.
قال له اليهودي فلقد ألقى الله على موسى (عليه السلام) محبة منه. قال له علي (عليه السلام)
لقد كان كذلك، ولقد أعطى الله محمدا (صلى الله عليه وآله) ما هو أفضل منه، لقد ألقى الله عز وجل عليه محبة منه، فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تم من الله عز وجل به الشهادة فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ينادى به على المنابر، فلا يرفع صوت بذكر الله عز وجل إلا رفع بذكر محمد (صلى الله عليه وآله) معه.
قال له اليهودي: لقد أوحى الله إلى أم موسى لفضل منزلة موسى (عليه السلام) عند الله عز وجل. قال علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه لام محمد (صلى الله عليه وآله) بأن أوصل إليها اسمه حتى قالت: إشهد والعالمون أن محمدا (صلى الله عليه وآله) منتظر، وشهد الملائكة على الأنبياء أنهم أثبتوه في الاسفار، وبلطف من الله عز وجل ساقه إليها ووصل إليها اسمه لفضل منزلته عنده حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إنما في بطنك سيد فإذا ولدته فسميه محمدا (صلى الله عليه وآله)، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله محمود وهذا محمد (صلى الله عليه وآله) قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أرسله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أرسله إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحارث وأبي بن خلف، ومنبه وبنيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، و الأسود بن المطلب، والحارث بن الطلاطلة فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى تبين لهم أنه الحق قال له اليهودي: لقد انتقاهم الله لموسى (عليه السلام) من فرعون. قال له علي (عليه السلام):
لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد (صلى الله عليه وآله) من الفراعنة، فأما المستهزؤون فقد قال الله تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) فقتل الله كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، فإما الوليد المغيرة فمر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه ووضعه في الطريق فأصابه شظية منه فانقطع أكحله حتى أدماه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد - (صلى الله عليه وآله) -.
وأما العاص بن وائل فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات وهو يقول: قتلني رب محمد - (صلى الله عليه وآله) -.
وأما الأسود بن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة فاستظل بشجرة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع عني هذا فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله وهو يقول: قتلني رب محمد وأما الأسود بن المطلب فإن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا عليه أن يعمي الله بصره وأن يثكله ولده فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع فأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقى حتى أثكله الله عز وجل ولده.
وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بينه في السموم فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول: قتلني رب محمد - (صلى الله عليه وآله) -.
وروي أن الأسود بن الحارث أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) في منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم فأتاه جبرئيل (عليه السلام) عن الله ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرء عليك السلام وهو يقول: (اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) يعني أظهر أمرك لأهل مكة و أدعهم إلى الا يمان قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟ قال له: (إنا كفيناك المستهزئين) قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي قال قد كفيتهم، فأظهر أمره عند ذلك،
وأما بقيتهم من الفراعنة فقتلوا يوم بدر بالسيف، وهزم الله الجمع وولوا الدبر.
قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران قد أعطي العصا فكانت تتحول ثعبانا. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا، إن رجلا كان يطالب أبا جهل بن هشام بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه و جلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه فقال له بعض المستهزئين: من تطلب؟
قال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين، قال: فأدلك على من يستخرج الحقوق؟ قال: نعم، فدله على النبي (صلى الله عليه وآله) وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فاتى الرجل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا محمد بلغني أن بينك و بين عمر وبن هشام حسن، وأنا أستشفع بك إليه، فقام معه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتى بابه، فقال له: قم يا أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه أبا جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه:
فعلت ذلك فرقا من محمد، قال: ويحكم أعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تتلألؤ، وعن يساره ثعبانان تصطك أسنانهما وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني ويقضمني الثعبانان، هذا أكبر مما أعطي، ثعبان بثعبان موسى (عليه السلام)، وزاد الله محمدا (صلى الله عليه وآله) ثعبانا وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يؤذي قريشا بالدعاء، فقام يوما فسفه أحلامهم، وعاب دينهم، وشتم أصنامهم، وضلل آباءهم فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا فيقتل به؟ فقالوا له: لا، قال: فأنا أقتله، فإن شاءت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قالوا: إنك إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به.
