بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
5 باب ذم كثرة الاكل والاكل على الشبع والشكاية عن الطعام
ج ۶۳، ص ۳۲۴–۳۳۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
5 باب * (ذم كثرة الاكل والاكل على الشبع والشكاية عن الطعام) * 1 - عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبد الله بن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله عليه السلام: المؤمن يأكل في معا واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء.
2 - المجازات والشهاب: عنه صلى الله عليه وآله مثله.
بيان: قال السيد رحمه الله هذا القول مجاز، والمراد أن المؤمن يقنع من مطعمه بالبلغ التي تمسك الرمق، وتقيم الأود، دون المآكل التي يقصد بها وجه اللذة،
ويقضى بها حق الشهوة، فكأنه يأكل في معا واحد لفرط الاقتصار وكراهة الاستكثار وأما الكافر فإنه لتبجحه في المآكل، وتنقله في المطاعم، وتوخيه ضد ما يتوخاه المؤمن من اجترار حطام الدنيا التي يطلب عاجلها، ولا يأمل آجلها، فهو عبد للذته، وكادح في طاعة شهوته، كأنه يأكل في سبعة أمعاء، لان أكله للذة لا للبلغة، وللنهمة لا للمسكة انتهى.
وقال الراوندي رحمه الله: المعى على وزن اللوى، واحد الأمعاء وهي مجاري الطعام في البطن، وهذا مثل وذلك أن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال، ويجتنب الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل، وكيف أكل، ومن أين أكل، وإذا كان كذلك فمآكل الكافر أكثر من مآكل المؤمن، وخص السبعة بالذكر مثلا كما يذكر السبعون في مثل هذه المواضع قال تعالى: " إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ".
والمعا أيضا المذنب من المذانب، وهو مسيل الماء في الحضيض، قال أبو عبيد:
ترى ذلك لتسمية المؤمن عند طعامه فتكون فيه البركة، والكافر لا يفعل ذلك وهذا لوجه كما ترى ، وقيل: إنه مثل ضربه النبي صلى الله عليه وآله للمؤمن وزهد في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، وليس الغرض بذلك الاكل فحسب، بل يعني اتساع الرغبة وهذا الوجه قريب من الوجه الذي قدمناه وصدرنا به الكلام.
وقيل: هذا في رجل بعينه كان يأكل في حال كفره فيكثر فلما أسلم قل طعمه، و ذكر أنه عمرو بن معدي كرب الزبيدي وقال أبو عبيد في تاريخه: ترى أنه عنى أبا - نضرة الغفاري واسم أبى نضرة حميل بالحاء وضمه، فمن قال: حميل أو جميل فقد أخطأ والله أعلم بذلك، ويؤيد أن المعنى اتساع الرغبة، قولهم: فلان يأكل هذه البلدة، وهذه الولاية، ولعله لا يأكل مما يحصل منها لقمة بل يتصرف في ذلك وذكر الاكل مجاز في مثل هذه المواضع، يقال: أكل فلان ألف دينار، ولعله لبس به ولم يأكل، أو أعطاه أو أنفقه في وجه غير الاكل، والغرض بالاكل الشنعة، ألا ترى إلى
قول أمير المؤمنين عليه السلام: " ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال الميال: يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم " ويقول لغيره: أما إنه سيظهر علكيم بعدي رجل رحب البلعوم، مند حق البطن، واسع السرم، يأكل ما يجد " كل ذلك تعبير بالرغب، وقد قيل:
الرغب شؤم.
وهذا إعلام منه عليه السلام أن المؤمن يشغله دينه وخوفه من الله عن الدنيا، والاتساع فيها، وفائدة الحديث الحث على الرغبة عن الدنيا، والاجتناب من الوقوع في مصائد من شهواتها، وراوي الحديث جابر، ورواه ابن عمر انتهى.
