بحارالانوار · المجلد الثاني عشر
4 باب مكارم أخلاقه، ونوادر أحواله، وما جرى بينه وبين
ج ۵۰، ص ۳۰۵–۳۲۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
2 - غيبة الشيخ الطوسي: روى سعد بن عبد الله قال: حدثني جماعة منهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري والقاسم بن محمد العباسي ومحمد بن عبيد الله ومحمد بن إبراهيم العمري وغيرهم ممن كان حبس بسبب قتل عبد الله بن محمد العباسي أن أبا محمد عليه السلام وأخاه جعفر ادخلا عليهم ليلا.
قالوا: كنا ليلة من الليالي جلوسا نتحدث إذ سمعنا حركة باب السجن فراعنا ذلك، وكان أبو هاشم عليلا، فقال لبعضنا: اطلع وانظر ما ترى؟ فاطلع إلى موضع الباب فإذا الباب فتح، وإذا هو برجلين قد ادخلا إلى السجن ورد الباب وأقفل، فقال: فدنا منهما فقال: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا الحسن بن علي وهذا جعفر بن علي فقال لهما: جعلني الله فداكما إن رأيتما أن تدخلا البيت وبادر إلينا وإلى أبي هاشم فأعلمنا ودخلا.
فلما نظر إليهما أبو هاشم قام عن مضربة كانت تحته، فقبل وجه أبي محمد عليه السلام وأجلسه عليها، فجلس جعفر قريبا منه، فقال جعفر: وا شطناه بأعلى صوته يعنى جارية له، فزجره أبو محمد عليه السلام وقال له: اسكت وإنهم رأوا فيه آثار السكر، وأن النوم غلبه وهو جالس معهم، فنام على تلك الحال.
3 - غيبة الشيخ الطوسي: محمد بن يعقوب قال: خرج إلى العمري في توقيع طويل اختصرناه " ونحن نبرأ من ابن هلال لعنه الله وممن لا يبرء منه، فأعلم الإسحاقي وأهل بلده مما أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان سألك ويسألك عنه ".
4 - إعلام الورى الإرشاد: ابن قولويه، عن الكليني عن علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: جلس أبو محمد عليه السلام عند علي بن أوتاش وكان شديد العداوة لآل محمد عليهم السلام غليظا على آل أبي طالب، وقيل له افعل به وافعل، قال:
فما أقام إلا يوما حتى وضع خده له، وكان لا يرفع بصره إليه إجلالا وإعظاما وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم قولا فيه.
5 - إعلام الورى الإرشاد: ابن قولويه، عن الكليني عن علي بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أحمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن حين أخذ المهتدي في قتل الموالي: يا سيدي الحمد لله الذي شغله عنا فقد بلغني أنه يهددك ويقول: والله لأجلينكم عن جدد الأرض فوقع أبو محمد عليه السلام بخطه: ذلك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس، بعد هوان واستخفاف يمر به وكان كما قال عليه السلام.
6 - إعلام الورى الإرشاد: ابن قولويه، عن الكليني عن علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال: دخل العباسيون، على صالح بن وصيف، ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقال له: ضيق عليه ولا توسع! فقال لهم صالح: ما أصنع به؟ وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة إلى أمر عظيم.
ثم أمر باحضار الموكلين، فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟
فقالا له: ما نقول في رجل يصوم نهاره، ويقوم ليله كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير
العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا مالا نملكه من أنفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين.
7 - إعلام الورى الإرشاد: بهذا الاسناد عن علي بن محمد، عن جماعة من أصحابنا قالوا: سلم أبو محمد عليه السلام إلى نحرير وكان يضيق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق الله فإنك لا تدري من في منزلك؟ وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت:
إني أخاف عليك منه، فقال: والله لأرمينه بين السباع، ثم استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها فلم يشكوا في أكلها، فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه عليه السلام قائما يصلي وهي حوله، فأمر باخراجه إلى داره.
8 - مناقب ابن شهرآشوب: مرسلا مثله.
ثم قال: وروي أن يحيى بن قتيبة الأشعري أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ فوجداه يصلي والأسود حوله، فدخل الأستاذ الغيل فمزقوه، وأكلوه، وانصرف يحيى في قومه إلى المعتمد، فدخل المعتمد على العسكري عليه السلام وتضرع إليه و سأل أن يدعو له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة، فقال عليه السلام: مد الله في عمرك فأجيب وتوفي بعد عشرين سنة.
