بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
46 باب ترك الشهوات والأهواء
ج ۶۷، ص ۷۲–۸۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
الكهف: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا.
مريم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيا.
طه: فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى.
الفرقان: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا.
القصص: فإن لم تستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين.
الروم: بل اتبع الذين ظلموا أهوائهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين.
ص: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.
الجاثية: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه.
محمد: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم.
القمر: وكذبوا واتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر.
النازعات: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى.
1 - الخصال: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره.
كتاب الإمامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مثله.
ثواب الأعمال: ابن المغيرة باسناده، عن السكوني مثله.
مجالس المفيد: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن عبد الجبار، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام مثله.
2 - الخصال: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل يقول: بجلالي وجمالي وبهائي وعلائي وارتفاعي لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت غناه في نفسه، وهمه في آخرته، وكففت عنه ضيعته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.
المحاسن: أبي، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام مثله.
الحسين بن سعيد أو النوادر: النضر، عن ابن سنان، عن الثمالي، عنه عليه السلام قال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي لا يؤثر عبد وذكر مثله.
3 - الخصال: محمد بن أحمد الأسدي، عن محمد بن أبي عمران، عن أحمد بن أبي بكر، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل أما الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
الخصال: أبي، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله.
الخصال: ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه إبراهيم بن محمد، عن علي بن أبي علي اللهبي إلى آخر ما مضى.
أقول: وقد أثبتنا تلك الأخبار تماما في كتاب الروضة في باب مواعظ النبي صلى الله عليه وآله، وبعض الأخبار في باب المنجيات والمهلكات، وبعضها في باب العفاف من هذا المجلد الخامس عشر.
4 - الخصال: أبي، عن سعد، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن الصادق عليه السلام قال: إني لأرجو النجاة لهذه الأمة لمن عرف حقنا منهم، إلا لاحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن.
5 - معاني الأخبار: ابن الوليد، عن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير عن ابن عميرة، عن الثمالي، عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أشجع الناس من غلب هواه.
أمالي الصدوق: السناني، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن ابن ظبيان، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله.
6 - أمالي الصدوق، معاني الأخبار: في خبر الشيح الشامي قال زيد بن صوحان: يا أمير المؤمنين أي سلطان أغلب وأقوى؟ قال: الهوى.
7 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن الوليد، عن عنبر بن محمد، عن شعبة، عن سلمة بن جميل، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني رحمه الله قال:
سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ألا وإن الدنيا قد تولت مدبرة والآخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل.
مجالس المفيد: الجعابي، عن الفضل بن الحباب، عن مسلم بن عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمان، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حبة العرني عنه عليه السلام مثله.
8 - ثواب الأعمال: العطار، عن أبيه، عن الحسين بن إسحاق، عن ابن مهزيار، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال:
إن الله عز وجل يقول: وعزتي وعظمتي وجلالي وبهائي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت همه في آخرته، وغناه في قلبه، وكففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
مشكاة الأنوار: مثله.
9 - المحاسن: محمد بن عبد الحميد العطار، عن عاصم بن حميد، عن الثمالي، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إني أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يرد عن الحق، وأما طول الأمل
فينسي الآخرة.
10 - التمحيص: عن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
من أكل ما يشتهي لم ينظر الله إليه حتى ينزع أو يترك.
11 - الدرة الباهرة: قال الجواد عليه السلام: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه وقال عليه السلام: راكب الشهوات لا تستقال له عثرة.
12 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته.
وقال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، واعلموا أنه مامن طاعة الله شئ إلا يأتي في شهوة فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فان هذه النفس أبعد شئ منزعا، وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى، واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يمسي ولا يصبح إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها، فكونوا كالسابقين قبلكم، والماضين أمامكم، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل، وطووها طي المنازل إلى آخر الخطبة.
