پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 4 عصمة الأنبياء عليهم السلام، وتأويل ما يوهم خطأهم

ج ۱۱، ص ۷۱–۹۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۱

1 - أمالي الصدوق: الهمداني، علي بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد البرمكي، عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليه السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلا وقد ألزم حجته كأنه قد ألقم حجرا "، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يا بن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول الله عز وجل: " وعصى آدم ربه فغوى " وقوله عز وجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " وقوله في يوسف: " ولقد همت به وهم بها " وقوله عز وجل في داود: " وظن داود أنما فتناه " وقوله في نبيه محمد صلى الله عليه وآله: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه "؟

فقال مولانا الرضا عليه السلام: ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله والفواحش ولا تتأول كتاب الله برأيك، فإن الله عز وجل يقول: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " أما قوله عز وجل في آدم عليه السلام: و " عصى آدم ربه فغوى فإن الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه، وخليفته في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل، فلما اهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل " إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ".

وأما قوله عز وجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " إنما ظن أن الله عز وجل لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عز وجل: " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه "؟ أي ضيق عليه، ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.

وأما قوله عز وجل في يوسف: " ولقد همت به وهم بها " فإنها همت بالمعصية، وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله:

" كذلك لنصرف عنه السوء " يعني القتل " والفحشاء " يعني الزنا.

وأما داود فما يقول من قبلكم فيه؟ فقال علي بن الجهم: يقولون: إن داود كان في محرابه يصلي إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح، فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان أوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام الحرب، فقدم فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب الثانية أن قدمه أمام التابوت، فقتل أوريا رحمه الله، وتزوج داود بامرأته، فضرب الرضا عليه السلام بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيا " من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل! فقال: يا بن رسول الله فما كانت خطيئته؟ فقال:

ويحك إن داود إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: " خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب " فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال:

" لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " فلم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول الله عز وجل يقول: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " إلى آخر الآية، فقلت: يا بن رسول الله فما قصته مع أوريا؟ فقال الرضا عليه السلام إن المرأة

في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا "، وأول من أباح الله عز وجل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود، فذلك الذي شق على أوريا.

وأما محمد نبيه صلى الله عليه وآله وقول الله عز وجل له: " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " فإن الله عز وجل عرف نبيه أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في الآخرة، وأنهن أمهات المؤمنين، وأحد من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة، فأخفى صلى الله عليه وآله اسمها في نفسه ولم يبد له لكيلا يقول أحد من المنافقين، إنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، قال الله عز وجل: " والله أحق أن تخشاه " في نفسك، وأن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا ترويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة من علي عليه السلام، قال: فبكى علي بن الجهم وقال: يا بن رسول الله أنا تائب إلى الله عز وجل أن أنطق في أنبياء الله عز وجل بعد يومي هذا إلا بما ذكرته. عيون أخبار الرضا (ع): الهمداني والمكتب والوراق جميعا " عن علي بن إبراهيم إلى آخر الخبر. بيان: قوله عليه السلام: (وكانت المعصية من آدم في الجنة) ظاهره يوهم تجويز الخطيئة عليه على بعض الجهات، إما لأنها كانت في الجنة وإنما تجب عصمتهم في الدنيا، أو لأنها كانت قبل البعثة وإنما تجب عصمتهم بعد النبوة، وكلاهما خلاف ما أجمعت عليه الإمامية رضوان الله عليهم من وجوب عصمتهم على جميع الأحوال، ودلت عليه الأخبار المستفيضة على ما سيأتي في هذا الكتاب وكتاب الإمامة وغيرهما، فيمكن أن يحمل كلامه عليه السلام على أن المراد بالخطيئة ارتكاب المكروه ويكونون بعد البعثة معصومين عن مثلها أيضا "، ويكون ذكر الجنة لبيان كون النهي تنزيهيا وإرشاديا إذ لم تكن دار تكليف حتى يتصور فيها النهي التحريمي.

ويحتمل أن يكون إيراد الكلام على هذا النحو لنوع من التقية مما شاة مع العامة لموافقة بعض أقوالهم كما سنشير إليه، أو على سبيل التنزل والاستظهار ردا على من جوز

الذنب مطلقا " عليهم صلوات الله عليهم، وفي تنزيه يونس عليه السلام في العيون زيادة وهي قوله:

(إنما ظن بمعنى استيقن أن الله لن يضيق عليه رزقه) ففي تفسير الظن باليقين فائدتان:

