پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس عشر

21. باب وصايا علي بن الحسين عليهما السلام ومواعظه وحكمه 1

ج ۷۵، ص ۱۲۷–۱۶۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۷۵

إن علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة تركهم كل خليط وخليل، ورفضهم كل صاحب لا يريد ما يريدون. ألا وإن العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا، الاخذ للموت أهبته الحاث على العمل قبل فناء الأجل، ونزول ما لابد من لقائه، وتقديم الحذر قبل الحين فإن الله عز وجل يقول: " حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا

فيما تركت " فلينزلن أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا، النادم على ما فرط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته.

واعلموا عباد الله! أنه من خاف البيات تجافى عن الوساد، وامتنع من الرقاد وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا، فكيف - ويحك - يا ابن آدم من خوف بيات سلطان رب العزة؟ وأخذه الأليم وبياته لأهل المعاصي والذنوب مع طوارق المنايا بالليل والنهار، فذلك البيات الذي ليس منه منجى، ولا دونه ملتجأ، ولا منه مهرب. فخافوا الله أيها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى، فإن الله يقول: " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ". فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها، وتذكروا ضرر عاقبة الميل إليها، فإن زينتها فتنة وحبها خطيئة.

واعلم - ويحك - يا ابن آدم أن قسوة البطنة، وفترة الميلة، وسكر الشبع، وغرة الملك مما يثبط ويبطئ عن العمل وينسي الذكر، ويلهي عن اقتراب الأجل، حتى كأن المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب وأن العاقل عن الله، الخائف منه، العامل له ليمرن نفسه ويعودها الجوع، حتى ما تشتاق إلى الشبع، وكذلك تضمر الخيل لسبق الرهان.

فاتقوا الله عباد الله تقوى مؤمل ثوابه، وخاف عقابه، فقد لله أنتم أعذر وأنذر وشوق وخوف، فلا أنتم إلى ما شوقكم إليه من كريم ثوابه تشتاقون فتعملون، ولا أنتم مما خوفكم به من شديد عقابه وأليم عذابه ترهبون فتنكلون وقد نبأكم الله في كتابه أنه: " من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ". ثم ضرب لكم الأمثال في كتابه وصرف الآيات لتحذروا عاجل زهرة الحياة الدنيا فقال: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا، فاتقوا الله واتعظوا بمواعظ الله. وما أعلم إلا كثيرا منكم قد نهكته عواقب المعاصي فما حذرها، وأضرت بدينه فما مقتها. أما تسمعون النداء من الله بعيبها وتصغيرها حيث قال: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد. ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور * سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". وقال:

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ".

فاتقوا الله عباد الله وتفكروا واعملوا لما خلقتم له، فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى، قد عرفكم نفسه، وبعث إليكم رسوله، وأنزل عليكم كتابه، فيه حلاله وحرامه، وحججه وأمثاله، فاتقوا الله فقد احتج عليكم ربكم فقال: ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين: فهذه حجة عليكم فاتقوا الله ما استطعتم فإنه لا قوة إلا بالله ولا تكلان إلا عليه وصلى الله على محمد [نبيه] وآله.

2 - تحف العقول: كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه.

كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وعرفك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله، فرض لك في كل نعمة أنعم بما عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك، وأبدى فيه فضله عليك فقال: " لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ".

فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا، ولم ترد باطلا حين أدناك، وأحببت من حاد الله أو ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم،

واختلاف الخاصة والعامة إليهم. فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك، فيكف ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول.

وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " إنك لست في دار مقام. أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده.

احذر فقد نبئت، وبادر فقد أجلت، إنك تعامل من لا يجهل، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد.

ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك لكني أردت أن ينعش الله ما [قد] فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك وذكرت قول الله تعالى في كتابه: " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ".

أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب.

أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم

ذكرت خيرا علموه وعلمت شيئا جهلوه، بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك. إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا، وليس ذلك عندك، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم. أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدر قدره. فالله لنا ولك وهو المستعان.

أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسما لهم لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله. إنا لله وإنا إليه راجعون. على من المعول؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك.

فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، وكيف إعظامك لمن

جعلك بدينه في الناس جميلا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا. مالك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك، فتقول: والله ما قمت لله واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا، فهذا شكرك من استحملك ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه: " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " استحملك كتابه، واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به، والسلام.

