بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 1 المغايرة بين
ج ۴، ص ۱۵۲–۱۷۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
1 - الإحتجاج: عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله رجل فقال: أخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله أسماء وصفات في كتابه؟ وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: إن لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول هي هو أنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك ، وإن كنت تقول هذه الأسماء والصفات لم تزل فإنما لم تزل محتمل معنيين فإن قلت: لم تزل عنده في علمه وهو يستحقها فنعم وإن كنت تقول: لم يزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره بل كان الله تعالى ذكره ولا خلق ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه وهي ذكره، وكان الله سبحانه ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، والأسماء والصفات مخلوقات والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما يختلف ويأتلف المتجزي، ولا يقال له: قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته لان ما سوى الواحد متجزئ، والله واحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له فقولك: إن الله قدير خبرت أنه لا يعجزه شئ فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز
سواه، وكذلك قولك: عالم إنما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه، فإذا أفنى الله الأشياء أفني الصورة والهجاء والتقطيع فلا يزال من لم يزل عالما.
فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟ فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس. وكذلك سميناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالابصار من لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر طرفة العين.
وكذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشئ اللطيف مثل البعوضة وما هو أخفى من ذلك، و موضع المشي منها، والعقل والشهوة للسفاد والحدب على أولادها، وإقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار فعلمنا بذلك أن خالقها لطيف بلا كيف إذا لكيفية للمخلوق المكيف. وكذلك سمينا ربنا قويا بلا قوة البطش المعروف من الخلق، ولو كان قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصا كان غير قديم وما كان غير قديم كان عاجزا، فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضد ولا ند، ولا كيفية ولا نهاية ولا تصاريف محرم على القلوب أن تحتمله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الضمائر أن تصوره، عز وجل عن أداة خلقه وسمات بريته، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن محمد بن بشر، عن الجعفري مثله.
ايضاح: اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره، فذهب أكثر الأشاعرة إلى الأول، والامامية والمعتزلة إلى الثاني، وقد وردت هذه الأخبار ردا على القائلين بالعينية، وأول بعض المتأخرين كلامهم لسخافته وإن كانت كلماتهم صريحة فيما نسب إليهم. قال شارح المقاصد: الاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعم أنواع الكلمة، وقد يقيد بالاستقبال والتجرد عن الزمان فيقابل الفعل والحروف على ما هو مصطلح النحاة، والمسمى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه والتسمية هو وضع الاسم للمعنى، وقد يراد بها ذكر الشئ باسمه كما يقال: يسمى زيدا ولم يسم عمروا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، وإنما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن الاسم نفس المسمى، وفيما ذكره الشيخ الأشعري من أن أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام: ما هو نفس المسمى، مثل " الله " الدال على الوجود أي الذات، وما هو غيره " كالخالق والرازق " ونحو ذلك مما يدل على فعل، ومالا يقال إنه هو ولا غيره " كالعالم والقادر " وكل ما يدل على الصفات. وأما التسمية فغير الاسم والمسمى، وتوضيحه أنهم يريدون بالتسمية اللفظ، وبالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف، وبالصفة مدلوله، وكما يقولون: إن القراءة حادثة والمقر وقديم إلا أن الأصحاب اعتبروا المدلول المطابقي فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمي للقطع بأن مدلول الخالق شئ ماله الخلق لا نفس الخلق، ومدلول العالم شئ ماله العلم لا نفس العلم، و الشيخ أخذ المدلول أعم واعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة فزعم أن مدلول الخالق الخلق وهو غير الذات، ومدلول العالم العلم وهو لا عين ولا غير. انتهى.
فإذا عرفت هذا فاعلم أن الظاهر أن المراد بالأسماء الأسماء الدالة على الذات من غير ملاحظة صفة، وبالصفات ما يدل على الذات متصفا بصفة، واستفسر عليه السلام مراد السائل وذكر محتملاته وهي ثلاثة، وينقسم بالتقسيم الأول إلى احتمالين لان المراد إما معناه الظاهر، أو مؤول بمعني مجازي لكون معناه الظاهر في غاية السخافة.
الأول: أن يكون المراد كون كل من تلك الأسماء والحروف المؤلفة المركبة عين
ذاته تعالى، وحكم بأنه تعالى منزه عن ذلك لاستلزامه تركيبه وحدوثه وتعدده كما سيأتي - تعالى الله عن ذلك -.
الثاني: أن يكون قوله: " هي هو " كناية عن كونها دائما معه في الأزل فكأنها عينه، وهذا يحتمل معنيين: الأول أن يكون المراد أنه تعالى كان في الأزل مستحقا لاطلاق تلك الأسماء عليه، وكون تلك الأسماء في علمه تعالى من غير تعدد في ذاته تعالى وصفاته، ومن غير أن يكون معه شئ في الأزل فهذا حق، والثاني أن يكون المراد كون تلك الأصوات والحروف المؤلفة دائما معه في الأزل فمعاذ الله أن يكون معه غيره في الأزل، وهذا صريح في نفي تعدد القدماء ولا يقبل التأويل ثم أشار عليه السلام إلى حكمة خلق الأسماء والصفات بأنها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرعون بها إليه ويعبدونه، وهي ذكره " بالضمير " اي يذكر بها، والمذكور بالذكر قديم، والذكر حادث، ومنهم من قرأ " بالتاء " قال الجوهري: الذكر والذكرى: نقيض النسيان، وكذلك الذكرة. انتهى.