9 - مناقب ابن شهرآشوب: من ثقاته: علي بن جعفر قيم لأبي الحسن وأبو هاشم داود بن
القاسم الجعفري، وقد رأى خمسة من الأئمة، وداود بن أبي يزيد النيشابوري، و محمد بن علي بن بلال، وعبد الله بن جعفر الحميري القمي، وأبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الزيات والسمان، وإسحاق بن الربيع الكوفي، وأبو القاسم جابر بن يزيد الفارسي، وإبراهيم بن عبيد الله بن إبراهيم النيشابوري.
ومن وكلائه محمد بن أحمد بن جعفر ، وجعفر بن سهيل الصيقل، وقد أدركا أباه وابنه.
ومن أصحابه: محمد بن الحسن الصفار وعبدوس العطار، وسري بن سلامة النيشابوري، وأبو طالب الحسن بن جعفر الفافاي، وأبو البختري مؤدب ولد الحجاج.
وبابه: الحسين بن روح النيبختي.
وخرج من عند أبي محمد عليه السلام في سنة خمس وخمسين كتابا ترجمته " رسالة المنقبة " يشتمل على أكثر علم الحلال والحرام، وأوله أخبرني علي بن محمد ابن علي بن موسى.
وذكر الخيبري في كتاب سماه مكاتبات الرجال عن العسكريين قطعة من أحكام الدين.
أبو القاسم الكوفي في كتاب التبديل أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشغل نفسه، بذلك، وتفرد به في منزله، وإن بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السلام فقال له أبو محمد عليه السلام: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي فما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟
فقال أبو محمد عليه السلام: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ قال: نعم، قال: فصر إليه، وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فإنه سيقول إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعا لغير معانيه.
فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له:
أعد علي! فأعاد عليه، فتفكر في نفسه، ورأي ذلك محتملا في اللغة، وسائغا في النظر.
10 - إعلام الورى: من كتاب أحمد بن محمد بن العياش قال: كان أبو هاشم الجعفري حبس مع أبي محمد عليه السلام كان المعتز حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان و خمسين ومائتين وقال:
حدثنا أحمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن داود بن القاسم قال: كنت في الحبس المعروف بحبس خشيش في الجوسق الأحمر أنا والحسن ابن محمد العقيقي ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان إذ دخل علينا أبو محمد الحسن وأخوه جعفر فحففنا به، وكان المتولي لحبسه صالح بن وصيف وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول: إنه علوي، قال: فالتفت أبو محمد فقال: لولا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم، وأومأ إلى الجمحي أن يخرج فخرج.
فقال أبو محمد: هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فان في ثيابه قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه، فقام بعضهم ففتش ثيابه، فوجد فيها القصة يذكرنا فيها بكل عظيمة.
بيان: الظاهر أن في التاريخ اشتباها وتصحيفا فان المعتز قتل قبل ذلك بأكثر من ثلاث سنين، وأيضا ذكر فيه أن هذا الحبس كان بتحريك صالح بن وصيف وقتل هو أيضا قبل ذلك بسنتين وأو أكثر فالظاهر اثنين أو ثلاث وخمسين، أو كان المعتمد مكان المعتز فان التاريخ يوافقه لكن لم يكن صالح في هذا التاريخ حيا.
وفي القاموس " الجوسق " القصر وقلعة، ودار بنيت للمقتدر في دار الخلافة في وسطها بركة من الرصاص ثلاثون ذراعا في عشرين.
11 - مهج الدعوات: من كتاب الأوصياء لعلي بن محمد بن زياد الصيمري قال: لما هم المستعين في أمر أبي محمد عليه السلام بما هم وأمر سعيد الحاجب بحمله إلى الكوفة، و أن يحدث عليه في الطريق حادثة انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم، وكان بعد مضي أبي الحسن عليه السلام بأقل من خمس سنين.
فكتب إليه محمد بن عبد الله والهيثم بن سيابة: بلغنا جعلنا الله فداك خبر أقلقنا وغمنا، وبلغ منا فوقع: بعد ثلاث يأتيكم الفرج، قال: فخلع المستعين في
اليوم الثالث، وقعد المعتز وكان كما قال.