3 - تحف العقول: وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني:

1 - وقال عليه السلام: الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

2 - وقال عليه السلام: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.

3 - وقيل له: من أعظم الناس خطرا (4)؟ فقال عليه السلام: من لم ير الدنيا خطرا لنفسه.

4 - وقال بحضرته رجل: اللهم أغنني عن خلقك. فقال عليه السلام: ليس هكذا: إنما الناس بالناس، ولكن قل: اللهم أغنني عن شرار خلقك.

5 - وقال عليه السلام: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس.

6 - وقال عليه السلام: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل.

7 - وقال عليه السلام: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل ،

فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير.

8 - وقال عليه السلام: كفى بنصر الله لك أن ترى عدوك يعمل بمعاصي الله فيك.

9 - وقال عليه السلام: الخير كله صيانة الانسان نفسه.

10 - وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر تحفة يسيرة.

11 - وقال له رجل: ما الزهد؟ فقال عليه السلام: الزهد عشرة أجزاء :

فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضى. وإن الزهد في آية من كتاب الله: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم ".

12 - وقال عليه السلام: طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة، ومذهبة للحياء، واستخفاف بالوقار وهو الفقر الحاضر. وقلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر.

13 - وقال عليه السلام: إن أحبكم إلى الله أحسنكم عملا، وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا، وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله.

14 - وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقال: يا أبه من هم (1)؟ قال عليه السلام: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد، ويبعد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بايعك باكلة أو أقل من ذلك، وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعونا في كتاب الله.

15 - وقال عليه السلام: إن المعرفة وكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه.

16 - وقال عليه السلام ابن آدم! إنك لا تزال بخير ما كان واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحذر لك دثارا.

ابن آدم! إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عز وجل، فأعد له جوابا.

17 - وقال عليه السلام: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بالتفقه. ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله.

18 - وقال عليه السلام: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له، وإما إن يعجل له، وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه.

19 - وقال عليه السلام: إن المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر ولا يأتي، إذا قام إلى الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر يمسي وهمه العشاء ولم يصم ويصبح وهمه النوم ولم يسهر، والمؤمن خلط عمله بحمله، يجلس ليعلم وينصت ليسلم، لا يحدث بالأمانة الأصدقاء، ولا يكتم الشهادة للبعداء، ولا يعمل شيئا من الحق رئاء، ولا يتركه حياء. إن زكي خاف مما يقولون، ويستغفر الله لما لا يعلمون، ولا يضره جهل من جهله.

20 - ورأي عليه السلام عليلا قد برئ فقال عليه السلام له: يهنئك الطهور من الذنوب إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره.

21 - وقال عليه السلام: خمس لو رحلتم فيهن لانضيتموهن وما قدرتم على مثلهن: لا يخاف عبد إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سئل عما لا يعلم أن يتعلم. والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.

22 - وقال عليه السلام: يقول الله: يا ابن آدم ارض بما آتيتك تكن من أزهد الناس. ابن آدم! إعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس. ابن آدم! اجتنب مما حرمت عليك تكن من أورع الناس.

23 - وقال عليه السلام: كم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بحسن الستر عليه، وكم من مستدرج بالاحسان إليه.

24 - وقال عليه السلام: يا سوأتاه لمن غلبت إحداته عشراته. - يريد أن السيئة بواحدة، والحسنة بعشرة -.

25 - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة. وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، لان الزاهدين اتخذوا أرض الله بساطا، والتراب فراشا، والمدر وسادا، والماء طيبا، وقرضوا المعاش من الدنيا تقريضا.

اعلموا أنه من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الحسنات وسلا عن الشهوات ومن أشفق من النار بادر بالتوبة إلى الله من ذنوبه، وراجع عن المحارم. ومن زهد

في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها.

وإن لله عز وجل لعبادا قلوبهم معلقة بالآخرة وثوابها، وهم كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين منعمين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، فأولئك شرورهم وبوائقهم عن الناس مأمونة، وذلك أن قلوبهم عن الناس مشغولة بخوف الله فطرفهم عن الحرام مغضوض، وحوائجهم إلى الناس خفيفة، قبلوا اليسير من الله في المعاش وهو القوت، فصبروا أياما قصارى لطول الحسرة يوم القيامة.