قوله عليه السلام: والأسماء والصفات مخلوقات ههنا النسخ مختلفة، ففي التوحيد " مخلوقات المعاني " أي معانيها اللغوية ومفهوماتها الكلية مخلوقة، وفي الاحتجاج ليس لفظ المعاني أصلا، وفي الكافي " والمعاني " بالعطف، فالمراد بها إما مصداق مدلولاتها، و يكون قوله: والمعني بها عطف تفسير له، أو هي معطوفة على الأسماء أي والمعاني وهي حقائق مفهومات الصفات مخلوقة، أو المراد بالأسماء الألفاظ وبالصفات ما وضع ألفاظها له، وقوله: مخلوقات والمعاني خبران لقوله: الأسماء والصفات أي الأسماء مخلوقات والصفات هي المعاني وقوله: والمعني بها هو الله أي المقصود بها المذكور بالذكر، ومصداق تلك المعاني المطلوب بها هو ذات الله، والمراد بالاختلاف تكثر الافراد، أو تكثر الصفات أو الأحوال المتغيرة، أو اختلاف الاجزاء وتباينها بحسب الحقيقة أو الانفكاك والتحلل، وبالايتلاف التركب من الاجزاء أو الاجزاء المتفقة الحقائق.
قوله عليه السلام: فإذا أفنى الله الأشياء استدلال على مغايرته تعالى للأسماء وهجاها وتقطيعها والمعاني الحاصلة منها في الأذهان من جهة النهاية كما أن المذكور سابقا كان
من جهة البداية، والحاصل أن عمله تعالى ليس عين قولنا: " عالم " وليس اتصافه تعالى به متوقفا على التكلم بذلك، وكذا الصور الذهنية ليست عين حقيقة ذاته وصفاته تعالى وليس اتصافه تعالى بالصفات متوقفا على حصول تلك الصور إذ بعد فناء الأشياء تفني تلك الأمور مع بقائه تعالى متصفا بجميع الصفات الكمالية كما أن قبل حدوثها كان متصفا بها.
ثم اعلم أن المقصود مما ذكر في هذا الخبر وغيره من أخبار البابين هو نفي تعقل كنه ذاته وصفاته تعالى، وبيان أن صفات المخلوقات مشوبة بأنواع العجز، والله تعالى متصف بها معرى من جهات النقص والعجز كالسمع فإنه فينا هو العلم بالمسموعات بالحاسة المخصوصة، ولما كان توقف علمنا على الحاسة لعجزنا، وكان حصولها لنا من جهة تجسمنا وإمكاننا ونقصنا، وأيضا ليس علمنا من ذاتنا لعجزنا، وعلمنا حادث لحدوثنا، وليس علمنا محيطا بحقائق ما نسمعه كما هي لقصورنا عن الإحاطة، وكل هذه نقائص شابت ذلك الكمال فقد أثبتنا له تعالى ما هو الكمال وهو أصل العلم، ونفينا عنه جميع تلك الجهات التي هي من سمات النقص والعجز، ولما كان علمه تعالى غير متصور لنا بالكنه، وأنا لما رأينا الجهل فينا نقصا نفيناه عنه فكأنا لم نتصور من علمه تعالى إلا عدم الجهل، فاثباتنا العلم له تعالى إنما يرجع إلى نفي الجهل لأنا لم نتصور علمه تعالى إلا بهذا الوجه، وإذا تدبرت في ذلك حق التدبر وجدته نافيا لما يدعيه جماعة عن الاشتراك اللفظي في الوجود وسائر الصفات لا مثبتا له وقد عرفت أن الأخبار الدالة على نفي التعطيل ينفي هذا القول، وقد سبق تفسير بعض أجزاء الخبر فيما سبق فلا نعيده.
2 - الإحتجاج: عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عز ذكره واشتقاقها فقلت: " الله " مما هو مشتق؟ قال: يا هشام " الله " مشتق من إله، وإله يقتضي مألوها، والاسم غير المسمى فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد المعني دون الاسم فذلك التوحيد،
أفهمت يا هشام؟ قال: فقلت زدني فقال: " إن الله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها إلها، ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره، يا هشام الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتفاضل أعداءنا والمتخذين مع الله عز وجل غيره؟ قلت: نعم. قال: فقال: نفعك الله به وثبتك. قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في علم التوحيد حتى قمت مقامي هذا.
التوحيد: ابن عصام، والدقاق، عن الكليني، عن علي، عن أبيه، عن النضر، عن هشام مثله.
