بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 10 الميزان 1 الآيات، الأعراف 7
ج ۷، ص ۲۴۱–۲۵۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
8 - 9.
الكهف " 18 " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا 105.
الأنبياء " 21 " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين 47.
المؤمنين " 23 " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون
102 - 103.
القارعة " 101 " فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * وما أدراك ما هية * نار حامية
6 - 1.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: في قوله تعالى: " والوزن يومئذ الحق ": ذكر فيه أقول: أحدها أن الوزن عبارة عن العدل في الآخرة وأنه لا ظلم فيها على أحد.
وثانيها أن الله ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن به أعمال العباد:
الحسنات والسيئات عن ابن عباس والحسن، وبه قال الجبائي، واختلفوا في كيفية الوزن لان الاعمال أعراض لا تجوز عليها الإعادة، ولا يكون لها وزن، ولا تقوم بأنفسها، فقيل: توزن صحائف الاعمال، عن ابن عمر وجماعة، وقيل: تظهر علامات
للحسنات وعلامات للسيئات في الكفتين فتراها الناس، عن الجبائي، وقيل: تظهر للحسنات صورة حسنة، وللسيئات صورة سيئة، عن ابن عباس، وقيل: توزن نفس المؤمن والكافر، عن عبيد بن عمير، قال: يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة.
وثالثها: أن المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم ومقدار الكافر في الذلة كما قال سبحانه: " فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا " فمن أتى بالعمل الصالح الذي يثقل وزنه أي يعظم قدره فقد أفلح، ومن أتى بالعمل السيئ الذي لا وزن له ولا قيمة فقد خسر " فمن ثقلت موازينه " إنما جمع الموازين لأنه يجوز أن يكون لكل نوع من أنواع الطاعات يوم القيامة ميزان، ويجوز أن يكون كل ميزان صنفا من أصناف أعماله، و يؤيد هذا ما جاء في الخبر، إن الصلاة ميزان فمن وفى استوفى.
وقال الرازي في تفسيره: في وزن الافعال قولان: الأول في الخبر: أنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها، قال ابن عباس: أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون " الناجون قال: وهذا كما قال في سورة الأنبياء: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا ".
وأما كيفية وزن الاعمال على هذا القول ففيه وجهان: الأول: أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة، وأعمال الكافر تتصور بصورة قبيحة فتوزن تلك الصورة كما ذكره ابن عباس. والثاني أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف، وهذا القول مذهب المفسرين في هذه الآية، وعن عبد الله بن سلام أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش، إحدى كفتي الميزان على الجنة، والأخرى على جهنم، ولو وضعت السماوات والأرض في إحديهما لوسعتهن، وجبرئيل آخذ بعموده و ينظر إلى لسانه.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له تسعة وتسعون سجل، كل سجل منها مد البصر، فيها خطاياه و ذنوبه فتوضع في كفة الميزان، ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيوضع في الآخر فيرجح.
وعن الحسن: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة قد اغفي إذ سالت الدموع من عينها فقال: ما أصابك؟ ما أبكاك؟ قالت: ذكرت حشر الناس و هل يذكر أحد أحدا؟ فقال لها: يحشرون حفاة عراة، وقرأ: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " لا يذكر فيها أحدا عند الصحف وعند وزن الحسنات والسيئات.
وعن عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة.
والقول الثاني وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش أن المراد من الميزان العدل والقضاء، وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ومالوا إليه. أما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة فلان العدل في الاخذ والاعطاء لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا، فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدر ولا قيمة عند غيره يقال: إن فلان لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى: " فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا " ويقال أيضا: فلان يستخف بفلان، ويقال:
هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي يعادله ويساويه، مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة، وقال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا قوة * عندي لكل مخاصم ميزانه أراد: عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه، فجعل الوزن مثلا للعدل، إذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الآية هذا المعنى فقط، والدليل عليه أن الميزان إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشئ، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان، لان أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا، وأما قوله: الموزون صحائف الاعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الاعمال فنقول: إن المكلف يوم القيامة إما
أن يكون مقرا بأن الله تعالى عادل حكيم، أو لا يكون مقرا بذلك، فإن كان مقرا بذلك فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل و صواب، وإن لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان، لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والانصاف، فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه البتة.