13 - كنز الكراجكي: قال لقمان لابنه: يا بني من يرد رضوان الله يسخط نفسه كثيرا، ومن لا يسخط نفسه لا يرضى به، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه.
14 - عدة الداعي: عن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت أمره، ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أوته منها إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا
وهي راغمة.
مشكاة الأنوار: نقلا من المحاسن مثله.
15 - الكافي: عن الحسين بن محمد الأشعري، عن المعلى، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي وعظمتي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه إلا كففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والأرض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.
بيان: قوله تعالى: " وعزتي " العزة القوة والشدة والغلبة وقيل: عزته عبارة عن كونه منزها عن سمات الامكان، وذل النقصان، ورجوع كل شئ إليه وخضوعه بين يديه " والعظمة " في صفة الأجسام كبر الطول والعرض والعمق، وفي وصفه تعالى عبارة عن تجاوز قدره عن حدود العقول والأوهام حتى لا تتصور الإحاطة بكنه حقيقته عند ذوي الأفهام، وعلوه علو عقلي على الاطلاق بمعنى أنه لا رتبة أعلى من رتبته، وذلك لان أعلى مراتب الكمال العقلي هو مرتبة العلية، ولما كانت ذاته المقدسة مبدأ كل موجود حسي وعقلي لاجرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقلية مطلقا، وله العلو المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شئ وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه، وهذا معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام:
سبق في العلو فلا أعلى منه. وارتفاع مكانه كناية عن عدم إمكان الإشارة إليه بالقول والحواس.
" لا يؤثر عبد هواي على هوس نفسه " المراد بهوى النفس ميلها إلى ما هو مقتضى طباعها من اللذات الحاضرة الدنيوية، والخروج عن الحدود الشرعية وبايثار هواه سبحانه إعراضها عن هذا الميل ورجوعها إلى ما يوجب قرب الحق تعالى ورضاه، وقد قال تعالى مخاطبا لداود عليه السلام: " يا داود إنا جعلناك خليفة
في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " فبين سبحانه أن متابعة الهوى - أي ما تهوى الأنفس مخالفة - لاتباع سبيل الله وسلوك طريق الحق، ثم بين أن متابعة الهوى متفرع على نسيان يوم الحساب فان من تذكر الآخرة ونعيمها وعذابها، لا يتبع الأهواء النفسانية، والدواعي الشهوانية.
وقال سبحانه: " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى ".
فأشار إلى أن إيثار الحياة الدنيا مقابل لنهي النفس عن الهوى، واتباع الهوى إيثار الحياة الدنيا ولذاتها على الآخرة، وقال سبحانه : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا " وقال عز من قائل: " فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " ومثله في الكتاب العزيز غير عزيز.
قوله عليه السلام: " إلا كففت عليه ضيعته " قال في النهاية فيه: أمرت أن لا أكف شعرا ولا ثوبا، يعني في الصلاة يحتمل أن يكون بمعنى المنع، أي لا أمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا على الأرض، ويحتمل أن يكون بمعنى الجمع أي لا يجمعهما ويضمهما ومنه الحديث: المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، أي يجمع عليه معيشته ويضمها إليه، وقال في حديث سعد: إني أخاف على الأعقاب الضيعة أي أنها تضيع وتتلف، والضيعة في الأصل المرة من الضياع، وضيعة الرجل في غير هذا ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، ومنه الحديث: أفشى الله
عليه ضيعته أي أكثر عليه معاشه انتهى.
وأقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها:
الأول ما ذكره في النهاية أي جمعت عليه ضيعته ومعيشته، والتعدية بعلى لتضمين معنى البركة أو الشفقة ونحوهما، أو على بمعنى إلى كما أومأ إليه في النهاية فيحتاج أيضا إلى تضمين.
الثاني أن يكون الكف بمعنى المنع، وعلى بمعنى عن، والضيعة بمعنى الضياع أي أمنع عنه ضياع نفسه وماله وولده وسائر ما يتعلق به، ويؤيده ما سيأتي في رواية الصدوق رحمه الله: وكففت عنه ضيعته.