إحداهما أنه لو لم يستيقن ذلك لما خرج من بين القوم وإن كان مغاضبا " لهم، الثانية أن لا يتوهم فيه نسبة خطأ ومنقصة على هذا التفسير أيضا " بأنه لم يستيقن رزاقيته تعالى لا سيما بالنسبة إلى أوليائه. وأما ظن داود عليه السلام فيحتمل أن يكون عليه السلام ظن أنه أعلم أهل زمانه، وهذا وإن كان صادقا إلا أنه لما كان مصادفا " لنوع من العجب نبهه الله تعالى بإرسال الملكين، وعلى تقدير أن يكون المراد ظن أنه أعلم من السابقين أيضا " فيحتمل أن يكون المراد التجويز والاحتمال بأن يقال: لم يكن ظهر عليه بعد أعلميتهم بالنسبة إليه، أو يخص بعلم المحاكمة، أو يكون ذلك الظن كناية عن نهاية الإعجاب بعلمه، وأما تعجيله عليه السلام في حال الترافع فليس المراد أنه حكم بظلم المدعى عليه قبل البينة، إذ المراد بقوله: " لقد ظلمك " إنه لو كان كما تقول فقد ظلمك، بل كان الأصوب والأولى أن لا يقول ذلك أيضا " إلا بعد وضوح الحكم.

2 - الخصال: أبي، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا "، عن الأشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه: الطيرة، والحسد، والتفكر في الوسوسة في الخلق.

قال الصدوق رحمة الله: معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم، فأما هم عليهم السلام فلا يتطيرون، وذلك كما قال الله عز وجل عن قوم صالح: " قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله " وكما قال آخرون لأنبيائهم: " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " الآية، وأما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا، لا أنهم يحسدون غيرهم، وذلك كما قال الله عز وجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا " عظيما " " وأما التفكر في الوسوسة في الخلق فهو بلواهم عليهم السلام بأهل الوسوسة لا غير ذلك، وذلك كما حكى الله عن

الوليد بن المغيرة المخزومي: " إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر " يعني قال للقرآن:

" إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر ". بيان: ما ذكره رحمه الله توجيه وجيه، لكن في الكافي وغيره ورد فيه تتمة تأبى عنه، وهي: لكن المؤمن لا يظهر الحسد. ويمكن أن يكون المراد بالحسد أعم من الغبطة، أو يقال: القليل منه مع عدم إظهاره ليس بمعصية. والطيرة: هي التشؤم بالشئ وانفعال النفس بما يراه أو يسمعه مما يتشأم به، ولا دليل على أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء، و المراد بالتفكر في الوسوسة في الخلق التفكر فيما يحصل في نفس الإنسان من الوساوس في خالق الأشياء، وكيفية خلقها وخلق أعمال العباد، والتفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم من غير استقرار في النفس وحصول شك بسببها، ويحتمل أن يكون المراد بالخلق المخلوقات وبالتفكر في الوساوس التفكر وحديث النفس بعيوبهم وتفتيش أحوالهم، ويؤيد كلا من الوجهين بعض الأخبار، كما سيأتي في أبواب المكارم، وبعض أفراد هذا الأخير أيضا " على الوجهين لا يستبعد عروضها لهم عليهم السلام.

3 - عيون أخبار الرضا (ع): فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون: من دين الإمامية لا يفرض الله طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه.

4 - معاني الأخبار: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن إبراهيم بن هاشم، عن صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام " قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون " قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم عليه السلام، فقلت: وكيف ذاك؟ قال: إنما قال إبراهيم عليه السلام: " فسئلوهم إن كانوا ينطقون " إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا "، فما نطقوا و ما كذب إبراهيم عليه السلام. فقلت قوله عز وجل في يوسف: " أيتها العير إنكم لسارقون "

قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنه قال لهم حين قال: " ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك " ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه، فقلت قوله : " إني سقيم "؟ قال: ما كان إبراهيم سقيما وما كذب، إنما عنى سقيما في دينه مرتادا ".

وقد روي أنه عنى بقوله: " إني سقيم " أي سأسقم، وكل ميت سقيم، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " إنك ميت " أي ستموت. وقد روي أنه عنى: إني سقيم بما يفعل بالحسين بن علي عليه السلام الإحتجاج: مرسلا " مثله إلى قوله: مرتادا ". بيان: قوله: (وكل ميت سقيم) لعل المراد أنه عند الأشراف على الموت يعرض السقم لا محالة بوجه إما بمرض أو بجرح.

5 - تفسير علي بن إبراهيم: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: " هذا ربي " لغير الله، هل أشرك في قوله: " هذا ربي " فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " قال إبراهيم لأبيه: إن لم تعبد الأصنام استغفرت لك، فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه.

7 - تفسير علي بن إبراهيم: " فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم " فقال أبو عبد الله عليه السلام: والله ما كان سقيما " وما كذب، وإنما عنى سقيما " في دينه مرتادا ".

