بحارالانوار · أحوال الأئمة
4 - باب انهم عليهم السلام لا يعلمون الغيب ومعناه
ج ۲۶، ص ۹۷–۱۰۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
سبأ " 34 ": قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب " 48 ".
الجن " 72 ": عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول
فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " 26 و 27 ".
تفسير: الاستدراك في الآية الأولى يدل على أن الله تعالى يطلع من يجتبي من رسله على بعض الغيوب، قال البيضاوي: أي ما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان ولكنه يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها. وأما الآية الثانية فقال الطبرسي رحمه الله: ولا أعلم الغيب الذي يختص الله بعلمه، وإنما أعلم قدر ما يعلمني الله تعالى من أمر البعث والنشور والجنة والنار وغير ذلك " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " يريد ما أخبركم إلا بما أنزله الله إلي، عن ابن عباس، وقال الزجاج أي ما أنبأتكم به من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحي من الله عز وجل. وقال في قوله تعالى: " وعنده مفاتح الغيب " معناه خزائن الغيب الذي فيه علم العذاب المستعجل وغير ذلك " لا يعلمها " أحد " إلا هو " أو من أعلمه به وعلمه إياه وقيل: معناه وعنده مقدورات الغيب يفتح بها على من يشاء من عباده باعلامه به وتعليمه إياه وتيسيره السبيل إليه ونصبه الأدلة له، ويغلق عمن يشاء ولا ينصب الأدلة له.
وقال الزجاج: يريد عنده الوصلة إلى علم الغيب، وقيل: مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة الآية، وتأويل الآية أن الله عالم بكل شئ من مبتدءات الأمور وعواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصوب وأصلح، ويؤخر ما تأخيره أصلح وأصوب وإنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد من الأنبياء والأولياء لأنه لا يعلم الغيب
سواه، ولا يقدر أن يفتح باب العلم به للعباد إلا الله. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولله غيب السماوات والأرض " معناه ولله علم ما غاب في السماوات والأرض لا يخفى عليه شئ منه، ثم قال: وجدت بعض المشايخ ممن يتسم بالعدل والتشيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال:
هذا يدل على أن الله تعالى يختص بعلم الغيب خلافا لما تقول الرافضة: إن الأئمة (عليهم السلام) يعلمون الغيب، ولا شك أنه عنى بذلك من يقول بامامة الاثني عشر ويدين بأنهم أفضل الأنام بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن هذا دأبه وديدنه فيهم، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب القبائح والفضائح إليهم، ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لاحد من الخلق، وإنما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد، وهذا صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، ومن اعتقد أن غير الله يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملة الاسلام.
وأما ما نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواه عنه الخاص والعام من الاخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها كإخباره عن صاحب الزنج وعن ولاية مروان بن الحكم وأولاده وما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى (عليهم السلام) فان جميع ذلك متلقى من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أطلعه الله عليه، فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم بل تكفير، ولا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير، والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير. وقال رحمه الله في قوله: " قل لا يعلم من في السماوات والأرض " من الملائكة والانس والجن " الغيب " وهو ما غاب علمه من الخلق مما يكون في المستقبل " إلا الله " وحده أو من أعلمه الله وقال في قوله تعالى: " إن الله عنده علم الساعة " أي استأثر الله سبحانه به ولم
يطلع عليه أحدا من خلقه فلا يعلم وقت قيام الساعة سواه " وينزل الغيث " فيما يشاء من زمان ومكان، والصحيح أن معناه ويعلم الغيث نزول الغيث في زمانه ومكانه كما جاء في الحديث " أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله " وقرأ هذه الآية و " يعلم ما في الاحام " أذكر أم أنثى، أصحيح أم سقيم، واحد أم أكثر؟ " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا " أي ماذا تعلم في المستقبل، وقيل: ما تعلم بقاءه غدا فكيف تعلم تصرفه " وما تدري نفس بأي أرض تموت " أي في أي أرض يكون موته.
وقد روي عن أئمة الهدى: أن هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى. وقال في قوله تعالى: " فلا يظهر على غيبه أحدا " ثم استثنى فقال: " إلا من ارتضى من رسول " يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب ليكون آية ومعجزة لهم ومعناه أن من ارتضاه واختاره للنبوة والرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه المصلحة، وهو قوله: " فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا " والرصد: الطريق أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء والسلف وعلم ما يكون بعده طريقا.
