بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
7 - باب الرضا بموهبة الايمان، وانه من أعظم النعم
ج ۶۴، ص ۱۴۶–۱۵۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
خبرني لو أعطيت بالبراءة منا، مائة دينار، كنت تأخذ؟ قال: لا، إلى أن ذكر ألوف دنانير، والرجل يحلف أنه لا يفعل، فقال له: من معه سلعة يعطى هذا المال لا يبيعها، هو فقير؟.
بيان: " ما استبنت ": أي ما حققت حالي وما استوضحتها، حيث لم تعرفني فقيرا.
2 - بصائر الدرجات: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، ومحمد بن جمهور، عن عبد الله ابن عبد الرحمان، عن الهيثم بن واقد، عن أبي يوسف البزاز قال: تلا أبو عبد الله عليه السلام علينا هذه الآية " واذكروا آلاء الله " قال: أتدري ما آلاء لله؟
قلت: لا. قال: هي أعظم نعم الله على خلقه، وهي ولايتنا.
3 - المحاسن: عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن أبي أمية يوسف بن ثابت بن أبي سعيد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله
وحدانيا يدعو الناس، فلا يستجيبون له، ولقد كان أول من استجاب له علي بن أبي طالب عليه السلام وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.
4 - المحاسن: عن ابن فضال، عن علي بن شجرة، عن عبيد بن زرارة قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه انسا يسكن إليه، حتى لو كان على قلة جبل [لم] يستوحش إلى من خالفه.
بيان: القلة بالضم: أعلى الجبل، وقلة كل شئ أعلاه، " يستوحش إلى من خالفه " أي ممن خالفه، والظاهر " لم يستوحش " كما في بعض النسخ، بتضمين معنى الميل: أي لم يستوحش من الوحدة فيميل إلى من خالفه في الدين، ويأنس به في القاموس: الوحشة: الهم والخلوة والخوف، واستوحش: وجد الوحشة.
5 - المحاسن: عن ابن فضال، عن ابن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله تبارك وتعالى: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي عن المؤمن، فاني أحب لقاءه، ويكره الموت، فأزويه عنه، ولو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد لاكتفيت به عن جميع خلقي، وجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج معه إلى أحد.
6 - المحاسن: عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد بن علي الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني مستذل عبدي المؤمن وما ترددت في شئ كترددي في موت المؤمن، إني لأحب لقاءه، ويكره الموت فأصرفه عنه، وإنه ليدعوني في أمر فأستجيب له لما هو خير له، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن، لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه
انسا، لا يستوحش فيه إلى أحد.
بيان: " ليأذن بحرب مني " أي ليعلم أني أحاربه، كناية عن شدة غضبه عليه، أو أنه في حكم محاربي، كما قال تعالى " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " قال الطبرسي: أي أعلموا بحرب، والمعنى أنكم في امتناعكم حرب لله ولرسوله، قوله: " لاستغنيت به ": أي لاقمت نظام العالم وأنزلت الماء من السماء، ورفعت عن الناس العذاب والبلاء لوجود هذا المؤمن، لان هذا يكفي لبقاء هذا النظام، " لا يستوحش فيه " كان كلمة في تعليلية، والضمير للايمان، و ليست هذه الكلمة في أكثر الروايات، وهو أظهر.
7 - المحاسن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر أخي أديم، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما يضر أحدكم أن يكون على قلة جبل يجوع يوما ويشبع يوما، إذا كان على دين الله.
8 - المحاسن: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سلامة الدين وصحة البدن خير من زينة الدنيا حسب.
9 - عدة الداعي: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال:
الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني من أذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن من خلقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلا مؤمن واحد مع إمام عادل، لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي ولقامت سبع أرضين وسبع سماوات بهما ولجعلت لهما من إيمانهما انسا لا يحتاجان إلى البشر سواهما.
10 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى ، عن يونس، عن كليب بن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما ينبغي للمؤمن أن يستوحش إلى أخيه، فمن دونه، المؤمن عزيز في دينه.
بيان: " أن يستوحش ": أي يجد الوحشة، ولعله ضمن معنى الميل والسكون فعدي بإلى، أي استوحش من الناس مائلا أو ساكنا إلى أخيه.
قال في الوافي: ضمن الاستيحاش معنى الاستيناس، فعداه بإلى، وإنما لا ينبغي له ذلك، لأنه ذل، فلعل أخاه الذي ليس في مرتبته لا يرغب في صحبته.
