بحارالانوار · المجلد التاسع
69 باب خبر الطير وأنه أحب الخلق إلى الله
ج ۳۸، ص ۳۴۸–۳۶۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
أوحى إلي أن آخذ هذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة، فأتيتك به يا محمد، فحمدت الله كثيرا، وعرج جبرئيل، فرفعت يدي إلى السماء فقلت: اللهم يسر عبدا يحبك و يحبني يأكل معي هذا الطائر، فمكثت مليا فلم أر أحدا يطرق الباب، فرفعت يدي ثم قلت اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي هذا الطائر، فسمعت طرقك للباب وارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: أدخلي عليا، فدخلت، فلم أزل حامدا لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني ويحبك الله وأحبك، فكل يا علي.
فلما أكلت أنا والنبي الطائر قال لي: يا علي حدثني، فقلت يا رسول الله: لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعا، ثم نهضت أريدك فجئت فطرقت الباب، فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي، فقالت: إن النبي (صلى الله عليه وآله) راقد، فانصرفت فلما صرت إلى الطريق الذي سلكته رجعت فقلت: النبي راقد و عائشة في الدار؟ لا يكون هذا!؟ فجئت فطرقت الباب، فقالت لي: من هذا؟ فقلت أنا علي فقالت: إن النبي على حاجة، فانصرفت مستحييا، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة وجدت في قلبي ما لم أستطع عليه صبرا وقلت: النبي على حاجة وعائشة في الدار؟ فرجعت فدققت الباب الدق الذي سمعته يا رسول الله، فسمعتك يا رسول الله أنت تقول لها: أدخلي عليا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أبيت إلا أن يكون الامر هكذا يا حميراء ما حملك على هذا؟ فقالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي يأكل من الطير (7)!
فقال لها: ما هو بأول ضغن بينك وبين علي، وقد وقفت على ما في قلبك لعلي، إنك لتقاتلينه! فقالت: يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرجال؟ فقال لها: يا عائشة إنك
لتقاتلين عليا، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أصحابي فيحملونك عليه وليكونن في قتالك له أمر تتحدث به الأولون والآخرون، وعلامة ذلك أنك تركبين الشيطان ثم تبتلين قبل أن تبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب، فتسألين الرجوع فيشهد عندك قسامة أربعين رجلا ما هي كلاب الحوأب، فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك هو أبعد بلاد على الأرض إلى السماء وأقربها إلى الماء ولترجعين وأنت صاغرة غير بالغة [إلى] ما تريدين، ويكون هذا الذي يردك مع من يثق به من أصحابه، إنه لك خير منك له، ولينذرنك ما يكون الفراق بيني وبينك في الآخرة وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز، فقالت: يا رسول الله ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني! فقال لها: هيهات هيهات والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت حتى كأني أراه، ثم قال لي: قم يا علي فقد وجبت صلاة الظهر، حتى آمر بلالا بالاذان، فأذن بلال وأقام الصلاة وصلى وصليت معه ولم نزل في المسجد.
2 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد بن الحسن. عن يوسف بن عدي عن حماد بن المختار، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) طائر فوضع بين يده، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي (عليه السلام) فدق الباب فقلت: من ذا؟ فقال: أنا علي فقلت: إن النبي (صلى الله عليه وآله) على حاجة، حتى فعل ذلك ثلاثا، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما حبسك؟ قال قد جئت ثلاث مرات، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما حملك على ذلك؟ قال: قلت: كنت أحب أن يكون رجلا من قومي.
3 - كشف اليقين: أحمد بن مردويه، عن محمد بن القاسم بن أحمد، عن أحمد بن محمد بن سليمان عن محمد بن علي بن خلف، عن محمد بن القاسم الكوفي، عن إسماعيل بن زياد البزاز، عن أبي إدريس، عن رافع مولى عائشة قال: كنت غلاما أخدمها، فكنت إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندها أكون قريبا أعاطيها، قال: فبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندها ذات يوم إذ جاء جاء فدق الباب، قال: فخرجت إليه فإذا جارية معها إناء مغطى، قال: فرجعت إلى عائشة فأخبرتها، قالت أدخلها، فدخلت فوضعته بين يدي عائشة، فوضعته عائشة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل يأكل، وخرجت الجارية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وإمام المتقين عندي يأكل معي، فجاء جاء فدق الباب، فخرجت إليه فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: فرجعت فقلت: هذا علي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أدخله، فلما دخل قال النبي (صلى الله عليه وآله): مرحبا وأهلا لقد تمنيتك مرتين حتى لو أبطأت علي لسألت الله عز وجل أن يأتي بك اجلس فكل معي.
