بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 16 تطاير الكتب، وانطاق الجوارح، وسائر الشهداء في القيامة
ج ۷، ص ۳۰۵–۳۲۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
41 - 42.
النحل " 16 " ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون 84 " وقال تعالى ": ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء 89.
الاسراء " 17 " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقيه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم حسيبا
13 - 14 " وقال تعالى ": إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا 26.
الحج " 22 " ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس 78.
النور " 24 " ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجهلم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين
23 - 25.
يس " 36 " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون 65.
السجدة " 41 " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين
19 - 24.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله سبحانه: " فكيف ": أي فكيف حال الأمم وكيف يصنعون " إذا جئنا من كل أمة " من الأمم " بشهيد وجئنا بك " يا محمد " على هؤلاء " يعني قومه " شهيدا " ومعنى الآية أن الله تعالى يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته فيشهد لهم وعليهم، ويستشهد نبينا على أمته " يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض " معناه: لو يجعلون والأرض سواءا، كما قال سبحانه: " ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " وروي عن ابن عباس أن معناه: يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطؤونهم بأقدامهم كما يطؤون الأرض، وعلى القول الأول فالمراد أن الكفار يوم القيامة يودون أنهم لن يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواءا، لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب والخلود في النار، وروي أيضا أن البهائم يصيرون ترابا فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا " ولا يكتمون الله حديثا " قيل فيه أقوال: أحدها أنه عطف على قوله: " لو تسوى " أي ويودون أن لو لم يكتموا الله حديثا، لأنهم إذا سئلوا قالوا: " والله ربنا ما كنا مشركين " فتشهد عليهم جوارحهم بما عملوا فيقولون: يا ليتنا كنا ترابا ويا ليتنا لم نكتم الله شيئا، وهذا قول ابن عباس.
وثانيها أنه كلام مستأنف والمراد به أنهم لا يكتمون الله شيئا من أمور الدنيا
وكفرهم، بل يعترفون به فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنه لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " في بعض الأحوال، فإن للقيامة مواطن وأحوالا، ففي موطن لا يسمع كلامهم إلا همسا، وفي موطن ينكرون ما فعلوه من الكفر والمعاصي ظنا منهم أن ذلك ينفعهم، وفي موطن يعترفون بما فعلوه، عن الحسن.
وثالثها أن المراد أنهم لا يقدرون على كتمان شئ من الله تعالى لان جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه، فالتقدير: لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه هم.
ورابعها أن المراد: ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وآله وبعثه، عن عطا.
وخامسها أن الآية على ظاهرها، فالمراد: ولا يكتمون الله شيئا لأنهم ملجؤون إلى ترك القبائح والكذب، وقولهم: " والله ربنا ما كنا مشركين " عند أنفسنا لأنهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث تقربهم إلى الله، عن البلخي. وفي قوله تعالى: " ويوم نبعث من كل أمة شهيدا " يعني يوم القيامة بين سبحانه أنه يبعث فيه من كل أمة شهيدا وهم الأنبياء والعدول من كل عصر يشهدون على الناس بأعمالهم.
وقال الصادق عليه السلام: لكل زمان وأمة إمام تبعث كل أمة مع إمامها.
وفائدة بعث الشهداء مع علم الله سبحانه بذلك أن ذلك أهول في النفس، و أعظم في تصور الحال، وأشد في الفضيحة إذا قامت الشهادة بحضرة الملا مع جلالة الشهود وعدالتهم عند الله تعالى، ولأنهم إذا علموا أن العدول عند الله يشهدون عليهم بين يدي الخلائق فإن ذلك يكون زجرا لهم عن المعاصي، وتقديره: واذكر يوم نبعث.
" ثم لا يؤذن للذين كفروا " أي لا يؤذن لهم في الكلام والاعتذار، أو لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا، أو لا يسمع منهم العذر، يقال: أذنت له أي استمعت " ولا هم يستعتبون " أي لا يسترضون ولا يستصلحون، لان الآخرة ليست بدار تكليف، ومعناه: لا يسألون أن يرضوا الله بالكف عن معصية يرتكبونها.
وفي قوله سبحانه: " ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ":
أي من أمثالهم من البشر، ويجوز أن يكون ذلك الشهيد نبيهم الذي ارسل إليهم، ويجوز أن يكون المؤمنون العارفون يشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي، وفي هذا دلالة على أن كل عصر لا يجوز أن يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره، وهو عدل عند الله تعالى، وهو قول الجبائي وأكثر أهل العدل، وهذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا وإن خالفوهم في أن ذلك العدل والحجة من هو؟ " وجئنا بك " يا محمد " شهيدا على هؤلاء " يريد على قومك وأمتك.