قال: إنه كثير السجود حول الكعبة فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته به، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فطاف بالبيت أسبوعا، ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل من قبل رسول الله فاغرا فاه نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه وارتعدت يده، وطرح الحجر فشدخ رجله فرجع مدمى متغير اللون يفيض عرقا فقال له أصحابه: ما رأينا كاليوم، قال:
: ويحكم أعذروني فإنه من عنده فحل فاغرا فاه فكاد يبتلعني فرميت بالحجر فشدخت رجلي.
قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) قد أعطي اليد البيضاء، فهل فعل بمحمد شئ من هذا؟ قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره أينما جلس، وكان يراه الناس كلهم قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) قد ضرب له في البحر طريق، فهل فعل بمحمد شئ من هذا؟ فقال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب، فقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: (اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة فأرني قدرتك) وركب (صلى الله عليه وآله) فعبرت الخيل لاتندى حوافرها، والإبل لا تندى أخفانها، فرجعنا فكان فتحنا فتحا قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) قد أعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة قد أعطي ما هو أفضل من ذلك، وذلك أن أصحابه شكوا إليه الظماء وأصابهم ذلك حتى التفت خواصر الخيل، فذكروا له (صلى الله عليه وآله) ذلك فدعا بركوة يمانية ثم نصب
يده المباركة فيها فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملأنا كل مزادة وسقاء، ولقد كنا معه بالحديبية وإذا ثم قليب جافة، فأخرج (صلى الله عليه وآله) سهما من كنانته فناوله البراء بن عازب فقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فأغرسه فيها ففعل ذلك فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد كان يوم الميضأة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته كحجر موسى حيث دعا بالميضأة فنصب يده فيها ففاضت بالماء وارتفع حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل، وشربوا حاجتهم، وسقوا دوابهم وحملوا ما أرادوا.
قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) قد أعطي المن والسلوى، فهل أعطي محمد (صلى الله عليه وآله) نظير هذا؟ قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إن الله عز وجل أحل له الغنائم ولامته ولم تحل لا حد قبله، فهذا أفضل من المن والسلوى، ثم زاده أن جعل النية له ولامته عملا صالحا، ولم يجعل لا حد من الا مم ذلك قبله فإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرة.
قال له اليهودي: فإن موسى (عليه السلام) قد ظلل عليه الغمام. قال له علي (عليه السلام):
لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك لموسى (عليه السلام) في التيه، وأعطي محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل من هذا، ان الغمامة كانت تظلله من يوم ولد إلى يوم قبض في حضره واسفاره، فهذا أفضل مما أعطي موسى (عليه السلام).
قال له اليهودي: فهذا داود قد ألان الله عز وجل له الحديد فعمل منه الدروع. قال له (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله ) أعطي ما هو أفضل منه إنه لين
الله عز وجل له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، ولقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، قد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته قال له اليهودي: فإن هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبال معه لخوفه. قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء وقد أمنه الله عز وجل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه، ويكون إماما لمن اقتدى به ولقد قام عليه وآله السلام عشر سنين على أصراف أصابعة حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله عز وجل قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: بلى أفلا أكون عبدا شكورا؟ ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل محمد (صلى الله عليه وآله) ما هو أفضل من هذا إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له: قر فليس عليك إلا نبي وصديق شهيد، فقر الجبل مجيبا لامره ومنتهيا إلى طاعته، ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا جبل فقال: يا رسول الله كان المسيح مربي وهو يخوف الناس بنار وقودها الناس والحجارة فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة، قال له: لا تخف تلك حجارة الكبريت، فقر الجبل وسكن وهدأ، وأجاب لقوله (صلى الله عليه وآله) قال له اليهودي: فإن هذا سليمان، أعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فقال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله وهو ميكائيل؟ فقال له: يا محمد عش ملكا منعما، وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، وتسير معك جبالها ذهبا وفضة، لا ينقص لك فيما ادخر لكفي الآخرة شئ، فأومأ إلى جبرئيل (عليه السلام) وكان خليله من الملائكة - فأشار إليه: أن تواضع فقال: بل أعيش نبيا عبدا، آكل يوما ولا آكل
يومين، وألحق بإخواني من الأنبياء من قبلي فراده الله تعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله تعالى على العرش فهذا أفضل مما أعطي سليمان ابن داود (عليه السلام) قال له اليهودي: فإن هذا سليمان قد سخرت له الرياح فسارت به في بلاده غدو ها شهر ورواحها شهر فقال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم فتدلى، فدلي له من الجنة رفرف أخضر و غشى النور بصره فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده ولم يرها بعينه فكان كقاب قوسين بينها وبينه أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة قوله تعالى: ((لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير) وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمد (صلى الله عليه وآله) وعرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، فلما أن صار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه فقال: (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه) فأجاب (صلى الله عليه وآله) مجيبا عنه وعن أمته فقال جل ذكره:
لهم الجنة والمغفرة علي إن فعلوا ذلك فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أمال إذا فعلت بنا ذلك (فغفر انك ربنا وإليك المصير) يعني المرجع في الآخرة قال: فأجابه الله جل ثناؤه: وقد فعلت ذلك بك وبأمتك ثم قال عز وجل: أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك فحق علي أن أرفعها عن أمتك. فقال:
(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت) من خير (وعليها ما اكتسبت) من شر فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لما سمع ذلك: أما إذ فعلت ذلك بي وبأمتي فزدني قال سل.