بشارة المصطفى: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن القاسم الفارسي عن عبد الله بن أبي حامد، عن زيد بن محمد بن جعفر، عن محمد بن جعفر العباب، عن الحسن بن سليمان، عن محمد بن كثير، عن إسماعيل البزاز مثله وزاد في آخره: ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتل الله من قاتلك وعادى من عاداك مرتين أو ثلاثا.
4 - مناقب ابن شهرآشوب: روى حديث الطير جماعة منهم الترمذي في جامعه وأبو نعيم في حلية الأولياء والبلاذري في تاريخه، والخركوشي في شرف المصطفى، والسمعاني في فضائل الصحابة، والطبري في الولاية، وابن البيع في الصحيح، وأبو يعلى في المسند، وأحمد في الفضائل، والنطنزي في الاختصاص، وقد رواه محمد بن إسحاق ومحمد بن يحيى الأزدي وسعيد
والمازني وابن شاهين والسدي وأبو بكر البيهقي ومالك وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وعبد الملك بن عمير ومسعر بن كدام وداود بن علي بن عبد الله بن عباس وأبو حاتم الرازي بأسانيدهم عن أنس وابن عباس وأم أيمن، ورواه ابن بطة في الإبانة من طريقين، والخطيب وأبو بكر في تاريخ بغداد من سبعة طرق، وقد صنف أحمد بن محمد بن سعيد كتاب الطير، وقال القاضي أحمد: قد صح عندي حديث الطير، وقال أبو عبد الله البصري: إن طريقة أبي عبد الله الجبائي في تصحيح الاخبار يقتضي القول بصحة هذا الخبر لايراده يوم الشورى فلم ينكر، قال الشيخ: قد استدل به أمير المؤمنين (عليه السلام) على فضله في قصة شورى بمحضر من أهلها، فما كان فيهم إلا من عرفه وأقر به، والعلم بذلك كالعلم بالشورى نفسها، فصار متواترا، وليس في الأمة على اختلافها من دفع هذا الخبر. وحدثني أبو العزيز كادش العكبري عن أبي طالب الحربي العشاري عن ابن شاهين الواعظ في كتابه (ما قرب سنده) قال: حدثني نصر بن أبي القاسم الفرائضي، قال: محمد بن عيسى الجوهري، قال: قال نعيم بن سالم بن قنبر، قال: قال أنس بن مالك، الخبر، وقد أخرجه علي بن إبراهيم في كتاب قرب الإسناد، وقد رواه خمسة وثلاثون رجلا من الصحابة عن أنس وعشرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد صح أن الله تعالى والنبي يحبانه، وما صح ذلك لغيره، فيجب الاقتداء به، ومن عزى خبر الطائر إليه قصر الإمامة عليه، ومجمع الحديث أن أنسا تعصب بعصابة فسئل عنها فقال: هذه دعوة علي، قيل: وكيف ذلك؟ قال: أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) طائر مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير فجاء علي (عليه السلام) فقلت له: رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنك مشغول - وأحببت أن يكون رجلا من قومي - فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثانيا فجاء علي (عليه السلام) فقلت: رسول الله عنك مشغول، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثالثا فجاء علي (عليه السلام) فقلت: رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنك مشغول، فرفع علي صوته وقال: وما يشغل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عني؟ وسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أنس من هذا؟ قلت: علي
ابن أبي طالب (عليه السلام) قال: ائذن له، فلما دخل قال له: يا علي إني قد دعوت الله ثلاث مرات أن يأتيني بأحب خلقه إليه وإلي أن يأكل معي هذا الطير ولو لم تجئني في الثالثة لدعوت الله باسمك أن يأتيني بك، فقال: يا رسول الله إني قد جئت ثلاث مرات كل ذلك يردني أنس ويقول: رسول الله عنك مشغول، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله):
ما حملك على هذا؟ قلت: أحببت أن يكون رجلا من قومي! فرفع علي يده إلى السماء فقال اللهم ارم أنسا بوضح لا يستره من الناس - وفي رواية: لا تواريه العمامة - ثم كشف العمامة عن رأسه فقال: هذه دعوة علي هذه دعوة علي.