8 - عيون أخبار الرضا (ع): تميم القرشي، عن أبيه عن حمدان بن سليمان، عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عز وجل: " وعصى آدم ربه فغوى "؟ فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قال لآدم: " أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا " حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة " وأشار لهما إلى شجرة الحنطة " فتكونا من الظالمين " ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة، وإنما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة " وإنما نهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها " إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمها إني لكما لمن الناصحين " ولم يكن آدم وحواء شاهدا " قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا " " فدلاهما بغرور " فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة ولم يكن ذلك بذنب كبير استحق به دخول النار، وإنما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلما اجتباه الله وجعله نبيا " كان معصوما " لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عز وجل: " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " وقال عز وجل " إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " فقال له المأمون: فما معنى قول الله عز وجل: " فلما آتاهما صالحا " جعلا له شركاء فيما آتاهما "؟ فقال الرضا عليه السلام:

إن حوا ولدت لآدم خمسمائة بطن، في كل بطن ذكرا " وأنثى، وإن آدم وحواء عاهدا الله عز وجل ودعواه، وقالا: " لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " فلما آتاهما صالحا " من النسل خلقا " سويا " بريا " من الزمانة والعاهة كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا " وصنفا " إناثا "، فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عز وجل، قال الله عز وجل: " فتعالى الله عما يشركون ". فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله حقا "، فأخبرني عن قول الله عز وجل في

إبراهيم عليه السلام: " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " قال هذا ربي " فقال الرضا عليه السلام:

إن إبراهيم عليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه، فلما جن عليه الليل فرأى الزهرة فقال: " هذا ربي " على الإنكار والاستخبار " فلما أفل " الكوكب " قال لا أحب الآفلين " لان الأفول من صفات الحدث لا من صفات القدم " فلما رأى القمر بازغا " قال هذا ربي " على الإنكار والاستخبار " فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين " فلما " أصبح و " رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر " من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار " فلما أفلت " قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر و الشمس: " يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه بما ألهمه الله عز وجل وآتاه، كما قال عز وجل: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ".

فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله، فأخبرني عن قول إبراهيم: " رب أرني كيف تحيي الموتى * قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قال الرضا عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: أني متخذ من عبادي خليلا " إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس إبراهيم عليه السلام: أنه ذلك الخليل، فقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " على الخلة " قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم أدعهن يأتينك سعيا " واعلم أن الله عزيز حكيم " فأخذ إبراهيم عليه السلام نسرا " وبطا " وطاووسا " وديكا "، فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله - وكانت عشرة - منهن جزء، وجعل

مناقيرهن بين أصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن ووضع عنده حبا " وماء، فتطائرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه، فخلى إبراهيم عليه السلام عن مناقيرهن، فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب، وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم عليه السلام: بل الله يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير.

قال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل:

" فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان " قال الرضا عليه السلام: إن موسى عليه السلام دخل مدينة " من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء " فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوة فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه " فقضى موسى عليه السلام على العدو بحكم الله تعالى ذكره " فوكزه " فمات " قال هذا من عمل الشيطان " يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى عليه السلام من قتله " إنه " يعنى الشيطان " عدو مضل " قال المأمون: فما معنى قول موسى: " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي "؟ قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة " فاغفر لي " أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني " فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال موسى رب بما أنعمت علي " من القوة حتى قتلت رجلا " بوكزة " فلن أكون ظهيرا " للمجرمين " بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى " فأصبح " موسى " في المدينة خائفا " يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " على آخر " قال له موسى إنك لغوي مبين " قاتلت رجلا " بالأمس وتقاتل هذا اليوم لأؤدبنك، وأراد أن يبطش به " فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما " وهو من شيعته " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا " بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا " في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ".

قال المأمون: جزاك الله خيرا " يا أبا الحسن، فما معنى قول موسى لفرعون: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى لما أتاه: " وفعلت فعلتك

التي فعلت وأنت من الكافرين " لي، قال موسى: " فعلتها إذا وأنا من الضالين " عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك " ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما " وجعلني من المرسلين " وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله : " ألم يجدك يتيما فآوى " يقول: ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس؟ " ووجدك ضالا " " يعني عند قومك " فهدى " أي هداهم إلى معرفتك؟ " ووجدك عائلا " فأغنى " يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجابا ".

قال المأمون: بارك الله فيك يا بن رسول الله، فما معنى قول الله عز وجل: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني " الآية، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى أعز من أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقربه نجيا " رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا "، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلا " لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى عليه السلام إلى الطور، وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل و يمين وشمال ووراء وأمام، لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة وجعله منبعثا " منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: " لن نؤمن لك " بأن هذا الذي سمعناه كلام الله " حتى نرى الله جهرة " فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عز وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا " فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟

فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو نعرفه حق معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار

ولا كيفية له ، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم. فعند ذلك قال موسى:

" رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه " وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآية من آياته " جعله دكا " وخر موسى صعقا " * فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي " وأنا أول المؤمنين " منهم بأنك لا ترى.