وقال بعضهم: " إلى " بمعنى " مع " والمراد بأخيه: أخوه النسبي، و " من " موصولة، و " دون " منصوب بالظرفية، والضمير لأخيه، أي لا ينبغي للمؤمن أن يجد وحشة مع أخيه النسبي إذا كان كافرا، فمن كان دون هذا الأخ من الأقارب والأجانب، وقيل: أي لا ينبغي للمؤمن أن يستوحش من الله ومن الايمان به إلى أخيه فكيف من دونه إذ للمؤمن أنس بالايمان وقرب الحق من غير وحشة، فلو انتفى الانس وتحققت الوحشة، انتفى الايمان والقرب.
وأقول: الأظهر ما ذكرنا أولا من أن المؤمن لا ينبغي أن يجد الوحشة من قلة أحبائه وموافقيه، وكثرة أعدائه ومخالفيه، فيأنس لذلك، ويميل إلى أخيه الديني أو النسبي، فمن دونه من الأعادي أو الأجانب، وقوله: " المؤمن عزيز في دينه " جملة استينافية، فكأنه يقول قائل: لم لا يستوحش؟ فيجيب بأنه منيع رفيع القدر بسبب دينه، فلا يحتاج في عزه وكرامته وغلبته إلى أن يميل إلى أحد ويأنس به، والحاصل أن عزته بالدين لا بالعشاير، والتابعين، فكلمة " في " سببية.
وأقول: في بعض النسخ " عمن دونه " وفي بعضها " عن دونه " فهو صلة للاستيحاش، أي يأنس بأخيه مستوحشا عمن هو غيره.
11 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن فضالة ابن أيوب، عن عمر بن أبان وسيف بن عميرة، عن فضيل بن يسار قال: دخلت على
أبي عبد الله عليه السلام في مرضة مرضها، لم يبق منه إلا رأسه، فقال: يا فضيل إنني كثيرا ما أقول: ما على رجل عرفه الله هذا الامر، لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت، يا فضيل بن يسار إن الناس أخذوا يمينا وشمالا، وإنا وشيعتنا هدينا الصراط المستقيم.
يا فضيل بن يسار إن المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيرا له ولو أصبح مقطعا أعضاؤه كان ذلك خيرا له، يا فضيل بن يسار! إن الله لا يفعل بالمؤمن إلا ما هو خير له، يا فضيل بن يسار! لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة، ما سقى عدوه منها شربة ماء، يا فضيل بن يسار! إنه من كان همه هما واحدا، كفاه الله همه ومن كان همه في كل واد، لم يبال الله بأي واد هلك.
التمحيص: عن الفضيل مثله، بأدنى تغيير واختصار.
بيان: " في مرضة " بالفتح أو بالتحريك، وكلاهما مصدر " مرضها " أي مرض بها وقيل: البارز في " مرضها " مفعول مطلق للنوع، " لم يبق منه إلا رأسه " من للتبعيض والضمير للإمام عليه السلام أي من أعضائه، أو للتعليل والضمير للمرض، والأول أظهر والمعنى: أنه نحف جميع أعضائه وهزلت، حتى كأنه لم يبق منها شئ إلا رأسه فإنه لقلة لحمه لا يعتريه الهزال كثيرا، أو المراد: أنه لم يبق قوة الحركة في شئ من أعضائه إلا في رأسه، والأول أظهر.
" كثيرا ما أقول " " ما " زائدة للابهام، و " ما " في قوله: " ما على رجل " نافية أو استفهامية للانكار، وحاصلهما واحد، أي لا ضرر ولا وحشة عليه، " أخذوا يمينا وشمالا " أي عدلوا عن الصراط المستقيم إلى أحد جانبيه، من الافراط كالخوارج، أو التفريط كالمخالفين له، " ما بين المشرق " أي والحال أن له ما بينهما، أو " أصبح " بمعنى صار، " مقطعا " على بناء المفعول للتكثير " أعضاؤه "
بدل اشتمال من الضمير المستتر في مقطعا ومنهم من قرء " أعضاء " بالنصب على التميز.
وقوله عليه السلام: " إن الله لا يفعل بالمؤمن " تعليل لهاتين الجملتين، فإنه تعالى لو أعطى جميع الدنيا المؤمن، لم يكن ذلك على سبيل الاستدراج، بل لأنه علم أنه يشكره ويصرفه في مصارف الخير، ولا يصير ذلك سببا لنقص قدره عند الله كما فعل ذلك بسليمان عليه السلام، بخلاف ما إذا فعل ذلك بغير المؤمن، فإنه لاتمام الحجة عليه، واستدراجه، فيصير سببا لشده عذابه.
وكذا إذا قدر للمؤمن تقطيع أعضائه، فإنما هو لمزيد قربه عنده تعالى ورفعة درجاته في الآخرة، فينبغي أن يشكره سبحانه في الحالتين، ويرضى بقضائه فيهما.