أمالي الصدوق: أبي، عن علي، عن أبيه، عن أبي هدبة قال: رأيت أنس بن مالك معصوبا بعصابة، فسألته عنها فقال: هي دعوة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت له: وكيف كان ذلك (4)؟
وساق الحديث مثل ما مر، وفي بعض النسخ: فلما كان يوم الدار استشهدني علي (عليه السلام) فكتمته فقلت: إني أنسيته، فرفع علي يده إلى آخر الخبر.
5 مناقب ابن شهرآشوب: إنه (عليه السلام) كان أحب الخلق إلى الله وإلى رسوله لوجوه: منها قوله (صلى الله عليه وآله): (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الطائر) ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) ومنها (ادعو إلي خليلي) فدعوا لفلان وفلان فأعرض. فإذا ثبت أن عليا (عليه السلام) كان أحب الخلق إلى الله وإلى رسوله فلا يجوز لغيره أن يتقدم عليه، وقد قال الله تعالى:
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.
إبانة ابن بطة وفضائل أحمد في خبر عن عكرمة عن ابن عباس قال: ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في غير آي من القرآن وما ذكر عليا إلا بخير، وذلك نحو قوله:
(ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وقوله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) الآية، وقوله تعالى في آية المناجاة: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم).
البخاري: توفي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو عنه راض - يعني عن علي (عليه السلام) - وقد ذكرنا أنه أولى الناس لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) لأنه قد صح أنه لم يفر قط من زحف، وما ثبت ذلك لغيره.
6 - كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي عن أنس قال: كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طير فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه.
ومنه عن ابن عباس قال: اتي النبي (صلى الله عليه وآله) بطائر فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، فجاءه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: اللهم واله. قال: أخرج أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في جامعه وذكره النسائي في حديثه.
7 - بشارة المصطفى: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن القاسم الفارسي، عن عبد الله بن أبي حامد، عن محمد بن إبراهيم بن أحمد، عن أحمد بن مدرك، عن إبراهيم بن سعد، عن حسين بن محمد، عن سليمان بن قرط، عن محمد بن شعيب، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده أن النبي (صلى الله عليه وآله) اتي بطير فقال:
(اللهم ائتني بأحب خلقك إليك) فجاء علي (عليه السلام) فقال: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
8 - الطرائف: أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه إلى سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن امرأة من الأنصار أهدت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) طيرين بين رغيفين، فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك، فجاء علي (عليه السلام) فرفع صوته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذا؟ قلت: علي، قال: افتح له، ففتحت له فأكل مع النبي (صلى الله عليه وآله) حتى فنيا.
ومما يدل على أن هذا المعنى قد تكرر من النبي (صلى الله عليه وآله) في عدة أطيار وعدة مجالس ما رووه من غير هذا الطريق في الجمع بين الصحاح الستة من الجزء الثالث في باب مناقب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من صحيح أبي داود وهو كتاب السنن بإسناد متصل عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طائر قد طبخ له، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه منه.
ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتابه من نحو أكثر من ثلاثين طريقا، فمنها ما يدل على أن ذلك قد وقع من النبي (صلى الله عليه وآله) في طائر آخر، قال: بإسناده عن الزبير بن عدي عن أنس قال: أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) طير مشوي فلما وضع بين يديه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك حتى يأكل معي من هذا الطير، قال: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، قال: فجاء علي (عليه السلام) فقرع الباب قرعا خفيفا، فقلت: من هذا؟ فقال: علي، فقلت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حاجة، فانصرف، قال: فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول الثانية: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار، قال: فجاء علي (عليه السلام) فقرع
الباب فقلت: ألم أخبرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حاجة؟ فانصرف، فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول الثالثة: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، قال: فجاء علي (عليه السلام) فضرب الباب ضربا شديدا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): افتح افتح افتح، قال: فلما نظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم وإلي اللهم وإلي اللهم وإلي قال: فجلس مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأكل معه من الطير. وفي بعض روايات ابن المغازلي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): ما أبطأك؟ قال: هذه ثالثة ويردني أنس، قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أنس ما حملك على ما صنعت؟ قال: رجوت أن يكون رجلا من الأنصار! فقال لي: يا أنس أو في الأنصار خير من علي؟ أو في الأنصار أفضل من علي؟.