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فقال الرضا عليه السلام: لقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت، لكنه كان معصوما "، والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق عليه السلام أنه قال: همت بأن تفعل، وهم بأن لا يفعل، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضبا " فظن أن لن نقدر عليه " قال الرضا عليه السلام: ذاك يونس بن متى عليه السلام " ذهب مغاضبا " " لقومه " فظن " بمعنى استيقن " أن لن نقدر عليه " أن لن نضيق عليه رزقه، ومنه قول الله عز وجل: " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه " أي ضيق وقتر " فنادى في الظلمات " ظلمة الليل وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله له وقال عز وجل: " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ".

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " قال الرضا عليه السلام: يقول عز وجل :

حتى إذا استيأس الرسل من قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا.

فقال: المأمون: لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال الرضا عليه السلام: لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا " من رسول الله صلى الله عليه وآله، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنما "، فلما جاءهم صلى الله عليه وآله بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم، وقالوا: " أجعل الآلهة إلها " واحدا " إن هذا لشئ عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق " فلما فتح الله عز وجل علي نبيه مكة قال له: يا محمد " إنا فتحنا لك " مكة " فتحا " مبينا " * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا " بظهوره عليهم.

فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " قال الرضا عليه السلام: هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وأراد به أمته، فكذلك قوله عز وجل: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " وقوله عز وجل: " ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " " قال: صدقت يا بن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عز وجل: " و إذ تقول للذي أنهم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " قال الرضا عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراجيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان الذي خلقك، وإنما أراد بذلك تنزيه الله تبارك وتعالى عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله. فقال الله عز وجل: " أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا " إنكم لتقولون قولا " عظيما " " فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ ولدا " يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله لها: سبحان الذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن

أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها سوء وإني أريد طلاقها، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " أمسك عليك زوجك واتق الله " وقد كان الله عز وجل عرفه عدد أزواجه، وأن تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إن محمدا " يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك فأنزل الله عز وجل: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " يعني بالإسلام " وأنعمت عليه " يعني بالعتق " أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآنا فقال عز وجل: " فلما قضى زيد منها وطرا " زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا " وكان أمر الله مفعولا " " ثم علم عز وجل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل: " ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ".

فقال المأمون: لقد شفيت صدري يا بن رسول الله وأوضحت لي ما كان ملتبسا " علي، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيرا ".

قال علي بن محمد بن الجهم: فقال المأمون إلى الصلاة، وأخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد وكان حاضر المجلس وتبعتهما، فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم.

فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي الذين قال صلى الله عليه وآله فيهم: (ألا إن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا "، وأعلم الناس كبارا "، لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلال) وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك عليه السلام ثم قال: يا بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني والله ينتقم لي منه.

قال الصدوق رحمه الله: هذا الحديث عجيب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيت عليهم السلام. الإحتجاج: مرسلا مثله. بيان: أقول ما ذكره في خطيئة آدم عليه السلام قريب مما ذكره بعض العامة من أنه تعالى أشار لهما حين نهاهما إلى شجرة واحدة، وكان المراد نوع تلك الشجرة، فوسوس إليهما الشيطان أن المراد كان ذلك الشخص من الشجرة فقبلا ذلك منه، وهذا مثل ما ورد في الخبر السابق في مخالفة الأصول، والتوجيه مشترك، ولعل ذكر هذا الوجه لبيان علة ارتكاب ترك الأولى، لا أن يكون جوابا " مستقلا "، والضمير في قوله: (عن الأكل منها) راجع إلى غيرها، ويحتمل أن يكون راجعا " إلى هذه الشجرة بأن يكون الاستثناء منقطعا "، أي ليست هذه الشجرة منهية، بل هي سبب لكونكما ملكين أو خالدين إذا أكلتما منها، وقال الجوهري: يقال في المدح: لله دره أي عمله. وقال الشيخ الرضي رضي الله عنه: الدر في الأصل ما يدر، أي ينزل من الضرع من اللبن، ومن الغيم من المطر، وهو ههنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما نسب فعله إليه تعالى قصدا للتعجب، وأن الله منشئ العجائب، فكل شئ عظيم يريدون التعجب منه ينسبونه إليه تعالى نحو قولهم: لله أنت، ولله أبوك، فمعنى لله دره، ما أعجب فعله.

