پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

3 باب العصير وأقسامه وأحكامه

ج ۶۳، ص ۵۰۰–۵۲۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۳

3 باب * (العصير وأقسامه وأحكامه) * 1 - قرب الإسناد: عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث ثم يرفع فيشرب منه السنة؟ قال: لا بأس.

قال: وسألته عن رجل يصلي للقبلة لا يوثق به أتى بشراب فزعم أنه على الثلث، أيحل شربه؟ قال: لا يصدق الا أن يكون مسلما عارفا.

كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر مثلهما.

بيان: قال في الدروس: لا يقبل قول من يستحل شرب العصير قبل ذهاب ثلثيه في ذهابهما، لروايات، وقيل: يقبل على كراهة، أقول: بل يظهر من بعض الروايات عدم قبول قول العارف أيضا في شئ من الأشربة إذا كان يشرب النبيذ، كما روى

الكليني والشيخ عن الحسين بن محمد عن أحمد بن إسحاق عن زكريا بن محمد عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا شرب الرجل النبيذ المخمور فلا تجوز شهادته في شئ من الأشربة، ولو كان يصف ما تصفون ورويا عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل عن يونس بن يعقوب عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج، ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعلم أنه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال:

لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف، يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه أشرب منه؟ قال: نعم.

لكن العلامة رحمه الله وصاحب الجامع وغيرهما بنيا الكراهة أو الحرمة على إخبار من يستحله لا من يشربه.

2 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل بن زياد عن ابن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم عليه السلام لما هبط من الجنة اشتهى من ثمارها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه قضيبين من عنب، فغرسهما فلما أورقا وأثمرا وبلغا، جاء إبليس فحاط عليهما حائطا، فقال له آدم: مالك يا ملعون؟ فقال له إبليس: إنهما لي، فقال: كذبت فرضيا بينهما بروح القدس، فلما انتهيا إليه قص آدم عليه السلام قصته فأخذ روح القدس شيئا من نار فرمى بها عليهما، فالتهبت في أغصانهما، حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ إلا احترق، وظن إبليس مثل ذلك، قال: فدخلت النار حيث دخلت، وقد ذهب منهما ثلثاهما، وبقي الثلث، فقال الروح: أما ما ذهب منهما فحظ إبليس عليه اللعنة، وما بقي فلك يا آدم.

بيان: كون الثلثين حظ إبليس، لان عصير العنب بعد الغليان يحرم ما لم يذهب ثلثاه، فالثلثان حظه، وأيضا قبل ذهاب الثلثين إن بقي يصير خمرا مسكرا فهو حظه، وهما يرجعان إلى أمر واحد، لأن الظاهر أن العلة في وجوب ذهاب

الثلثين هو هذا الذي ذكرنا.

3 - العلل: عن محمد بن شاذان عن محمد بن محمد بن الحارث عن صالح بن سعيد عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال: لما خرج نوح عليه السلام من السفينة، غرس قضبانا كانت معه في السفينة من النخيل والأعناب، وساير الثمار، فأطعمت من ساعتها، وكانت معه حبلة العنب، وكانت آخر شئ خرج حبلة العنب فلم يجدها نوح، وكان إبليس قد أخذها فخبأها، فنهض نوح عليه السلام ليدخل السفينة فيلتمسها فقال له الملك الذي معه: اجلس يا نبي الله ستؤتى بها، فجلس نوح عليه السلام فقال له الملك: إن لك فيها شريكا في عصيرها، فأحسن مشاركته، قال: نعم له السبع ولي ستة أسباع، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال نوح عليه السلام: له السدس ولى خمسة أسداس، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال نوح عليه السلام: له الخمس ولي أربعة أخماس، قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال له نوح: له الربع ولي ثلاثة أرباع، قال له الملك: أحسن فأنت محسن قال: فله النصف ولي النصف [ولي التصرف] قال له الملك: أحسن فأنت محسن، قال عليه السلام: لي الثلث وله الثلثان فرضي، فما كان فوق الثلث من طبخها فلا بليس، وهو حظه، وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح عليه السلام، وهو حظه، وذلك الحلال الطيب ليشرب منه.

بيان: القضيب الغصن، وفي النهاية فيه لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا:

العنب والحبلة: الحبلة بفتح الحاء والباء وربما سكنت: الأصل، أو القضيب من شجر الأعناب.

4 - العلل: عن أحمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

كان أبى عليه السلام يقول: إن نوحا حين أمر بالغرس كان إبليس إلى جانبه، فلما أراد أن يغرس العنب، قال: هذه الشجرة لي، فقال له نوح: كذبت، فقال إبليس: فما لي منها؟ فقال نوح عليه السلام. لك الثلثان فمن هناك طاب الطلاء على الثلث.

بيان: قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام أنه كان يرزقهم الطلاء: الطلاء بالكسر والمد الشراب المطبوخ من عصير العنب. وهو الرب، وأصله القطران الخاثر الذي تطلى به الإبل، ومنه الحديث إن أول ما يكفأ الاسلام كما يكفأ الاناء في شراب يقال له: الطلاء، هذا نحو الحديث الآخر: سيشرب أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يريد أنهم يشربون النبيذ المسكر المطبوخ ويسمونها طلاء، تحرجا عن أن يسموه خمرا، فأما الذي في حديث علي عليه السلام فليس من الخمر في شئ وإنما هو الرب الحلال.

5 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم أن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلا من غير أن تصيبه النار فهو خمر، فلا يحل شربه إلا أن يذهب ثلثاه على النار ويبقى ثلثه، فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا من ذاته، من غير أن يلقى فيه شئ، فان تغير بعد ذلك وصار خمرا فلا بأس أن تطرح فيه ملحا أو غيره حتى يتحول خلا.

6 - السرائر: نقلا من كتاب المسائل من مسائل محمد بن علي بن عيسى:

حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن زياد وموسى بن محمد بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم، وربما جعل فيه العصير من العنب، وإنما هو لحم يطبخ به، وقد روي عنهم في العصير أنه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وأن الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة، وقد اجتنبوا أكله إلى أن يستأذن مولانا في ذلك، فكتب بخطه: لا بأس بذلك.

الجامع: ليحيى بن سعيد قال: كتبت محمد بن علي بن عيسى إلى علي بن محمد الهادي عليه السلام جعلت فداك عندنا طبيخ وذكر نحوه.