وفي النهاية هذا مثل ضربه للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها و ليس معناه كثرة الاكل دون الاتساع في الدنيا، ولهذا قيل: الرغب شؤم لأنه يحمل صاحبه على اقتحام النار، وقيل: هو تحضيض للمؤمن على قلة الاكل وتحامي ما يجره الشبع من القسوة وطاعة الشهوة، ووصف الكافر بكثرة الاكل إغلاظ على المؤمن، وتأكيد لما رسم له، وقيل: هو خاص في رجل بعينه كان يأكل كثيرا فأسلم فقل أكله والمعى واحد الأمعاء، وهي المصارين انتهى.
وقال في فتح الباري بعد ما ذكر بعض ما مر: وقيل: بل هو على ظاهره ثم اختلف في ذلك على أقوال: الأول أنه ورد في شخص بعينه، واللام عهدية لا جنسية ويؤيده ما رواه عن الطبراني بسند جيد بزعمه عن ابن عمر قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله سبعة رجل فأخذ كل واحد من الصحابة رجلا وأخذ النبي صلى الله عليه وآله رجلا فقال له: ما اسمك قال: أبو غزوان، قال: فحلب له سبع شياة فشرب لبنها كله فقال له النبي صلى الله عليه وآله: هل لك يا أبا غزوان أن تسلم؟ قال: نعم فأسلم، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله صدره فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها، فقال: مالك يا أبا غزوان؟ فقال: والذي بعثك بالحق لقد رويت قال: إنك أمس كان لك سبعة أمعاء، وليس لك اليوم إلا معي واحد: ثم ضعف هذا الحمل.
والثاني أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العدد مرادة كقوله:
" والبحر يمده من بعده سبعة أبحر " والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الاكل لاشتغاله بأسباب العبادة، ولعلمه بأن مقصود الشرع من الاكل ما يسد الجوع، و يمسك الرمق، ويعين على العبادة ولخشيته أيضا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك كله، فإنه لا يقف على مقصود الشرع، بل هو تابع لشهوة نفسه، مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام، فصار أكل المؤمن ما ذكر إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه بقدر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا إما بحسب العادة أو لعارض يعرض له على رأي الأطباء، وقد يكون في الكافرين من يأكل قليلا إما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة.
قال الطيبي: ومحصل القول: أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة، والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر، فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يقدح في الحديث.
الثالث: أن المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الايمان، لان من حسن إسلامه وكمل إيمانه، اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة التفكر والاشفاق على نفسه من استيفاء شهوته، كما ورد في حديث أبي أمامة من كثر تفكره قل طعمه، ومن قل طعمه كثر تفكره ومن كثر طعمه قسا قلبه.
وفي حديث أبي سعيد الصحيح: إن هذا المال حلوة خضرة فمن أخذه بإسراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع، فدل على أن المراد بالمؤمن من يقصد في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشره، فيأكل بالنهم كما يأكل البهيمة، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية، كما قال تعالى: " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام ".
الرابع: أن المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه وشرابه، فلا يشركه الشيطان، فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان.
الخامس: أن المؤمن يقل حرصه على الطعام فيبارك له فيه، وفي مأكله يشبع من القليل والكافر طافح البصر إلى المأكل كالانعام، فلا يشبعه القليل، وهذا يمكن ضمه إلى الذي قبله، ويجعلان جوابا واحدا مركبا.
السادس: قال النووي: المختار أن المراد أن بعض المؤمنين يأكل في معا واخد وأكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء، ولا يلزم أن يكون كل واحد من السبعة مثل المؤمن انتهى.
ويدل على تفاوت الأمعاء ما ذكره عياض عن هل التشريح أن أمعاء الانسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: البواب، ثم الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور والقولون، والمستقيم، وكلها غلاظ، فيكون المعنى أن الكافر لكونه يأكل بسرعة لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد، ونقل الكرماني عن الأطباء في تسمية الأمعاء السبعة أنها المعدة، ثم ثلاثة متصلة رقاق، وهي الاثنا عشر والصائم والقولون، ثم ثلاثة غلاظ وهي النافف بنون وفائين، أو قافين، والمستقر والأعور.
السابع قال النووي: يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر سبع صفات هي:
الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن وبالواحد في المؤمن سد خلته.
