بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
4 باب التواضع في الطعام واستحباب ترك التنوق في الأطعمة وكثرة الاعتناء به الآيات الأحقاف: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتع
ج ۶۳، ص ۳۱۸–۳۲۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
4 باب التواضع في الطعام واستحباب ترك التنوق في الأطعمة وكثرة الاعتناء به الآيات الأحقاف: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون ".
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار " يعني يوم القيامة أي يدخلون النار كما يقال: عرض فلان على السوط، وقيل: معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " أي فيقال لهم: آثرتم طيباتكم ولذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة " واستمتعتم بها " أي انتفعتم بها منهمكين فيها وقيل: هي الطيبات من الرزق يقول: أنفقتموها في شهواتكم وفي ملاذ الدنيا ولم تنفقوها في مرضات الله تعالى.
ولما وبخ الله سبحانه الكفار بالتمتع بالطيبات واللذات في هذه الدنيا، آثر
النبي وأمير المؤمنين عليهما السلام الزهد والتقشف واجتناب الترفة والنعمة، وقد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال: استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم وإنه لمضطجع على خصفة وإن بعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فسلمت عليه ثم جلست، فقلت: يا رسول الله أنت نبي الله وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أولئك قوم عجلت طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنما أخرت لنا طيباتنا.
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض خطبه: والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى.
وروي محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: والله إن كان علي ليأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميص فيخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه، ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أورث بيضاء ولا حمراء، وإن كان ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخل، ولا ورد عليه أمران كلاهما لله عز وجل فيه رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يمينه تربت منه يداه وعرق فيه وجهه، وما أطاق عمله أحد من الناس، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وإن كان أقرب الناس شبها به لعلي بن الحسين عليه السلام وما أطاق عمله أحد من الناس بعده.
ثم إنه قد اشتهر في الرواية أنه عليه السلام لما دخل على العلا بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلا: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد لبس العباء، و تخلي من الدنيا، فقال عليه السلام: علي به فلما جاء قال: يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟
أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين: هذا أنت في خشونة عيشك و
جشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت، إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره انتهى.
وأقول: الخطاب في هذه الآية للكفار، فان طيباتهم كانت منحصرة فيما تمتعوا بها في الدنيا لتفويتهم على أنفسهم استحقاق نعيم الآخرة، فلا تكون حجة في رجحان ترك المؤمنين ملاذ الدنيا ونعيمها، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر:
واعلموا يا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الآخرة في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال الله عز اسمه: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون " سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما اكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة.
فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل، ويعمل له تقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثل ذلك كثير أوردتها في كتاب الايمان والكفر، وأما الاخبار المعارضة لها فصنفان: أحدهما ما ورد في كيفية تعيش رسول الله وأمير المؤمنين وبعض الأئمة عليهم السلام فمع معارضتها لأطوار بعضهم أيضا محمولة على أنها من خصائص النبي صلى الله عليه وآله والامام الممكن من التصرف، كما يدل عليه خبر عاصم بن زياد
المتقدم وغيره، والصنف الآخر الذي لا يحتمل ذلك محمولة على من يحصله من الحرام أو الشبهة، أو يكون مسرفا في ذلك بحيث لا يناسب حاله أو يعلم من نفسه أن ذلك يصير سببا لطغيانه فيحتاج إلى تذليل بدنه وامتهانه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في أبواب المكارم مع ساير الأخبار المتعلقة بذلك.
1 - ارشاد القلوب: عن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فوجدته جالسا وبين يديه إناء فيه لبن أجد فيه ريح حموضته وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه، وهو يكسر بيده ويطرحه فيه، فقال: ادن فأصب من طعامنا، فقلت:
إني صايم، فقال عليه السلام: سمعت رسول الله " من منعه الصيام عن طعام يشتهيه كان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة، ويسقيه من شرابها " قال: قلت لفضة وهي قريبة منه قائمة: ويحك يا فضة أما تتقين الله في هذا الشيخ تنخل هذا الطعام من النخالة التي فيه؟ قالت: قد تقدم إلينا أن لا ننخل له طعاما، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته فقال: بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله، قال: وكان عليه السلام يجعل جريش الشعير في وعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئا من زيت أو سمن.
2 - المحاسن: عن جعفر بن محمد عن ابن القداح عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله مسجد قبا فاتي باناء فيه لبن حليب مخيض بعسل فشرب منه حسوة أو حسوتين ثم وضعه، فقيل: يا رسول الله أتدعه محرما؟ قال لا اللهم إني أدعه تواضعا لله.
بيان: مخيض بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتانية على فعيل من المخض وهو التحريك كناية عن الخلط الشديد وفي بعض النسخ بالباء الموحدة من التخبيص بمعنى التخليط في القاموس خبصه يخبصه خلطه ومنه الخبيص وقد خبص يخبص وخبص تخبيصا قوله: محرما على بناء الفاعل أو على بناء المفعول حالا عن المفعول.