26 - وقال له رجل: إني لأحبك في الله حبا شديدا، فنكس عليه السلام رأسه ثم قال: اللهم إني أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض. ثم قال له:

أحبك للذي تحبني فيه.

27 - وقال عليه السلام: إن الله ليبغض البخيل السائل الملحف.

28 - وقال عليه السلام: رب مغرور مفتون يصبح لاهيا ضاحكا، يأكل ويشرب وهو لا يدري لعله قد سبقت له من الله سخطة يصلى بها نار جهنم.

29 - وقال عليه السلام: إن من أخلاق المؤمن الانفاق على قدر الاقتار.

والتوسع على قدر التوسع، وإنصاف الناس من نفسه، وابتداؤه إياهم بالسلام.

30 - وقال عليه السلام: ثلاث منجيات للمؤمن: كف لسانه عن الناس واغتيابهم، وإشغاله نفسه بما ينفعه لاخرته ودنياه، وطول البكاء على خطيئته.

31 - وقال عليه السلام: نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة له عبادة.

32 - وقال عليه السلام: ثلاث من كن فيه من المؤمنين كان في كنف الله وأظله الله يوم القيامة في ظل عرشه، وآمنه من فزع اليوم الأكبر: من أعطى من نفسه

ما هو سائلهم لنفسه، ورجل لم يقدم يدا ولا رجلا حتى يعلم أنه في طاعة الله قدمها أو في معصيته. ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه ، وكفى بالمرء شغلا بعيبه لنفسه عن عيوب الناس.

33 - وقال عليه السلام: ما من شئ أحب إلى الله بعد معرفته من عفة بطن وفرج، وما [من] شئ أحب إلى الله من أن يسأل.

34 - وقال لابنه محمد عليهما السلام: افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن بأهل كنت أنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره.

35 - وقال عليه السلام: مجالس الصالحين داعية إلى الصلاح وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة الامر تمام العز، واستنماء المال تمام المروة وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل. وفيه راحة للبدن عاجلا وآجلا.

36 - وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا قرأ هذه الآية: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " يقول عليه السلام: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا

المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه، فشكر عز وجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا، كما جعل علم العالمين أنهم لا يدركونه إيمانا، علما منه أنه قد [ر] وسع العباد فلا يجاوزون ذلك.

37 - وقال عليه السلام: سبحان من جعل الاعتراف بالنعمة له حمدا، سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكرا.

4 - أمالي الطوسي: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام وهو يقول: عجبا للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة، والعجب كل العجب لمن شك في الله وهو يرى الخلق، والعجب كل العجب لمن أنكر الموت وهو يموت في كل يوم وليلة، والعجب كل العجب لمن نكر النشأة - الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى، والعجب كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء.

5 - الدرة الباهرة: قال علي بن الحسين عليهما السلام: خف الله تعالى لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك، ولا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرك ولا تزهدن صداقة أحد، وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى ترجو صديقك، ولا تدري متى تخاف عدوك، ولا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره، وإن علمت أنه كاذب، وليقل عيب الناس على لسانك.

وقال عليه السلام: من عتب على الزمان طالت معتبته.

وقال عليه السلام: ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه، ومن اتكل على حسن اختيار الله عز وجل له لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله تعالى له.

وقال عليه السلام: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بملكه.

6 - أمالي الصدوق: عن أبيه، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يعظ الناس يزهدهم في الدنيا، ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وحفظ عنه وكتب، وكان يقول:

أيها الناس أتقول الله واعلموا أنكم إليه ترجعون " فتجد كل نفس ما عملت - في هذه الدنيا - من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه " ويحك ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه، ابن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك، ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك، وصرت إلى منزل وحيدا فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكاك منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تبعده، وعن نبيك الذي ارسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته، وفيما أتلفته، فخذ حذرك وانظر لنفسك، وأعد للجواب قبل الامتحان، والمسألة والاختبار، فإن تك مؤمنا تقيا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لأولياء الله لقاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب، فبشرت بالجنة والرضوان من الله والخيرات الحسان واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضت حجتك، وعييت عن الجواب وبشرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب، بنزل من حميم وتصلية جحيم.

فاعلم ابن آدم إن من وراء هذا ما هو أعلم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " ويجمع الله فيه الأولين والآخرين ذلك يوم ينفخ في الصور وتبعثر فيه القبور، ذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ من أحد فيه فدية، ولا تقبل من أحد فيه معذرة، ولا لاحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات، والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده ومن كان عمل من المؤمنين في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده.