الثامن: قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الاذن، وشهوة الانف، وشهوة الجوع وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع.
ثم رأيت أصل ما ذكره في كلام القاضي أبي بكر وهو أن الأمعاء السبعة كناية عن الحواس الخمس والشهوة والحاجة.
3 - عدة الداعي: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فليكن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث الآخر للنفس.
بيان: قال في فتح الباري بعد رواية أوردها تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله شبع من
الطعام، قال القرطبي: فيه دليل على جواز الشبع، وما جاء من النهي عنه محمول على الشبع الذي يثقل المعدة، ويثبط صاحبه عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وذكر الكرماني تبعا لابن المنير أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم، وهو ما رواه المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
ماملا آدمي وعاء شرا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فان غلب الآدمي نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس.
قال القرطبي: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، وقال الغزالي قبله: ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلاما في قلة الاكل أحكم من هذا، ولا شك في أن أثر الحكمة في الحديث المذكور واضح، وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها، وهل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة، محل احتمال، والأول أولى، ويحتمل أن يكون لمح بذكر الغلبة إلى قوله في الحديث الآخر " الثلث كثير ".
وقال بعضهم: مراتب الشبع تنحصر في سبع: الأول ما تقوم به الحياة، الثاني أن يزيد حتى يصوم ويصلي عن قيام وهذان واجبان، الثالث أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل، الرابع أن يزيد حتى يقدر على التكسب وهذان مستحبان، الخامس أن يملا الثلث وهذا جايز، السادس أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن، ويكثر النوم، وهذا مكروه، السابع أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة المنهي عنها، وهذا حرام، ويمكن إدخال الأول في الثاني والثالث في الرابع.
4 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ملا آدمي وعاء شرا من بطن.
الضوء: وذلك لأنه إذا ملا بطنه تثاقل عن الطاعات، وكسل عن العبادات،
وثارت شهواته، فان تبعها هلك، وإن منعها وجاهدها تأذي، فالأولى أن لا يزيد في الطعام على ما يمسك الرمق، ويمد القوة، وقد قيل: كفى بك شرها أن تأكل جميع شهواتك وقيل: البطنة تذهب الفطنة، لأنها تكدر الحواس، ونثقلها عن الحركات وفائدة الحديث النهي عن الامتلاء، وراوي الحديث المقدام بن معدي كرب قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ماملا آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه.
5 - كتاب الغايات: قال الصادق عليه السلام: أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا ما خف بطنه.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من شئ أبغض إلى الله من بطن مملوء.
وقال عليه السلام: أبعد الخلق من الله إذا ما امتلأ بطنه.
6 - العيون: عن تميم بن عبد الله عن أبيه عن أحمد بن علي الأنصاري عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال: وكان عليه السلام خفيف الاكل خفيف الطعم.
7 - المكارم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نور الحكمة الجوع، والتباعد من الله الشبع والقربة إلى الله حب المساكين، والدنو منهم، وقال صلى الله عليه وآله: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فان القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليها الماء، وقال صلى الله عليه وآله:
لا تشبعوا فتطفئ نور المعرفة من قلوبكم، ومن بات يصلي في خفة من الطعام بات الحور الطين حوله.
8 - مجالس الصدوق: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم عن عبيد الله الدهقان عن درست عن عبد الحميد بن عواض عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاكل على الشبع يورث البرص.
9 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الأشعري عن موسى بن جعفر البغدادي عن محمد بن المعلى عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث فيهن المقت من الله عز وجل: نوم في غير سهر، وضحك من غير عجب، وأكل على الشبع.
10 - ومنه: عن أبيه عن علي بن موسى الكمنداني عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: أربعة يذهبن ضياعا: البذر في السبخة، والسراج في القمر، والاكل على الشبع، والمعروف إلى من ليس بأهله.