ولما كان الغالب في الدنيا فقر المؤمنين وابتلائهم بأنواع البلاء، وغنى الكفار والأشرار والجهال، رغب الأولين بالصبر، وحذر الآخرين عن الاغترار بالدنيا والفخر: بقوله عليه السلام " لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى عدوه منها شربة ماء " فما أعطاه أعداءه ليس لكرامتهم عنده، بل لهوانهم عليه، ولذا لم يعطهم من الآخرة التي لها عنده قدر ومنزلة شيئا، وقد قال تعالى: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ". " إنه من كان همه هما واحدا " الهم: القصد والعزم والحزن، والحاصل أنه من كان مقصوده أمرا واحدا، وهو طلب دين الحق، ورضى الله تعالى وقربه وطاعته، ولم يخلطه بالاغراض النفسانية والأهواء الباطلة فان الحق واحد، و للباطل شعب كثيرة أو غرضه في العبادات قربه تعالى ورضاه دون الأغراض الدنيوية " كفاه الله همه " أي أعانه على تحصيل ذلك المقصود، ونصره على النفس والشيطان وجنود الجهل، " ومن كان همه في كل واد " من أودية الضلالة والجهالة " لم يبال الله بأي واد هلك " أي صرف الله لطفه وتوفيقه عنه، وتركه مع نفسه و
أهوائها، حتى يهلك باختيار واحد من الأديان الباطلة، أو الأغراض الباطلة.
أو كل واد من أودية الدنيا، وكل شعبة من شعب أهواء النفس الامارة بالسوء، من حب المال والجاه والشرف والعلو، ولذة المطاعم والمشارب والملابس والمناكح وغير ذلك من الأمور الفانية الباطلة.
والحاصل أن من اتبع الشهوات النفسانية أو الآراء الباطلة، ولم يصرف نفسه عن مقتضاها إلى دين الحق، وطاعة الله وما يوجب قربه، لم يمدده الله بنصره وتوفيقه، ولم يكن له عند الله قدر ومنزلة، ولم يبال بأي طريق سلك، ولا في أي واد هلك، وقيل: بأي واد من أودية جهنم.
وقيل: يمكن أن يراد بالهم الواحد: القصد إلى الله، والتوكل عليه في جميع الأمور، فإنه تعالى يكفيه هم الدنيا والآخرة، بخلاف من اعتمد على رأيه، وقطع علاقة التوكل عن نفسه، ويحتمل أن يكون المراد بالهم: الحزن والغم أي من كان حزنه للآخرة كفاه الله ذلك، وأوصله إلى سرور الأبد، ومن كان حزنه للدنيا وكله الله إلى نفسه، حتى يهلك في واد من أودية أهوائها.
12 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن فضيل بن يسار، عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا عبد الواحد ما يضر رجلا، إذا كان على ذا الرأي ما قال الناس له، ولو قالوا مجنون، وما يضره ولو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت. بيان: " ما يضر " ما نافية، ويحتمل الاستفهام على الانكار، " على ذا الرأي " أي على هذا الرأي، وهو التشيع، " ما قال " فاعل ما يضره، " ولو قالوا مجنون " فان هذا أقصى ما يمكن أن يقال فيه، كما قالوا في الرسول صلى الله عليه وآله " وما يضره " أي قول الناس، وهذا أيضا يحتمل الاستفهام على الانكار " ولو كان على رأس جبل " أي لكثرة قول الناس فيه هربا من أقوالهم فيه وضررهم، " يعبد الله "
حال أو استيناف، كأنه سئل كيف لا يضره ذلك، قال لأنه يعبد الله حتى يأتيه الموت.
13 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن ابن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن المعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى: لو لم يكن في الأرض إلا مؤمن واحد، لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا لا يحتاج إلى أحد. بيان: يحتمل أن يكون هذا المؤمن الواحد الامام، أو لابد من أحد غيره يؤمن به، والأول أظهر، لما مر من كون إبراهيم عليه السلام أمة، وقد مر ما يؤيد الثاني أيضا، وأما كون الايمان سببا للانس وعدم الاستيحاش، لأنه يتفكر في الله وصفاته، وفي صفات الأنبياء والأئمة عليهم السلام وحالاتهم، وفي درجات الآخرة ونعمها ويتلو كتاب الله، ويدعوه فيعبده فيأنس به سبحانه، كما سئل عن راهب لم لا تستوحش عن الخلوة؟ قال: لأني إذا أردت أن يكلمني أحد أتلو كتاب الله، وإذا أردت أن أكلم أحدا أناجي الله.
14 - الكافي: عن محمد، عن أحمد، عن ابن أبي نصر، عن الحسين بن موسى عن ابن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما يبالي من عرفه الله هذا الامر أن يكون على قلة جبل يأكل من نبات الأرض حتى يأتيه الموت. بيان: " ما يبالي " خبر، أو المعنى ينبغي أن لا يبالي من عرفه هذا الامر أي دين الإمامية.