فاحذروا أيها الناس من المعاصي والذنوب فقد نهاكم الله عنها وحذركموها في الكتاب الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وشدة أخذه عندما يدعوكم إليه الشيطان اللعين من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله يقول:

إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " فاشعروا قلوبكم - لله أنتم - خوف الله، وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما قد خوفكم من شديد العقاب، فإنه من خاف شيئا حذره، ومن حذر شيئا نكله، فلا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا فتكونوا من الذين مكروا السيئات، وقد قال الله تعالى " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم ".

فاحذروا ما قد حذركم الله، واتعظوا بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب ، تالله لقد وعظتم بغيركم، وإن السعيد من وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله في الكتاب ما فعل

بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: " وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (يعني يهربون) * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (فلما آتيهم العذاب) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " وأيم الله إن هذه لعظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم.

ثم رجع إلى القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب. فقال:

" ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين " فإن قلتم أيها الناس: إن الله إنما عنى بهذا أهل الشكر فكيف ذاك وهو يقول:

" ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين "؟.

اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، ولا تنشر لهم الدواوين وإنما تنشر الدواوين لأهل الاسلام، فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله لم يختر هذه الدنيا وعاجلها لاحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها، وظاهر بهجتها، وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم أيهم أحسن عملا لاخرته، وأيم الله لقد ضرب لكم فيها الأمثال، وصرف الآيات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون ولا قوة إلا بالله، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله يقول وقوله الحق " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض - الآية " فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قد قال لمحمد نبيه صلى الله عليه وآله ولأصحابه

" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " ولا تركنوا إلى زهرة الحياة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة وبلغة، ودار عمل، فتزودوا الأعمال الصالحة منها قبل أن تخرجوا منها، وقبل الاذن من الله في خرابها، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها.

وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى، والزهد فيها، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، والراغبين العاملين لأجل ثواب الآخرة فإنما نحن به وله.

تحف العقول مرسلا مثله.

7 - أمالي الصدوق عن عبد الله بن النصر التيمي، عن جعفر بن محمد المالكي، عن عبد الله بن محمد بن عمرو الأطروش، عن صالح بن زياد، عن عبد الله بن ميمون السكري، عن عبد الله بن معز الأودي، عن عمران بن سليم، عن سويد بن غفلة، عن طاووس اليماني قال: مررت بالحجر فإذا أنا بشخص راكع وساجد فتأملته فإذا هو علي بن الحسين عليهما السلام فقلت: يا نفس رجل صالح من أهل بيت النبوة والله لأغتمن دعاءه فجعلت أرقبه حتى فرغ من صلاته ورفع باطن كفيه إلى السماء وجعل يقول: " سيدي سيدي هذه يداي قد مددتهما إليك بالذنوب مملوءة، وعيناي بالرجاء ممدودة، وحق لمن دعاك بالندم تذللا أن تجيبه بالكرم تفضلا، سيدي أمن أهل الشقاء فأطيل بكائي؟ أم من أهل السعادة خلقتني فأبشر رجائي، سيدي الضرب المقامع خلقت أعضائي؟ أم لشرب الحميم خلقت أمعائي؟ سيدي لو أن عبدا استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين منك، لكني أعلم أني لا أفوتك، سيدي لو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه، غير أني أعلم أنه

لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين، سيدي ما أنا وما خطري؟ هب لي بفضلك، وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهلك، إلهي وسيدي ارحمني مصروعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وارحمني مطروحا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي ".

قال طاووس: فبكيت حتى علا نحيبي فالتفت إلي فقال: ما يبكيك يا يماني أو ليس هذا مقام المذنبين؟ فقلت: حبيبي حقيق على الله أن لا يردك، وجدك محمد صلى الله عليه وآله، قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل نفر من أصحابه فالتفت إليهم فقال:

معاشر أصحابي أوصيكم بالآخرة، ولست أوصيكم بالدنيا، فإنكم بها مستوصون، وعليها حريصون. وبها مستمسكون، معاشر أصحابي إن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، أما رأيتم وسمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الأمم السالفة والقرون الماضية، لم تروا كيف فضح مستورهم، وأمطر مواطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد خفض عيشهم، ولين رفاهيتهم، صاروا حصائد النقم، ومدارج المثلاث، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

8 - أمالي الطوسي: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ابن آدم لا يزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحزن لك دثارا، ابن آدم إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عز وجل ومسؤول فأعد جوابا.