وفي قوله تعالى: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ": معناه: وألزمنا كل إنسان عمله من خير أو شر في عنقه كالطوق لا يفارقه، وإنما قيل للعمل: طائر على عادة العرب في قولهم: جرى طائره بكذا، وقيل: طائره يمنه وشؤمه وهو ما يتطير به، و قيل: طائره حظه من الخير والشر، وخص العنق لأنه محل الطوق الذي يزين المحسن، والغل الذي يشين المسئ، وقيل: طائره كتابه، وقيل: معناه: جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه لان الطائر عندهم يستدل به على الأمور الكائنة، فيكون معناه: كل إنسان دليل نفسه وشاهد عليها، إن كان محسنا فطائره ميمون، وإن أساء فطائره مشوم " ونخرج له يوم القيمة كتابا " وهو ما كتبه الحفظة عليهم من أعمالهم " يلقيه " أي يرى ذلك الكتاب " منشورا " أي مفتوحا معروضا عليه ليقرأ ويعلم ما فيه، والهاء في " له " عائد إلى الانسان أو إلى العمل، ويقال له: " اقرأ كتابك " قال قتادة: و يقرء يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " أي محاسبا، وإنما جعله محاسبا لنفسه لأنه إذا رأى أعماله يوم القيامة كلها مكتوبة ورأي جزاء أعماله مكتوبا بالعدل أذعن عند ذلك وخضع واعترف، ولم يتهيأ له حجة ولا إنكار، وظهر لأهل المحشر أنه لا يظلم.
وفي قوله تعالى: " كل أولئك كان عنه مسؤولا ": معناه أن السمع يسأل عما سمع، والبصر عما رأى: والقلب عما عزم عليه، والمراد أن أصحابها هم المسؤولون ولذلك قال: " كل أولئك " وقيل: بل المعنى: كل أولئك الجوارح يسأل عما
فعل بها، قال الوالبي عن ابن عباس: يسأل العباد فيما استعملوها.
وفي قوله: " ليكون الرسول شهيدا عليكم ": أي بالطاعة والقبول، فإذا شهد لكم صرتم به عدولا تستشهدون على الأمم الماضية بأن الرسل قد بلغوهم الرسالة، وأنهم لم يقبلوا، وقيل: معناه: ليكون الرسول شهيدا عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم، وتكونوا شهداء على الناس بعده بأن تبلغوا إليهم ما بلغه الرسول إليكم.
وفي قوله عز وجل: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ": بين سبحانه أن ذلك العذاب يكون في يوم تشهد ألسنتهم فيه عليهم بالقذف، وسائر أعضائهم بمعاصيهم. وفي كيفية شهادة الجوارح أقوال: أحدها أن الله يبنيها ببنيه يمكنها النطق والكلام من جهتها فتكون ناطقة، والثاني أن الله تعالى يفعل فيها كلاما يتضمن الشهادة فيكون المتكلم هو الله تعالى دون الجوارح، وأضيف إليها الكلام على التوسع لأنها محل الكلام، والثالث أن الله تعالى يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة، ويظهر فيها أمارات دالة على كون أصحابها مستحقين للنار، فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال: عيناك تشهدان بسهرك، وأما شهادة الانس فبأن يشهدوا بألسنتهم إذا رأوا أنه لا ينفعهم الجحود. وأما قوله: " اليوم نختم على أفواههم " فإنه يجوز أن يخرج الألسنة ويختم على الأفواه، ويجوز أن يكون الختم على الأفواه في حال شهادة الأيدي والأرجل " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق " أي يتمم الله لهم جزاءهم الحق، فالدين بمعنى الجزاء، ويجوز أن يكون المراد جزاء دينهم الحق. وفي قوله: " اليوم نختم على أفواههم ": هذا حقيقة الختم فيوضع على أفواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على الكلام والنطق.
وفي قوله تعالى: " فهم يوزعون ": أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ولا يتفرقوا " حتى إذا ما جاؤوها " أي جاؤوا النار التي حشروا إليها " شهد عليهم سمعهم " بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه " وأبصارهم " بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا، وسائر " جلودهم " بما باشروه من المعاصي والاعمال القبيحة، وقيل: المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس و
المفسرين. " وقالوا " يعني الكفار " لجلودهم لم شهدتم علينا " أي يعاتبون أعضاءهم فيقولون: لم شهدتم علينا؟ " قالوا " أي فيقول جلودهم في جوابهم: " أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " أي مما ينطق، والمعنى: أعطانا الله آلة النطق والقدرة عليه وتم الكلام، ثم قال سبحانه: " وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون " في الآخرة " وما كنتم تستترون أن يشهد " أي من أن يشهد " عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم " أي لم يكن مهيأ لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الأعضاء، لأنكم كنتم بها تعملون فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة، وقيل: معناه: وما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن تشهد عليكم جوارحكم بها، لأنكم ما كنتم تظنون ذلك " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " لجهلكم بالله تعالى فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك، وروي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا فقالوا: أترى أن الله يسمع تسارنا؟ ويجوز أن يكون المعنى أنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله، وقيل: إن الكفار كانوا يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما نظهر " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم " " ذلكم " مبتدء، و " ظنكم " خبره، و " أرديكم " خبر ثان، ويجوز أن يكون " ظنكم " بدلا من " ذلكم " والمعنى: وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم، إذ هون عليكم أمر المعاصي، وأدى بكم إلى الكفر " فأصبحتم من الخاسرين " أي وظللتم من جملة من خسرت تجارته لأنكم خسرتم الجنة وحصلتم في النار.