بيان: هذا الخبر يدل على أن لفظ الجلالة مشتق، وقد سبق الكلام فيه في باب التوحيد، وقوله: الله مشتق من إله إما اسم على فعال بمعنى المفعول أي المعبود أو غيره من المعاني التي تقدم ذكرها، أو فعل بمعني عبد أو نحوه، والظاهر أنه ليس المقصود أو لا الاستدلال على المغايرة بين الاسم والمسمى، بل المعنى أن هذا اللفظ بجوهره يدل على وجود معبود يعبد. ثم بين أنه لا يجوز عبادة اللفظ بوجه، ثم استدل على المغايرة بين الاسم والمسمى. ويحتمل أن يكون استدلالا بأن هذا اللفظ يدل على معنى والدال غير المدلول بديهة، وعلى هذا يحتمل أن يكون ما يذكر بعد ذلك تحقيقا آخر لبيان ما يجب أن يقصد بالعبادة، وأن يكون تتمة لهذا الدليل تكثيرا للايراد وإيضاحا لما يلزمهم من الفساد بأن يكون المعنى أن العقل لما حكم بالمغايرة فمن توهم الاتحاد إن جعل هذه الحروف معبودا بتوهم أن الذات عينها فلم يعبد شيئا أصيلا ، إذ ليس لهذه الأسماء بقاء واستمرار وجود إلا بتبعية النقوش في الألواح أو الأذهان، وإن جعل المعبود مجموع الاسم والمسمى فقد أشرك وعبد مع الله غيره، وإن عبد الذات الخالص فهو
التوحيد، وبطل الاتحاد بين الاسم والمسمى، والأول أظهر. ويحتمل أن يكون المراد بالمألوه من له الاله، كما يظهر من بعض الأخبار أنه يستعمل بهذا المعني كقوله عليه السلام: كان إلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، فالمعنى أن الاله يقتضي نسبة إلى غيره ولا يتحقق بدون الغير، والمسمي لا حاجة له إلى غيره فالاسم غير المسمى.
ثم استدل عليه السلام على المغايرة بوجهين آخرين: الأول أن لله تعالى أسماءا متعددة فلو كان الاسم عين المسمى لزم تعدد الآلهة، لبداهة مغايرة تلك الأسماء بعضها لبعض قوله: ولكن الله أي ذاته تعالى لا هذا الاسم. الثاني أن الخبز اسم لشئ يحكم عليه بأنه مأكول، ومعلوم أن هذا اللفظ غير مأكول، وكذا البواقي.
وقيل: إن المقصود من أول الخبر إلى آخره بيان المغايرة بين المفهومات العرضية التي هي موضوعات تلك الأسماء وذاته تعالى الذي هو مصداق تلك المفهومات، فقوله عليه السلام: والإله يقتضي مألوها معناه أن هذا المعنى المصدري يقتضي أن يكون في الخارج موجود هو ذات المعبود الحقيقي ليدل على أن مفهوم الاسم غير المسمى، والحق تعالى ذاته نفس الوجود الصرف بلا مهية أخرى، فجميع مفهومات الأسماء والصفات خارجة عنه فصدقها وحملها عليه ليس كصدق الذاتيات على الماهية - إذ الماهية له كلية - ولا كصدق العرضيات - إذ لا قيام لافرادها بذاته تعالى - ولكن ذاته تعالى بذاته الأحدية البسيطة مما ينتزع منه هذه المفهومات وتحمل عليه فالمفهومات كثيرة والجميع غيره فيلزم من عينية تلك المفهومات تعدد الآلهة. وقوله عليه السلام: الخبز اسم للمأكول حجة أخرى على ذلك فإن مفهوم المأكول اسم لما يصدق عليه كالخبز، ومفهوم المشروب يصدق على الماء، ومفهوم الملبوس على الثوب، والمحرق على النار، ثم إذا نظرت إلى كل من هذه المعاني في أنفسها وجدتها غير محكوم عليها بأحكامها فإن معنى المأكول غير مأكول إنما المأكول شئ آخر كالخبز، وكذا البواقي ولا يخفى ما فيه.
3 - التوحيد، معاني الأخبار، عيون أخبار الرضا (ع): أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن محمد بن عبد الله، وموسى بن عمرو، والحسن بن علي بن أبي عثمان، عن محمد بن سنان قال سألت الرضا عليه السلام عن الاسم ما هو؟ قال: صفة لموصوف
بيان: أي سمة وعلامة تدل على ذات فهي غير الذات، أو المعنى أن أسماء الله تعالى تدل على صفات تصدق عليه، ويحتمل أن يكون المراد بالاسم هنا ما أشرنا إليه سابقا أي المفهوم الكلي الذي هو موضوع اللفظ.
4 - الإحتجاج: سئل أبو الحسن علي بن محمد عليهما السلام عن التوحيد فقيل له: لم يزل الله وحده لا شئ معه ثم خلق الأشياء بديعا واختار لنفسه أحسن الأسماء أو لم تزل الأسماء والحروف معه قديمة؟ فكتب: لم يزل الله موجودا، ثم كون ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، تأهب أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه والوقوع بالبلوغ على علو مكانه فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم تقع عليه الناعتون بإشارة ولا عبارة هيهات هيهات.