الثالث ما ذكره بعض المحققين وتبعه غيره أنه من الكفاف وهو ما يفي بمعيشته مباركا عليه كفافا له، ولا يخفى بعده لفظا إذ لا تساعده اللغة.
قوله تعالى: " وضمنت " على صيغة المتكلم من باب التفعيل أي جعلت السماوات والأرض ضامنتين لرزقه كناية عن تسبيب الأسباب السماوية والأرضية له وربما يقرأ بصيغة الغايب على بناء المجرد، ورفع السماوات والأرض، وهو بعيد " وكنت له من وراء تجارة كل تاجر " الوراء فعال، ولامه همزة عند سيبويه وأبي علي الفارسي وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى قدام، وخلف، والتجارة مصدر بمعنى البيع والشراء ، للنفع، وقد يراد بها ما يتجر فيه من الأمتعة ونحوها على تسمية المفعول باسم لمصدر، وهذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها:
الأول أن يكون المعنى كنت له عقب تجارة كل تاجر أسوقها إليه أي القي محبته في قلوب التجار ليتجروا له ويكفوا مهماته. الثاني أن يكون المعنى كنت له عوضا من تجارة كل تاجر فان كل تاجر يتجر لمنفعة دنيوية أو أخروية ولما أعرض عن جميع ذلك كفلت أنا ربح تجارته، وهذا معنى دقيق خطر بالبال لكن لا يناسب إلا من
بلغ في درجات المحبة أقصى مراتب الكمال.
الثالث الجمع بين المعنيين أي كنت له بعد حصول تجارة كل تاجر له.
الرابع ما قيل: إن كل تاجر في الدنيا للآخرة يجد نفع تجارته فيها من الحسنة ونعيمها والله سبحانه بذاته المقدسة والتجليات اللائقة وراء هذا لهذا العبد، ففيه دلالة على أن للزاهدين في الجنة نعمة روحانية أيضا وهو قريب من الثالث.
الخامس أن يكون الوراء بمعنى القدام أي كنت له أنيسا ومعينا ومحبا ومحبوبا قبل وصوله إلى نعيم الآخرة الذي هو غاية مقصود التاجرين لها.
السادس ما قيل: أي أنا أتجر له فأربح له مثل ربح جميع التجار، لو اتجروا له ولا يخفى بعده.
16 - الكافي: عن محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن العلا، عن ابن سنان عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلو ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شئ من أمر الدنيا إلا جعلت غناه في نفسه، وهمته في آخرته، وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر.
بيان: البهاء الحسن، والمراد الحسن المعنوي وهو الاتصاف بجميع الصفات الكمالية " إلا جعلت غناه في نفسه " أي أجعل نفسه غنية قانعة بما رزقته لا بالمال فان الغني بالمال الحريص في الدنيا أحوج الناس وإنما الغنى غنى النفس فكلمة " في " للتعليل، ويحتمل الظريفة أيضا بتكلف " وهمته " أي عزمه وقصده في آخرته ففي للتعليل أيضا، أو المعنى أنها مقصورة في آخرته ولا يوجه همته إلى تحصيل الدنيا أصلا.
17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب عن أبي محمد الوابشي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شئ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم، وحصائد
ألسنتهم.
بيان: " احذروا أهواءكم " الأهواء جمع الهوى وهو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه واشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودا كان أو مذموما، ثم غلب على المذموم، قال الجوهري: كل خال هواء وقوله تعالى: " وأفئدتهم هواء " يقال: إنه لا عقول فيها، والهوى مقصورا هوى النفس والجمع الأهواء وهوي بالكسر يهوى هوى أي أحب. الأصمعي هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل وقال الراغب: الهوى ميل النفس إلى الشهوة ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة وقيل: سمي بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية، وقد عظم الله ذم اتباع الهوى، فقال: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " وقال: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " واتبع هواه وكان أمره فرطا " وقوله: " ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جائك من العلم " فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد لا يتناهى فاذن اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة قال:
" ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " وقال: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض " " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل " وقال: " قل لا أتبع أهوائكم قد ضللت إذا " " ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله
من كتاب " " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " انتهى.