11 - ومنه: عن محمد بن علي بن الشاه عن أبي حامد عن أحمد بن خالد الخالدي عن محمد بن أحمد التميمي عن أبيه عن محمد بن حاتم القطان عن حماد بن عمرو عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصية له: يا علي أربعة يذهبن ضياعا: الاكل بعد الشبع، والسراج في القمر، والزرع في السبخة، والصنيعة عند غير أهلها.
12 - العيون: بالأسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه عن علي عليه السلام قال:
أتى أبو حجيفة النبي صلى الله عليه وآله وهو يتجشى، فقال صلى الله عليه وآله: اكفف جشاءك، فان أكثر الناس في الدنيا شبعا أكثرهم جوعا يوم القيامة، قال: فما ملا أبو حجيفة بطنه من طعام حتى لحق بالله.
صحيفة الرضا: عنه عليه السلام مثله.
بيان: المضبوط في رجال العامة أبو جحيفة بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة المفتوحة، وهو وهب بن عبد الله نزل بالكوفة وجعله علي عليه السلام على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكذا في نسخ الصحيفة أيضا وفي أكثر نسخ
العيون بتقديم المهملة وكأنه تصحيف ، وفي بعض روايات العامة فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا: كان إذا تعشى لا يتغدى وإذا تغدى لا يتعشى، وفي رواية قال أبو جحيفة: فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة.
13 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه عن أحمد بن هارون بن الصلت عن أحمد بن محمد بن عقدة عن عباد بن أحمد القزويني عن عمه عن أبيه عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت سلمان الفارسي وقد أكره على طعام، فقال: حسبي إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
بيان: قال الراوندي في ضوء الشهاب: شبه رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن بالمسجون من حيث هو ملجم بالأوامر والنواهي، مضيق عليه في الدنيا، مقبوض على يده فيها، مخوف بسياط العقاب، مبتلى بالشهوات، ممتحن بالمصائب، بخلاف الكافر الذي هو مخلوع العذار، متمكن من شهوات البطن والفرج بطيبة من قلبه، و انشراح من صدره، مخلى بينه وبين ما يريد، على ما يسول له الشيطان: لا ضيق عليه ولا منع، فهو يغدو فيها ويروح على حسب مراده وشهوة فؤاده، كأنها جنه له يتمتع بملاذها ويتنعم، كما أنها كالسجن للمؤمن صارفا له عن لذاته، مانعا من شهواته.
وروي أن سلمان - رحمه الله - أكره على طعام فقال: حسبي إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وساق إلى قوله: وجنة الكافر، فالمؤمن يتزود، والكافر يتمتع، والله إن أصبح فيها مؤمن إلا حزينا، وكيف لا يحزن وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه وارد جهنم ولم يأت أنه صادر عنها.
14 - العيون: بالأسانيد الثلاثة إلى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس شئ أبغض إلى الله من بطن ملآن.
صحيفة الرضا: عنه عليه السلام مثله.
15 - العلل: عن أحمد بن محمد العلوي عن محمد بن إبراهيم بن أسباط عن أحمد بن زياد القطان عن أحمد بن محمد بن عبد الله عن عيسى بن جعفر العلوي العمري عن آبائه عن عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: مر أخي عيسى عليه السلام بمدينة وفيها رجل وامرأة يتصايحان، فقال: ما شأنكما؟ قال:
يا نبي الله هذه امرأتي وليس بها بأس، صالحة، ولكني أحب فراقها، قال: فأخبرني على كل حال ما شأنها؟ قال: هي خلقة الوجه من غير كبر، قال لها: يا مرأة أتحبين أن يعود ماء وجهك طريا؟ قالت: نعم قال لها: إذا أكلت فإياك أن تشبعين، لان الطعام إذا تكاثر على الصدر فزاد في القدر، ذهب ماء الوجه ففعلت ذلك فعاد وجهها طريا.
16 - الخصال: عن جعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله عن أحمد بن محمد الأزدي عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس خصال تورث البرص: النورة يوم الجمعة ويوم الأربعاء، والتوضي والاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس، والاكل على الجنابة، وغشيان المرأة في أيام حيضها، والاكل على الشبع.