5 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن علي بن العباس، عن يزيد ابن عبد الله، عن الحسن بن سعيد الخزار، عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الله غاية من غياه فالمغيى غير الغاية، توحد بالربوبية ووصف نفسه بغير محدودية فالذاكر الله غير الله، والله غير أسماء، وكل شئ وقع عليه اسم شئ سواه فهو مخلوق، ألا ترى قوله: العزة لله، العظمة لله، وقال: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها: وقال: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى، فالأسماء مضافة إليه وهو التوحيد الخالص.
بيان: استدل عليه السلام على المغايرة بين الاسم والمسمى بما أضيف إليه من الأسماء فإن الإضافة تدل على المغايرة بين الاسم والمسمى يقال : المال لزيد، ولا يقال: زيد لنفسه، وقوله: العزة لله، العظمة لله يومئ إلى أن المراد بالاسم المفهوم كما مر.
6 - التوحيد: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن أورمة، عن علي بن الحسين بن محمد، عن خالد بن يزيد عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اسم الله غير الله
وكل شئ وقع عليه اسم شئ فهو مخلوق ما خلا الله، فأما ما عبرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق، والله غاية من غاياه، والمغيى غير الغاية، والغاية موصوفة وكل موصوف مصنوع، وصانع الأشياء غير موصوف بحد مسمى، لم يتكون فتعرف كينونته بصنع غيره، ولم يتناه إلى غاية إلا كانت غيره، لا يزل من فهم هذا الحكم أبدا وهو التوحيد الخالص فاعتقدوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله عز وجل، ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لان الحجاب والمثال والصورة غيره، وإنما هو واحد موحد فكيف يوحد من زعم أنه عرفه بغيره، إنما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يعرف غيره، ليس بين الخالق والمخلوق شئ، والله خالق الأشياء لا من شئ، يسمي بأسمائه فهو غير أسمائه والأسماء غيره، والموصوف غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله، ولا تدرك معرفة الله إلا بالله، والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وإذا أراد شيئا كان كما أراد بأمره من غير نطق، لا ملجأ لعباده مما قضى، ولا حجة لهم فيما ارتضى، لم يقدروا على عمل ولا معالجة مما احدث في أبدانهم المخلوقة إلا بربهم، فمن زعم أنه يقوى على عمل لم يرده الله عز وجل فقد زعم أن إرادته تغلب إرادة الله، تبارك الله رب العالمين.
التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن بعض أصحابه، عن بكر بن صالح، عن علي بن الحسن بن محمد، عن خالد، عن عبد الاعلى مثله، إلى قوله:
والأسماء غيره.
قال الصدوق رحمه الله: معنى ذلك أن من زعم أنه يقوى على عمل لم يرد الله أن يقويه عليه فقد زعم أن إرادته تغلب إرادة الله، تبارك الله رب العالمين.
بيان: قوله: اسم شئ أي لفظ الشئ أو هذا المفهوم المركب، والأول أظهر
ثم بين المغايرة بأن اللفظ الذي يعبر به الألسن والخط الذي تعمله الأيدي فظاهر أنه مخلوق. قوله: والله غاية من غاياه اعلم أن الغاية تطلق على المدى والنهاية، وعلى امتداد المسافة، وعلى الغرض والمقصود من الشئ، وعلى الراية والعلامة. وهذه العبارة تحتمل وجوها:
الأول: أن تكون الغاية بمعنى الغرض والمقصود أي كلمة الجلالة مقصود من جعله مقصودا وذريعة من جعله ذريعة أي كل من كان له مطلب وعجز عن تحصيله بسعيه يتوسل إليه باسم الله. والمغيى - بالغين المعجمة والياء المثناة المفتوحة - أي المتوسل إليه بتلك الغاية غير الغاية، أو بالياء المكسورة أي الذي جعل لنا الغاية غاية هو غيرها، وفي بعض النسخ: " والمعنى " بالعين المهملة والنون أي المقصود بذلك التوسل، أو المعنى المصطلح غير تلك الغاية التي هي الوسيلة إليه.
الثاني: أن يكون المراد بالغاية النهاية، وبالله الذات لا الاسم أي الرب تعالى غاية آمال الخلق يدعونه عند الشدائد بأسمائه العظام، والمغيى بفتح الياء المشددة: المسافة ذات الغاية، والمراد هنا الأسماء فكأنها طرق ومسالك توصل الخلق إلى الله في حوائجهم، والمعنى أن العقل يحكم بأن الوسيلة غير المقصود بالحاجة، وهذا لا يلائمه قوله: " والغاية موصوفة " إلا بتكلف تام الثالث: أن يكون المراد بالغاية العلامة، وصحفت " غاياه " بغاياته أي علامة من علاماته، والمعنى أي المقصود أو المغيى أي ذو العلامة غيرها الرابع: أن يكون المقصود أن الحق تعالى غاية أفكار من جعله غاية وتفكر فيه، والمعنى المقصود أعني ذات الحق غير ما هو غاية أفكارهم ومصنوع عقولهم، إذ غاية ما يصل إليه أفكارهم ويحصل في أذهانهم موصوف بالصفات الزائدة الامكانية، وكل موصوف كذلك مصنوع.