وروى أيضا الصيمري في الكتاب المذكور في ذلك ما هذا لفظه، وحدث محمد عمر الكاتب عن علي بن محمد بن زياد الصيمري صهر جعفر بن محمود الوزير على ابنته أم أحمد وكان رجلا من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدما في الكتاب والأدب و العلم والمعرفة.
قال: دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وبين يديه رقعة أبي محمد عليه السلام فيها: إني نازلت الله عز وجل في هذا الطاغي يعني المستعين، وهو آخذه بعد ثلاث، فلما كان في اليوم الثالث خلع، وكان من أمره ما رواه الناس في احداره إلى واسط وقتله.
وروى الصيمري أيضا عن أبي هاشم قال: كنت محبوسا عند أبي محمد في حبس المهتدي فقال لي: يا أبا هاشم إن هذا الطاغي أراد أن بعبث بالله عز وجل في هذه الليلة وقد بتر الله عمره، وجعلته للمتولي بعده، وليس لي ولد سيرزقني الله ولدا بكرمه ولطفه، فلما أصبحنا شغب الأتراك على المهتدي وأعانهم الأمة لما عرفوا من قوله بالاعتزال القدر، وقتلوه ونصبوا مكانه المعتمد، وبايعوا له، وكان المهتدي قد صحح العزم على قتل أبي محمد عليه السلام فشغله الله بنفسه حتى قتل، ومضى إلى أليم عذاب الله .
وروي أيضا عن الحميري عن الحسن بن علي بن إبراهيم بن مهزيار، عن محمد بن أبي الزعفران، عن أم أبي محمد عليهما السلام قال: قال لي يوما من الأيام تصيبني في سنة ستين ومائتين حزازة أخاف أن أنكب منها نكبة، قالت: وأظهرت الجزع وأخذني البكاء، فقال: لا بد من وقوع أمر الله، لا تجزعي.
فلما كان في صفر سنة ستين أخذها المقيم والمقعد، وجعلت تخرج في الأحايين إلى خارج المدينة، وتجسس الاخبار حتى ورد عليها الخبر، حين حبسه المعتمد
في يدي علي بن جرين وحبس جعفرا أخاه معه وكان المعتمد يسأل عليا عن أخباره في كل وقت فيخبره أنه يصوم النهار، ويصلي الليل.
فسأله يوما من الأيام عن خبره فأخبره بمثل ذلك، فقال له: امض الساعة إليه واقرئه مني السلام، وقل له: انصرف إلى منزلك مصاحبا قال علي بن جرين فجئت إلى باب الحبس فوجدت حمارا مسرجا فدخلت عليه فوجدته جالسا وقد لبس خفه وطيلسانه وشاشته فلما رآني نهض فأديت إليه الرسالة فركب.
فلما استوى على الحمار وقف فقلت له: ما وقوفك يا سيدي؟ فقال لي:
حتى يجئ جعفر، فقلت: إنما أمرني باطلاقك دونه، فقال لي: ترجع إليه فتقول له: خرجنا من دار واحدة جميعا فإذا رجعت وليس هو معي كان في ذلك ما لاخفاء به عليك فمضى وعاد، فقال له: يقول لك: قد أطلقت جعفرا لك لأني حبسته بجنايته على نفسه وعليك، وما يتكلم به، وخلى سبيله فصار معه إلى داره. وذكر الصيمري أيضا عن المحمودي قال: رأيت خط أبي محمد عليه السلام لما خرج من حبس المعتمد: " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ". وذكر نصر بن علي الجهضمي وهو من ثقات المخالفين في مواليد الأئمة عليهم السلام: ومن الدلائل ما جاء عن الحسن بن علي العسكري عند ولادة م ح م د ابن الحسن: زعمت الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، كيف رأوا قدرة القادر وسماه المؤمل.
12 - البرسي: في المشارق عن الحسن بن حمدان، عن أبي الحسن الكرخي قال: كان أبي بزازا في الكرخ، فجهزني بقماش إلى سر من رأى، فلما دخلت
إليها جاءني خادم فناداني باسمي واسم أبي وقال: أجب مولاك، قلت: ومن مولاي حتى أجيبه؟ فقال: ما على الرسول إلا البلاغ.