قال: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال الله عز وجل: لست أو اخذ أمتك بالنسيان والخطا لكرامتك علي، وكانت الأمم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد رفعت ذلك عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أخطؤوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه وقد رفعت ذلك عن أمتك لكرامتك علي فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم إذ أعطيتني ذلك فزدني فقال الله تعالى له: سل قال:
(ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) يعني بالإصر الشدائد التي كانت على من كان قبلنا فأجابه الله إلى ذلك فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة اخترتها لهم وإن بعدت وقد جعلت الأرض كلها لامتك، مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم، وقد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته فرجع مسرورا، ومن لم أقبل ذلك منه رجع مثبورا وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت على من كان قبلك، وكانت الأمم السالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك و فرضت عليهم صلواتهم في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم، وكانت الأمم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات وهي إحدى وخمسون ركعة، و
جعلت لهم أجر خمسين صلاة وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له وإن عملها كتبت له حسنة، وإن أمتك إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، و كانت أمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت عليه سيئة، وإن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعت ذلك عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم وجعلت توبتهم من الذنوب أن حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن أمتك وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم، وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا أعاقبهم بأن احرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد مائة سنة أو ثمانين سنة أو خمسين سنة ثم لا أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وإن الرجل من أمتك ليذنب عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة العين فأغفر له ذلك كله.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله) اللهم إذ أعطيتني ذلك كله فزدني قال سل قال: (ربنا (ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) فقال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمتك، وقد رفعت عنهم عظم بلا يا الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا) قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتائبي (بناجي خ ل) أمتك ثم قال: (فانصرنا على القوم الكافرين) قال الله عز اسمه: إن أمتك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك
علي وحق علي أن اظهر دينك على الأديان حتى لا يبقي في شرق الأرض وغربها دين إلا دينك، أو يؤدون إلى أهل دينك الجزية قال له اليهودي: فإن هذا سليمان (عليه السلام) سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ولقد أعطي محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل من هذا، أن الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، وقد سخرت لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) الشياطين بالايمان فأقبل إليه الجن التسعة من أشرافهم من جن نصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر من الا حجة منهم: شضاة، ومضاة، و الهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاة، وهاصب، وهاضب وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) وهم التسعة (يستمعون القرآن) فأقبل إليه الجن والنبي (صلى الله عليه وآله) ببطن النخل فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونصح المسلمين، فاعتذروا بأنهم قالوا على الله شططا وهذا أفضل مما أعطي سليمان سبحان من سخرها لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن كانت تتمرد وتزعم أن لله ولدا، فلقد شمل مبعثة من الجن والإنس مالا يحصى.