9 - الخصال: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن

محبوب، عن ابن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله عز وجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله.

10 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ثم قال: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت، وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم في مقام القيامة فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا آدم حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت، ثم تلا: " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " قال: هو القبر وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: قد علم ساكن السماء ساكن الجنة من ساكن النار، فأي الرجلين أنت وأي الدارين دارك.

كتاب الغايات لجعفر بن أحمد القمي (ره) مرسلا مثله.

11 - تحف العقول: موعظة وزهد وحكمة:

كفانا الله وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين،

أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد، وهشيمها البائد غدا واحذروا ما حذركم الله منها، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدها دارا وقرارا، بالله إن لكم مما فيهما عليها دليلا من زينتها، وتصريف أيامها، وتغيير انقلابها ومثلاتها، وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل وتضع الشريف، وتورد النار أقواما غدا، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه.

وإن الأمور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن وحوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان لتدبير القلوب عن نيتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله عز وجل فليس يعرف تصرف أيامها، وتقلب حالاتها، وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله، ونهج سبيل الرشد، وسلك طريق القصد. ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر، واتعظ بالعبر وازدجر، فزهد في عاجل بهجة الدنيا،

وتجافى عن لذاتها، ورغب في دائم نعيم الآخرة، وسعى لها سعيها، وراقب الموت، وشنأ الحياة مع القوم الظالمين، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر وأبصر حوادث الفتن، وضلال البدع، وجور الملوك الظلمة، فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة، والانهماك فيها ما تستدلون به [على] تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق.

فاستعينوا بالله، وارجعوا إلي طاعته وطاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع وأطيع.

فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه.

وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم. وما العلم بالله والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، فحثه الخوف على العمل بطاعة الله، وإن أرباب العلم واتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله، واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله، فإن ذلك أقل للتبعة، وأدنى من العذر وأرجى للنجاة.

فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت، وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم، واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين " يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه ".

واعلموا أن الله لا يصدق كاذبا، ولا يكذب صادقا، ولا يرد عذر مستحق،

ولا يعذر غير معذور، بل لله الحجة على خلقه بالرسل والأوصياء بعد الرسل.

فاتقوا الله واستقبلوا من إصلاح أنفسكم وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم على ما فد فرط بالأمس في جنب الله، وضيع من حق الله واستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنه يقبل التوبة، ويعفوا عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، وإياكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين. احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولي الله في نار تلتهب، تأكل أبدانا [قد غابت عنها أرواحها] غلبت عليها شقوتها [فهم موتى لا يجدون حر النار (3)] فاعتبروا يا أولي الأبصار واحمدوا الله على ما هداكم. واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين.

12 - مجالس المفيد: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف عن ابن مهزيار، عن ابن محبوب، عن ابن عطية، عن الثمالي قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين عليهما السلام إلا ما بلغني عن علي بن أبي طالب عليه السلام.

ثم قال أبو حمزة: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته، قال أبو حمزة: فقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين عليهما السلام وكتبتها فيها وأتيته به فعرضته عليه فعرفه، وصححه وكان فيها بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين - إلى آخر الخبر.

13 - مجالس المفيد: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن صفوان، عن ابن حازم، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

ما من خطوة أحب إلى الله من خطوتين: خطوة يسد بها صفا في سبيل الله تعالى، وخطوة إلى ذي رحم قاطع يصلها، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعتين: جرعة غيظ يردها مؤمن بحلم، وجرعة جزع يردها مؤمن بصبر. وما من قطرة أحب إلى الله من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمع في سواد الليل من خشية الله.

كتاب الغايات عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: مامن خطوة - إلى آخر الحديث.

14 - مجالس المفيد: عن أحمد الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن أبي معروف، عن ابن مهزيار، عن ابن حديد، عن علي بن النعمان رفعه قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ويح من غلبت واحدته عشرته، وكان أبو عبد الله عليه السلام يقول:

المغبون من غبن عمره ساعة بعد ساعة، وكان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: أظهر اليأس من الناس فإن ذلك من الغنى، وأقل طلب الحوائج إليهم فان ذلك فقر حاضر، وإياك وما يعتذر منه، وصل صلاة مودع، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس وغدا خيرا منك اليوم فافعل.