قال: فتبعته فجاء بي إلى دار عالية البناء لا أشك أنها الجنة، وإذا رجل جالس على بساط أخضر، ونور جماله يغشى الابصار، فقال لي: إن فيما حملت من القماش حبرتين إحداهما في مكان كذا والأخرى في مكان كذا في السفط الفلاني و في كل واحدة منهن رقعة مكتوبة فيها ثمنها وربحها وثمن إحداهما ثلاثة وعشرون دينارا والربح ديناران، وثمن الأخرى ثلاثة عشر دينارا والربح كالأولى فاذهب فأت بهما.
قال الرجل: فرجعت فجئت بهما إليه فوضعتهما بين يديه، فقال لي: اجلس فجلست لا أستطيع النظر إليه إجلالا لهيبته، قال: فمد يده إلى طرف البساط وليس هناك شئ وقبض قبضة وقال: هذا ثمن حبرتيك وربحهما، قال: فخرجت وعددت المال في الباب، فكان المشترى والربح كما كتب والدي لا يزيد ولا ينقص.
13 - مروج الذهب: قال ذكر محمد بن علي الشريعي وكان ممن بلي بالمهتدي، وكان حسن المجلس عارفا بأيام الناس وأخبارهم، قال: كنت أبايت المهتدي كثيرا فقال لي ذات ليلة: أتعرف خبر نوف الذي حكا عن علي بن أبي طالب عليه السلام حين كان يبايته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين ذكر نوف قال رأيت عليا عليه السلام قد أكثر الخروج والدخول والنظر إلى السماء ثم قال لي يا نوف أنائم أنت؟ قال قلت: بل أرمقك بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين.
فقال لي: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والكتاب شعارا، الدعاء دثارا ثم تركوا الدنيا تركا على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.
يا نوف إن الله جل وعلا أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيوتي إلا بقلوب خاضعة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني
لا أجيب لاحد منهم دعوة، ولأحد قبله مظلمة. قال محمد بن علي: فوالله لقد كتب المهتدي الخبر بخطه، ولقد كنت أسمعه في جوف الليل وقد خلا بربه وهو يبكي ويقول: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة إلى أن كان من أمره مع الأتراك ما كان.
أقول: روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن علي بن عاصم الكوفي الأعمى قال:
دخلت على سيدي الحسن العسكري فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: مرحبا بك يا ابن عاصم اجلس هنيئا لك يا ابن عاصم أتدري ما تحت قدميك؟ فقلت:
يا مولاي إني أرى تحت قدمي هذا البساط كرم الله وجه صاحبه، فقال لي: يا ابن عاصم اعلم أنك على بساط جلس عليه كثير من النبيين والمرسلين، فقلت: يا سيدي ليتني كنت لا أفارقك ما دمت في دار الدنيا ثم قلت في نفسي ليتني كنت أرى هذا البساط فعلم الإمام عليه السلام ما في ضميري فقال: ادن مني فدنوت منه فمسح يده على وجهي فصرت بصيرا بإذن الله.
ثم قال: هذا قدم أبينا آدم، وهذا أثر هابيل، وهذا أثر شيث، وهذا أثر إدريس وهذا أثر هود، وهذا أثر صالح، وهذا أثر لقمان، وهذا أثر إبراهيم، وهذا أثر لوط، وهذا أثر شعيب وهذا أثر موسى، وهذا أثر داود، وهذا أثر سليمان، وهذا أثر الخضر، وهذا أثر دانيال، وهذا أثر ذي القرنين، وهذا أثر عدنان، وهذا أثر عبد المطلب، وهذا أثر عبد الله، وهذا أثر عبد مناف، وهذا أثر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا أثر جدي علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال علي بن عاصم: فأهويت على الاقدام كلها فقبلتها، وقبلت يد الإمام عليه السلام وقلت له: إني عاجز عن نصرتكم بيدي، وليس أملك غير موالاتكم والبراءة من أعدائكم، واللعن لهم في خلواتي، فكيف حالي يا سيدي؟ فقال عليه السلام:
حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ضعف على نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة، فكلما لعن أحد كم أعداءنا
صاعدته الملائكة، ولعنوا من لا يلعنهم، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه، وقالوا: اللهم صل على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول: يا ملائكتي إني قد أحببت دعاء كم في عبدي هذا، وسمعت نداء كم وصليت على روحه مع أرواح الأبرار، وجعلته من المصطفين الأخيار.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: كتب أبو محمد عليه السلام إلى أهل قم وآبة: إن الله تعالى بجوده ورأفته قد من على عباده بنبيه محمد بشيرا ونذيرا، ووفقكم لقبول دينه وأكرمكم بهدايته، وغرس في قلوب أسلافكم الماضين رحمة الله عليهم وأصلابكم الباقين تولى كفايتهم وعمرهم طويلا في طاعته، حب العترة الهادية، فمضى من مضى على وتيرة الصواب، ومنهاج الصدق، وسبيل الرشاد .