قوله تعالى: " وظنوا أنهم قد كذبوا " قال الشيخ أمين الدين الطبرسي: قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " كذبوا " بالتخفيف وهي قراءة علي وزين العابدين ومحمد بن علي و جعفر بن محمد عليهم السلام وزيد بن علي وابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة و الضحاك والأعمش، وقرأ الباقون " كذبوا " بالتشديد وهي قراءة عائشة والحسن وعطاء والزهري وقتادة، ثم قال: والمعنى: إنا أخرنا العقاب عن الأمم السالفة المكذبة لرسلنا كما أخرناه عن أمتك يا محمد حتى إذا بلغوا إلى حالة يأس الرسل عن إيمانهم، و تحقق يأسهم بإخبار الله تعالى إياهم " وظنوا أنهم قد كذبوا " أي تيقن الرسل أن

قومهم قد كذبوهم تكذيبا " عاما " حتى أنه لا يصلح واحد منهم، عن عائشة والحسن و قتادة وأبي علي الجبائي. ومن خفف فمعناه: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى إياهم، وإهلاك أعدائهم، عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير و مجاهد وابن زيد والضحاك وأبي مسلم. وقيل: يجوز أن يكون الضمير في " ظنوا " راجعا " إلى الرسل أيضا، ويكون معناه: وعلم الرسل أن الذين وعدوهم الإيمان من قومهم أخلفوهم، أو كذبوا فيما أظهروه من الإيمان، وروي أن سعيد بن جبير والضحاك اجتمعا في دعوة، فسئل سعيد بن جبير عن هذه الآية كيف تقرؤها؟ فقال: " وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتخفيف بمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم، فقال الضحاك ما رأيت كاليوم قط، لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا ".

وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانوا بشرا " فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أخلفوا، ثم أخلفوا، ثم تلا قوله تعالى: " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " الآية، وهذا باطل لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء عليهم السلام انتهى.

أقول: ما ذكره عليه السلام غير تلك الوجوه وتوجيهه واضح، ويمكن إرجاعه إلى أول وجهي التخفيف كما روي عن ابن عباس، بأن يقرأ " كذبوا " على المعلوم، فيكون بيانا " لحاصل المعنى، لكنه بعيد.

وأما ما ذكره عليه السلام في قوله تعالى: " ليغفر لك الله " فالظاهر أن الغفر فيه بمعنى الستر كما هو معناه في أصل اللغة، وسيأتي الكلام فيه وفي غيره في مواضعها مفصلا " إن شاء الله تعالى، وسيجئ بعض أخبار هذا الباب في ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام، وسيجئ خبر آدم وأنه وهب عمره لداود في خبر الثمالي، ويدل على جواز السهو على بعض الأنبياء عليهم السلام وسنتكلم عليه.

9 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وكلهم الله إلى أنفسهم فظنوا أن الشيطان قد تمثل لهم في صورة الملائكة.

بيان: لعل هذا الخبر محمول على التقية كما عرفت، أو المراد بالظن محض خطور البال، أو المراد أن النصر تأخر عنهم حتى كان مظنة أن يتوهموا ذلك، وإرجاع الضمير المنصوب في " وكلهم " والمرفوع في " فظنوا " إلى الأمم بعيد جدا ".

10 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال في إبراهيم عليه السلام إذ رأى كوكبا " قال: إنما كان طالبا " لربه ولم يبلغ كفرا " وإنه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته.

11 - تفسير العياشي: عن أبان بن عثمان، عمن ذكره عنهم أنه كان من حديث إبراهيم عليه السلام أنه ولد ولد في زمان نمرود بن كنعان، وكان قد ملك الأرض أربعة: مؤمنان و كافران: سليمان بن داود وذو القرنين، ونمرود بن كنعان وبخت نصر، وإنه قيل لنمرود:

إنه يولد العام غلام يكون هلاكك وهلاك دينك وهلاك أصنامك على يديه، وإنه وضع القوابل على النساء وأمر أن لا يولد هذه السنة ذكر إلا قتلوه، وإن إبراهيم عليه السلام حملته أمه في ظهرها ولم يحمله في بطنها، وإنه لما وضعته أدخلته سربا " ووضعت عليه غطاء "، إنه كان يشب شبا " لا يشبه الصبيان وكانت تعاهده، فخرج إبراهيم عليه السلام من السرب فرأى الزهرة فلم ير كوكبا " أحسن منها، فقال: " هذا ربي " فلم يلبث أن طلع القمر فلما رآه قال: هذا أعظم " هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين " فلما رأى النهار وطلعت الشمس " قال هذا ربي هذا أكبر " مما رأيت " فلما أفلت قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا " مسلما " وما أنا من المشركين ".

12 - تفسير العياشي: عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم عليه السلام: " هذا ربي " وقال: إنه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال عليه السلام:

لم يكن من إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك.