وأقول: ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما وما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا وهو أن كل ما يرتكبه الانسان لمحض الشهوة النفسانية واللذة الجسمانية والمقاصد الفانية الدنيوية، ولم يكن الله مقصودا له في ذلك، فهو من الهوى المذموم، ويتبع فيه النفس الامارة بالسوء، وإن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل والمطعم والملبس، ويقاسي الجوع والصوم والسهر للاشتهار بالعبادة، وجلب قلوب الجهال، وما يرتكبه الانسان لاطاعة أمره سبحانه وتحصيل رضاه وإن كان مما تشتهيه نفسه وتهواه، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لامره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة وكمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به، أو لتحصيل الأولاد الصالحين، أو لعدم ابتلائه بالحرام.
فهؤلاء وإن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم ولم تكن تلك من التسويلات النفسانية، والتخييلات الشيطانية، ولو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور، فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات والمكروهات، ثم إلى المحرمات، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه، فان كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم، وكثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها، وليس كل ما لا تشتهيه النفس
يحسن ارتكابه، كأكل القاذورات والزنا بالجارية القبيحة، ويطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي أو دليل من الكتاب والسنة كمذاهب المخالفين، وآرائهم وبدعهم، فإنها من شهوات أنفسهم ومن أوهامهم المعارضة للحق الصريح، كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة.
فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر، الداعية إلى السوء والفساد، ويعبر عنها بالنفس الامارة كما قال تعالى: " إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي " أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي والأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها، والآراء والملل والمذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة، والأوهام الفاسدة، لا البراهين الحقة.
" فليس شئ أعدى للرجال " لان ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة، ومنافعها الفانية، وضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية.
" وحصائد ألسنتهم " قال في النهاية: فيه وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، واحدتها حصيدة، تشبيها بما يحصد من الزرع، وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به، وقال الطيبي: أي كلامهم القبيح كالكفر والقذف والغيبة وقال الجوهري: حصدت الزرع وغيره أحصده وأحصده حصدا والزرع محصود وحصيد وحصيدة، وحصائد ألسنتهم الذي في الحديث هو ما قيل في الناس باللسان وقطع به عليهم.
18 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عز وجل:
وعزتي وجلالي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم أوته
منها إلا ما قدرت، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة.
بيان: " وعزتي " أقسم سبحانه تأكيدا لتحقيق مضمون الخطاب، وتثبيته في قلوب السامعين، أولا بعزته وهي القوة والغلبة وخلاف الذلة وعدم المثل والنظير، وثانيا بجلاله وهو التنزه من النقائص أو عن أن يصل إليه عقول الخلق أو القدرة التي تصغر لديها قدرة كل ذي قدرة، وثالثا بعظمته وهي تنصرف إلى عظمة الشأن والقدر الذي يذل عندها شأن كل ذي شأن أو هو أعظم من أن يصل إلى كنه صفاته أحد، ورابعا بكبريائه وهو كون جميع الخلائق مقهورا له منقادا لإرادته، وخامسا بنوره وهو هدايته التي بها يهتدي أهل السماوات والأرضين إليه وإلى مصالحهم ومراشدهم كما يهتدى بالنور، وسادسا بعلوه أي كونه أرفع من أن يصل إليه العقول والافهام أو كونه فوق الممكنات بالعلية أو تعاليه عن الاتصاف بصفات المخلوقين، وسابعا بارتفاع مكانه وهو كونه أرفع من أن يصل إليه وصف الواصفين أو يبلغه نعت الناعتين، وكان بعضها تأكيد لبعض.