الخامس: ما صحفه بعض الأفاضل حيث قرأ " عانة من عاناه " أي الاسم ملابس من لابسه. قال في النهاية: معاناة الشئ: ملابسته ومباشرته. أو مهم من اهتم به، من قولهم: عنيت به فأنا عان، أي اهتممت به واشتغلت. أو أسير من أسره، وفي النهاية:
العاني: الأسير. وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو فهو عان، أو محبوس من حبسه وفي النهاية: وعنوا بالأصوات أي احبسوها والمعنى أي المقصود بالاسم غير العانة أي غير ما نتصوره ونعقله. ثم اعلم أنه على بعض التقادير يمكن أن يقرأ والله بالكسر بأن يكون الواو للقسم.
قوله: غير موصوف بحد أي من الحدود الجسمانية، أو الصفات الامكانية، أو الحدود العقلية. وقوله: مسمى صفة لحد للتعميم كقوله تعالى: " لم يكن شيئا مذكورا " ويحتمل أن يكون المراد أنه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء، وقيل: هو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف.
قوله: لم يتكون فيعرف كينونته بصنع غيره قيل: المراد أنه لم يتكون فيكون محدثا بفعل غيره فتعرف كينونته وصفات حدوثه بصنع صانعه كما تعرف المعلولات بالعلل.
أقول: لعل المراد أنه غير مصنوع حتى يعرف بالمقايسة إلى مصنوع آخر كما تعرف المصنوعات بمقايسة بعضها إلى بعض فيكون الصنع بمعنى المصنوع وغيره صفة له، أو أنه لا يعرف بحصول صورة هي مصنوعة لغيره إذ كل صورة ذهنية مصنوعة للمدرك معلولة له.
قوله: ولم يتناه أي هو تعالى في المعرفة أو عرفانه، أو العارف في عرفانه إلى نهاية إلا كانت تلك النهاية غيره تعالى ومبائنة له غير محمولة عليه.
قوله عليه السلام: لا يزل في بعض النسخ " بالذال " أي ذل الجهل والضلال من فهم هذا الحكم وعرف سلب جميع ما يغايره عنه، وعلم أن كل ما يصل إليه أفهام الخلق فهو غيره تعالى.
قوله عليه السلام: ومن زعم أنه يعرف الله بحجاب أي بالأسماء التي هي حجب بين الله وبين خلقه ووسائل بها يتوسلون إليه، بأن زعم أنه تعالى عين تلك الأسماء، أو الأنبياء والأئمة عليهم السلام بأن زعم أن الله تعالى اتحد بهم، أو بالصفات الزائدة، فإنها حجب عن الوصول إلى حقيقة الذات الأحدية، أو بصورة أي بأنه ذو صورة كما قالت المشبهة، أو بصورة عقلية زعم أنها كنه ذاته وصفاته تعالى، أو بمثال أي خيالي، أو
بأن جعل له مماثلا ومشابها من خلقه فهو مشرك لما عرفت مرارا من لزوم تركبه تعالى وكونه ذا حقائق مختلفة وذا أجزاء، تعالى الله عن ذلك، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقته تعالى بوجه من الوجوه لا بحجاب ورسول يبين ذلك، ولا بصورة عقلية ولا خيالية إذ لابد بين المعرف والمعرف من مماثلة وجهة اتحاد وإلا فليس ذلك الشئ معرفا أصلا، والله تعالى مجرد الذات عن كل ما سواه فحجابه ومثاله وصورته غيره من كل وجه إذ لا مشاركة بينه وبين غيره في جنس أو فصل أو مادة أو موضوع أو عارض، وإنما هو واحد موحد فرد عما سواه، فإنما يعرف الله بالله إذا نفى عنه جميع ما سواه وكل ما وصل إليه عقله كما مر أنه التوحيد الخالص.
وقال بعض المحققين: من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال أي بحقيقة من الحقائق الامكانية كالجسم والنور، أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما أسند إلى القائلين بالصورة، أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة فهو مشرك لان الحجاب والصورة والمثال كلها مغائرة له غير محمولة عليه فمن عبد الموصوف بها عبد غيره فكيف يكون موحدا له عارفا به؟ إنما عرف الله من عرفه بذاته وحقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يكون يعرف غيره.
أقول: لا يخفى أن هذا الوجه وما أوردته سابقا من الاحتمالات التي سمحت بها قريحتي القاصرة لا يخلو كل منها من تكلف، وقد قيل فيه وجوه أخر أعرضت
عنها صفحا لعدم موافقتها لأصولنا.