13 - تفسير العياشي: عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله فيما أخبر عن إبراهيم " هذا ربي " قال: لم يبلغ به شيئا " أراد غير الذي قال. بيان: (لم يبلغ به شيئا ") أي كفرا " ولا فسقا "، بل أراد غير الذي كان ظاهر كلامه إما بأنه كان في مقام النظر والتفكر، وإنما قال ذلك على سبيل الفرض ليتفكر في أنه هل يصلح لذلك أم لا، أو قال ذلك على سبيل الإنكار، أو على سبيل الاستفهام وسيأتي تمام القول فيه.

14 - تفسير العياشي: عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:

ما يقول الناس في قول الله: " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " قلت: يقولون: إبراهيم وعد أباه ليستغفر له، قال: ليس هو هكذا، وإن إبراهيم وعده أن يسلم فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.

15 - تفسير العياشي: عن أبي إسحاق الهمداني، عن رجل قال: صلى رجل إلى جنبي فاستغفر لأبويه وكانا ماتا في الجاهلية، فقلت: تستغفر لأبويك وقد ماتا في الجاهلية؟

فقال: قد استغفر إبراهيم لأبيه، فلم أدر ما أرد عليه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله، فأنزل الله " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه " قال: لما مات تبين أنه عدو لله فلم يستغفر له. بيان: قال الشيخ الطبرسي رضي الله عنه: أي لم يكن استغفاره له إلا صادرا " عن موعدة وعدها إياه، واختلف في صاحب هذه الموعدة هل هو إبراهيم أو أبوه، فقيل: إن الموعدة كانت من الأب وعد إبراهيم أنه يؤمن إن يستغفر له فاستغفر له لذلك، فلما تبين له أنه عدو لله ولا يفي بما وعد تبرأ منه وترك الدعاء له، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أنهم قالوا: إنما تبين عداوته لما مات على كفره. وقيل: إن الموعدة كانت من إبراهيم قال لأبيه: إني لأستغفر لك ما دمت حيا "، وكان يستغفر له مقيدا "

بشرط الإيمان، فلما آيس من إيمانه تبرأ منه، وهذا يوافق قراءة الحسن " إلا عن موعدة وعدها أباه " بالباء، ويقويه قوله: " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ".

16 - تفسير العياشي: عن سلمان بن عبد الله الطلحي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما حال بني يعقوب فهل خرجوا من الإيمان؟ قال: نعم، قلت له: فما تقول في آدم؟ قال:

دع آدم. بيان: أقول: لما أوردنا بعض الأخبار الدالة على عصمة الأنبياء المتضمنة لتأويل ما يوهم صدور الذنب والخطاء عنهم فلنتكلم عليها جملة إذ تفصيل القول في ذلك يوجب الإطناب يكثر حجم الكتاب:

اعلم أن الاختلاف الواقع في هذا الباب بين علماء الفريقين يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها ما يقع في باب العقائد. وثانيها ما يقع في التبليغ. وثالثها ما يقع في الأحكام والفتيا. و رابعها في أفعالهم وسيرهم عليهم السلام، وأما الكفر والضلال في الاعتقاد فقد أجمعت الأمة على عصمتهم عنهما قبل النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل يحكى عنهم أنهم قالوا: يجوز أن يبعث الله نبيا " علم أنه يكفر بعد نبوته!.

وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق بالتبليغ فقد اتفقت الأمة بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمدا " و سهوا " إلا القاضي أبو بكر فإنه جوز ما كان من ذلك على سبيل النسيان وفلتات

اللسان. وأما النوع الثالث وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطاؤهم فيه عمدا " وسهوا " إلا شرذمة قليلة من العامة. وأما النوع الرابع وهو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:

الأول: مذهب أصحابنا الإمامية وهو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة " ولا كبيرة " ولا عمدا " ولا نسيانا " ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله، فإنهما جوزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان، وكذا القول في الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

الثاني: أنه لا يجوز عليهم الكبائر ويجوز عليهم الصغائر إلا الصغائر الخسيسة المنفرة، كسرقة حبة أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضعة، وهذا قول أكثر المعتزلة.

الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو، وهو قول أبي علي الجبائي.

الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطاء، لكنهم مأخوذون بما يقع منهم سهوا " وإن كان موضوعا " عن أممهم لقوة معرفتهم وعلو رتبتهم وكثرة دلائلهم وإنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم، وهو قول النظام وجعفر بن مبشر ومن تبعهما.

الخامس: أنه يجوز عليهم الكبائر والصغائر عمدا " وسهوا " وخطا، وهو قول الحشوية وكثير من أصحاب الحديث من العامة.

ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقول:

الأول: أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية.

الثاني: أنه من حين بلوغهم، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو مذهب كثير من المعتزلة.

الثالث: أنه وقت النبوة، وأما قبله فيجوز صدور المعصية عنهم، وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي وبه قال أبو هذيل وأبو علي الجبائي من المعتزلة.

إذا عرفت هذا فاعلم أن العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول أئمتنا سلام الله عليهم بذلك المعلوم لنا قطعا " بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم، مع تأيده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الإمامية.