9 - العمدة: من مناقب ابن المغازلي عن أحمد بن محمد بن عبد الوهاب السمسار، عن أحمد بن علي الحنوطي، عن إسماعيل بن محمد الطبيب، عن أحمد بن عبد بن المفضل الواسطي، عن محمد بن أحمد بن سهل النحوي، عن علي بن الحسن الطحان، عن محمد بن عثمان المعدل، عن أسلم بن سهل البزاز، عن وهب بن بقية الواسطي، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك قال: دخلت على محمد بن الحجاج فقال: يا أبا حمزة حدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثا ليس بينك وبينه فيه أحد، فقلت:
تحدثوا فإن الحديث شجون بجر بعضه بعضا، فذكر أنس حديثا عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له محمد بن الحجاج: عن أبي تراب تحدثنا (6)؟ دعنا من أبي تراب!
فغضب أنس وقال: لعلي تقول هذا (7)؟ أما والله إذ قلت هذا فلأحدثنك بحديث فيه
سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله): أهديت له (صلى الله عليه وآله) يعاقيب فأكل منها، وفضلت فضلة وشئ من خبز، فلما أصبح أتيته به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء رجل فضرب الباب، فرجوت أن يكون من الأنصار، فإذا أنا بعلي (عليه السلام) فقلت: أليس إنما جئت الساعة فرجعت (3)؟ ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء رجل فضرب الباب فإذا به علي (عليه السلام) فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اللهم وإلي اللهم وإلي.
قال أسلم: روى هذا الحديث عن أنس بن مالك، يوسف بن إبراهيم الواسطي و إسماعيل بن سليمان الأزرق وإسماعيل السدي وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ويمامة بن عبد الله بن أنس وسعيد بن زربى، قال ابن سمعان: سعيد بن زربى؟ إنما حدث به عن أنس وقد روى جماعة عن أنس منهم سعيد بن المسيب وعبد الملك بن عمير ومسلم الملائي وسليمان بن الحجاج الطائفي وابن أبي الرجاء الكوفي وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر ونعيم بن سالم وغيرهم.
أقول: روى ابن بطريق هذا الخبر بعبارات قريبة المضامين من مسند أحمد بسند، ومن مناقب ابن المغازلي بأربعة وعشرين سندا، ومن سنن أبي داود بسندين.
وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب الفصول - عند اعتراض السائل بأن هذا الخبر من أخبار الآحاد لأنه إنما رواه أنس بن مالك وحده - فأجاب بأن الأمة
بأجمعها قد تلقته بالقبول، ولم يروا أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته فصار الاجماع عليه هو الحجة في صوابه، مع أن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج به في مناقبه يوم الدار، فقال، أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فجاء أحد غيري؟
قالوا: اللهم لا، قال: اللهم اشهد، فاعترف الجميع بصحته، ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) ليحتج بباطل لا سيما وهو في مقام المنازعة والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسول (صلى الله عليه وآله) وإحاطة علمه بأن الحاضرين معه في الشورى يريدون الامر دونه، مع قول النبي (صلى الله عليه وآله) علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار.
وروى العلامة من كتاب المناقب لابن مردويه بإسناده إلى أبي ذر رضي الله عنه قال دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا: من أحب أصحابك إليك وإن كان أمر كنا معه، وإن كان نائبة كنا دونه، قال: هذا علي أقدمكم سلما وإسلاما، انتهى.
وروى ابن الأثير في جامع الأصول من صحيح الترمذي عن أنس قال: كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) طير فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه. وقال رزين: قال أبو عيسى في هذا الحديث قصة وفي آخرها: أن أنسا قال لعلي (عليه السلام): استغفر لي ولك عندي بشارة، ففعل فأخبره بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله).