وقال الصادق عليه السلام: ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفا كأنه يشرف على النار ويرجوه رجاءا كأنه من أهل الجنة، إن الله تعالى يقول: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم " الآية: ثم قال: إن الله عند ظن عبده به، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
" فإن يصبروا فالنار مثوى لهم " أي فإن يصبر هؤلاء على النار والامهال و ليس المراد به الصبر المحمود ولكنه الامساك عن إظهار الشكوى وعن الاستغاثة
فالنار مسكن لهم " وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين " أي وإن يطلبوا العتبى وسألوا الله أن يرضى عنهم فليس لهم طريق إلى الأعتاب فما هم ممن يقبل عذرهم ويرضى عنهم وتقدير الآية: إنهم إن صبروا وسكتوا وجزعوا فالنار مأواهم، كما قال سبحانه:
" اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم " والمعتب هو الذي يقبل عتابه ويجاب إلى ما سأل.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " يقول: خيره وشره معه حيث كان لا يستطيع فراقه حتى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل. " ص 379 " 2 - تفسير علي بن إبراهيم: قال: علي بن إبراهيم في قوله: " وإذا الصحف نشرت " قال:
صحف الاعمال. " ص 713 "
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " إلى قوله: " بما كانوا يكسبون " قال: إذا جمع الله الخلق يوم القيامة دفع إلى كل إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئا، فيشهد عليهم الملائكة فيقولون: يا رب ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئا، وهو قوله: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم " فإذا فعلوا ذلك ختم على ألسنتهم وينطق جوارحهم بما كانوا يكسبون. " ص 552 "
4 - تفسير علي بن إبراهيم: حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون " فإنها نزلت في قوم يعرض عليهم أعمالهم فينكرونها فيقولون: ما عملنا منها شيئا، فيشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم.
فقال الصادق عليه السلام: فيقولون لله: يا رب هؤلاء ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون بالله ما فعلوا من ذلك شيئا، وهو قول الله: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم " وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين، فعند ذلك يختم الله على ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهد السمع بما سمع مما حرم الله، ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرم الله، وتشهد
اليدان بما أخذتا، وتشهد الرجلان بما سعتا مما حرم الله، وتشهد الفرج بما ارتكبت مما حرم الله، ثم أنطق الله ألسنتهم فيقولون هم لجلودهم: " لم شهدتم علينا " فيقولون: " أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون و ما كنتم تستترون " أي من الله " أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم " والجلود الفروج " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ". " ص
591 - 592 "
5 - تفسير العياشي: عن أبي معمر السعدي قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام في صفة يوم القيامة: يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسل فيسأل فذلك قوله لمحمد صلى الله عليه وآله: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وهو الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل عليهم السلام.
6 - تفسير العياشي: عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن جده قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يصف هول يوم القيامة، ختم على الأفواه فلا تكلم، وقد تكلمت الأيدي، وشهدت الأرجل، ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا.