15 - مجالس المفيد: بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن ابن فرقد، عن الزهري، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: ويل لقوم لا يدينون الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: من قال: لا إله إلا الله فلن يلج ملكوت السماء حتى يتم قوله بعمل صالح، ولا دين لمن دان الله بطاعة الظالم، ثم قال: وكل القوم ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر.

16 - مجالس المفيد: بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس، ومن اجتنب ما حرم الله عليه فهو من أعبد الناس ومن أورع الناس، ومن قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس.

17 - إعلام الورى: روي أن علي بن الحسين عليهما السلام رأى يوما الحسن البصري وهو يقص عند الحجر الأسود فقال له عليه السلام أترضى يا حسن نفسك للموت؟ قال:

لا، قال: فعملك للحساب؟ قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فلله في أرضه معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن الطواف.

وقيل له: يوما إن الحسن البصري قال: ليس العجب ممن هلك كيف هلك؟

وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، فقال عليه السلام: أنا أقول: ليس العجب ممن نجا كيف نجا وأما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله.

18 - كشف الغمة: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تلا هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " يقول اللهم ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة، وأعني بعزم الإرادة، وهبني حسن المستعقب من نفسي، وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك، وارزقني قلبا ولسانا يتجاريان في ذم الدنيا وحسن التجافي منها حتى لا أقول إلا صدقا وأرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتى أكون في كل حال حيث أردت.

فقد قرعت بي باب فضلك فاقة * بحد سنان نال قلبي فتوقها وحتى متى أصف محن الدنيا ومقام الصديقين، وانتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا اشتكى ذل ملكة الدنيا وسوء أحكامها علي وقد رأيت وسمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظه.

وكلا الاقي نكبة وفجيعة * وكأس مرارات ذعافا أذوقها وحتى متى أتعلل بالأماني وأسكن إلى الغرور واعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها، وأنا أعرض لنكبات الدهر علي أتربص اشتمال البقاء، وقوارع الموت تختلف حكمي في نفسي ويعتدل حكم الدنيا.

وهن المنايا أي واد سلكته * عليها طريقي أو علي طريقها وحتى متى تعدني الدنيا فتخلف، وأئتمنها فتخون، لا تحدث جدة إلا بخلوق جدة، ولا تجمع شملا إلا بتفريق شمل حتى كأنها غيري محجبة ضنا تغار علي الألفة، وتحسد أهل النعم.

فقد آذنتني بانقطاع وفرقة * وأومض لي من كل أفق بروقها ومن أقطع عذرا من مغذ سيرا يسكن إلى معرس غفلة بأدواء نبوة الدنيا ومرارة العيش، وطيب نسيم الغرور، وقد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية وحال ذلك النسيم هبوات وحسرات، وكانت حركات فسكنت، وذهب كل عالم بما فيه.

فما عيشة إلا تزيد مرارة * ولا ضيقة إلا ويزداد ضيقها فكيف يرقى دمع لبيب أو يهدأ طرف متوسم على سوء أحكام الدنيا وما تفجأ به أهلها من تصرف الحالات، وسكون الحركات، وكيف يسكن إليها من يعرفها وهي تفجع الاباء بالأبناء، وتلهى الأبناء عن الاباء، تعدمهم أشجان قلوبهم وتسلبهم قرة عيونهم.

وترمي قساوات القلوب بأسهم * وجمر فراق لا يبوخ حريقها وما عسيت أن أصف عن محن الدنيا، وأبلغ من كشف الغطاء عما وكل به دور الفلك من علوم الغيوب ولست أذكر منها إلا قتيلا أفنته، أو مغيب ضريح تجافت عنه فاعتبر أيها السامع بهلكات الأمم، وزوال النقم، وفظاعة ما تسمع وترى من سوء آثارها في الديار الخالية، والرسوم الفانية، والربوع الصموت.

وكم عاقل أفنت فلم تبك شجوه * ولابد أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ وتأمل معاقل الملوك، ومصانع الجبارين، وكيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء وجاهرتهم بالمنكرات

وسحبت عليهم أذيال البوار، وطحنتهم طحن الرحى للحب، واستودعتهم هوج الرياح تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض.