تنقيح: اعلم أن تلك الأخبار مع تواترها واتفاق الفريقين على صحتها تدل على كونه صلوات الله عليه أفضل الخلق وأحق بالخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، أما دلالتها على
كونه أفضل فلان حب الله تعالى ليس إلا كثرة الثواب والتوفيق والهداية المترتبة على كثرة الطاعة والاتصاف بالصفات الحسنة كما برهن في محله أنه تعالى منزه عن الانفعالات والتغيرات، وإنما اتصافه بالحب والبغض وأمثالهما باعتبار الغايات، وقد مر تحقيق ذلك في كتاب التوحيد، وأنه ليس إثابته تعالى وإكرامه بدون فضيلة وخصلة كريمة وأعمال حسنة توجب ذلك، لحكم العقل بقبح تفضيل الناقص على الكامل والعاصي على المطيع والجاهل على العالم والفائق في الكمالات على القاصر فيها، وقد قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فظهر أن حبه تعالى إنما يترتب على متابعة الرسول (صلى الله عليه وآله) فثبت أنه صلوات الله عليه أفضل من جميع الخلق، وإنما خص الرسول بالاجماع وبقرينة أنه كان هو القائل لذلك، فالظاهر أن مراده: أحب سائر الخلق إليه تعالى.
وأما كونه أحق بالخلافة فلان من كان أفضل من جميع الصحابة بل من سائر الأنبياء والأوصياء لا يجوز العقل تقدم غيره عليه، لا سيما تقدم من لا يثبت له فضيلة واحدة إلا بروايات المعاندين التي تظهر عليها أما رأت الوضع والافتراء واختيار رضى سلاطين الجور على طاعة رب الأرض والسماء.
وقد نوقش في دلالة الخبر على أفضليته صلوات الله عليه بوجهين: الأول أنه يحتمل أن يكون أراد (صلى الله عليه وآله) أحب خلق الله إليه في أكل هذا الطير لا أحب الخلق إليه مطلقا! والجواب عنه - وإن كان لوهنه وركاكته لا يحتاج إلى الجواب وقائله لا يستحق الخطاب - هو أن قوله (صلى الله عليه وآله): (يأكل) جواب للامر، ولا يفهم أحد له أدنى انس بكلام العرب منه سوى هذا المعنى، فلو خصص الحب بذلك لكان تخصيصا من غير قرينة تدل عليه، وبرهان يدعو إليه، ولو جعل (يأكل) قيدا للحب فمع بعده محتاج إلى تقدير (في أن يأكل) وهو خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل، على أن في بعض الروايات ليس (يأكل) أصلا، وفي بعضها (حتى يأكل) وهما لا يحتملان ذلك.
وأجاب الشيخ المفيد عن ذلك بوجه آخر، وهو أنه لو كان الكلام يحتمل ذلك لما كان فيه فضل، فلم يكن أنس يرده مرتين ليكون ذلك الفضل للأنصار، ولما قرره الرسول (صلى الله عليه وآله) على ذلك، وأيضا لو كان محتملا لذلك لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتج بذلك يوم الدار، ولا قبل الحاضرون ذلك منه، ولقالوا: إن ذلك لا يدل على فضيلة توجب الإمامة والخلافة.
الثاني أنه يحتمل أن يكون في ذلك الوقت أحب الخلق وأفضلهم، فلم لا يجوز أن يصير بعض الصحابة بعد ذلك أفضل منه؟ والجواب أن ذلك أيضا خلاف عموم اللفظ وإطلاقه فإن الظاهر من اللفظ أحب جميع الخلق في جميع الأحوال والأزمنة، ولو كان مراده غير ذلك لقيده بشئ منها، ولم يدل دليل من خارج الكلام على التخصيص.
وأجاب الشيخ بوجهين أيضا: الأول أن هذا خرق للاجماع المركب، لان الأمة بأسرها بين قولين: إما تفضيله في جميع الأحوال والأوقات أو تفضيل غيره عليه كذلك ، فما ذكرت قول لم يقل به أحد. والثاني أن احتجاجه صلوات الله عليه بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك وتسليم القوم له ذلك مما يدفع هذا الاحتمال.
بسم الله الرحمن الرحيم
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.