تبيين: يدل الرواية على أنه إذا صب العصير في الماء وغلا الجميع، لا يحرم

ولا يشترط في حله ذهاب الثلثين، ولم أر قائلا به من الأصحاب، لكن قال صاحب الجامع: لا بأس أن يجمع بين عشرة أرطال عصيرا وبين عشرين رطلا ماء ثم يغلى حتى تبقى عشرة، فيحل، ثم ذكر هذه الرواية ولم يتعرض لتأويلها، ويدل على ما ذكره أولا ما رواه الكليني والشيخ عن محمد بن يحيى عن محمد الحسين عن محمد بن عبد الله عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال في رجل: أخذ عشرة أرطال من عصير العنب فصب عليه عشرين رطلا ماء، ثم طبخها حتى ذهب منه عشرون رطلا وبقي عشرة أرطال؟ أيصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال: ما طبخ على ثلثه فهو حلال.

فيمكن حمل الخبر على ما إذا كان العصير المصبوب فيه قليلا يضمحل فيه، فلا يسمى عصيرا حينئذ بخلاف ما فرض في الخبر الآخر، وإن كان الأحوط العمل به مطلقا، وقد ناقش بعض المحققين من المعاصرين في تحقق الحلية في الصورة المفروضة، بذهاب الثلثين، وفي دلالة الرواية المذكورة على ذلك أيضا، حيث قال:

اكتفى عليه السلام في الجواب عن السؤال المذكور بذكر ما هو القاعدة الكلية في هذا الباب وسلوك هذا الطريق من الجواب غالبا إنما هو لاحد الامرين إما لظهور اندراج الصورة المسؤول عنها في موضع تلك القاعدة كما إذا سئل عن حال المشكوك في نجاسته فأجيب بأن كل شئ طاهر ما لم تعلم نجاسته، وإما لظهور عدم اندراجها فيه كما إذا سئل عن حال الماء القليل الملاقي للنجاسة، فأجيب بأن الماء إذا بلغ كرا لم يحمل خبثا، وهذا الجواب يحتمل أن يكون من قبيل الثاني معللا بظهور أن الذاهب من الماء فيها للطافته أكثر من الذاهب من العصير، مع أن مفاد القاعدة الكلية على طبق الروايات الأخر أن المعيار ذهاب ثلثي العصير كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أن العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال فان الظاهر كون الموصول في قوله عليه السلام: هنا " ما طبخ على ثلثه " عبارة عنه، لا عن كل شئ أو كل مايع انتهى.

وأقول: كلامه دقيق متين لكنه خلاف ظاهر الخبر، وأيضا بما جمعنا بين الخبرين ظهر أن ذهاب الثلثين إنما يجب فيما صدق على المجموع أنه عصير، وحينئذ يكفي ذهاب ثلثيه، وأما أن المعتبر ذهاب الثلثين بحسب الحجم أو بحسب الوزن، فهو أمر آخر، سنتكلم عليه إنشاء الله، والشهيد رحمه الله أورد في الدروس رواية عقبة ثم قال: وليست بصريحة في المطلوب من السؤال لكنها ظاهرة فيه.

7 - كتاب الصفين: لنصر بن مزاحم قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأسود ابن قطنة: واطبخ للمسلمين قبلك من الطلاء ما يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.

8 - كتاب زيد النرسي: قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الزبيب يدق ويلقى في القدر، ثم يصب عليه الماء، ويوقد تحته، فقال: لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث، فان النار قد أصابته، قلت: فالزبيب كما هو يلقى في القدر ويصب عليه ثم يطبخ ويصفى عنه الماء، فقال: كذلك هو سواء، إذا أدت الحلاوة إلى الماء وصار حلوا بمنزله العصير، ثم نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد.

9 - الخرايج: عن صفوان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأتاه غلام فقال:

أمي ماتت، فقال عليه السلام: لم تمت، قال: تركتها مسجى عليها، فقام أبو عبد الله عليه السلام ودخل عليها فإذا هي قاعدة، فقال لابنها: ادخل على أمك فشهها من الطعام ما شاءت فأطعمها، فقال الغلام: يا أماه ما تشتهين؟ قالت: أشتهي زبيبا مطبوخا، فقال له:

ائتها بغضارة مملوءة زبيبا، فأتاها بها، فأكلت منها حاجتها.

10 - المحاسن: عن أبيه عن النضر بن سويد عن رجل عن أبي بصير قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يعجبه الزبيبية.

11 - الكافي: عن العدة عن سهل بن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه

ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ثم يرفع ويشرب منه السنة؟ فقال: لا بأس.

12 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن علي بن الحسن أو عن رجل عن علي بن الحسن بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى الساباطي قال: وصف لي أبو عبد الله عليه السلام المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا؟ فقال عليه السلام لي: تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور مسخون قليلا حتى لا ينش، ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا أصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه حتى تذهب حلاوته ثم تنزع ماءه الآخر، فتصبه على الماء الأول ثم تكيله كله، فتنظركم الماء، ثم تكيل ثلثه فتطرحه في الاناء الذي تريد أن تطبخه فيه، وتصب بقدر ما يغمره ماء، وتقدره بعود وتجعل قدره قصبة أو عودا فتحدها على قدر منتهى الماء، ثم تغلي الثلث الآخر حتى يذهب الماء الباقي، ثم تغليه بالنار، فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان، ويبقى الثلث، ثم تأخذ لكل ربع رطلا من العسل، فتغليه حتى تذهب رغوة العسل وتذهب غشاوة العسل في المطبوخ، ثم تضربه بعود ضربا شديدا حتى يختلط وإن شئت أن تطيبه بشئ من زعفران أو شئ من زنجبيل فافعل، ثم اشربه فان أحببت أن يطول مكثه عندك فروقه.

بيان: " حتى يصير حلالا " أي لا يتغير بالمكث عندك فيصير مسكرا حراما كما يومي إليه بعض ألفاظ الخبر " تأخذ ربعا " أي ربع رطل، وفي القاموس نقع الدواء في الماء أقره فيه " في تنور مسخون " في بعض النسخ " مسجور " من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته، وفي بعضها مسخن على بناء المجهول، والنش الغليان " بقدر ما يغمره [" أي يستره " وتصب بقدر ما يغمره] ماء " أي تصب الثلث كله في القدر [حتى يغمر ما يغمره من القدر، أو المعنى أنه تطرح ثقل الزبيب في القدر]

أو زبيبا آخر فيه بقدر ما يغمره الماء، والأول وإن كان بعيدا لكنه أوفق بالخبر الآتي، وقوله: " ثم تغلى الثلث الآخر ". " والأخير " كما في بعض النسخ، لعل معناه، أنه بعد تقدير كل ثلث بالعود تغليه حتى يذهب الثلث الذي صببت أخيرا فوق القدر، ثم تغليه حتى يذهب الثلث الآخر، ومثل هذا التشويش ليس ببعيد من حديث عمار كما لا نخفى على المتتبع، وبالجملة: يظهر من الخبر الآتي مع وحدة الراوي أن فيه سقطا.