فوردوا موارد الفائزين، اجتنوا ثمرات ما قدموا، ووجدوا غب ما أسلفوا.
ومنها: فلم يزل نيتنا مستحكمة، ونفوسنا إلى طيب آرائكم ساكنة والقرابة الواشجة بيننا وبينكم قوية. وصية أوصي بها أسلافنا وأسلافكم، وعهد عهد إلى شباننا ومشايخكم، فلم يزل على جملة كاملة من الاعتقاد، لما جعلنا الله عليه من الحال القريبة، والرحم الماسة، يقول العالم سلام الله عليه إذ يقول " المؤمن أخو المؤمن لامه وأبيه " ومما كتب عليه السلام إلى علي بن الحسين بن بابويه القمي واعتصمت بحبل الله بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والجنة للموحدين والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله أحسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين
منها: وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فان النبي صلى الله عليه وآله قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشربه النبي صلى الله عليه وآله " يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن على أمر جميع شيعتي بالصبر فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله. 15 - رجال الكشي: علي بن محمد بن قتيبة، عن أحمد بن إبراهيم المراغي قال:
ورد على القاسم بن العلا نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال، وكان ابتداء ذلك أن كتب عليه السلام إلى قوامه بالعراق: احذروا الصوفي المتصنع.
قال: وكان من شأن أحمد بن هلال أنه قد كان حج أربعا وخمسين حجة عشرون منها على قدميه، قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه.
فأنكروا ما ورد في مذمته، فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره.
فخرج إليه:
" قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال لا رحمه الله بما قد علمت لم يزل لا غفر الله له ذنبه، ولا أقاله عثرته، دخل في أمرنا بلا إذن منا ولا رضى يستبد برأيه فيتحامى من ديوننا، لا يمضي من أمرنا إياه إلا بما يهواه ويريد أرداه الله في نار جهنم، فصبرنا عليه حتى بتر الله عمره بدعوتنا.
وكنا قد عرفنا خبره قوما من موالينا في أيامه لا رحمه الله، أمرناهم بالقاء ذلك إلى الخلص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا رحمه الله، وممن لا يبرء منه.
وأعلم الإسحاقي سلمه الله وأهل بيته مما أعلمناك من حال أمر هذا الفاجر وجميع من كان سألك ويسألك عنه، من أهل بلده، والخارجين، ومن كان يستحق أن يطلع على ذلك، فإنه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه
عنا ثقاتنا، قد عرفوا بأننا نفاوضهم سرنا، ونحمله إياه إليهم، وعرفنا ما يكون من ذلك إنشاء الله ".
قال: وقال أبو حامد: فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه، فخرج " لا شكر الله قدره لم يدع المرزئة بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما من به عليه مستقرا، ولا يجعله مستودعا، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالايمان كفرا حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله ". 16 - رجال الكشي: حكى بعض الثقات بنيشابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع: يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره، وتولاك في جميع أمورك بصنعه قد فهمت كتابك رحمك الله، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على موالينا، ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم، ونعتد بكل نعمة ينعمها الله عز وجل عليهم.
فأتم الله عليكم بالحق ومن كان مثلك ممن قد رحمه وبصره بصيرتك، ونزع عن الباطل، ولم يعم في طغيانه بعمه، فإن تمام النعمة دخولك الجنة، وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها يؤدى شكرها.
وأنا أقول: الحمد لله مثل ما حمد الله به حامد إلى أبدا لابد، بما من به عليك من نعمته، ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة، وأيم الله إنها لعقبة كؤد شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، طويل عذابها، قديم في الزبر الأولى ذكرها.