والأظهر عندي أن هذا الخبر موافق لما مر وسيأتي في كتاب العدل أيضا من أن المعرفة من صنعة تعالى وليس للعباد فيها صنع، وأنه تعالى يهبها لمن طلبها، ولم يقصر فيما يوجب استحقاق إفاضتها. والقول بأن غيره تعالى يقدر على ذلك نوع من الشرك في ربوبيته وإلهيته فإن التوحيد الخالص هو أن يعلم أنه تعالى مفيض جميع العلوم و الخيرات والمعارف والسعادات كما قال تعالى: " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " فالمراد بالحجاب إما أئمة الضلال وعلماء السوء الذين يدعون أنهم يعرفونه تعالى بعقولهم ولا يرجعون في ذلك إلى حجج الله تعالى فإنهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته وعبادته تعالى، فالمعني أنه تعالى إنما يعرف بما عرف به نفسه للناس لا بأفكارهم وعقولهم أو أئمة الحق أيضا فإنه ليس شأنهم إلا بيان الحق للناس فأما إفاضة المعرفة والايصال إلى البغية فليس إلا من الحق تعالى كما قال سبحانه:
" إنك لا تهدي من أحببت " ويجري في الصورة والمثال ما مر من الاحتمالات فقوله عليه السلام: ليس بين الخالق والمخلوق شئ أي ليس بينه تعالى وبين خلقه حقيقة أو مادة مشتركة حتى يمكنهم معرفته من تلك الجهة، بل أو جدهم لا من شئ كان. قوله عليه السلام: غير الواصف يحتمل أن يكون المراد بالواصف الاسم الذي يصف الذات بمدلوله. قوله عليه السلام: فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف أي لا يؤمن أحد بالله إلا بعد معرفته، والمعرفة لا يكون إلا منه تعالى فالتعريف من الله، والايمان والاذعان و عدم الانكار من الخلق، ويحتمل أن يكون المراد على بعض الوجوه السابقة بيان أنه وإن لم يعرف بالكنه لكن لا يمكن الايمان به إلا بعد معرفته بوجه من الوجوه فيكون المقصود نفي التعطيل، والأول أظهر، وهذه الفقرات كلها مؤيدة للمعني الأخير كما لا يخفي لمن تأمل فيها. ثم بين عليه السلام كون الأشياء إنما يحصل بمشيئته تعالى وأن إرادة الخلق لا يغلب إرادته تعالى كما سيأتي تحقيقه في كتاب العدل، والله الموفق
7 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب،
عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم ولم يعبد المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي يصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سر أمره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وفي حديث آخر: أولئك هم المؤمنون حقا.
ايضاح: قوله: من عبد الله بالتوهم أي من غير أن يكون على يقين في وجوده تعالى وصفاته، أو بأن يتوهمه محدودا مدركا بالوهم فقد كفر لأن الشك كفر، ولان كل محدود ومدرك بالوهم غيره سبحانه فمن عبده كان عابدا لغيره فهو كافر وقوله عليه السلام: ومن عبد الاسم أي الحروف أو المفهوم الوصفي له دون المعني أي المعبر عنه بالاسم فقد كفر لان الحروف والمفهوم غير الواجب الخالق للكل تعالى شأنه.
8 - التوحيد: الدقاق، عن الكليني، عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الحسين بن يزيد، عن ابن البطائني، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق اسما بالحروف غير منعوت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفي عنه الأقطار، مبعد عنه الحدود، محجوب عنه حس كل متوهم، مستتر غير مستور، فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، وحجب واحدا منها، وهو الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة التي أظهرت، فالظاهر هو " الله وتبارك وسبحان " لكل اسم من هذه أربعة أركان فذلك اثني عشر ركنا، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها، فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس،
الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبار، المتكبر، العلي، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاث مائة وستين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب للاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله عز وجل:
" قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى " بيان: اعلم أن هذا الخبر من متشابهات الاخبار وغوامض الاسرار التي لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، والسكوت عن تفسيره والاقرار بالعجز عن فهمه أصوب وأولى وأحوط وأحرى، ولنذكر وجها تبعا لمن تكلم فيه على سبيل الاحتمال. فنقول: أسماء في بعض النسخ بصيغة الجمع وفي بعضها بصورة المفرد، والأخير أظهر، والأول لعله مبني على أنه مجزى بأربعة أجزاء كل منها اسم، فلذا أطلق عليه صيغة الجمع. وقوله: بالحروف غير منعوت - وفي بعض النسخ كما في الكافي " غير متصوت " وكذا ما بعده من الفقرات تحتمل كونها حالا عن فاعل " خلق " وعن قوله: اسما، ويؤيد الأول ما في أكثر نسخ التوحيد: خلق اسما بالحروف وهو عز وجل بالحروف غير منعوت
فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم والمسمى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهوراته النطقية والكتبية فيه تعالى، وأما على الثاني فلعله إشارة إلى حصوله في علمه تعالى فيكون الخلق بمعنى التقدير والعلم، وهذا الاسم عند حصوله في العلم الأقدس لم يكن ذا صوت ولا ذا صورة ولا ذا شكل ولا ذا صبغ. ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن أول خلقه كان بالإفاضة على روح النبي صلى الله عليه وآله وأرواح الأئمة عليهم السلام بغير نطق وصبغ ولون وخط بقلم.