قوله عليه السلام: " ثم تضربه بعود " أي بعد الخلط بالعصير كما سيأتي، قوله:

" أن يطول مكثه عندك " أي من غير تغيير ونشيش " فروقه " أي صفه جيدا لئلا يكون فيه ثفل، قال في القاموس: الترويق التصفية.

13 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا؟ فقال: تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثني عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان من الغد نزعت سلافتة ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه بالنار غلية، ثم تنزع ماءه فتصبه على الماء الأول ثم تطرحه في إناء واحد جميعا ثم توقد تحته النار، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وتحته النار، ثم تأخذ رطلا من العسل فتغليه بالنار غلية وتنزع رغوته ثم تطرحه على المطبوخ ثم تضربه حتى يختلط به، واطرح فيه إن شئت زعفرانا، و طيبه إن شئت بزنجبيل قليل.

قال: فإذا أردت أن تقسمه أثلاثا لتطبخه فكله بشئ واحد حتى تعلم كم هو؟

ثم اطرح عليه الأول في الاناء الذي تغليه فيه ثم تجعل فيه مقدارا وحده حيث يبلغ الماء، ثم اطرح الثلث الآخر ثم حده حيث يبلغ الماء، ثم تطرح الثلث الأخير ثم حده حيث يبلغ الآخر، ثم توقد تحته بنار لينة حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.

14 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن موسى بن الحسن عن السياري عن محمد بن

الحسين عمن أخبره عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: شكوت إلى أبى عبد الله عليه السلام قراقر تصيبني في معدتي، وقلة استمرائي الطعام، فقال لي: لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن وهو يمرئ الطعام، ويذهب بالقراقر والرياح من البطن؟ قال: فقلت له: صفه لي جعلت فداك، فقال لي: تأخذ صاعا من زبيب فتنقيه من حبه وما فيه، ثم تغسله بالماء غسلا جيدا ثم تنقعه في مثله من الماء أو ما يغمره، ثم تتركه في الشتاء ثلاثة أيام بلياليها، وفي الصيف يوما وليلة، فإذا أتى عليه ذلك القدر صفيته وأخذت صفوته وجعلته في إناء، وأخذت مقداره بعود، ثم طبخته طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلاثة، ثم تجعل عليه نصف رطل عسل وتأخذ مقدار العسل ثم تطبخه حتى تذهب تلك الزيادة ثم تأخذ زنجبيلا وخولنجانا ودار صينيا وزعفرانا وقرنفلا ومصطكي وتدقه وتجعله في خرقة رقيقة وتطرحه وتغليه معه غلية، ثم تنزله فإذا برد صفيته وأخذت منه على غدائك وعشائك، قال: ففعلت فذهب عني ما كنت أجده، وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إنشاء الله.

بيان: في القاموس المصطكا بالفتح والضم ويمد في الفتح فقط، علك رومي أبيض نافع للمعدة والمقعدة والأمعاء والكبد والسعال المزمن شربا " وأخذت منه على غدائك " أي شربته بعدها، وقوله عليه السلام: " لا يتغير " فيه إيماء إلى أن ذهاب الثلثين لعدم التغير.

15 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن السياري عمن ذكره عن إسحاق بن عمار قال: شكوت إلى أبى عبد الله عليه السلام بعض الوجع، وقلت: إن الطبيب وصف لي شرابا: آخذ الزبيب وأصب عليه الماء للواحد اثنين، ثم أصب عليه العسل ثم أطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث، فقال: أليس حلوا؟ قلت: بلى، قال: اشربه ولم اخبره كم العسل.

16 - طب الأئمة: عن محمد بن إسماعيل بن حاتم التميمي عن عمرو بن أبي خالد

عن إسحاق بن عمار قال: شكوت إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بعض الوجع وقلت له:

إن الطبيب وصف لي شرابا وذكر أن ذلك الشراب موافق لهذا الداء، قال له الصادق عليه السلام: وما وصف لك الطبيب؟ قال: قال: خذ الزبيب وصب عليه الماء ثم صب عليه عسلا ثم اطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث، فقال: أليس هو حلو؟

قلت: بلى يا بن رسول الله، قال: اشرب الحلو حيث وجدته أو حيث أصبته، ولم يزدني على هذا.

تفصيل وتذييل يشتمل على مقاصد:

الأول أتفق فقهاؤنا رضوان الله عليهم على حرمة العصير العنبي بالغليان و الاشتداد، وظاهر الاخبار وأكثر الأصحاب تحقق الحرمة بمجرد الغليان المفسر بالقلب في رواية حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن شرب العصير قال: تشرب ما لم يغل، فإذا غلا فلا تشربه، قال: قلت: جعلت فداك أي شئ الغليان؟ قال:

القلب والمراد به كما فسره الأكثر أن يصير أسفله أعلاه، ولعله هو المقصود أيضا من النشيش فيما تقدم من الاخبار، وفيما روي عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا نش العصير وغلا حرم، فان النشيش هو صوت الماء وغيره عند الغليان، فعلى هذا يكون العطف بالواو في الرواية للتفسير، ويحتمل أن يكون المراد بالنشيش حالة مقارنة للغليان أو متقدمة عليه، فيكون العطف لمحض الجمع أو الترتيب للاشعار بعدم انفكاك أحدهما عن الآخر، أو عدم كفاية النشيش بدون الغليان، وما وقع في نسخ التهذيب من لفظة " أو " بدل الواو مؤيد لعدم الانفكاك.

وأما ما ضم إليه بعض الفقهاء في هذا المقام من الاشتداد حيث قالوا: إذا غلا واشتد، فإن كان المراد به معنى القلب أو النشيش أو معنى الثخانة الحاصلة بمجرد الغليان، كما قيل، فضمه إلى الغليان من قبيل ضم النشيش إليه في الرواية: وإن

كان المراد معنى آخر يمكن أن يحصل الغليان بدونه معتبرا معه في تحقق الحرمة فلا دليل عليه في الروايات، بل إنها إنما تدل على استقلال مجرد الغليان في علية الحرمة من غير اعتبار غيره فيها إلا على سبيل الدلالة عليه كالقلب والنشيش على ما مر وكاصابة النار فيما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل عصير أصابته النار فهو حرام، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فان إصابة النار بعنوان التأثير كما هو المراد من جملة أسباب الغليان، فتدل عليه دلالة السبب على المسبب وأما ترتب الحرمة على إصابة النار بخصوصها كما يتوهم من ظاهر الرواية، فليس بمقصود لدلالة الروايات الكثيرة على أنها مترتبة على الغليان سواء كان سببا عن الإصابة المذكورة أو عن غيرها، وقد صرح جماعة من الأصحاب منهم الشهيد الثاني بالتساوي بين كونه بالنار أو غيره، وعد صاحب الوسيلة الغليان بنفسه من موجبات الحرمة.