15 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن منصور الصيقل والمعلى بن خنيس قالا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عز وجل: ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن إنني لأحب لقاءه ويكره الموت، فأصرفه عنه، وإنه
ليدعوني، فأجيبه، وإنه ليسألني فاعطيه، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي، ولجعلت له من إيمانه انسا لا يستوحش إلى أحد. تبيين: " ما ترددت في شئ " هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الفريقين، ومن المعلوم أنه لم يرد التردد المعهود من الخلق في الأمور التي يقصدونها فيترددون في إمضائها، إما لجهلهم بعواقبها، أو لقلة ثقتهم بالتمكن منها لمانع ونحوه، ولهذا قال: " أنا فاعله " أي لا محالة أنا أفعله لحتم القضاء بفعله أو المراد به: التردد في التقديم والتأخير لا في أصل الفعل.
وعلى التقديرين فلابد فيه من تأويل وفيه وجوه عند الخاصة والعامة أما عند الخاصة فثلاثة:
الأول أن في الكلام إضمارا، والتقدير لو جاز علي التردد ما ترددت في شئ كترددي في وفاة المؤمن.
الثاني أنه لما جرت العادة بأن يتردد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقره كالصديق، وأن لا يتردد في مساءة من ليس له عنده قدر ولا حرمة كالعدو، بل يوقعها من غير تردد وتأمل، صح أن يعبر عن توقير الشخص واحترامه بالتردد وعن إدلاله واحتقاره بعدمه، فالمعنى ليس لشئ من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته، فالكلام من قبيل الاستعارة التمثيلية.
الثالث: أنه ورد من طريق الخاصة والعامة أن الله سبحانه يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقل تأذيه به، ويصير راضيا بنزوله وراغبا في حصوله، فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم، فهو يتردد في أنه كيف يوصل هذا الألم إليه، على وجه يقل تأذيه.
فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسمية، والراحة العظيمة
إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول، فيكون في الكلام استعارة تمثيلية.
وأما وجوهه عند العامة فهي أيضا ثلاثة:
الأول أن معناه: ما تردد عبدي المؤمن في شئ أنا فاعله كتردده في قبض روحه، فإنه متردد بين إرادته للبقاء وإرادتي للموت، فأنا ألطفه وأبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت، فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة وتعظيما له، كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعاهد ولي من أوليائه: عبدي! مرضت فلم تعدني؟ فيقول: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول: مرض عبدي فلان فلم تعده، فلو عدته لوجدتني عنده، وكما أضاف مرض وليه وسقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده، وتنويها بكرامة منزلته، كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك.
الثاني أن " ترددت " في اللغة بمعنى " رددت " مثل قولهم: فكرت وتفكرت، ودبرت وتدبرت فكأنه يقول: ما رددت ملائكتي ورسلي في أمر حكمت بفعله ، مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن، فارددهم في إعلامه بقبضي له وتبشيره بلقائي، وبما أعددت له عندي، كما ردد ملك الموت عليه السلام إلى إبراهيم وموسى عليهما السلام في القصتين المشهورتين إلى أن اختار الموت فقبضهما، كذلك خواص المؤمنين من الأولياء يرددهم إليهم رفقا وكرامة، ليميلوا إلى الموت، ويحبوا لقاءه تعالى.
الثالث أن معناه ما رددت الأعلال والأمراض والبر واللطف والرفق، حتى يرى بالبر عطفي وكرمي، فيميل إلى لقائي طمعا، وبالبلايا والعلل فيتبرم بالدنيا ولا يكره الخروج منها.
وما دل عليه هذا الحديث من أن المؤمن يكره الموت، لا ينافي ما دلت الروايات الكثيرة عليه من أن المؤمن يحب لقاء الله، ولا يكرهه، إما لما ذكره
الشهيد في الذكرى من أن حب لقاء الله غير مفيد بوقت، فيحمل على حال الاحتضار، ومعاينة ما يحب، فإنه ليس شئ حينئذ أحب إليه من الموت ولقاء الله أو لأنه يكره الموت من حيث التألم به، وهما متغايران وكراهة أحد المتغايرين لا يوجب كراهة الاخر، أو لان حب لقاء الله يوجب حب كثرة العمل النافع وقت لقائه، وهو يستلزم كراهة الموت القاطع له واللازم لا ينافي الملزوم، قوله تعالى " وإنه ليدعوني " بأن يقول يا الله مثلا، " فأجيبه " بأن يقول له لبيك مثلا، " وإنه ليسألني " أي يطلب حاجته كأن يقول: اصرف عني الموت، " لاستغنيت به " أي اكتفيت به في إبقاء نظام العالم للمصلحة، وضمن " يستوحش " معنى الاحتياج ونحوه. فعدي بإلى كما مر.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.