وأجاب الأولون وقالوا: إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة، وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وحرقته وفضيحته في يوم القيامة.
ثم اختلفوا في كيفيته ذلك الرجحان فبعضهم قال: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات، وآخرون قالوا: بل يظهر رجحان في الكفة.
ثم الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد، والدليل عليه قوله تعالى:
" ونضع الموازين القسط ليوم القيمة ".
وقال في هذه الآية: " فمن ثقلت موازينه ": وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لافعال القلوب ميزان، ولافعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
قال الزجاج: إنما جمع الله الموازين ههنا لوجهين: الأول أن العرب قد يوقع لفظ الجمع على الواحد فيقولون: خرج فلان إلى مكة بالبغال، والثاني أن المراد بالموازين ههنا جمع موزون، والمراد الاعمال الموزونة، ولقائل أن يقول: هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره، ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، فما الموجب لتركه والمصير إلى التأويل؟.
وقال في قوله عز وجل: " فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا ": فيه وجوه: الأول
إنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار. الثاني: لا نقيم لهم ميزانا لان الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات. الثالث قال القاضي: إن من غلب معاصيه صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن، فلا يدخل في الوزن شئ من طاعته، وهذا التفسير بناءا على قوله: بالاحباط والتفكير.
وقال في قوله سبحانه: " ونضع الموازين القسط ": وصفها الله بذلك لان الميزان قد يكون مستقيما، وقد يكون بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط، وأكد بقوله: " فلا تظلم نفس شيئا " قال الفراء: القسط من صفة الموازين كقولك للقوم: أنتم عدل، وقال الزجاج: ونضع الموازين ذوات القسط، وقوله:
" ليوم القيمة " قال الفراء: في يوم القيامة، وقيل: لأهل يوم القيامة، ثم قال: قال أئمة السلف، إنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الاعمال، عن الحسن: وهو ميزان لها كفتان ولسان وهو بيد جبرئيل عليه السلام.
وروي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رأى غشي عليه ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يزن بملء كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبد ملأتها بتمرة.
ثم قال: على هذا القول في كيفية وزن الاعمال طريقان: أحدهما أن توزن صحائف الاعمال: والثاني أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة، ثم قال: والدليل على وجود الموازين الحقيقية أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة، وإنما جمع الموازين لكثرة من يوزن أعمالهم وهذا تفخيم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات، وأما قوله تعالى: " وإن كان مثقال حبة " فالمعنى أنه لا ننقص من إحسان محسن، ولا نزداد في إساءة مسئ.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله عز وجل: " فأما من ثقلت موازينه " أي رجحت حسناته وكثرت خيراته " فهو في عيشة راضية " أي معيشة ذات رضى يرضاها صاحبها " وأما من خفت موازينه " أي خفت حسناته وقلت طاعاته " فأمه هاوية " أي فمأواه
جهنم ومسكنه النار، وإنما سماها أمه لأنه يأوي إليها كما يأوي الولد إلى أمه، وقيل: إنما قال: فأمه لان العاصي يهوي على أم رأسه في النار " وما أدراك ما هية " هذا تفخيم وتعظيم لأمرها، والهاء للوقف، ثم فسرها فقال: " نار حامية " أي هي نار حارة شديدة الحرارة.
1 - تفسير الإمام العسكري: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله يبعث يوم القيامة أقواما يمتلئ من جهة السيئات موازينهم فيقال لهم: هذه السيئات فأين الحسنات؟ وإلا فقد عصيتم! فيقولون:
يا ربنا ما نعرف لنا حسنات، فإذا النداء من قبل الله عز وجل: لئن لم تعرفوا لأنفسكم عبادي حسنات فإني أعرفها لكم وأوفرها عليكم، ثم يأتي بصحيفة صغيرة يطرحها في كفة حسناتهم فترجح بسيئاتهم بأكثر مما بين السماء والأرض: فيقال لأحدهم: خذ بيد أبيك وأمك وإخوانك وأخواتك وخاصتك وقراباتك وأخدامك ومعارفك فأدخلهم الجنة، فيقول أهل المحشر: يا رب أما الذنوب فقد عرفناها، فماذا كانت حسناتهم؟
فيقول الله عز وجل: يا عبادي مشى أحدهم ببقية دين لأخيه إلى أخيه فقال: خذها فإني أحبك بحبك علي بن أبي طالب، فقال له الآخر: قد تركتها لك بحبك عليا ولك من مالي ما شئت، فشكر الله تعالى ذلك لهما فحط به خطاياهما وجعل ذلك في حشو صحيفتهما وموازينهما، وأوجب لهما ولوالديهما الجنة. ثم قال: يا بريدة يدخل النار ببغض علي أكثر من حصى الخذف الذي يرمى عند الجمرات، فإياك أن تكون منهم.