قيل: فالوجه في تخصيص المذكور اعتبار الفرد الغالب وخصوصية الغاية المذكورة فان ذهاب الثلثين هو غاية الحرمة التي تتحقق بهذا السبب الخاص لا غاية الحرمة المطلقة، فان ما يحرم غليانه بنفسه إنما تكون غاية حرمته هي الخلية بدون اعتبار ذهاب الثلثين.

وأقول: الظاهر أن كلا من ذهاب الثلثين والخلية كافيان في الحلية ما لم يصر مسكرا، ومع الاسكار فلابد من الخلية، ولا ينفع ذهاب الثلثين، والغالب عدم تحقق الخلية بدون الخمرية، وما وقع في الاخبار وكلام الأصحاب من التخصيص كأنه مبنى على الغالب، قال ابن البراج في المهذب: كل عصير لم يغل فإنه حلال استعماله على كل حال، والغليان الذي معه يحرم استعماله هو أن يصير أسفله أعلاه بالغليان فان صار بعد ذلك خلا جاز استعماله وإذا طبخ العصير على النار وغلا ولم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله، فان ذهب ثلثاه وبقي الثلث جاز استعماله، وحد ذلك أن يصير حلوا يخضب الاناء.

الثاني: ذهب جماعة من الأصحاب إلى نجاسة العصير المذكور قبل ذهاب الثلثين، وأنه يطهر بعده، فمنهم من عمم الحكم كالمحقق والعلامة رحمهما الله، لكنهما اشتر طامع الغليان الاشتداد، وذهب ابن حمزة في الوسيلة إلى تخصيص النجاسة في العصير المذكور بصورة غليانه بنفسه لا بغيره كالنار، وبعض المتأخرين عد العصير إذا غلا من النجاسات بدون تخصيص أو اشتراط، فالمذاهب في النجاسة ثلاثة ولا مستند لشئ منها في الروايات التي وصلت إلينا كما صرح به الشهيد رحمه الله في البيان حيث قال:

لم أقف على نص في تنجيسه إلا ما دل على نجاسة المسكر، لكنه لا يسكر بمجرد غليانه واشتداده، وفي الذكرى حيث قال: بعد نقل قول ابن حمزة والمحقق وذكر توقف العلامة فيها في نهايته: ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة، ولا نص على نجاسة غير المسكر، وهو منتف هنا.

وقال الشهيد الثاني رحمه الله في المسالك: القول بنجاسة العصير هو المشهور بين المتأخرين، ومستنده غير معلوم، بل النص إنما دل على التحريم، وقال العلامة رحمه الله في المختلف: والخمر وكل مسكر والفقاع والعصير إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس، ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد والشيخ أبي جعفر والسيد المرتضى وأبي الصلاح وسلار وابن إدريس، وقال أبو علي بن أبي عقيل من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما، لان الله تعالى إنما حرمهما تعبدا لا لأنهما نجسان، وكذلك سبيل العصير والخل، إذا أصاب الثوب والجسد، وقال أبو جعفر بن بابويه: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابته خمر لان الله جرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته، مع أنه حكم بنزح ماء البئر أجمع بانصباب الخمر فيها.

لنا وجوه الأول الاجماع على ذلك، فان السيد المرتضى قال: لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم، وقال الشيخ رحمه الله: الخمر نجسة بلا خلاف، وكل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر، وألحق أصحابنا الفقاع بذلك وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما، وهما صادقان، فيغلب على الظن ثبوته، والاجماع كما يكون حجة إذا نقل

متواترا فكذا إذا نقل آحادا انتهى.

ويرد عليه وجوه من الايراد الأول: حكمه بنجاسة كل مسكر بدون استثناء غير المايع بالأصالة، مع أنه مستثنى عنه بالاتفاق، والثاني: بنجاسة العصير المذكور قبل ذهاب ثلثيه مطلقا، مع أنه لا خلاف في طهارة بعض أنواعه قبل ذهاب ثلثيه إذا صار خلا كما سيأتي، والثالث: حكمه بها بدون اشتراط الاشتداد مع تصريحه به في ساير كتبه، والرابع: نسبة القول بنجاسة الجميع، الداخل فيه العصير المذكور، إلى أكثر العلماء الذين عد منهم الشيخ والمرتضى رحمهما الله، مع ما ترى من خلو كلامهما الذي نقل عنهما عن ذكر العصير، ومع ما مر من تصريح الشهيد رحمه الله مع كمال تتبعه وتبحره الذي لا ريب فيه من تتبع كلامه، بعدم وقوفه على قول بالنجاسة إلا ممن عده في جملة العلماء المذكورين، الخامس: دعواه الاجماع على هذا الحكم المشتمل على نجاسة العصير المذكور بنقل المرتضى والشيخ مع أن ما نقله عن المرتضى إنما هو في خصوص الخمر، وما نقله عن الشيخ خال عن ذكر العصير، بل عن ذكر عدم الخلاف في غير الخمر.

الثالث: لما كان الغليان الموجب للحرمة أو النجاسة على وجهين: كونه بغير النار وكونه بالنار، ومرجع كل منهما اما إلى صيرورته طلاء أو خلا، تكون الاحتمالات العقلية أربعة، ولعدم جريان العادة بصيرورته طلاء بغير النار تكون العادية منها ثلاثة.