ولقد كانت منكم أمور في أيام الماضي إلى أن مضى لسبيله صلى الله على روحه وفي أيامي هذه كنتم فيها غير محمودي الشأن ولا مسددي التوفيق، واعلم يقينا
يا إسحاق أن من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
إنها يا ابن إسماعيل ليس تعمى الابصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وذلك قول الله عز وجل في محكم كتابه للظالم، رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا " قال الله عز وجل " كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " وأي آية يا إسحاق أعظم من حجة الله عز وجل على خلقه، وأمينه في بلاده، و شاهده على عباده، من بعد ما سلف من آبائه الأولين من النبيين وآبائه الآخرين من الوصيين، عليهم أجمعين رحمة الله وبركاته.
فأين يتاه بكم؟ وأين تذهبون كالانعام على وجوهكم؟ عن الحق تصدفون وبالباطل تؤمنون، وبنعمة الله تكفرون، أو تكذبون، فمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غير كم إلا خزي في الحياة الدنيا الفانية، وطول عذاب الآخرة الباقية، وذلك والله الخزي العظيم.
إن الله بفضله ومنه لما فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم، بل رحمة منه لا إله إلا هو عليكم، ليميز الله الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدور كم، وليمحص ما في قلوبكم ولتألفوا إلى رحمته، ولتتفاضل منازلكم في جنته.
ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، و الولاية، وكفا بهم لكم بابا ليفتحوا أبواب الفرائض، ومفتاحا إلى سبيله، ولولا محمد صلى الله عليه وآله والأوصياء من بعده لكنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضا من الفرائض وهل يدخل قرية إلا من بابها.
فلما من عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيه، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله
" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " وفرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها إليهم، ليحل لكم ما وراء ظهور كم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم ومشربكم، ويعرفكم بذلك النماء والبركة و الثروة، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب، قال الله عز وجل " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.
واعلموا أن من يبخل فإنما يبخل على نفسه، وأن الله هو الغني وأنتم الفقراء لا إله إلا هو.
ولقد طالت المخاطبة فيما بيننا وبينكم فيما هو لكم وعليكم، ولولا ما يجب من تمام النعمة من الله عز وجل عليكم، لما أريتكم مني خطا ولا سمعتم منى حرفا من بعد الماضي عليه السلام.
أنتم في غفلة عما إليه معاد كم، ومن بعد الثاني رسولي وما ناله منكم حين أكرمه الله بمصيره إليكم، ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم ابن عبدة، وفقه الله لمرضاته وأعانه على طاعته، وكتابه الذي حمله محمد بن موسى النيشابوري والله المستعان على كل حال، وإني أراكم مفرطين في جنب الله فتكونون من الخاسرين.
فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله، ولم يقبل مواعظ أوليائه، وقد أمر كم الله عز وجل بطاعته لا إله إلا هو، وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وبطاعة أولي الامر عليهم السلام فرحم الله ضعفكم وقلة صبركم عما أمامكم فما أغر الانسان بربه الكريم، واستجاب الله تعالى دعائي فيكم، وأصلح أمور كم على يدي، فقد قال الله جل جلاله، يوم ندعو كل أناس بإمامهم " وقال جل جلاله: " و [كذلك] جعلنا كم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " وقال الله جل جلاله
" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر " فما أحب أن يدعو الله جل جلاله بي ولا بمن هو في أيامي إلا حسب رقتي عليكم، وما انطوى لكم عليه من حب بلوغ الامل في الدارين جميعا، والكينونة معنا في الدنيا والآخرة فقد - يا إسحاق! يرحمك الله ويرحم من هو وراءك - بينت لك بيانا وفسرت لك تفسيرا، وفعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الامر قط ولم يدخل فيه طرفة عين، و لو فهمت الصم الصلاب بعض ما في هذا الكتاب، لتصدعت قلقا خوفا من خشية الله ورجوعا إلى طاعة الله عز وجل، فاعملوا من بعد ما شئتم فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون والعاقبة للمتقين والحمد لله كثيرا رب العالمين.