7 - تفسير العياشي: عن أبي معمر السعدي قال: أتي عليا عليه السلام رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني شككت في كتاب الله المنزل، فقال له علي عليه السلام: ثكلتك أمك وكيف شككت في كتاب الله المنزل؟ فقال له الرجل: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا وينقض بعضه بعضا، قال: فهات الذي شككت فيه، فقال: لان الله يقول:
" يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " و يقول حيث استنطقوا: " قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ويقول: " يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " ويقول: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " و يقول: " لا تختصموا لدي " ويقول: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فمرة يتكلمون ومرة لا يتكلمون، ومرة ينطق الجلود والأيدي والأرجل، ومرة لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له علي عليه السلام: إن ذلك ليس في موطن واحد هي في مواطن في ذلك
اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة، فجمع الله الخلائق في ذلك اليوم في موطن يتعارفون فيه فيكلم بعضهم بعضا ويستغفر بعضهم لبعض، أولئك الذين بدت منهم الطاعة من الرسل والاتباع وتعاونوا على البر والتقوى في دار الدنيا، ويلعن أهل المعاصي بعضهم بعضا، الذين بدت منهم المعاصي في دار الدنيا وتعاونوا على الظلم و العدوان في دار الدنيا، والمستكبرون منهم والمستضعفون يلعن بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا، ثم يجمعون في موطن يفر بعضهم من بعض وذلك قوله: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه " إذا تعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " ثم يجمعون في موطن يبكون فيه فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلائق عن معائشهم، وصدعت الجبال إلا ما شاء الله، فلا يزالون يبكون حتى يبكون الدم، ثم يجتمعون في موطن يستنطقون فيه فيقولون: " الله ربنا ما كنا مشركين " ولا يقرون بما عملوا فيختم على أفواههم و يستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتنطق فتشهد بكل معصية بدت منهم، ثم يرفع الخاتم عن ألسنتهم فيقولون لجلودهم وأيديهم وأرجلهم: " لم شهدتم علينا " فتقول:
" أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " ثم يجمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلائق فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، ويجتمعون في موطن يختصمون فيه ويدان لبعض الخلائق من بعض وهو القول، وذلك كله قبل الحساب، فإذا اخذ بالحساب شغل كل بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم.
8 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال:
قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته: فلما وقفوا عليها قالوا: " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " إلى قوله: " وإنهم لكاذبون ".
9 - تفسير العياشي: عن خالد بن يحيى (نجيح ظ)، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم " قال: يذكر العبد جميع ما عمل وما كتب عليه حتى كأنه فعله
تلك الساعة، فلذلك قوله: " يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ".
10 - تفسير العياشي: عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة دفع إلى الانسان كتابه، ثم قيل له: اقرأ، قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: إن الله يذكره فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شئ فعله إلا ذكره، كأنه فعله تلك الساعة فلذلك قالوا: " يا ويلنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ".
11 - تفسير الإمام العسكري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إن الله عز وجل كما أمركم أن تحتاطوا لأنفسكم وأديانكم وأموالكم باستشهاد الشهود العدول عليكم فكذلك قد احتاط على عباده ولكم في استشهاد الشهود عليهم، فلله عز وجل على كل عبد رقباء من كل خلقه ومعقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ويحفظون عليه ما يكون منه من أعماله وأقواله وألفاظه وألحاظه، والبقاع التي تشتمل عليه شهود ربه له أو عليه، والليالي والأيام والشهور شهوده عليه أو له، وسائر عباد الله المؤمنين شهوده عليه أو له، وحفظته الكاتبون أعماله شهود له أو عليه، فكم يكون يوم القيامة من سعيد بشهادتها له، وكم يكونوا يوم القيامة من شقي بشهادتها عليه، إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة عباده أجمعين وإماءه فيجمعهم في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، ويحشر الليالي والأيام، ويستشهد البقاع والشهور على أعمال العباد، فمن عمل صالحا شهدت له جوارحه وبقاعه وشهوده وأعوامه وساعاته وأيامه وليالي الجمع وساعاتها وأيامها فيسعد بذلك سعادة الأبد، ومن عمل سوءا شهدت عليه جوارحه وبقاعه وشهوره و