" لا يؤثر " أي لا يختار " عبد هواه " أي ما يحبه ويهواه " على هواي " أي على ما أرضاه وأمرت به " إلا شتت عليه أمره " على بناء المجرد أو التفعيل، في القاموس شت يشت شتا وشتاتا وشتيتا فرق وافترق كانشت وتشتت وشتته الله وأشته وأقول: تشتت أمره إما كناية عن تحيره في أمر دينه، فان الذين يتبعون الأهواء الباطلة في سبل الضلالة يتيهون، وفي طرق الغواية يهيمون، أو كناية عن عدم انتظام أمور دنياهم، فان من اتبع الشهوات لا ينظر في العواقب فيختل عليه أمور معاشه، ويسلب الله البركة عما في يده أو الأعم منهما وعلى الثاني الفقرة الثانية تأكيد، وعلى الثالث تخصيص بعد التعميم " ولبست عليه
دنياه " أي خلطتها أو أشكلتها وضيقت عليه المخرج منهما، قال: في المصباح لبست الامر لبسا من باب ضرب خلطته، وفي التنزيل " وللبسنا عليهم ما يلبسون " والتشديد مبالغة وفي الامر لبس بالضم ولبسة أيضا إشكال والتبس الامر أشكل ولابسته بمعنى خالطته.
وقال الراغب: أصل اللبس ستر الشئ، ويقال: ذلك في المعاني يقال لبست عليه أمره قال تعالى: " وللبسنا عليهم ما يلبسون - ولا تلبسوا الحق بالباطل " " لم تلبسون الحق بالباطل " " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " و يقال في الامر لبسة أي التباس ولابست فلانا: خالطته.
" وشغلت قلبه بها " أي هو دائما في ذكرها وفكرها غافلا عن الآخرة و تحصيلها ولا يصل من الدنيا غاية مناه فيخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين " إلا استحفظته ملائكتي " أي أمرتهم بحفظه من الضياع والهلاك في الدين والدنيا " وكفلت السماوات والأرضين رزقه " وقد مر " وضمنت " أي جعلتهما ضامنين وكفيلين لرزقه، كناية عن تسبيب الأسباب السماوية والأرضية لوصول رزقه المقدر إليه.
" وكنت له من وراء تجارة كل تاجر " أقول: قد مر أنه يحتمل وجوها الأول أن يكون المعنى كنت من وراء تجارة التاجرين أي عقبها أسوقها إليه أي اسخر له قلوبهم له، والقي فيها أن يدفعوا قسطا من أرباح تجاراتهم إليه الثاني أني أتجر له عوضا عن تجارة كل تاجر له، لو كانوا اتجروا له الثالث أن المعنى أنا أي قربي وحبي له عوضا عن المنافع الزائلة الفانية التي
تحصل للتجار في تجارتهم وبعبارة أخرى أنا مقصوده في تجارته المعنوية بدلا عما يقصده التجار من أرباحهم الدنيوية " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " الرابع أن المعنى كنت له بعد أن أسوق إليه أرباح التاجرين فتجتمع له الدنيا و - الآخرة، وهي التجارة الرابحة.
" وأتته الدنيا وهي راغمة " أي ذليلة منقادة كناية عن تيسر حصولها بلا مشقة ولا ذلة أو مع هوانها عليه وليست لها عنده منزلة لزهده فيها، أو مع كرهها كناية عن بعد حصولها له بحسب الأسباب الظاهرة، لعدم توسله بأسباب حصولها وهذا معنى لطيف وإن كان بعيدا وفي القاموس الرغم الكره ويثلث كالمرغمة رغمه كعلمه ومنعه كرهه والتراب كالرغام ورغم أنفي لله مثلثة ذل عن كره وأرغمه الله أسخطه ورغمته فعلت شيئا على رغمه، وفي النهاية أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام، وهو التراب، هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره.