الأول: أن يصير خلا بدون إصابة النار، ويعبر عنه بنفسه وإن كان بامداد حرارة من الهواء أو الشمس، الثاني: أن يصير طلاء بطبخه على النار، الثالث: أن يصير خلا بعد أن أصابته النار بابقائه على حاله مدة ولا خلاف في حلية الأول وطهارته مطلقا ولا في حلية الثاني وطهارته، بشرط أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وأما الثالث فصريح ما ذكره الشيخ في النهاية حيث قال: والعصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل، وحد الغليان الذي يحرم ذلك هو أن يصير أسفله أعلاه، فإذا غلا حرم شربه وبيعه، إلى أن يعود إلى كونه خلا، وإذا غلا العصير على النار لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه و حد ذلك هو أن تراه قد صار حلوا أو يخضب الاناء، ويعلق به، أو يذهب من كل درهم

ثلاثة دوانيق ونصف وهو على النار، ثم ينزل به ويترك حتى يبرد، فإذا برد فقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه انتهى، وما ذكره ابن حمزة في الوسيلة حيث قال: فإن كان عصيرا لم يخل إما غلا أو لم يغل، فان غلا لم يخل إما غلا من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه وأعلاه أسفله حرم ونجس إلى أن يصير خلا بنفسه أو يفعل غيره، فيعود حلالا طيبا وإن غلا بالنار حرم شربه حتى يذهب بالنار نصفه ونصف سدسه، ولم ينجس أو يخضب الاناء، ويعلق به، ويحلو، وإن لم يغل أصلا حل خلا كان أو عصيرا انتهى أن لا يكون حلالا وإن كان طاهرا.

وظاهر المحقق حيث قال في الشرايع: ويحرم العصير إذا غلا من قبل نفسه أو بالنار، ولا يحل حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا، والعلامة حيث قال في الارشاد :

عند تعداد الأشربة المحرمة: والعصير إذا غلا واشتد، إلا أن ينقلب خلا أو يذهب ثلثاه، وكذا في القواعد، والشهيد رحمه الله حيث قال في اللمعة: ويحرم العصير العنبي إذا غلا حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا، وكذا في الدروس; أن يكون حلالا أيضا.

وظاهر ما مر من رواية ابن سنان وكذا ما روي في الكافي عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته أيشربه صاحبه قال: إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه مؤيدان لقول الشيخ وابن حمزة، بل قولهما مبنى على حفظ ظاهرهما، ولكن لا يخفى إمكان تأويلهما بنحو من التخصيص، فلا ينافيان قول المحقق والعلامة والشهيد، ولعل هذا التخصيص هنا هو الظاهر المناسب لتعميم حلية كل خمر وطهارته بعد الحرمة والنجاسة بصيرورتها خلا، فان مصير العصير مطلقا إلى الخلية إنما يكون بعد الخمرية كا هو المشهور، وكل خمر تحل وتطهر بصيرورتها خلا، و إن كان بنحو علاج كما سيأتي.

الرابع: اعلم أن الأحكام المذكورة مخصوصة على المشهور بالعصير العنبي، ولا خلاف في عدم تحريم ما سوى عصير التمر وعصير الزبيب مما سوى عصير العنب كعصير الرمان وساير الفواكه وغيرها، ولا في طهارتها، إلا أن تصير مسكرا ولا يشترط في حلها وطهارتها ذهاب الثلثين، وإنما اختلفوا في عصير التمر والزبيب، قال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولا يحرم العصير من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش، فيحل طبيخ الزبيب على الأصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا وخروجه عن مسمى العنب، وحرمه بعض مشايخنا المعاصرين، وهو مذهب بعض فضلائنا المتقدمين لمفهوم رواية علي بن جعفر وأما عصير التمر فقد أحله بعض الأصحاب ما لم يسكر، وفي رواية عمار سئل الصادق عليه السلام عن النضوح كيف نصنع حتى يحل؟ قال: خذماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثاه انتهى، وكأن المراد بالنشيش هنا السكر أو ما يؤل إليه، لا ما مر من الغليان أو ما يقرب منه كما هو المعروف لسياق كلامه هنا، ولتصريحه بما ينافيه في اللمعة، حيث قال: ولا يحرم من الزبيب وإن غلا على الأقوى.

ثم إن الشهيد الثاني رحمه الله في شرحها بعد الاستدلال على هذا الحكم بخروجه عن مسمى العنب وبأصالة الحل واستصحابه وذكر ما ذهب إليه بعض الأصحاب من التحريم لمفهوم رواية علي بن جعفر، قال: وسند الرواية والمفهوم ضعيفان، فالقول بالتحريم أضعف، أما النجاسة فلا شبهة في نفيها انتهى، وكان الفرق بين القول بالتحريم والنجاسة في هذا المقام لعدم النص على نجاسة العصير مطلقا، وعدم القول بها إلا من جماعة معدودين، وهم لا يقولون هاهنا لا بالتحريم ولا بالنجاسة، فيكون عدم النجاسة هاهنا اتفاقيا.

وقال رحمه الله في المسالك: والحكم مختص بعصير العنب، فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر، للأصل، ولا إلى عصير الزبيب على الأصح لخروجه عن اسمه، وذهاب ثلثيه وزيادة بالشمس، وحرمه بعض علمائنا استنادا إلى مفهوم رواية علي بن جعفر وهي مع أن في طريقها سهل بن زياد لا يدل على تحريمه قبل

ذهاب ثلثيه بوجه، وإنما نفى عليه السلام البأس عن هذا العمل الموصوف وإبقاء الشراب عنده يشرب منه، وتخصيص السؤال بالثلثين لا يدل على تحريمه بدونه ولا بالمفهوم الذي ادعوه، وإنما تظهر فايدة التقييد به لتذهب مائيته، فيصلح للمكث عند المدة المذكورة كما يبقى الدبس، ولو سلم دلالتها بالمفهوم فهو ضعيف لا يصلح لا ثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصل.

وروى أبو بصير في الصحيح قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يعجبه الزبيبة وهذا ظاهر في الحل لان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى انتهى.

وأقول: القول بعدم تحريم عصير الزبيب والتمر لا يخلو من قوة لما مر من عمومات الحل، وعدم ورود ما يصلح لتخصيصها، ورواية علي بن جعفر مع ضعفها على المشهور بالمفهوم، وهي ضعيفة خصوصا إذا كان في كلام السائل على أن مفهومه وجود البأس قبل ذهاب الثلثين، وهو أعم من الحرمة، ورواية عمار أيضا ضعيفة سندا و متنا.

فان قيل: الروايات الدالة على تحريم العصير بعد الغليان أكثرها عامة أو مطلقة شاملة لكل عصير، خرج عنه ما حل بالاجماع كعصير الرمان وأشباهه، فيبقى عصير الزبيب والتمر داخلين تحت عموم التحريم، قلت: شمول العصير حقيقة لما ينفصل عنهما ممنوع إذ لا ينفصل منهما شئ إلا بعد نقعهما في الماء: فلا يسمى عصيرا إلا مجازا، بل هو نقيع، وما ينفصل عن التمر بلا نقع فهو دبس لا يطلق عليه العصير، بل قيل: يحصل الظن القوي بعد تتبع الاخبار وكلام الأصحاب بشيوع استعمال العصير بما يختص بالعنب، ويؤيده ما مر في المقنع وفقه الرضا عليه السلام و ذكره الصدوق في الفقيه أيضا حيث قال: ولها خمسة أسامي: العصير، وهو من الكرم، و النقيع وهو من الزبيب، ونحوه ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وإذا كان كذلك تعين حمل العصير في الأخبار المطلقة عليه، وإن كان مجازا حذرا من

ارتكاب التخصيص البعيد الذي قد منع صحته جماعة من الأصوليين، فان صدور مثل هذه الكلية عنهم عليهم السلام مع خروج أكثر أفراد الموضوع عن الحكم بعيد جدا.

قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: المشهور أن التحريم بالغليان مخصوص بالعصير العنبي، ولا خلاف في حلية عصير غير التمر والزبيب، مثل عصير التفاح والرمان وإن غلا، ما لم يكن مسكرا، وكذا ساير الربوبات، والأصل والعمومات وحصر المحرمات مؤيدات، ويدل عليه أيضا بعض الروايات مثل رواية جعفر بن أحمد المكفوف قال: كتبت إليه - يعني أبا الحسن عليه السلام - أسأله عن السكنجبين و الجلاب ورب التوت ورب التفاح، فكتب: حلال، وفي رواية أخرى له عنه عليه السلام وزاد رب السفرجل إذا كان الذي يبيعها غير عارف وهي تباع في أسواقنا، فكتب جايز لا بأس بها.

وفيها مع الغليان خلاف، والمشهور الحل ويؤيده الأصل والعمومات، وحصر المحرمات في الآية والأخبار الكثيرة، وقيل: بالتحريم بل يظهر أيضا القول:

بالنجاسة من الذكرى، والظاهر الطهارة، ولا ينبغي النزاع في ذلك وقياسهما على الخمر والعصير العنبي باطل ، مع عدم ثبوت الحكم في الأصل، والحل لما مر ولعدم دليل صالح للتحريم إلا مر من عموم العصير والظاهر أنهما ليسا بداخلين فيه، فالمراد فيه العصير العنبي كما يفهم من كلامهم، ومن ظاهر الاخبار، ولهذا ما قال أحد بالعموم إلا ما أخرجه الدليل وما استدل القائل بعدم إباحتها بتلك العمومات وما استدل له بها أيضا، فكأن العصير عندهم مخصوص بالعنب بالوضع الثاني فتأمل.

ثم قال رحمه الله: ويؤيده أن النبيذ الذي يؤخذ من التمر والنقيع الذي يؤخذ من الزبيب، إنما يحرمان مع السكر، وقد مر أنه لو فعلا بحيث لا يسكران يحلان، وما يدل عليه بالمفهوم، ويدل عليه أيضا ما يدل على حل النبيذ الغير المسكر وصحيحة أبي بصير في الزبيبة انتهى.

وأما الأخبار المتقدمة الواردة في كيفية الشراب الحلال وإن كانت مشعرة

باشتراط ذهاب الثلثين في الحل لكن ليس فيها خبر صحيح على مصطلح القوم، ولا في شئ منها دلالة ظاهرة، إذ قوله عليه السلام في رواية عمار حتى يصير حلالا يحتمل أن يكون المراد به حتى يبقى على الحلية ولا يصير نبيذا مسكرا حراما كما قال في خبره الآخر حتى يشرب حلالا; وكما قال في رواية الهاشمي: هو شراب طيب لا يتغير إذا بقي، وإن احتمل أن يكون هذا علة لوجوب ذهاب الثلثين وقد يقال:

معناه بقرينة روايته الأخرى وغيرها في هذا الباب حتى يصير نبيذا حلالا أي يكون مثل النبيذ المسكر في النفع دون الحرمة.

أقول: وكأنه لاحتمال هذه الوجوه في تلك الأخبار احتمالا ظاهرا، لم يتمسك بها القائل باستواء ماء الزبيب وعصير العنب في وجوب ذهاب ثلثيهما لحصول الحلية كما تمسك بمفهوم رواية علي بن جعفر، ورواية إسحاق يشعر بأنه ما دام حلوا لم يتغير فهو حلال، لا سيما على ما في طب الأئمة، قال المحقق الأردبيلي رحمه الله بعد إيرادها: بل يمكن فهم الحل مطلقا من قوله عليه السلام: أليس حلوا فافهم انتهى، وأما رواية النرسي فهي وان دلت على تحريم ماء الزبيب بعد الغليان أو النشيش، لكن اثبات مثل هذا الحكم بمثل هذه الرواية مشكل، ولا ريب أن الأحوط الاجتناب عن عصير الزبيب بعد الغليان، ولا يبعد الاكتفاء بخضب الاناء وعلوقه به، كما ورد في بعض الأخبار أو بتسميته دبسا، وأما ذهاب الثلثين فلا يتحقق فيما يعمل في هذا الزمان غالبا الا بعد انعقاده وخروجه عن الدبسية، وأحوط منه اجتنابه قبل ذهاب الثلثين مطلقا.

الخامس: ألحق جماعة من الأصحاب بالعصير ماء العنب إذا غلا في حبه، وهو غير موجه، لعدم صدق العصير عليه، فالأدلة العامة تقتضي حله، قال المحقق الأردبيلي رحمه الله: الظاهر اشتراط كونه معصورا فلو غلا ماء العنب في حبه لم يصدق عليه أنه عصير غلا، ففي تحريمه تأمل، ولكن صرحوا به فتأمل، والأصل والعمومات وحصر المحرمات دليل التحليل حتى يعلم الناقل انتهى.

وأقول: بعض من قارب عصرنا ألحق به الزبيب المطبوخ في الطعام، فحكم بحرمته لأنه يغلى ماؤه في جوفه، وتابعه بعض من لم يشم رايحة العلم والفقه من المعاصرين، وهو وهن على وهن، وربما يستدل له بخبر النرسي، وقد عرفت حاله، مع أنه لا يدل على مدعاهم، إذ الظاهر أنه إنما يحرم إذا أدى الحلاوة إلى الماء، حتى صار بمنزلة العصير، ومعلوم أن ما يوضع من الزبيب تحت الأرز في القدور، ليس بهذه المثابة، ولا يحلى الماء بسببه كحلاوة العصير، وكذا ما يلقى في الشورباجات فلما يصير بهذه المنزلة، نعم ما يدق ويدخل فيها قد يكون قريبا من ذلك وكأنه الزبيبة، وقد مرت الرواية بحلها، وبالجملة الحكم بالحرمة في جميع ذلك مشكل، وإن كان الاحتياط في بعضها أولى.