وأنت رسولي يا إسحاق إلى إبراهيم بن عبده وفقه الله أن يعمل بما ورد عليه في كتابي مع محمد بن موسى النيشابوري إنشاء الله ورسولي إلى نفسك وإلى كل من خلفت ببلدك أن تعملوا بما ورد عليكم في كتابي مع محمد بن موسى النيشابوري إن شاء الله.
ويقرء إبراهيم بن عبده كتابي هذا على من خلفه ببلده حتى لا يتساءلون، و بطاعة الله يعتصمون، والشيطان بالله عن أنفسهم يجتنبون ولا يطيعون، وعلى إبراهيم ابن عبده سلام الله ورحمته وعليك يا إسحاق، وعلى جميع موالي السلام كثيرا سدد كم الله جميعا بتوفيقه.
وكل من قرء كتابنا هذا من موالي من أهل بلدك، ومن هو بناحيتكم ونزع عما هو عليه من الانحراف عن الحق فليؤد حقوقنا إلى إبراهيم، وليحمل ذلك إبراهيم بن عبده إلى الرازي رضي الله عنه أو إلى من يسمي له الرازي، فان ذلك عن أمري ورأيي إنشاء الله.
ويا إسحاق اقرأ كتابي على البلالي رضي الله عنه فإنه الثقة المأمون، العارف بما يجب عليه، واقرءه على المحمودي عافاه الله فما أحمدنا له لطاعته، فإذا وردت بغداد فاقرءه على الدهقان وكيلنا وثقتنا، والذي يقبض من موالينا وكل من أمكنك من موالينا فأقرئهم هذا الكتاب، وينسخه من أراد منهم نسخة إنشاء الله ولا يكتم أمر هذا عمن شاهده من موالينا، إلا من شيطان مخالف لكم، فلا تنثرن الدر بين أظلاف الخنازير، ولا كرامة لهم.
وقد وقعنا في كتابك بالوصول والدعاء لك ولمن شئت، وقد أجبنا سعيدا عن مسألته والحمد لله فما ذا بعد الحق إلا الضلال، فلا تخرجن من البلد حتى تلقى العمري رضي الله عنه برضاي عنه، وتسلم عليه، وتعرفه ويعرفك، فإنه الطاهر الأمين العفيف القريب منا وإلينا. فكل ما يحمل إلينا من شئ من النواحي فإليه يصير آخر أمره، ليوصل ذلك إلينا، والحمد لله كثيرا.
سترنا الله وإياكم يا إسحاق بستره وتولاك في جميع أمورك بصنعه، والسلام عليك وعلى جميع موالي ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
17 - تاريخ قم: للحسن بن محمد القمي قال: رويت عن مشايخ قم أن الحسين بن الحسن بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام كان بقم يشرب الخمر علانية فقصد يوما لحاجة باب أحمد بن إسحاق الأشعري وكان وكيلا في الأوقاف بقم فلم يأذن له ورجع إلى بيته مهموما.
فتوجه أحمد بن إسحاق إلى الحج فلما بلغ سر من رأى استأذن على أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام فلم يأذن له فبكى أحمد لذلك طويلا وتضرع حتى أذن له.
فلما دخل قال: يا ابن رسول الله لم منعتني الدخول عليك؟ وأنا من شيعتك ومواليك؟ قال عليه السلام: لأنك طردت ابن عمنا عن بابك، فبكى أحمد و حلف بالله أنه لم يمنعه من الدخول عليه إلا لان يتوب من شرب الخمر، قال:
صدقت ولكن لابد عن إكرامهم واحترامهم، على كل حال، وأن لا تحقرهم ولا تستهين بهم، لانتسابهم إلينا فتكون من الخاسرين.
فلما رجع أحمد إلى قم أتاه أشرافهم، وكان الحسين معهم فلما رآه أحمد وثب إليه واستقبله وأكرمه وأجلسه في صدر المجلس، فاستغرب الحسين ذلك منه و استبدعه وسأله عن سببه فذكر له ما جرى بينه وبين العسكري عليه السلام في ذلك.
فلما سمع ذلك ندم من أفعاله القبيحة، وتاب منها، ورجع إلى بيته وأهرق الخمور وكسر آلاتها، وصار من الأتقياء المتورعين، والصلحاء المتعبدين، وكان ملازما للمساجد معتكفا فيها، حتى أدركه الموت، ودفن قريبا من مزار فاطمة رضي الله عنهما.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.