ولنرجع إلى تفصيل كل من الفقرات وتوضيحها، فعلى الأول قوله: غير متصوت إما على البناء للفاعل أي لم يكن خلقها بإيجاد حرف وصوت، أو على البناء للمفعول أي هو تعالى ليس من قبيل الأصوات والحروف حتى يصلح كون الاسم عينه تعالى لكن الظاهر من كلام اللغويين أن " تصوت " لازم فيكون على البناء للفاعل بالمعنى الثاني فيؤيد الوجه الأول.
وقوله عليه السلام: وباللفظ غير منطق - بفتح الطاء - أي ناطق، أو أنه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها، أو بالكسر - أي لم يجعل الحروف ناطقة على الاسناد المجازي كقوله تعالى " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " وهذا التوجيه يجري في الثاني من احتمالي الفتح " وتطبيق تلك الفقرات على الاحتمال الثاني وهو كونها حالا عن الاسم بعد ما ذكرنا ظاهر، وكذا تطبيق الفقرات الآتية على الاحتمالين.
قوله عليه السلام: مستتر غير مستور أي كنه حقيقته مستور عن الخلق مع أنه من حيث الآثار أظهر من كل شئ، أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر وحاجب، أو أنه غير مستور عن الخلق بل هو في غاية الظهور والنقص إنما هو من قبلنا، ويجري نظير الاحتمالات في الثاني، ويحتمل على الثاني أن يكون المراد أنه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى.
وأما تفصيل الاجزاء وتشعب الأسماء فيمكن أن يقال: إنه لما كان كنه ذاته تعالى مستورا عن عقول جميع الخلق فالاسم الدال عليه ينبغي أن يكون مستورا عنهم فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدل على كنه الذات مع جميع الصفات الكمالية، ولما
كانت أسماؤه تعالى ترجع إلى أربعة لأنها إما أن تدل على الذات، أو الصفات الثبوتية الكمالية، أو السلبية التنزيهية، أو صفات الافعال فجزأ ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعة، واحدة منها للذات فقط، فلما ذكرنا سابقا استبد تعالى به ولم يعطه خلقه، وثلاثة منها تتعلق بالأنواع الثلاثة من الصفات فأعطاها خلقه ليعرفوه بها بوجه من الوجوه فهذه الثلاثة حجب ووسائط بين الخلق وبين هذا الاسم المكنون إذ بها يتوسلون إلى الذات وإلى الاسم المختص بها، ولما كانت تلك الأسماء الأربعة مطوية في الاسم الجامع على الاجمال لم يكن بينها تقدم وتأخر، ولذا قال: ليس منها واحد قبل الآخر.
ويمكن أن يقال على بعض المحتملات السابقة: إنه لما كان تحققها في العلم الأقدس لم يكن بينها تقدم وتأخر في الوجود، كما يكون في تكلم الخلق، والأول أظهر.
ثم بين الأسماء الثلاثة فأولها " الله " وهو الدال على النوع الأول لكونه موضوعا للذات المستجمع للصفات الذاتية الكمالية، والثاني " تبارك " لأنه من البركة والنمو وهو إشارة إلى أنه معدن الفيوض ومنبع الخيرات التي لا تتناهى، وهو رئيس جميع الصفات الفعلية من الخالقية والرازقية والمنعمية وسائر ما هو منسوب إلى الفعل كما أن الأول رئيس الصفات الوجودية من العلم والقدرة وغيرهما، ولما كان المراد بالاسم كل ما يدل على ذاته وصفاته تعالى أعم من أن يكون اسما أو فعلا أو جملة لا محذور في عد " تبارك " من الأسماء. والثالث هو " سبحان " الدال على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص فيندرج فيه ويتبعه جميع الصفات السلبية والتزيهية، هذا على نسخة التوحيد، وفي الكافي:
" هو الله تبارك وتعالى وسخر لكل اسم " فلعل المراد أن الظاهر بهذه الأسماء هو الله تعالى، وهذه الأسماء إنما جعلها ليظهر بها على الخلق فالمظهر هو الاسم، والظاهر به هو الرب سبحانه.
ثم لما كان لكل من تلك الأسماء الثلاثة الجامعة شعب أربع ترجع إليها جعل لكل منها أربعة أركان هي بمنزلة دعائمه فأما " الله " فلدلالته على الصفات الكمالية.
الوجودية له أربع دعائم: وهي وجوب الوجود المعبر عنه بالصمدية والقيومية والعلم والقدرة والحياة، أو مكان الحياة اللطف أو الرحمة أو العزة، وإنما جعلت هذه الأربعة أركانا لان سائر الصفات الكمالية إنما ترجع إليها كالسميع والبصير والخبير مثلا فإنها راجعة إلى العلم والعلم يشملها وهكذا.
وأما " تبارك " فله أركان أربعة هي الايجاد والتربية في الدارين، والهداية في الدنيا والمجازاة في الآخرة أي الموجد أو الخالق والرب والهادي والديان، ويمكن إدخال الهداية في التربية، وجعل المجازاة ركنين: الإثابة والانتقام، ولكل منها شعب من أسماء الله الحسنى كما لا يخفي بعد التأمل والتتبع.