أعوامه وساعاته وليالي الجمع وساعاتها وأيامها فيشقى بذلك شقاء الأبد، فاعملوا ليوم القيامة وأعدوا الزاد ليوم الجمع - يوم التناد - وتجنبوا المعاصي فبتقوى الله يرجى الخلاص، فإن من عرف حرمة رجب وشعبان ووصلهما بشهر رمضان - شهر الله الأعظم - شهدت له هذه الشهور يوم القيامة، وكان رجب وشعبان وشهر رمضان شهوده بتعظيمه لها، وينادي مناد: يا رجب ويا شعبان ويا شهر رمضان كيف عمل هذا العبد فيكم؟ وكيف كانت طاعته لله عز وجل؟ فيقول رجب وشعبان وشهر رمضان:
يا ربنا ما تزود منا إلا استعانة على طاعتك، واستمدادا لمواد فضلك، ولقد تعرض بجهده لرضاك، وطلب بطاقته محبتك، فقال للملائكة الموكلين بهذه الشهور: ماذا تقولون في هذه الشهادة لهذا العبد؟ فيقولون: يا ربنا صدق رجب وشعبان وشهر رمضان، ما عرفناه إلا متلقيا في طاعتك، مجتهدا في طلب رضاك، صائرا فيه إلى البر والاحسان ولقد كان بوصوله إلى هذه الشهور فرحا مبتهجا، أمل فيها رحمتك، ورجا فيها عفوك ومغفرتك، وكان مما منعته فيها ممتنعا، وإلى ما ندبته إليه فيها مسرعا، لقد صام ببطنه وفرجه وسمعه وبصره وسائر جوارحه، ولقد ظمأ في نهارها ونصب في ليلها، وكثرت نفقاته فيها على الفقراء والمساكين، وعظمت أياديه وإحسانه إلى عبادك صحبها أكرم صحبة، وودعها أحسن توديع، أقام بعد انسلاخها عنه على طاعتك، ولم يهتك عند إدبارها ستور حرماتك، فنعم العبد هذا. فعند ذلك يأمر الله تعالى بهذا العبد إلى الجنة فتلقاه ملائكة الله بالحباء والكرامات، ويحملونه على نجب النور وخيول البرق، ويصير إلى نعيم لا ينفد، ودار لا تبيد، لا يخرج سكانها، ولا يهرم شبانها ولا يشيب ولدانها، ولا ينفد سرورها وحبورها، ولا يبلى جديدها، ولا
يتحول إلى الغموم سرورها، ولا يمسهم فيها نصب، ولا يمسهم فيها لغوب، قد أمنوا العذاب، وكفوا سوء الحساب، وكرم منقلبهم ومثواهم - وساق الحديث إلى أن قال -: ما من امرأتين احترزتا في الشهادة فذكرت إحديهما الأخرى حتى تقيما الحق وتتقيا الباطل إلا وإذا بعثهما الله يوم القيامة عظم ثوابها ولا يزال يصب عليهما النعيم ويذكرهما الملائكة ما كان من طاعتهما في الدنيا وما كانتا فيه من أنواع الهموم فيها وما أزاله الله عنهما حتى خلدهما في الجنان، وإن فيهن لمن تبعث يوم القيامة فيؤتى بها قبل أن تعطى كتابها فترى السيئات بها محيطة وترى حسناتها قليلة فيقال لها يا أمة الله هذه سيئاتك فأين حسناتك؟ فتقول لا أذكر حسناتي، فيقول الله لحفظتها:
يا ملائكتي تذاكروا حسناتها وذكروا خيراتها، فيتذاكرون حسناتها يقول الملك الذي على اليمين للملك الذي على الشمال: أما تذكر من حسناتها كذا وكذا؟ فيقول: بلى و لكني أذكر من سيئاتها كذا وكذا فيعدد، ويقول الملك الذي على اليمين له: أفما تذكر توبتها منها؟ قال: لا أذكر، قال أما تذكر أنها وصاحبتها تذكرتا الشهادة التي كانت عندهما حتى أيقنتا وشهدتاها ولم تأخذهما في الله لومة لائم؟ فيقول: بلى، فيقول الملك الذي على اليمين للذي على الشمال: أما تلك الشهادة منهما توبة ماحية لسالف ذنوبهما، ثم تعطيان كتابهما بأيمانهما فتوجد حسناتهما كلها مكتوبة وسيئاتهما كلها ثم تجدان في آخرهما:
يا أمتي أقمت الشهادة بالحق للضعفاء على المبطلين ولم تأخذك فيها لومة اللائمين فصيرت لك ذلك كفارة لذنوبك الماضية ومحوا لخطيئاتك السالفة.
12 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه
في الدنيا والآخرة، فقلت: كيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب. " ج 2 ص
430 - 431 "
13 - تفسير النعماني: فيما رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام في أنواع آيات القرآن قال: ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال: " ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " يعني بالجلود ههنا الفروج، وقال تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " - وساق الحديث إلى أن قال -: ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة حتى يستنطق بقوله سبحانه: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ". " ص
64 - 65 "
14 - الكافي: علي بن محمد، عن بعض أصحابه. عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزاق ابن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال -: وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، الخبر. " ج 2 ص 32 "
16 - علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين، عن عبد الله بن علي الزراد قال سأل أبو كهمس أبا عبد الله عليه السلام فقال: يصلي الرجل نوافله في موضع أو يفرقها؟ قال: لا بل ههنا وههنا فإنها تشهد له يوم القيامة.