قال له اليهودي: فهذا يحيى بن زكريا يقال: إنه أوتي الحكم صبيا والحلم والفهم، وإنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم قال له علي (عليه السلام) لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من هذا إن يحيى بن زكريا كان في عصر الأوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أوتي الحكم و الفهم صبيا بين عبدة الأوثان وحزب الشيطان ولم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لأعيادهم، ولم ير منه كذب قط (صلى الله عليه وآله)، وكان أمينا صدوقا حليما، وكان يواصل صوم
الأسبوع والأقل وأكثر، فيقال في ذلك فيقول: إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني، وكان يبكي (صلى الله عليه وآله) حتى يبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم.
قال له اليهودي: فإن هذا عيسى بن مريم يزعمون أنه تكلم في المهد صبيا.
قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) سقط من بطن أمه واضعا يده اليسرى على الأرض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء يحرك شفتيه بالتوحيد، ويدا من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصرى من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من إصطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي (صلى الله عليه وآله) حتى فزعت الجن والإنس والشياطين وقالوا: حدث في الأرض حدث، ولقد رئيت الملائة ليلة ولد تصعد وتنزل وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط علامة لميلاده، ولقد هم إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع فلما رأوا الأعاجيب أرادوا أن يسترقوا السمع فإذا هموا قد حجبوا من السماوات كلها و رموا بالشهب دلالة لنبوته (صلى الله عليه وآله) قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه قد أبرأ الا كمه والأبرص بإذن الله عز وجل فقال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أعطي ما هو أفضل من ذلك أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما هو جالس (صلى الله عليه وآله) إذ سأل عن رجل من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنه قد صار من البلاء، كهيئة الفرخ لا ريش عليه فأتاه (عليه السلام) فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال: قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال:
نعم، كنت أقول: يا رب أيما عقوبة معاقبي بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): الا قلت: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)؟ فقالها فكأنما نشط من عقال وقال صحيحا وخرج معنا. ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام فشكا إليه (صلى الله عليه وآله) فأخذ قدحا من ماء
فتفل فيه ثم قال: امسح به جسدك ففعل فبرئ لم يوجد فيه شئ ولقد أتى أعرابي أبرص فتفل من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا ولئن زعمت أن عيسى (عليه السلام) أبرأ ذوي العاهات من عاهاتهم فإن محمدا (صلى الله عليه وآله) بينما هو في بعض أصحابه إذا هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وقمنا معه فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت أن عيسى (عليه السلام) أبرأ العميان فإن محمدا (صلى الله عليه وآله) قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إن قتادة بن ربعي كان رجلا صبيحا فلما أن كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن امر أتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يده ثم وضعها مكانها فلم تكن تعرف إلا بفضل حسنها وفضل ضوئها على العين الأخرى ولقد جرح عبد الله بن عتيك وبانت يده يوم ابن أبي الحقيق فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ليلا فمسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى ولقد أصاب محمد بن مسلمة يوم كعب بن الا شرف مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول الله فلم تستبينا.
ولقد أصاب عبد الله بن أنيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الأخرى فهذه كلها دلالة لنبوته (صلى الله عليه وآله) قال له اليهودي: فإن عيسى بن مريم يزعمون أنه قد أحيى الموتى بإذن الله تعالى. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) سبحت في يده تسع حصيات تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها لتمام حجة نبوته ولقد كلمته الموتى من بعد موتهم واستغاثوه مما خافوا من تبعته ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ههنا
من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي؟
وكان شهيدا.
ولئن زعمت أن عيسى (عليه السلام) كلم الموتى فلقد كان لمحمد (صلى الله عليه وآله) ما هو أعجب من هذا، إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزل بالطائف وحاصر أهلها بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطلية (مطبوخة خ ل) بسم فنطق الذراع منها فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإني مسمومة، فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله عز وجل على المنكرين لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي، ولقد كان (صلى الله عليه وآله) يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة، وتكلمه السباع وتشهد له بالنبوة وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما أعطي عيسى (عليه السلام).
قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك ، ومحمد (صلى الله عليه وآله) فعل ما هو أكثر من هذا، إن عيسى (عليه السلام) أنبأ قومه بما كان من وراء حائط، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أنبأ عن مؤتة وهو عنها غائب، ووصف حربهم ومن استشهد منهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر.
وكان يأتيه الرجل يريد أن يسأله عن شئ فيقول (صلى الله عليه وآله): تقول أو أقول؟ فيقول:
بل قل يا رسول الله فيقول: جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته.