2 - أقول: روي الصدوق في كتاب فضائل الشيعة بإسناده عن أبي جعفر الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط.
3 - الإحتجاج: روى هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: أوليس توزن الاعمال؟ قال: لا أن الاعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، و إنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفتها، وإن الله
لا يخفى عليه شئ، قال: فما معنى الميزان؟ قال: العدل، قال: فما معناه في كتابه:
" فمن ثقلت موازينه "؟ قال: فمن رجح عمله، الخبر. " ص 192 "
4 - تفسير علي بن إبراهيم: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة " قال: المجازاة " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " أي جازينا بها وهي ممدودة " آتينا بها ". " ص 429 " بيان: قال البيضاوي: أتينا بها أي أحضرناها، وقرئ " آتينا بها " بمعنى جازينا بها من الايتاء، فإنه قريب من أعطينا، أو من المواتاة فإنهم آتوه بالاعمال، وآتاهم بالجزاء.
وقال الطبرسي رحمه الله: وقرأ " آتينا بها " بالمد ابن عباس وجعفر بن محمد ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة، والباقون " أتينا " بالقصر. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: معناه: جازينا بها.
5 - عيون أخبار الرضا (ع): فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون: وتؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير والبعث بعد الموت والميزان والصراط، الخبر. " ص 268 "
6 - معاني الأخبار: القطان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن أحمد بن عيسى العجلي عن محمد بن أحمد بن عبد الله العرزمي، عن علي بن حاتم المنقري، عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا " قال: هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. " ص 13 " الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم الهمداني رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام مثله.
7 - الكافي: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن رجل من أهل المدينة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق " ص 99 "
8 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب عن عبد الله بن غالب الأسدي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن الحسين عليهما السلام فيما كان يعظ به قال: ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عز وجل: " ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين " فإن قلتم أيها الناس: إن الله عز وجل إنما عنى بهذا أهل الشرك فكيف ذلك وهو يقول: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين "؟ اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين، وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا، وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الاسلام، الخبر.
9 - التوحيد: بإسناده عن أبي معمر السعداني، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث من سأل عن الآيات التي زعم أنها متناقضة قال عليه السلام: وأما قوله تبارك وتعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا " فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين، وفي غير هذا الحديث: الموازين هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، وقوله عز وجل: " فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا " فإن ذلك خاصة، وأما قوله: " فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب " فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال الله عز وجل: لقد حقت كرامتي، - أو قال: مودتي - لمن يراقبني، ويتحاب بحلالي، إن وجوههم يوم القيامة من نور، على منابر من نور، عليهم ثياب خضر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ولكنهم تحابوا بحلال الله، ويدخلون الجنة بغير حساب، نسأل الله أن يجعلنا منهم برحمته، وأما قوله: " فمن ثقلت موازينه، وخفت موازينه " فإنما يعني الحساب توزن الحسنات والسيئات، فالحسنات ثقل الميزان، والسيئات خفة الميزان. " ص 275 "
9 - العقائد: اعتقادنا في الحساب والميزان أنهما حق، منه ما يتولاه الله عز وجل، ومنه ما يتولاه حججه، فحساب الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يتولاه الله عز وجل، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه، ويتولى الأوصياء حساب الأمم، والله تبارك وتعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل، وهم الشهداء على الأوصياء، والأئمة شهداء على الناس، وذلك قول الله عز وجل: " ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس " وقوله عز وجل: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " وقال عز وجل: " أفمن كان على بينه من ربه ويتلوه شاهد منه " والشاهد أمير المؤمنين عليه السلام وقوله تعالى: " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ".
وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا " قال: الموازين الأنبياء والأوصياء. ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب، فأما السؤال فهو واقع على جميع الخلق لقول الله تعالى: " فلنسئلن الذين ارسل إليهم ولنسئلن المرسلين " يعني عن الدين وأما غير الدين فلا يسأل إلا من يحاسب، قال الله عز وجل: " فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان " يعني من شيعة النبي والأئمة عليهم السلام دون غيرهم كما. ورد في التفسير، وكل محاسب معذب ولو بطول الوقوف، ولا ينجو من النار ولا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله تعالى والله يخاطب عباده من الأولين والآخرين بحساب عملهم مخاطبة واحدة يسمع منها كل واحد قضيته دون غيرها، ويظن أنه مخاطب دون غيره، لا يشغله عز وجل مخاطبة عن مخاطبة، ويفرغ من حساب الأولين والآخرين في مقدار ساعة من ساعات الدنيا، ويخرج الله عز وجل لكل إنسان كتابا يلقاه منشورا، ينطق عليه بجميع أعماله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيجعله الله حاسب نفسه والحاكم عليها بأن يقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، ويختم الله تبارك وتعالى على قوم أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم وجميع جوارحهم بما
كانوا يكتمون (يكسبون ظ) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. " ص
88 - 89 " أقول: قال الشيخ المفيد رحمه الله: الحساب هو المقابلة بين الاعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه، والتوبيخ على سيئاته، والحمد على حسناته، ومعاملته في ذلك باستحقاقه، وليس هو كما ذهبت العامة إليه من مقابلة الحسنات بالسيئات، والموازنة بينهما على حسب استحقاق الثواب والعقاب عليهما، إذ كان التحابط بين الاعمال غير صحيح، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت، وما يعتمد الحشوية في معناه غير معقول، والموازين هي التعديل بين الاعمال والجزاء عليها، ووضع كل جزاء في موضعه، وإيصال كل ذي حق إلى حقه، فليس الامر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا لكل ميزان كفتان توضع الاعمال فيها، إذ الاعمال أعراض، والاعراض لا يصح وزنها، وإنما توصف بالثقل والخفة على وجه المجاز، والمراد بذلك أن ما ثقل منها هو ما كثر واستحق عليه عظيم الثواب، وما خف منها ما قل قدره ولم يستحق عليه جزيل الثواب، والخبر الوراد أن أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام هم الموازين فالمراد أنهم المعدلون بين الاعمال فيما يستحق عليها، و الحاكمون فيها بالواجب والعدل، ويقال: فلان عندي في ميزان فلان، ويراد به نظيره، ويقال: كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان، والمراد به أن كلامه أعظم وأفضل قدرا، والذي ذكره الله تعالى في الحساب والخوف منه إنما هو المواقفة على الاعمال، لان من وقف على أعماله لم يتخلص من تبعاتها، ومن عفى الله تعالى عنه في ذلك فاز بالنجاة، ومن ثقلت موازينه بكثرة استحقاقه الثواب فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه بقلة أعمال الطاعات فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ، والقرآن إنما انزل بلغة العرب وحقيقة كلامها ومجازه، ولم ينزل على ألفاظ العامة وما سبق إلى قلوبها من الأباطيل، انتهى كلامه قدس سره.
أقول: قد سبق الكلام منا في الاحباط، وأما إنكار الميزان بهذه الوجوه فليس
بمرضي لما عرفت من وجوه التوجيه فيه، نعم قد سبق بعض الأخبار الدالة على أن ليس المراد الميزان الحقيقي، فبتلك العلة يمكن القول بذلك، وإن أمكن تأويل بعض الأخبار بأن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام هم الحاضرون عند الميزان الحاكمون عليها، لكن بعض الأخبار لا يمكن تأويلها إلا بتكلف تام، فنحن نؤمن بالميزان، ونرد علمه إلى حملة القرآن، ولا نتكلف علم ما لم يوضح لنا بصريح البيان. والله الموفق وعليه التكلان.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.