17 - المحاسن: عن أبيه عن عمرو بن إبراهيم قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لو أن الناس قصدوا في المطعم لاستقامت أبدانهم.
بيان: قصدوا أي في الكم والكيف معا.
18 - المحاسن: عن القاسم بن محمد الأصفهاني عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ظهر إبليس ليحيى بن زكريا عليهما السلام وإذا عليه معاليق من كل شئ، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق يا إبليس؟ فقال: هذه
الشهوات التي أصبتها من ابن آدم قال: فهل لي منها شئ قال: ربما شبعت فثقلتك عن الصلاة والذكر، قال يحيى: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا، فقال إبليس:
لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص لله على جعفر وآل جعفر أن لا يملؤا بطونهم من طعام أبدا، ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يعملوا للدنيا أبدا.
19 - ومنه: عن بعض من رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس لابن آدم بد من أكلة يقيم بها صلبه، فإذا أكل أحدكم طعاما فليجعل ثلث بطنه للطعام، وثلث بطنه للشراب، وثلث بطنه للنفس، ولا تسمنوا كما تسمن الخنازير للذبح.
20 - ومنه: عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بئس العون على الدين قلب نخيب، وبطن رغيب، ونعظ شديد.
بيان: في النهاية النخيب الجبان الذي لا فؤاد له، وقيل: الفاسد العقل، وقال: الرغيب الواسع، يقال: جوف رغيب، ومنه حديث أبي الدرداء بئس العون على الدين قلب نخيب وبطن رغيب انتهى وفي القاموس الرغب بالضم وبضمتين كثرة الاكل وشدة النهم، وفعله ككرم فهو رغيب، كأمير، وقال: نعظ ذكره نعظا ويحرك ونعوظا قام، وأنعظ الرجل والمرأة علاهما الشبق.
21 - المحاسن: عن أبيه عن محمد بن سنان عن صالح النيلي عن أبي عبد الله قال: إن الله تبارك وتعالى يبغض كثرة الاكل.
ومنه: عن محمد بن علي عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
22 - ومنه: عن عبد الله بن محمد الحجال عن بهلول بن مسلم عن يونس بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كثرة الاكل مكروه.
23 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن القاسم عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن البطن إذا شبع طغى.
24 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن عمرو عن بشير الدهان أو عمن ذكره عنه قال: قال أبو الحسن عليه السلام: إن الله يبغض البطن الذي لا يشبع.
25 - ومنه: عن محمد بن علي عن وهب بن حفص عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا محمد إن البدن ليطغى من أكله، وأقرب ما يكون العبد من الله إذا ما جاع بطنه، وأبغض ما يكون العبد إلى الله إذا امتلأ بطنه.
26 - ومنه: عن بكر بن صالح عن جعفر بن محمد الهاشمي عن أبي جعفر العطار قال: سمعت جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال جبرئيل في كلام بلغنيه عن ربي: يا محمد وأخرى هي الأولى والآخرة، يقول لك ربك: يا محمد ما أبغضت وعاء قط إلا بطنا ملآن.
بيان: " وأخرى " أي نصيحة أخرى هي الأولى بحسب الرتبة لشدة الاهتمام بها، والآخرة بحسب الذكر، والأصوب للأولى كما سيأتي أي تنفع في الدنيا والآخرة.
27 - المحاسن: عن الحسن بن الحسين اللؤلوئي عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من شئ أبغض إلى الله عز وجل من بطن مملوء.
28 - ومنه: عن اليقطيني عن الدهقان عن درست عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الاكل على الشبع يورث البطن.
29 - ومنه: عن محمد بن علي عن محمد بن سنان عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل داء من التخمة ما خلا الحمى فإنها ترد ورودا.
بيان: في القاموس: توخم الطعام واستوخمه لم يستمرئه والتخمة كهمزة الداء يصيبك منه انتهى، وقال بعضهم: هي أن يفسد الطعام في المعدة ويستحيل إلى كيفية غير صالحة.