ولقد كان (صلى الله عليه وآله) يخبر أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا، منها ما كان بين صفوان بن أمية وبين عمير بن وهب إذا أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني فقال له: كذبت بل قلت لصفوان وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر: والله للموت خير لنا من البقاء مع ما صنع محمد (صلى الله عليه وآله) بنا، وهل حياة بعد أهل القليب؟
فقلت أنت: لولا عيالي ودين علي لأرحتك من محمد فقال صفوان: علي أن أقضي دينك وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن من خير أو شر. فقلت أنت: فاكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لتقتلني فقال: صدقت يا رسول الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأشباه هذا مما لا يحصى.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه خلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله عز وجل فقال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) قد فعل ما هو شبيه بهذا أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال (صلى الله عليه وآله) للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، نسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للأخرى.
ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته ولكل غصن منها تسبيح وتهليل و تقديس، ثم قال لها: انشقي فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي فالتزقت، ثم قال لها: اشهدي لي بالنبوة فشهدت، ثم قال لها: ارجعي إلى مكانك بالتسبيح والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها بجنب الجزارين بمكة.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان سياحا. فقال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) كانت سياحته في الجهاد، واستنفر في عشر سنين مالا يحصى من حاضر وباد، وأفنى فئاما عن العرب من منعوت بالسيف، لا يداري بالكلام ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز لقتال عدوه.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه كان زاهدا. قال له علي (عليه السلام): لقد كان كذلك، ومحمد (صلى الله عليه وآله) أزهد الأنبياء عليهم السلام كان له ثلاث عشرة زوجة سوى من يطيف به من الإماء ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، وما أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي ودرعه مر هونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطئ له من البلاد ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد ثلاث مائة ألف وأربعمائة ألف، ويأتيه السائل بالعشي فيقول: و الذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير ولا صاع من بر ولا درهم ولا دينار.
قال له اليهودي: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله وأشهد أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد (صلى الله عليه وآله)، وزاد محمدا (صلى الله عليه وآله) على الأنبياء صلوات الله عليهم أضعاف درجة.
فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): أشهد يا أبا الحسن أنك من الراسخين في العلم فقال: ويحك ومالي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله تعالى في عظمته جلت فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) ايضاح: المقة بكسر الميم: المحبة والتهافت: التساقط والشيح بالكسر:
نبت تنبت بالبادية قوله صلوات الله عليه: (ومراتع البقع) البقع بالضم جمع الأبقع وهو ما خالطا بياضه لون آخر، ولعل المراد الغراب الأبقع فإنه يفر من الناس و يرتع في البوادي ويحتمل أن يكون في الأصل البقيع أو لفظ آخر، والظاهر أن فيه تصحيفا قوله: (بحجب ثلاثة) لعل المراد البطن والرحم والمشيمة حيث أخفى حمله عن نمرود، أوفي الغار بثلاثة حجب، أو أحدها عند الحمل والثاني في الغار والثالث في النار والمقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه، واختلف في تفسير الآية فقيل: إنه مثل ضربه الله تعالى للمشركين في إعراضهم عن الحق فمثلهم كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه لا يمكنه أن يبسطهما إلى خير، ورجل طامع برأسه لا يبصر موطئ قدميه:
وقيل: إن المعني بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وآله) فصاروا هكذا وهذا الخبر يدل على الأخير والسبع الطوال على المشهور من البقرة إلى الأعراف، و السابعة سورة يونس أو الأنفال وبراءة جميعا، لأنهما سورة واحدة عند بعض والمراد هنا ما يبقى بعد إسقاط البقرة والمائدة وبراءة وقوله: (والقرآن العظيم) أريد به بقية القرآن، أو المراد به الفاتحة أيضا وقوله: (وأعطي الكتاب) إشارة إلى البقية قوله: (عليه السلام): (في هذا الاسم) يحتمل أن يكون المعنى أن اسمه (صلى الله عليه وآله) يدل على أن الله تعالى ألقى محبته على العباد لدلالته على كونه محمودا في السماء والأرض، أو يكون المراد بالاسم الذكر، فكثيرا ما يطلق عليه مجازا، أو أن قوله: (إذ تم) في قوة البدل
من الاسم، والحاصل أنه من الذي يشركه في أن لا يتم الشهادة لله بالوحدانية إلا بذكر اسمه والشهادة له بالنبوة؟ كل هذا إذا قرئ (من) بالفتح، ويمكن أن يقرء بالكسر فيوجه بأحد الوجهين الا خيرين والنبل: السهام العربية ويقال: رشت السهم: إذا ألزقت عليه الريش والشظية: الفلقه من العصا ونحوها والا كحل:
عرق في اليد يفصد قوله: (وروي) الظاهر أنه كلام الطبرسي رحمه الله أدخله بين الخبر قوله:
أن يبعجوا بفتح العين أي أن يشقوا والشدخ: كسر الشئ الأجوف أي شدخت رأسه به ويقال: فغر فاه ، أي فتحه قوله: (وحتى التفت خواصر الخيل) أي جنبتاها من شدة العطش قوله (عليه السلام):
(وجعلها غارا) يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) ليلة الغار أحدث الغار ودخل فيه ولم يكن ثمة غار، وأما صخرة بيت المقدس فكان ليلة المعراج وأما قوله: (قد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته) أي رأينا تحت رايته عليه الصلاة والسلام أمثال ذلك كثيرا والمراد بالراية العلامة أي رأى بعض الصحابة ذلك تحت علامته في بيت المقدس، ويلوح لي أن فيه تصحيفا، وكان في الأصل (وجعلها هارا) فيكون إشارة إلى ما سيأتي في أبواب معجزاته (صلى الله عليه وآله) أن في غزوة الا حزاب بلغوا إلى أرض صلبة لا تعمل فيها المعاول، فصب (صلى الله عليه وآله) عليها ماء فصارت هائرة متساقطة فقوله: (قد رأينا ذلك) إشارة إلى هذا وقال الجزري: فيه: (إنه كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء) أي خنين من الجوف بالخاء المعجمة وهو صوت البكاء، وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء انتهى والمرجل كمذبر: القدر والأثافي: الأحجار يوضع عليها القدر والرفرف: ثياب خضر يتخذ منها المحابس وتبسط، وكسر الخباء، وجوانب الدرع وما تدلى منها، وما تدلى من أغصان الأيكة وفضول المحابس والفرش وكل ما
فضل فثنى والفراش، ذكرها الفيروزآبادي. قوله (عليه السلام): (فكان فيما أوحى إليه) لعل المعنى أنه كانت تلك الآية فيما أوحى الله إليه قبل تلك الليلة ليتأتى تبليغها أمته وقبولهم لها، فيكون ذكرها لبيان سبب ما أوحى إليه (صلى الله عليه وآله) في هذا الوقت، ويحتمل أن يكون التبليغ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من ذلك المكان في تلك الليلة قبل الوصول إلى ساق العرش، ويحتمل أن يكون التبليغ بعد النزول ويكون قوله: (فلما رأى الله تعالى منهم القبول) أي علم الله منهم أنهم سيقبلونها. والأول أظهر. والثبور: الهلاك والخسران.
قوله (عليه السلام): من الا حجة جمع حجيج بمعنى مقيم الحجة على مذهبه، وفي بعض النسخ: من الأجنحة، أي الرؤساء، أو اسم قبيلة منهم. قوله (عليه السلام): (وشي) أي بعد ما كان مشويا مطبوخا. ومؤتة بضم الميم وسكون الهمزة وفتح التاء: اسم موضع قتل فيها جعفر بن أبي طالب، وسيأتي قصته وكيف أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) عن شهادته و غيرها، والفئام بالكسر مهموزا: الجماعة الكثيرة كما ذكره اللغويون، وقد فسر في بعض أخبارنا بمائة ألف.
قوله (عليه السلام): (مع ما وطئ له من البلاد) على بناء المجهول من باب التفعيل، أي مهد وذلل ويسر له فتحها والاستيلاء عليها، من قولهم: فراش وطئ أي لا يؤذي جنب النائم.
قوله (عليه السلام): (جلت) معترضة ثنائية، أي جلت عظمته عن البيان، والأظهر أنه كان في الأصل (حيث قال) فصحف، وكذا الأظهر أن قوله: (نفس) تصحيف نعت أو وصف.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.