السادس: قال في المسالك: لا فرق مع عدم ذهاب ثلثيه في تحريمه بين أن يصير دبسا وعدمه، لاطلاق النصوص باشتراط ذهاب الثلثين، مع أن هذا فرض بعيد، لأنه لا يصير دبسا حتى يذهب أربعة أخماسه غالبا بالوجدان، فضلا عن الثلثين، ويحتمل الاكتفاء بصيرورته دبسا قبل ذلك، على تقدير امكانه، لانتقاله عن اسم العصير كما يطهر بصيرورته خلا لذلك، ولا فرق في ذهاب ثلثيه بين وقوعه بالغليان والشمس والهواء فلو وضع المعمول به قبل ذهاب ثلثيه كالملبن في الشمس فتجفف بها وبالهواء، و ذهب ثلثاه حل، وكذا يطهر بذلك لو قيل بنجاسته، ولا يقدح فيه نجاسة الأجسام الموضوعة فيه قبل ذهاب الثلثين كما يطهر ما فيه من الأجسام بعد انقلابه من الخمرية إلى الخلية عندنا انتهى.

أقول: ويؤيد الاكتفاء بالدبسية ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان يخضب الاناء فاشربه وان احتمل أن يكون من علامات ذهاب الثلثين كما فهمه الشيخ رحمه الله، حيث جعل في النهاية لذهاب الثلثين الذي هو مناط الحلية ثلاث علامات: صيرورته حلوا، وخضبه الاناء، وعلوقه به، وذهاب ثلاثة دوانيق ونصف منه عند كونه على النار، وروى الكليني رحمه الله بسند

صحيح عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زاد الطلاء على الثلث أوقية فهو حرام، وكأن المعنى زاد على الثلث بقدر أوقية، وهي سبع مثاقيل أو أربعون درهما، وهذا إما كناية عن القلة أو مبنى على أنه إذا كان أقل من أوقية يذهب بالهواء ويمكن أن يكون هذا فيما إذا كان العصير رطلا، فان الرطل أحد وتسعون مثقالا ونصف سدس سبعه، ونصف نصف سدس، وقد ورد في بعض الأخبار أن نصف السدس يذهب بالهواء كما روى الشيخ: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق ونصف ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه ونصف السدس على هذا الوجه قريب من الأوقية بالمعنى الأول وفيه بعد إشكال.

السابع: ذهاب الثلثين المعتبر في هذا الباب هل هو بحسب الكيل أو بحسب الوزن، وظاهر بعض الأخبار اعتبار الكيل وظاهر بعض الأصحاب كالمحقق الأردبيلي رحمه الله اعتبار الوزن، ولم يتفطن الأكثر للتفاوت بينهما، ولذا لم يتعرضوا لذلك ومعلوم أن نسبة الذاهب إلى الباقي في العصير المذكور مختلفة بحسب الاعتبارين، لتقدم ذهاب جزء مفروض منه بحسب الكيل على مثل هذا الجزء بحسب الوزن، وذلك ظاهر بالتجربة.

ويمكن أن يستدل عليه أيضا بما تفطن به بعض الأفاضل بأن نقصان الكيل و الوزن هناك مسبب عن انقلاب بعض أجزائه إلى الهواء، ومعلوم أن المنقلب إلى الهواء من تلك الأجزاء هو الالطف فالالطف وأن اللطيف أقل وزنا وأكثر حجما من الكثيف، فما ينقص من وزنه بالانقلاب المذكور يلزم أن يكون أقل مما ينقص من كيله به دائما، على أن نقصان الحجم قد يكون بسبب آخر أيضا كمداخلة بعض الاجزاء في قوام بعض آخر، ودعوى أن تلك المداخلة لا يمكن فيما نحن فيه بناء على أن الحرارة موجبة للتخلخل الذي هو ضدها، ساقطة بجواز وقوعها من جهة ما يستلزمه من انفتاح السدد المانعة عنها، وحصول الفرج المعدة لها، مع ما يمكن هناك من

أن يكون في بعض الاجزاء قوة نفوذ، وفي بعضها قوة جذب وقبض، فيدخل بتينك القوتين وزوال المانع وحصول المعد ما هو من قبيل الأول فيما هو من قبيل الثاني، ويستحكم فيه، كما قيل في سبب حصول السواد من ممازجة الزاج والعقص فتأمل.

وبالجملة تبين أن ذهاب الثلثين في العصير المذكور من حيث الكيل والحجم يتحقق قبل ذهابهما فيه من حيث الوزن، فيحتمل هاهنا أن يكون المعيار للثلث و والثلثين ما هو بحسب الكيل، لكونه معروفا بين الناس في أمثال ذلك، ولسهولته عليهم من حيث إمكان هذا النوع من التقدير لهم بالقصعة والقدر وأمثالهما من الأدوات الدايرة، واستغنائه عن ميزان صحيح أو قبان مجرب لا يطمئن به إلا بعد تقويمات وتدقيقات لا يهتدي إليها أكثر الناس، وليتيسر تخمينهم الكيلية بين الذاهب والباقي بحس البصر أيضا بدون احتياج إلى آلة أصلا.

ويدل عليه رواية عقبة بن خالد المتقدمة حيث اعتبر عليه السلام فيه الأرطال، و الرطل يطلق غالبا على الكيل لا الوزن كما حققناه في رسالة الأوزان، وكذا تدل عليه الروايات الثلاث المتقدمة في كيفية الشراب الحلال، فإنها صريحة في أن المعتبر في الثلث والثلثين الكيل دون الوزن، وإن أمكن أن يكون الذهاب بحسب الكيل كافيا في ترتب الفوايد التي أفادها عليه السلام لهذا الدواء، بناء على ما احتملناه بل اخترناه أن ذهاب الثلثين هاهنا ليس لتحقق الحلية بل لترتب الفوايد الطبية، فان الأطباء في كثير من الأدوية المركبة يذكرون ذلك وغرضهم حصول مزاج ذلك المركب وعدم إسراع الفساد إليه وترتب كمال الفوائد عليه، نعم على مذهب من يختار أن ذهاب الثلثين هنا للحلية هي صريحة في ذلك، لكن على ما اخترناه أيضا فيه إيماء إليه، و ويمكن أن يقال أيضا: إنه لما ذكر الشارع ذهاب الثلثين ولم يصرح بالمراد، فمتى صدق عليه عرفا أنه ذهب ثلثاه يتحقق الحل، ولا ريب في أنه يصدق عليه عرفا أنه ذهب ثلثاه، وفيه نظر.