16 - الكافي: علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن سفيان الجريري، عن أبيه، عن سعد الخفاف، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يا سعد تعلموا القرآن فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليه الخلق، والناس صفوف عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف أمة محمد صلى الله عليه وآله وأربعون ألف صف من سائر الأمم، فيأتي على صف المسلمين في صورة رجل فيسلم فينظرون إليه، ثم يقولون: لا إله إلا الله الحليم الكريم إن هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعته وصفته غير أنه كان أشد اجتهادا منا في القرآن فمن هناك أعطي من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يجاوز (يتجاوز خ ل) حتى يأتي على صف الشهداء فينظر إليه الشهداء، ثم يقولون: لا إله إلا الله الرب الرحيم إن هذا الرجل من الشهداء، نعرفه بسمته وصفته غير أنه من شهداء البحر، فمن هناك أعطي من البهاء والفضل ما لم نعطه، قال:
فيجاوز (فيتجاوز خ ل) حتى يأتي على صف شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجبهم ويقولون: إن هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غير أن الجزيرة التي أصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة التي أصبنا فيها، فمن هناك أعطي من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يجاوز (يتجاوز خ ل) حتى يأتي صف النبيين والمرسلين في صورة نبي مرسل، فينظر النبيون والمرسلون إليه فيشتد لذلك تعجبهم ويقولون:
لا إله إلا الله الحليم الكريم إن هذا النبي مرسل نعرفه بصفته وسمته غير أنه أعطي فضلا كثيرا، قال: فيجتمعون فيأتون رسول الله صلى الله عليه وآله فيسألونه ويقولون: يا محمد من هذا؟ فيقول: أو ما تعرفونه؟ فيقولون: ما نعرفه، هذا ممن لم يغضب الله عليه، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا حجة الله على خلقه، فيسلم ثم يجاوز حتى يأتي صف الملائكة في صورة ملك مقرب فينظر إليه الملائكة فيشتد تعجبهم ويكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله ويقولون: تعالى ربنا وتقدس إن هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته وصفته غير أنه كان أقرب الملائكة من الله عز وجل مقاما، من هناك البس من النور والجمال
ما لم نلبس، ثم يجاوز حتى ينتهي إلى رب العزة تبارك وتعالى فيخر تحت العرش، فيناديه تبارك وتعالى: يا حجتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيرفع رأسه فيقول الله تبارك وتعالى: كيف رأيت عبادي فيقول: يا رب منهم من صانني وحافظ علي ولم يضيع شيئا، ومنهم من ضيعني و استخف بحقي وكذب وأنا حجتك على جميع خلقك، فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأثيبن عليك اليوم أحسن الثواب، ولأعاقبن عليك اليوم أليم العقاب، قال: فيرفع القرآن رأسه في صورة أخرى، قال: فقلت له يا أبا جعفر في أي صورة يرجع؟ قال: في صورة رجل شاحب متغير ينكره أهل الجمع، فيأتي الرجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول:
ما تعرفني؟ فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد الله، قال: فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأول فيقول: ما تعرفني؟ فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك، وأنصب عيشك، وسمعت الأذى، ورجمت بالقول في، ألا وإن كل تاجر قد استوفى تجارته وأنا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى رب العزة تبارك و تعالى فيقول: يا رب عبدك وأنت أعلم به قد كان نصبا بي، مواظبا علي، يعادى بسببي، ويحب في ويبغض في، فيقول الله عز وجل: أدخلوا عبدي جنتي، واكسوه حلة من حلل الجنة، وتوجوه بتاج، فإذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقال له: هل رضيت بما صنع بوليك؟ فيقول: يا رب إني أستقل هذا له فزده مزيد الخير كله، فيقول: وعزتي وجلالي وعلوي وارتفاع مكاني لأنحلن له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له ولمن كان بمنزلته: ألا إنهم شباب لا يهرمون، وأصحاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون، ثم تلا هذه الآية: " لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة
الأولى " قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر وهل يتكلم القرآن؟ فتبسم ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم، ثم قال: نعم يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى، قال سعد: فتغير لذلك لوني وقلت: هذا شئ لا أستطيع أتكلم به في الناس! فقال أبو جعفر عليه السلام: وهل الناس إلا شيعتنا؟ فمن لم يعرف بالصلاة فقد أنكر حقنا، ثم قال: يا سعد أسمعك كلام القرآن؟ قال سعد: فقلت: بلى صلى الله عليك، فقال: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " فالنهي كلام، والفحشاء والمنكر رجال، ونحن ذكر الله ونحن أكبر. " ج 2 ص
596 - 598 " * بيان: قوله عليه السلام: إن هذا الرجل من المسلمين لما توجه إلى صفهم ظنوا أنه منهم، وأما قولهم: نعرفه بنعته وصفته فيحتمل وجوها: الأول أن يكون يأتيهم بصورة من يعرفونه من حملة القرآن، الثاني أن يكون المراد أنا إنما نعرف أنه من المسلمين لكون نعته وصفته شبيهة بهم، ولعل زيادة نوره لقراءته القرآن أكثر من سائر المسلمين،
الثالث أنهم لما كانوا يتلون القرآن ويأنسون به وقد تصور بصورة لها مناسبة واقعية للقران فهم لانسهم بما يناسبه واقعا يعرفونه ويأنسون به، ولعدم علمهم بأن هذه صورة القرآن ظنوا أنه رجل وذهب عن بالهم اسمه، وقيل: لما كان المؤمن في نيته أن يعبد الله حق عبادته ويتلو كتابه حق تلاوته إلا أنه لا يتيسر له ذلك كما يريد و بالجملة لا يوافق عمله ما في نيته كما ورد في الحديث: نية المؤمن خير من عمله فالقرآن يتجلى لكل طائفة بصورة من جنسهم إلا أنه أحسن في الجمال والبهاء، وهي الصورة التي لو كانوا يأتون بما في نيتهم من العمل بالقرآن لكان لهم تلك الصورة، وإنما لا يعرفونه كما ينبغي لأنهم لم يأتوا بذلك كما ينبغي، وإنما يعرفونه بنعته ووصفه لأنهم كانوا يتلونه، وإنما وصفوا الله بالحلم والكرم والرحمة حين رؤيتهم لما رأوا في أنفسهم في جنبه من النقص والقصور الناشئين من تقصيرهم، يرجون من الله العفو والكرام والرحمة.