وقد استدل عليه أصحابنا بالدلائل العقلية، وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجة، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليراجع إلى كتاب الشافي وتنزيه الأنبياء و غيرهما من كتب أصحابنا، والجواب مجملا " عما استدل به المخطؤون من إطلاق لفظ العصيان والذنب فيما صدر عن آدم عليه السلام هو أنه لما قال الدليل على عصمتهم نحمل هذه الألفاظ على ترك المستحب والأولى، أو فعل المكروه مجازا "، والنكتة فيه كون ترك الأولى ومخالفة الأمر الندبي وارتكاب النهي التنزيهي منهم مما يعظم موقعه لعلو درجتهم وارتفاع شأنهم، ولنذكر بعض ما احتج به المنزهون من الفريقين على سبيل الإجمال، ولهم في ذلك مسالك:

الأول: ما أورده السيد المرتضى قدس الله سره في كتاب تنزيه الأنبياء حيث قال: اعلم أن جميع ما ننزه الأنبياء عليهم السلام عنه ونمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة، وتفسير هذه الجملة أن العلم المعجز إذا كان واقعا " موقع التصديق لمدعي النبوة والرسالة وجاريا " مجرى قوله تعالى له: صدقت في أنك رسولي ومؤد عني فلابد من أن يكون هذا المعجز مانعا " من كذبه على الله تعالى فيما يؤديه، لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب، لأن تصديق الكذاب قبيح كما أن الكذب قبيح، فأما الكذب في غير ما يؤديه وسائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها من حيث كان دالا

على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه وقبوله منه لأن الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام وتصديقهم بالأعلام المعجزة هو أن يمتثل بما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول وأثر فيهما يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا : إنه يدل على نفي الكذب والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الأول يدل بنفسه.

فإن قيل: لم يبق إلا أن يدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول والامتثال قلنا: لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله واستماع وعظه سكونها إلى من نجوز عليه شيئا " من ذلك، وهذا هو معنى قولنا: إن وقوع الكبائر ينفر عن القبول والمرجع فيما ينفر ولا ينفر إلى العادات واعتبار ما يقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والمقائيس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، وإنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، وإن حظ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظ السخف والمجون والخلاعة لم ينقص منه.

فإن قيل: أليس قد جوز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرائع، وهذا ينقض قولكم: إن الكبائر منفرة؟ قلنا: هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه، لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق وأن لا يقع امتثال الأمر جملة، وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا نجوز ذلك عليه، وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول، كما أنا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول، وقد يقرب من الشئ ما لا يحصل الشئ عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده.

ألا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه منفر في العادة

عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول، ولا يخرجه من أن يكون منفرا "، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه، ولا يخرجه من أن يكون مقربا "، فدل على أن المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه، دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه.

فإن قيل: فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير؟ قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنا نعلم أن من نجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منه وخرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا نجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا كحال من لم يعهد منه إلا النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون و النفور، ولهذا كثيرا " ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها، ويجعلون ذلك عيبا " ونقصا " وقادحا " ومؤثرا "، وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا " عن تجويزها في حال النبوة وناقصا " عن رتبته في باب التنفير وجب أن لا يكون فيه شئ من التنفير، لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أن كثير السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيه منفر لا محالة، وإن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا "، وإن فارق الأول في قوة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الأول من أن يكون منفرا " في نفسه.

فإن قيل: فمن أين أن الصغائر لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام في حال النبوة وقبلها؟

قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالين عند التأمل لأنا كما نعلم أن من نجوز كونه فاعلا " لكبيرة متقدمة قد تاب منها وأقلع عنها ولم يبق معه شئ من استحقاق عقابها وذمها لا يكون سكوننا إليه سكوننا إلى من لا نجوز ذلك