3 - المحاسن: عن جعفر بالاسناد المتقدم قال: اتى بخبيص فأبى أن يأكله فقيل: أتحرمه؟ قال: لا ولكني أكره أن تتوق إليه نفسي، ثم تلا الآية " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ".
بيان: اتي أي النبي صلى الله عليه وآله أو الصادق عليه السلام، والأول أظهر، وفي كتاب الغارات أن المأتي كان أمير المؤمنين عليه السلام وفي القاموس تاق إليه توقا وتوقانا اشتاق.
4 - المحاسن: عن محمد بن علي عن أرطاة بن حبيب عن أبي داود الطهري عن عبد الله بن شريك العامري عن حبة العرني قال: اتي أمير المؤمنين عليه السلام بخوان فالوذج فوضع بين يديه فنظر إلى صفائه وحسنه فوجأ بأصبعه فيه حتى بلغ أسفله ثم سلها ولم يأخذ منه شيئا وتملظ أصبعه، وقال: إن الحلال طيب، وما هو بحرام ولكني أكره أن أعود نفسي ما لم أعودها، ارفعوه عني فرفعوه.
بيان: قال الجوهري: الخوان بالكسر ما يؤكل عليه معرب وقال: وجأته بالسكين ضربته، وقال: لمظ يلمظ بالضم لمظا إذا تتبع بلسانه بقيه الطعام في فمه، أو أخرج لسانه فمسح به شفتيه، وكذلك التلمظ.
5 - المحاسن: عن محمد بن علي عن سفيان عن صباح الحذاء عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين في الرحبة في نفر من أصحابه إذ أهدي له طست خوان فالوذج، فقال لأصحابه: مدوا أيديكم، فمدوا أيديهم ومد يده ثم قبضها، فقالوا: يا أمير المؤمنين أمرتنا أن نمد أيدينا فمددناها، ومددت يدك ثم قبضتها، فقال: إني ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأكله فكرهت أكله.
6 - ومنه: عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا تزال هذه الأمة بخير ما لم يلبسوا لباس العجم ويطعموا أطعمة العجم، فإذا فعلوا ذلك ضربهم الله بالذل.
7 - ومنه: عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة ومحمد بن سنان عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام كان لا ينخل له الدقيق وكان علي عليه السلام يقول: لا تزال هذه الأمة إلى آخر الخبر السابق.
8 - ومنه: عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه عن بزيع أبي عمرو بن - بزيع قال: دخلت على أبى جعفر عليه السلام وهو يأكل خلا وزيتا في قصعة سوداء مكتوب في وسطها بصفرة " قل هو الله أحد " فقال: ادن يا بزيع فدنوت فأكلت معه ثم حسي من الماء ثلاث حسي حتى لم يبق من الخبز شئ، ثم ناولني فحسوت البقية.
بيان: يحتمل أن يكون المراد بالماء الخل الباقي في القصعة.
9 - المحاسن: عن يعقوب بن يزيد عمن ذكره عن إبراهيم بن عبد الحميد عن الثمالي قال: لما دخلت على علي بن الحسين عليه السلام دعا بنمرقة فطرحت فقعدت عليها ثم أتيت بمائدة لم أر مثلها قط، قال لي: كل، فقلت: مالك جعلت فداك لا تأكل؟
فقال: إني صائم فلما كان الليل اتي بخل وزيت فأفطر عليه، ولم يؤت بشئ من الطعام الذي قرب إلي.
بيان: في القاموس النمرق والنمرقة مثلثة: الوسادة الصغيرة أو الميثرة أو الطنفسة فوق الرحل.
10 - المكارم: لقد جاء النبي صلى الله عليه وآله ابن خولي باناء فيه عسل ولبن فأبي أن يشربه فقال: شربتان في شربة وإناء ان في إناء واحد، فأبي أن يشربه، ثم قال: ما أحرمه ولكني أكره الفخر، والحساب بفضول الدنيا غدا، وأحب التواضع فان من تواضع لله رفعه الله.
11 - كتاب الزهد: للحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله قال: أفطر رسول الله عشية الخميس في مسجد قبا فقال:
هل من شراب فأتاه أوس بن خولة الأنصاري بعس من لبن مخيض بعسل، فلما وضعه على فيه نحاه ثم قال: شرابان يكتفى بأحدهما عن صاحبه، لا أشربه ولا أحرمه، ولكني أتواضع لله، فإنه من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومن بذر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله.
12 - الدعايم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أتى قبا يوم خميس وهو صايم فلما أمسى قال: هل من شراب؟ وذكر نحوه إلى قوله: ومن أكثر ذكر الله رزقه الله، ثم قال:
فهذا والله أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله تواضع كما قال; لا على أن الله عز وجل حرم شيئا من طيبات الرزق قال جل ذكره: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ".
وعن علي عليه السلام أنه اتي بطبق فالوذج فوضع بين يديه فنظر إليه ورأي صفاءه وحسنه فوجأ بأصبعه فيه، ثم استلها فلم ينتزع منه شيئا فتلمظ أصبعه، ثم قال:
إن هذا الحلو طيب ولكن نكره أن نعود أنفسنا ما لم تعود، ارفعوه فرفعوه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.