قوله عليه السلام: في صورة رجل شاحب يقال: شحب جسمه أي تغير، ولعل ذلك للغضب على المخالفين، أو للاهتمام بشفاعة المؤمنين، كما ورد أن السقط يقوم محبنطئا على باب الجنة، وقيل: لسماعه الوعيد الشديد، وهو وإن كان لمستحقيه إلا أنه لا يخلو من تأثير لمن يطلع عليه قوله عليه السلام: إنهم أهل تسليم أي يقبلون كل ما يسمعون من المعصومين عليهم السلام، ولا يرتابون ولا يتبعون الشبه ووساوس الشيطان قوله عليه السلام: يا سعد أسمعك كلام القرآن؟ هذا يحتمل وجوها:
الأول أن يقال: تكلم القرآن عبارة عن إلقائه إلى السمع ما يفهم منه المعنى وهذا هو معنى حقيقة الكلام لا يشترط فيه أن يصدر من لسان لحمي، وكذا تكلم الصلاة فإن من أتى بالصلاة بحقها وحقيقتها نهته الصلاة عن متابعة أعداء الدين وغاصبي حقوق الأئمة الراشدين، الذين من عرفهم عرف الله ومن ذكرهم ذكر الله.
الثاني أن لكل عبادة صورة ومثالا تترتب عليها آثار تلك العبادة، وهذه الصورة تظهر للناس في القيامة، فالمراد بقولهم عليهم السلام في موضع آخر: الصلاة رجل أنها في القيامة يتشكل بإزائها رجل يشفع لمن رعاها حق رعايتها، وفي الدنيا أيضا لا يبعد أن يخلق الله بإزائها ملكا أو خلقا آخر من الروحانيين يسدد من أتى
بالصلاة حق إتيانها ويهديه إلى مراشده، وكذا في القرآن وسائر العبادات.
الثالث ما أفيض علي ببركات الأئمة الطاهرين وبه ينحل كثير من غوامض أخبار الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وهو أنه كما أن الجسد الانساني له حياة ظاهرية من جهة الروح الحيوانية المنبعثة عن القلب الظاهري وبها يسمع و يبصر ويمشي وينطق ويحس فكذا له حياة معنوية من جهة العلم والايمان والطاعات فالايمان ينبعث من القلب المعنوي ويسري في سائر الأعضاء فينور العين بنور آخر كما قال النبي صلى الله عليه وآله: المؤمن ينظر بنور الله ويسمع بسمع آخر، وبالجملة يتصرف الايمان في بدنه وعقله ونفسه ويملكه بأسره فلا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا ما ينفعه ولا يسمع شيئا من الحق إلا فهمه وصدقه، ولا ينطق إلا بالحق، ولا يمشي إلا للحق فالايمان روح لذلك الجسد، ولذا قال تعالى في وصف الكفار: " أموات غير أحياء " وقال: " صم بكم عمى فهم لا يبصرون " وما ذلك إلا لذهاب نور الايمان من قلوبهم و جوارحهم، وكذا الصلاة إذا كملت في شخص وأتى بها كما هو حقها تصرف في بدنه ونورت قلبه وبصره وسمعه ولسانه ومنعته عن اتباع الشهوات، وحثته على الطاعات، وكذا سائر العبادات.