ويحتمل أن يكون المعيار هيهنا هو التقدير الوزني. أو ما في حكمه مما يطابقه وذلك لان حكمهم عليهم السلام فيما روي عنهم في هذا الباب بترتب الحلية على ذهاب

ثلثي العصير وبقاء ثلثه، أو ما في معناه من ذهاب اثنين منه وبقاء واحد، يدل على وجوب تحقق فناء هذا القدر منه بالطبخ، فسواء أخذ هذا القدر بحسب الكيل أو بحسب الوزن لا يتحقق هذا الفناء بالنسبة إليه، مع بقاء الزايد على الثلث بحسب الوزن فإنه مستلزم لامكان بقاء الزايد عليه بحسب الكيل أيضا لتوافقهما في العصير المذكور قبل الطبخ بلا شبهة وإنما اشتبهت حال الكيل بعده من جهة حصول القوام واحتمال مداخلة بعض الاجزاء في بعض، فلا يعرف بمحض الكيل في هذا الوقت قدر ثلثي العصير أو ثلثه وإنما يعرف بحسب الوزن فيه ذلك لعدم حصول الاشتباه في حاله من جهة أصلا.

ولنوضح ذلك بمثال: فرضنا أن العصير ستة أمنان موافقا لست قصعات معينة فيجب أن يذهب ويفنى منه أربعة أمنان مطابق لأربع قصعات، حتى يصير حلالا، فإذا طبخ إلى أن تبقى قصعتان فحينئذ وإن كان مجال أن يتوهم بلوغه النصاب من حيث كون الباقي بقدر ثلث المجموع بحسب الصورة فيكون الذاهب لا محالة بقدر ثلثيه، لكن العقل بمعونة ملاحظة القوام الحاصل فيه بالطبخ يحكم بامكان كونه زايدا على الثلث بحسب الحقيقة، فإنه حال كونه رقيقا كان ثلثه بقدر قصعتين، فيمكن أن يكون هذا القدر مع هذا القوام والغلظ أكثر من الثلث بقدر زيادة وزن الغليظ على الرقيق هيهنا، فلا يكون الذاهب والفاني بقدر ثلثيه لبقاء بعضه بالمداخلة المذكورة في قوام الثلث المذكور، فما دام لم يبلغ حدا يطابق وزنه منين موافقا لقدر قصعتين في حال رقته، لم يتحقق كون الباقي ثلثا، والذاهب ثلثين، فيكون المعيار لمعرفة بلوغه هذا الحد بلوغه هذا الوزن، أو ما في حكمه كبلوغه قد قصعة ونصف إذا علم أن النسبة بين وزني الرقيق والغليظ أي بين وزني العصير والطلاء عند كونهما على حجم واحد كنسبة واحد ونصف إلى اثنين، وهكذا.

وبالجملة يمكن ان تقوم تلك المعرفة أيضا لمن تتبع واستخرج النسبة مقام معرفة الوزن الذي هو المعيار هيهنا على ما عرفت.

فتلخص بهذا التحقيق أن تحقق اليقين بذهاب ثلثي العصير مطلقا موقوف

على تحقق فناء الثلثين بحسب الوزن، وقبل أن يتحقق ذلك تكون الحال مشكوكا فيها لتعارض احتمالي الذهاب وعدم الذهاب بحسب اعتباري الصورة والحقيقة فلا ترتفع الحرمة اليقينية الحاصلة بإصابة النار إلا بحصول الحلية اليقينية الموقوفة على تحقق الذهاب على الوجه المذكور.

وفي ألفاظ الروايات إشارات لطيفة إلى هذا التحقيق مثل استعمال لفظ الباقي في مقابل الذاهب، فإنه مشعر بأن المراد بالذهاب هناك هو الفناء والانفصال لاما يشمل الدخول والاندماج في قوام ساير الاجزاء، فان الذهاب بهذا المعنى لا ينافي البقاء في الجملة، ولعل ذكر بقاء الثلث بعد ذكر ذهاب الثلثين في أكثر الروايات - مع أنه بحسب الظاهر مستغنى عنه - لدفع هذا التوهم.

ومثل استعمال لفظ الأوقية في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة، فإنها سواء كانت تمييزا أو مفعولا بحسب التركيب، تكون باعتبار أنها مفسرة بأربعين درهما أو سبعة مثاقيل كما عرفت، صريحة في الوزن بلا شائبة احتمال الكيل فيها، فتدل على أن المعيار هيهنا هو الوزن لا الكيل.

ومثل استعمال لفظ الدوانيق في رواية ابن سنان فان الدانق في أصل وضعه عبارة عن سدس الدرهم الذي لا يجري فيه شائبة الكيل، خصوصا إذا كان المقصود به هناك أيضا معناه الحقيقي كما فهمه الشيخ رحمه الله حيث عبر عنه في النهاية بقوله:

أو يذهب من كل درهم ثلاثة دوانيق ونصف، وأما الكيل الوارد في رواية عقبة بن خالد فيمكن حمله على الوزن المعروف فيه لا الكيل للجمع بينه وبين ساير الروايات.

وأقول: يمكن أن يكون مخيرا في التقدير بهما توسعة على الناس كما هو المناسب للملة الحنيفية، لقلة التفاوت بينهما، وحصول الغرض الذي هو عدم التغير والفساد بالبقاء زمانا طويلا بكل منهما، كما أن الشارع خير في الكر بين التقدير بالأشبار والأرطال، وفي مسافة القصر بين مسير يوم والأميال، وفي الدية بين ألف دينار وعشرة آلاف درهم، مع حصول التفاوت الكثير في النسبة بينهما في اختلاف الأزمان والأحوال، وهو أوفق للجمع بين الاخبار، ولعدم التعرض للتصريح

بأحدهما في الروايات، وكلام القدماء والمتأخرين من العلماء الأخيار، وهذا عندي أظهر الوجوه، وإن كان الأحوط العمل بالوزن مطلقا.

فان قلت: لما كان الكيل أقل مطلقا، فيرجع الوجه الأخير إلى الأول، قلنا: هذا جار في جميع النظاير التي ذكرناها لذلك، مع أن الفقهاء صرحوا في الجميع بالتخيير، والفايدة في ذلك التوسعة على الأمة، فان في بعض الأحيان الاعتبار بالكيل أسهل، وفي بعضها الاعتبار بالوزن أيسر، مع أنه يمكن القول باستحباب رعاية الوزن ورجحانه على الكيل، وبه تحصل الفايدة أيضا، وإنما أطنبنا الكلام في ذلك لكثرة الجدوى فيه، وعموم البلوى به، وعدم تعرض الأصحاب له.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.