30 - المحاسن: عن علي بن حديد رفعه قال: قام عيسى بن مريم خطيبا في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تأكلوا حتى تجوعوا، وإذا جعتم فكلوا ولا تشبعوا، فإنكم إذا شبعتم غلظت رقابكم، وسمنت جنوبكم، ونسيتم ربكم.
31 - ومنه: عن أبيه عن النضر عن عمر بن شمر رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في كلام له: ستكون من بعدي سنة يأكل المؤمن في معا واحد ويأكل الكافر في سبعة أمعاء.
بيان: السنة يحتمل الفتح والتخفيف والضم والتشديد.
32 - المحاسن: عن محمد بن علي عن ابن القداح عن عبد السلام عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كفر بالنعم أن يقول الرجل: أكلت طعام كذا وكذا فضرني.
33 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: قلة الاكل محمود في كل حال وعند كل قوم، لان فيه المصلحة للباطن والظاهر، والمحمود من الاكل أربعة: ضرورة، وعدة، وفتوح، وقوت: فالاكل بالضرورة للأصفياء، والعدة للقوام الأتقياء، والفتوح للمتوكلين، والقوت للمؤمنين، وليس شئ أضر لقلب المؤمن من كثرة الاكل، وهي مورثة شيئين: قسوة القلب وهيجان الشهوة، والجوع إدام للمؤمن وغذاء الروح، وطعام القلب، وصحة البدن، قال النبي: ماملا ابن آدم وعاء أشر من بطنه، وقال داود عليه السلام: ترك اللقمة مع الضرورة إليها أحب إلى من قيام عشرين ليلة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: المؤمن يأكل بمعى واحد والمنافق بسبعة أمعاء، وقال النبي صلى الله عليه وآله: ويل للناس من القبقبين فقيل: وما هما يا رسول الله؟ قال:
الحلق والفرج، وقال عيسى بن مريم عليه السلام: ما مرض قلب بأشد من القسوة وما اعتلت نفس بأصعب من نقص الجوع، وهما زمامان للطرد والخذلان.
توضيح: لعل المراد بالضرورة أن لا يتصرف من القوت إلا بقدر الضرورة عند الاضطرار، وهذه طريقة الأصفياء، والعدة هو أن يدخر عدة للفقراء والضعفاء
وهذا شأن القوام بأمور الخلق الأتقياء، فإنهم لا يخونون فيها بل يصرفونها في مصارفها، والفتوح وهو أن لا يدخر شيئا وينتظر ما يفتح الله له فينفقه قليلا كان أو كثيرا، وهذا ديدن المتوكلين، والمراد بالقوت أن يدخر قوت السنة ولا يزيد عليه، وهذا مجوز للمؤمنين كما ورد في الاخبار وفي بعض النسخ وقوة أي يحصل ما يقويه على الطاعات والأول أظهر، والجوع إدام المؤمن لان الجايع يكتفي بالخبز، ويلتذ به مثل ما يلتذ غيره بالادام، وفي النهاية فيه من وقي شر قبقبه ودبدبه ولقلقه دخل الجنة: القبقب البطن من القبقبة، وهو صوت يسمع من البطن، فكأنها حكاية ذلك الصوت، قوله: للطرد والخذلان أي من جناب الحق تعالى.
34 - مجالس المفيد: عن أحمد بن محمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن العباس ابن معروف عن علي بن مهزيار عن جعفر بن محمد الهاشمي عن أبي حفص العطار قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يحدث عن أبيه عن جده عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
جائني جبرئيل في ساعة لم يكن يأتيني فيها فقلت: يا جبرئيل لقد جئتني في ساعة ويوم لم تكن تأتيني فيهما؟ لقد أرعبتني، قال: وما يروعك يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بماذا بعثك ربك؟ قال: ينهاك ربك عن عبادة الأوثان، وشرب الخمور، وملاحات الرجال، وأخرى هي للآخرة والأولى يقول لك ربك: يا محمد ما أبغضت وعاء قط كبغضي بطنا ملآنا.
35 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للبدن ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة، وروي من قل طعامه صح بدنه، وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بدنه وقسا قلبه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.