عليه، فكذلك أن من نجوز عليه من الأنبياء عليهم السلام أن يكون مقدما " على القبائح مرتكبا " للمعاصي في حال نبوته أو قبلها وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه سكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شئ منها. انتهى ما أردنا إيراده من كلامه قدس الله روحه. أقول: لا يخفى عليك أن من جوز صدور الصغائر عن الأنبياء ولو نفى صدور الخسيسة منها يلزمه تجويز أكثر الذنوب وعظائمها عليهم، بل لا فرق كثيرا " بينه وبين من يجوز جميعها، إذ الكبائر على ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله سبع، ورووا عن ابن عمر أنه زاد فيها اثنتين، وعن ابن مسعود أنه زاد على قول ابن عمر ثلاثة، ولا شك أن كثيرا " من عظائم الذنوب التي سوى ما ذكروه ليست من الصغائر الخسيسة كسرقة درهم، و التطفيف بحبة، فيلزمهم تجويز ما لم يكن من الصنفين المذكورين كالاشتغال بأنواع المعازف والملاهي وترك الصلاة وأصناف المعاصي التي تقارفها ملوك الجور على رؤوس الأشهاد وفي الخلوات، فهؤلاء أيضا مخطؤون للأنبياء ولكن في لباس التنزيه، ولا يرتاب عاقل في أن من هذا شأنه لا يصلح لرئاسة الدين والدنيا، وأن النفوس تتنفر عنه، بل لا يجوز أحد أن يكون مثله صالحا " لان يكون واعظا " وهاديا " للخلق في أدنى قرية، فكيف يجوز أن يكون ممن قال تعالى فيهم: " الله يصطفي من الملائكة رسلا " ومن الناس " و إذا ثبت بطلان هذا النوع من التنزيه أمكن التمسك في إثبات ما ذهب إليه أصحابنا من تنزههم صلوات الله عليهم عن كل منقصة ولو على سبيل السهو والنسيان من حين الولادة إلى الوفاة بالاجماع المركب، ولا يضر خروج شاذ من المعروفين من أصحابنا بعد تحقيق الإجماع.

الثاني أنه لو صدر عن النبي ذنب لزم اجتماع الضدين وهما وجوب متابعته و مخالفته، أما الأول فللإجماع ولقوله تعالى: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " وإذا ثبت في حق نبينا صلى الله عليه وآله ثبت في حق باقي الأنبياء عليهم السلام، لعدم

القائل بالفرق، أما الثاني فلأن متابعة المذنب حرام.

الثالث: أنه لو صدر عنه ذنب لوجب منعه وزجره والإنكار عليه لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه حرام لاستلزام إيذائه المحرم بالإجماع، ولقوله تعالى: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ". الرابع: أنه لو أقدم على الفسق لزم أن يكون مردود الشهادة لقوله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " وللإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق، فيلزم أن يكون أدون حالا " من آحاد الأمة، مع أن شهادته تقبل في الدين القويم، وهو شاهد على الكل يوم القيامة، قال الله تعالى: " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " ". الخامس: أنه يلزم أن يكونوا أقل درجة من عصاة الأمة، فإن درجاتهم في غاية الرفعة والجلالة، ونعم الله سبحانه بالاصطفاء على الناس وجعلهم امناء على وحيه وخلفاء في عباده وبلاده وغير ذلك عليهم أتم وأبلغ، فارتكابهم المعاصي والإعراض عن أوامر ربهم ونواهيه للذة فانية أفحش وأشنع من عصيان هؤلاء، ولا يلتزمه عاقل.

السادس: أنه يلزم استحقاقه العذاب واللعن واستيجابه التوبيخ واللوم لعموم قوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا " خالدا " فيها وله عذاب مهين " وقوله تعالى: " ألا لعنة الله على الظالمين " وهو باطل بالضرورة والإجماع.

السابع: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، فهم لو لم يطيعوا لدخلوا تحت قوله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " واللازم باطل بالاجماع، ولكونه من أعظم المنفرات، فإن كل واعظ لم يعمل بما يعظ الناس به لا يرغب الناس في الاستماع منه وحضور مجلسه ولا يعبؤون بقوله.

الثامن: أنه تعالى حكى عن إبليس قوله: " فبعزتك لا غوينهم أجمعين * إلا

عبادك منهم المخلصين " فلو عصى نبي لكان ممن أغواه الشيطان ولم يكن من المخلصين، مع أن الأنبياء من المخلصين للإجماع ولأنه تعالى قال: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب اولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار " وإذا ثبت وجوب العصمة في البعض ثبت في الكل لعدم القائل بالفرق.

التاسع: أنه يلزم أن يكون من حزب الشيطان وقال الله تعالى: " ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون " ولا يقول به إلا الخاسرون.

العاشر: أن الرسول أفضل من الملك لقوله تعالى: " إن الله اصطفى آدم نوحا " و آل إبراهيم وآل عمران على العالمين " وأفضلية البعض يدل على أفضلية الكل للإجماع المركب، ولو صدرت المعصية عنه لأمتنع كونه أفضل لقوله تعالى: " أم نجعل المتقين كالفجار ".

الحادي عشر: النبي لو كان غاصبا " لكان من الظالمين، وقد قال الله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " قال الرازي في تفسيره: المراد بهذا العهد إما عهد النبوة، أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان المراد عهد الإمامة فكذلك، لان كل نبي لابد أن يكون إماما يؤتم به ويقتدى به، فالآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنبا ".

الثاني عشر: أنه تعالى قال: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا " من المؤمنين " والأنبياء من ذلك الفريق بالاتفاق. وقد ذكروا وجوها " اخر وفيما ذكرناه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأما الجواب عن حجج المخطئة فسنذكر في كل باب ما يناسبه إن شاء الله تعالى.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.