ثم إن القرآن ليس تلك النقوش بل هو ما يدل عليه تلك النقوش، وإنما صار الخط وما ينقش عليه محترما لدلالته على ذلك الكلام، والكلام إنما صار مكرما لدلالته على المعاني التي أرادها الله الملك العلام، فمن انتقش في قواه ألفاظ القرآن وفي عقله معانيه واتصف بصفاته الحسنة على ما هي فيه واحترز عما نهى الله عنه فيه و اتعظ بمواعظه وصير القرآن خلقه وداوى به أدواءه فهو أولى بالتعظيم والاكرام ولذا ورد أن المؤمن أعظم حرمة من الكعبة والقرآن، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه كما يطلق على الجسد لتعلق الروح والنفس به أنه إنسان فكذا يجوز أن يطلق على
البدن الذي كمل فيه الايمان وتصريف فيه وصار روحه أنه إيمان، وكذا الصلاة و الزكاة وسائر الطاعات، وهذا في القرآن أظهر لأنه قد انتقش بلفظه ومعناه واتصف بصفاته ومؤداه واحتوى عليه وتصرف في بدنه وقواه، فبالحري أن يطلق عليه القرآن فإذا عرفت ذلك ظهر لك سر الأخبار الواردة في أن أمير المؤمنين عليه السلام هو كلام الله و هو الايمان والاسلام والصلاة والزكاة، وقس على ذلك حال أعدائه وما ورد أنهم الكفر والفسوق والعصيان وشرب الخمر والزنا وسائر المحارم، لاستقرار تلك الصفات فيهم بحيث صارت أرواحهم الخبيثة، فلا يبعد أن يكون المراد بالصورة التي يأتي في القيامة هو أمير المؤمنين عليه السلام فيشفع لمن قرأ القرآن لأنه روحه، ولا يعمل بالقرآن إلا من يتولاه، وينادي القرآن بلعن من عاداه. ثم ذكر عليه السلام لرفع الاستبعاد أن الصلاة رجل وهو أمير المؤمنين فهو ينهى الناس عن متابعة من كمل فيه الفحشاء والمنكر - يعني أبا بكر وعمر - على هذا لا يبعد أن يكون قوله عليه السلام: أسمعك كلام القرآن؟ أشار به إلى أنه عليه السلام أيضا القرآن وكلامه كلام القرآن، وسيأتي مزيد توضيح لهذا التحقيق في كتاب الإمامة، وأنت إذا أحطت بذلك وفهمته انكشف لك كثير من الاسرار المطوية في أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين.
17 - الحسين بن سعيد أو النوادر: القاسم بن محمد، عن علي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يحاسب المؤمن أعطاه كتابه بيمينه وحاسبه فيما بينه وبينه فيقول: عبدي! فعلت كذا وكذا وعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب قد فعلت ذلك، فيقول: قد غفرتها لك وأبدلتها حسنات، فيقول الناس: سبحان الله أما كان لهذا العبد سيئة واحدة؟! وهو قول الله عز وجل: " فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب
حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا " قلت. أي أهل؟ قال: أهله في الدنيا هم أهله في الجنة إن كانوا مؤمنين، قال: وإذا أراد بعبد شرا حاسبه على رؤوس الناس وبكته وأعطاه كتابه بشماله وهو قول الله عز وجل: " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا " قلت: أي أهل؟
قال: أهله في الدنيا، قلت: قوله: " إنه ظن أن لن يحور " قال: ظن أنه لن يرجع.
18 - الحسين بن سعيد أو النوادر: القاسم، عن علي، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
إن المؤمن يعطى يوم القيامة كتابا منشورا مكتوب فيه: كتاب الله العزيز الحكيم أدخلوا فلانا الجنة.
19 - كتاب فضائل الشيعة للصدوق رحمه الله بإسناده عن الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: نحن الشهداء على شيعتنا، وشيعتنا شهداء على الناس، وبشهادة شيعتنا يجزون ويعاقبون.
20 - محاسبة النفس للسيد علي بن طاوس - قدس الله روحه - بإسناده إلى محمد بن علي بن محبوب من كتابه، بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من يوم يأتي على ابن آدم إلا قال ذلك اليوم: يا بن آدم أنا يوم جديد وأنا عليك شهيد فافعل بي خيرا واعمل في خيرا اشهد لك يوم القيامة، فإنك لن تراني بعدها أبدا. وفي نسخة أخرى: فقل في خيرا واعمل في خيرا.
21 - قال: ورأيت في كتاب مسعدة بن زياد الربعي فيما رواه عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: الليل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلا الثقلين: يا بن آدم أني على ما في شهيد فخذ مني، فإني لو طلعت الشمس لم تزدد في حسنة ولم تستعتب في من سيئة، وكذلك يقول النهار إذا أدبر الليل.
22 - الكافي: بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النهار إذا جاء قال: يا بن آدم اعمل في يومك هذا خيرا، اشهد لك به عند ربك يوم القيامة، فإني لم آتك فيما مضى ولا آتيك فيما بقي، وإذا جاء الليل قال مثل ذلك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.