فتلك مغانيهم وهذي قبورهم * توارثها أعصارها وقبورها أيها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من أمم السالفة، توقف وتفهم، وانظر أي عز ملك أو نعيم انس أو بشاشة ألف إلا نغصت أهله قرة أعينهم، وفرقتهم أيدي المنون، فألحقتهم بتجافيف التراب فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلبون وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا وصلصالا في الأرض هامدون.

وآليت لا تبقى الليالي بشاشة * ولا جدة إلا سريعا خلوقها وفي مطالع أهل البرزخ، وخمود تلك الرقدة، وطول تلك الإقامة طفيت مصابيح النظر، واضمحلت غوامض الفكر، وذم الغفول أهل العقول، وكم بقيت متلذذا في طوامس هوامد تلك الغرفات فنوهت بأسماء الملوك، وهتفت بالجبارين ودعوت الأطباء والحكماء، وناديت معادن الرسالة والأنبياء، أتململ تململ السليم وأبكي بكاء الحزين، أنادي ولات حين مناص.

سوى أنهم كانوا فبانوا وأنني * على جدد قصد سريعا لحوقها وتذكرت مراتب الفهم، وغضاضة فطن العقول، بتذكر قلب جريح،

فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة، ومن عجب كيف يسكن إليها من يعرفها، وقد استذهلت عقله بسكونها، وتزين المعاذير وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير، وكلما تراءت الآيات ونشرها من طي الدهر، عن القرون الخالية الماضية، وحالهم ومآلهم، وكيف كانوا وما الدنيا وغرور الأيام.

وهل هي إلا لوعة من ورائها * جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها وقد أغرق في ذم الدنيا الادلاء على طرق النجاة من كل عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما، ثم درست تلك المعالم فتنكرت الآثار، وجعلت في برهة من محن الدنيا وتفرقت ورثة الحكمة، وبقيت فردا كقرن الأعضب وحيدا أقول فلا أجد سميعا، وأتوجع فلا أجد مشتكى.

وإن أبكهم أجرض وكيف تجلدي * وفي القلب مني لوعة لا أطيقها وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا، وعذوبة مشارب أيامها، وأقتفي آثار المريدين، وأتنسم أرواح الماضين مع سبقهم إلى الغل والفساد، وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلاء، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخانني الصبر حتى كأنني أول ممتحن، أتذكر معارف الدنيا وفراق الأحبة.

فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * رأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخص بمعاتبتي؟ ومن أرشد بندبتي، ومن أبكى، ومن أدع أشجو بهلكة الأموات، أم بسوء خلف الاحياء، وكل يبعث حزني ويستأثر بعبراتي ومن يسعدني فأبكي وقد سلبت القلوب لبها، ورق الدمع، وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطباء، وكيف بهم وقد خالفوا الامرين، وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا إلى أنفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات.

حيارى وليل القوم داج نجومه * طوامس لا تجري بطئ خفوقها وقال عليه السلام: من ضحك ضحكة مج من عقله مجة علم.

وقال عليه السلام: إن الجسد إذا لم يمرض يأشر، ولا خير في جسد يأشر.

وقال عليه السلام: فقد الأحبة غربة.

وقال عليه السلام: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس.

10 - كتاب نثر الدرر لمنصور بن الحسن الابي: نظر علي بن الحسين عليهما السلام إلى سائل يبكي فقال: لو أن الدنيا كانت في كف هذا، ثم سقطت منه ما كان ينبغي له أن يبكي عليها.

وسئل عليه السلام: - لم - أوتم النبي صلى الله عليه وآله من أبويه؟ فقال: لئلا يوجب عليه حق المخلوق.

وقال لابنه: يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنه لن يعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم.

وبغله عليه السلام قول نافع بن جبير في معاوية حيث قال: كان يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال: كذب بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر.

وقيل له: من أعظم الناس خطرا قال: من لم ير للدنيا خطرا لنفسه.

قال وروي لنا الصاحب (ره)، عن أبي محمد الجعفري، عن أبيه، عن عمه جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما أشد بغض

قريش لأبيك؟ قال: لأنه أورد أولهم النار وألزم آخرهم العار، قال ثم جرى ذكر المعاصي فقال: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمضرته، ولا يحتمي من من الذنب لمعرته.

وقيل له عليه السلام: كيف أصبحت قال: أصبحنا خائفين برسول الله وأصبح جميع أهل الاسلام آمنين به.