وأما " سبحان " فله أربعة أركان لأنه إما تنزيه الذات عن مشابهة الممكنات، أو تنزيهه عن إدراك الحواس والأوهام والعقول، أو تنزيه صفاته عما يوجب النقص، أو تنزيه أفعاله عما يوجب الظلم والعجز والنقص. ويحتمل وجها آخر، وهو تنزيهه عن الشريك والأضداد والأنداد، وتنزيهه عن المشاكلة والمشابهة، وتنزيهه عن إدراك العقول والأوهام، وتنزيهه عما يوجب النقص والعجز من التركب والصاحبة والولد والتغيرات والعوارض والظلم والجور والجهل وغير ذلك، وظاهر أن لكل منها شعبا كثيرة، فجعل عليه السلام شعب كل منها ثلاثين وذكر بعض أسمائه الحسنى على التمثيل وأجمل الباقي. ويحتمل على ما في الكافي أن تكون الأسماء الثلاثة ما يدل على وجوب الوجود والعلم والقدرة، والاثنى عشر ما يدل على الصفات الكمالية والتنزيهية التي تتبع تلك الصفات، والمراد بالثلاثين صفات الافعال التي هي آثار تلك الصفات الكمالية ويؤيده قوله: فعلا منسوبا إليها، وعلى الأول يكون المعنى أنها من توابع تلك الصفات فكأنها من فعلها. هذا ما خطر ببالي في حل هذا الخبر، وإنما أوردته على سبيل الاحتمال من غير تعيين لمراد المعصوم عليه السلام، ولعله أظهر الاحتمالات التي أوردها أقوام على وفق مذاهبهم المختلفة وطرائقهم المتشتتة، وإنما هداني إلى ذلك ما أورده ذريعتي إلى الدرجات العلى ووسيلتي إلى مسالك الهدى بعد أئمة الورى عليهم السلام أعني والدي العلامة قدس الله روحه في شرح هذا الخبر على ما في الكافي حيث قال: الذي يخطر
بالبال في تفسير هذا الخبر على الاجمال هو أن الاسم الأول كان اسما جامعا للدلالة على الذات والصفات، ولما كان معرفة الذات محجوبة عن غيره تعالى جزأ ذلك الاسم على أربعة أجزاء، وجعل الاسم الدال على الذات محجوبا عن الخلق، وهو الاسم الأعظم باعتبار، والدال على المجموع اسم أعظم باعتبار آخر، ويشبه أن يكون الجامع هو الله والدال على الذات فقط هو، وتكون المحجوبية باعتبار عدم التعيين كما قيل: إن الاسم الأعظم داخل في جملة الأسماء المعروفة، ولكنها غير معينة لنا، ويمكن أن يكون غيرها والأسماء التي أظهرها الله للخلق على ثلاثة أقسام:
منها ما يدل على التقديس مثل العلي، العظيم، العزيز، الجبار، المتكبر، ومنها ما يدل على علمه تعالى، ومنها ما يدل على قدرته تعالى. وانقسام كل واحد منها إلى أربعة أقسام بأن يكون التنزيه إما مطلقا أو للذات أو الصفات أو الافعال، و يكون ما يدل على العلم إما لمطلق العلم أو للعلم بالجزئيات، كالسميع والبصير، أو الظاهر أو الباطن، وما يدل على القدرة إما للرحمة الظاهرة أو الباطنة أو الغضب ظاهرا أو باطنا أو ما يقرب من ذلك التقسيم، والأسماء المفردة على ما ورد في القرآن والاخبار يقرب من ثلاث مائة وستين اسما، ذكرها الكفعمي في مصباحه فعليك جمعها والتدبر في ربط كل منها بركن من تلك الأركان. انتهى كلامه رفع الله مقامه.
أقول: بعض الناظرين في هذا الخبر جعل الاثني عشر كناية عن البروج الفلكية والثلاث مائة والستين عن درجاتها، ولعمري لقد تكلف بأبعد مما بين السماء والأرض، ومنهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، والاسم الأول الجامع عن أول مخلوقاته وبزعم القائل هو العقل، وجعل ما بعد ذلك كناية عن كيفية تشعب المخلوقات وتعدد العوالم، وكفى ما أو مأنا إليه للاستغراب وذكرها بطولها يوجب الاطناب.
قوله: وذلك قوله عز وجل استشهاد بأن له تعالى أسماءا حسنى، وأنه إنما وضعها ليدعوه الخلق بها فقال تعالى: قل ادعوه - تعالى - بالله أو بالرحمن أو بغيرهما فالمقصود واحد وهو الرب وله أسماء حسنى كل منها يدل على صفة من صفاته المقدسة فأيا ما تدعو فهو حسن. قيل: نزلت الآية حين سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله يقول
يا الله يا رحمن فقالوا: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر! وقالت اليهود:
إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثره الله في التورية، فنزلت الآية ردا لما توهموا من التعدد، أو عدم الاتيان بذكر الرحمن.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.