19 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
بيان: " أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق " لان حب الدنيا وشهواتها يعمي القلب عن رؤية الحق وتمنع النفس عن متابعته، فان الحق والباطل متقابلان والآخرة والدنيا ضرتان متنافرتان والدنيا مع أهل الباطل، فاتباع الهوى إما يصير سببا لاشتباه الحق بالباطل في نظره، أو يصير باعثا على إنكار الحق مع العلم به والأول كعوام أهل الباطل، والثاني كعلمائهم.
" وطول الأمل " أي ظن البقاء في الدنيا وتوقع حصول المشتهيات فيها بالأماني الكاذبة الشيطانية ينسي الموت والآخرة وأهوالهما، فلا يتوجه إلى تحصيل
الآخرة وما ينفعه فيها ويخلصه من شدائدها، وإنما نسب الخوف منهما إلى نفسه القدسية، لأنه هو مولى المؤمنين والمتولي لاصلاحهم والراعي لهم في معاشهم والداعي لهم إلى صلاح معادهم.
20 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: اتق المرقى السهل إذا كان منحدره وعرا، وقال: كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: لا تدع النفس وهواها، فان هواها في رداها، وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواها.
بيان: " اتق المرقى السهل " الخ المرقى والمرتقى والمرقاة موضع الرقي والصعود من رقيت السلم والسطح والجبل علوته، والمنحدر الموضع الذي ينحدر منه أي ينزل من الانحدار وهو النزول، الوعر ضد السهل، قال الجوهري:
جبل وعر بالتسكين ومطلب وعر قال الأصمعي: ولا تقل وعر، أقول: ولعل المراد به النهي عن طلب الجاه والرياسة وسائر شهوات الدنيا ومرتفعاتها فإنها وإن كانت مؤاتية على اليسر والخفض، إلا أن عاقبتها عاقبة سوء، والتخلص من غوائلها وتبعاتها في غاية الصعوبة.
والحاصل أن متابعة النفس في أهوائها والترقي من بعضها إلى بعض، وإن كانت كل واحدة منها في نظره حقيرة، وتحصل له بسهولة، لكن عند الموت يصعب عليه ترك جميعها، والمحاسبة عليها، فهو كمن صعد جبلا بحيل شتى فإذا انتهى إلى ذروته تحير في تدبير النزول عنها وأيضا تلك المنازل الدنية تحصل له في الدنيا بالتدريج وعند الموت لابد من تركها دفعة ولذا تشق عليها سكرات الموت بقطع تلك العلائق، فهو كمن صعد سلما درجة درجة، ثم سقط في آخر درجة منه دفعة فكلما كانت الدرجات في الصعود أكثر كان السقوط منها أشد ضررا وأعظم خطرا فلابد للعاقل أن يتفكر عند الصعود على درجات الدنيا في شدة النزول عنها فلا يرقى
كثيرا ويكتفي بقدر الضرورة والحاجة، فهذا التشبيه البليغ على كل من الوجهين من أبلغ الاستعارات وأحسن التشبيهات.
وفي بعض النسخ " اتقي " بالياء وكأنه من تصحيف النساخ ولذا قرأ بعض الشارحين أتقى بصيغة التفضيل [والمرقى ظ] على البناء للمفعول وقرأ السهل مرفوعا ليكون خبرا للمبتدأ وهو أتقى، أو يكون أتقي بتشديد التاء بصيغة المتكلم من باب الافتعال فالسهل منصوب صفة للمرقى، وكل منهما لا يخلو من بعد.
" لا تدع النفس وهواها " أي لا تتركها مع هواها، وما تهواه وتحبه من الشهوات المردية " فان هواها في رداها " أي هلاكها في الآخرة بالهلاك المعنوي في القاموس: ردى في البئر سقط كتردى وأرداه غيره ورداه وردي كرضي ردى هلك وأرداه ورجل رد هالك قوله عليه السلام " أذاها " الأذى ما يؤذي الانسان من مرض أو مكروه والشئ القذر وفي بعض داؤها أي مرضها وهو أنسب بقوله " دواؤها " لفظا ومعنى وفي القاموس الدواء مثلثة ما داويت به وبالقصر المرض.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.