وسمع عليه السلام رجلا كان يغشاه يذكر رجلا بسوء، فقال: إياك والغيبة فإنه إدام كلاب النار.

ومما أورد محمد بن الحسن بن حمدون في كتاب التذكرة من كلامه عليه السلام قال: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسعة رحمة الله عز وجل. خف الله عز وجل لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك، إذا صليت صل صلاة مودع، وإياك وما يعتذر منه، وخف الله خوفا ليس بالتعذير.

وقال عليه السلام: إياك والابتهاج بالذنب فان الابتهاج به أعظم من ركوبه.

وقال عليه السلام: هلك من ليس له حكيم يرشده، وذل من ليس له سفيه يعضده.

19 - روضة الواعظين:: قال علي بن الحسين عليهما السلام:

مليك عزيز لا يرد قضاؤه * عليم حكيم نافذ الامر قاهر عنا كل ذي عز لعزة وجهه * فكل عزيز للمهيمن صاغر لقد خشعت واستسلمت وتضاءلت * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى رفضها داع وبالزهد آمر

فجد ولا تغفل فعيشك زائل * وأنت إلى دار المنية صائر ولا تطلب الدنيا فإن طلابها * فإن نلت منها غبها لك ضائر 20 - الاختصاص: قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله فقال: مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فأما المصيبة الأولى فاليوم الذي ينقص من عمره، قال: وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شئ، والثانية أنه يستوفى رزقه، فإن كان حلالا حوسب عليه، وإن كان حراما عوقب عليه، قال: والثالثة أعظم من ذلك قيل: وما هي قال: مامن يوم يمسي إلا وقد دنى من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنة أم على النار.

وقال: أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من أمه. قالت الحكماء:

ما سبقه إلى هذا أحد.

21 - اعلام الدين قال علي بن الحسين عليهما السلام: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسعة رحمة الله.

وقال عليه السلام: خف الله تعالى لقدرته عليك واستحي منه لقربه منك.

وقال عليه السلام: لا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك فإنه لا تدري متى تخاف عدوك، ومتى ترجو صديقك. وإذا صليت فصل صلاة مودع.

وقال عليه السلام في جواب من قال: إن معاوية يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال:

بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر.

وقال عليه السلام: لكل شئ فاكهة وفاكهة السمع الكلام الحسن.

وقال عليه السلام: من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه، ومن لم يعرف داءه

أفسده دواؤه.

وقال عليه السلام لولده محمد الباقر عليه السلام: كف الأذى رفض البذاء، واستعن على الكلام بالسكوت، فإن للقول حالات تضر، فاحذر الأحمق.

وقال عليه السلام: لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به ولا تزهد في مراجعة الجهل، وإن كنت قد شهرت بخلافه وإياك والرضا بالذنب فإنه أعظم من ركوبه، والشرف في التواضع، والغنى في القناعة.

وقال عليه السلام: ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه.

وقال عليه السلام: خير مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء.

وقال عليه السلام: كل عين ساهرة يوم القيامة إلا ثلاث عيون: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية الله.

وقال عليه السلام: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بملكه.

وقال عليه السلام: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب النار.

وقال عليه السلام: من اتكل على حسن اختيار الله عز وجل لم يتمن أنه في حال غير حال التي اختارها الله له.

قيل: تشاجر هو عليه السلام وبعض الناس في مسائل من الفقه فقال عليه السلام: يا هذا إنك لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنة منا.

وقال عليه السلام: إذا صلى تبرز إلى مكان خشن يتخفى ويصلى فيه، وكان كثير البكاء، قال: فخرج يوما في حر شديد إلى الجبال ليصلي فيه فتبعه مولى له، وهو ساجد على الحجارة وهي خشنة حارة وهو يبكي فجلس مولاه حتى فرغ فرفع رأسه فكأنه قد غمس رأسه ووجهه في الماء من كثرة الدموع فقال له مولاه: يا مولاي أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال: ويحك إن يعقوب نبي بن نبي كان له

اثنى عشر ولدا فغيب عنه واحد منهم فبكى حتى ذهب بصره واحد ودب ظهره وشاب رأسه من الغم، وكان ابنه حيا يرجو لقاءه، فإني رأيت أبي وأخي وأعمامي وبني عمي ثمانية عشر مقتلين صرعى تسفي عليهم الريح فكيف ينقضي حزني وترقأ عبرتي.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.