وقيل: معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة، وقيل:
رصدا من بين يديه ومن خلفه وهم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شر الأعداء وكيدهم، وقيل: المراد به جبرئيل أي يجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا كالحجاب تعظيما لما يتحمله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصه تشريفا له. 1 - تفسير علي بن إبراهيم: " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ".
قال الصادق (عليه السلام): هذه الخمسة أشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي من صفات الله عز وجل. 2 - الخصال: ابن الوليد عن الصفار عن ابن هاشم عن عبد الرحمان بن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي أبي: ألا أخبرك بخمسة لم يطلع الله عليها أحدا من خلقه؟ قلت: بلى، قال: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير. 3 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إن لله علمين: علم استأثر به في غيبه فلم يطلع عليه نبيا من أنبيائه ولا ملكا من ملائكته وذلك قول الله تعالى: " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت " وله علم قد أطلع عليه ملائكته فما أطلع عليه ملائكته فقد أطلع عليه محمدا وآله، وما أطلع عليه محمدا وآله فقد أطلعني عليه يعلمه الكبير منا والصغير إلى أن تقوم الساعة. 4 - تفسير العياشي: عن خلف بن حماد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله يقول في كتابه: " ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء " يعني الفقر. 5 - مجالس المفيد: الحسين بن أحمد بن المغيرة عن حيدر بن محمد السمرقندي عن محمد بن عمر الكشي عن حمدويه بن نصير عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن أبي المغيرة قال :
كنت أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن عند أبي الحسن (عليه السلام) فقال له يحيى: جعلت
فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب، فقال: سبحان الله ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت شعرة فيه ولا في جسدي إلا قامت، ثم قال: لا والله ما هي إلا وراثة عن رسول لله (صلى الله عليه وآله). 6 - نهج البلاغة: لما أخبر (عليه السلام) بأخبار الترك وبعض الأخبار الآتية قال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك وقال للرجل وكان كلبيا:
يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: " إن الله عنده علم الساعة " الآية:
فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى أو قبيح أو جميل أو سخي أو بخيل أو شقي أو سعيد، ومن يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدا إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي. تحقيق: قد عرفت مرارا أن نفي علم الغيب عنهم معناه أنهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام. وإلا فظاهر أن عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) من هذا القبيل، وأحد وجوه إعجاز القرآن أيضا اشتماله على الاخبار بالمغيبات، ونحن أيضا نعلم كثيرا من المغيبات بإخبار الله تعالى ورسوله والأئمة (عليهم السلام) كالقيامة وأحوالها والجنة والنار والرجعة وقيام القائم (عليه السلام) ونزول عيسى (عليه السلام) وغير ذلك من أشراط الساعة، والعرش والكرسي والملائكة.
وأما الخمسة التي وردت في الآية فتحتمل وجوها:
الأول أن يكون المراد أن تلك الأمور لا يعلمها على التعيين والخصوص إلا الله تعالى، فإنهم إذا أخبروا بموت شخص في اليوم الفلاني فيمكن أن لا يعلموا خصوص الدقيقة التي تفارق الروح الجسد فيها مثلا، ويحتمل أن يكون ملك الموت أيضا لا يعلم ذلك.
الثاني: أن يكون العلم الحتمي بها مختصا به تعالى، وكل ما أخبر الله به من ذلك كان محتملا للبداء.
الثالث: أن يكون المراد عدم علم غيره تعالى بها إلا من قبله، فيكون كسائر الغيوب، ويكون التخصيص بها لظهور الامر فيها أو لغيره.
الرابع: ما أومأنا إليه سابقا وهو أن الله تعالى لم يطلع على تلك الأمور كلية أحدا من الخلق على وجه لا بداء فيه، بل يرسل علمها على وجه الحتم في زمان قريب من حصولها كليلة القدر أو أقرب من ذلك وهذا وجه قريب تدل عليه الأخبار الكثيرة إذ لا بد من علم ملك الموت بخصوص الوقت كما ورد في الاخبار، وكذا ملائكة السحاب والمطر بوقت نزول المطر، وكذا المدبرات من الملائكة بأوقات وقوع الحوادث.
تذييل قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المسائل: أقول إن الأئمة من آل محمد (عليهم السلام) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ويعرفون ما يكون قبل كونه، وليس ذلك بواجب في صفاتهم ولا شرطا في إمامتهم، وإنما أكرمهم الله تعالى به وأعلمهم إياه للطف في طاعتهم والتسجيل بإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلا، ولكنه وجب لهم من جهة السماع، فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد، لان الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلا الله عز وجل وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.