بحارالانوار · المجلد التاسع عشر
باب آخر في مقالهم والكلام عليها في مقالات من يقول بصحة النبوة منهم على الظاهر ومن لا يقول، والكلام عليها، ومن الفلاسفة من يقال لمحاصلة أهل الاسلام أن الطريق إلى
ج ۸۹، ص ۱۶۸–۱۷۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
باب آخر في مقالهم والكلام عليها في مقالات من يقول بصحة النبوة منهم على الظاهر ومن لا يقول، والكلام عليها، ومن الفلاسفة من يقال لمحاصلة أهل الاسلام أن الطريق إلى معرفة صدق المدعي للنبوة هو أن يعلم أن ما أتى به مطابق لما
يصلحون به في دنياهم، ولأغراضهم التي بسببها يحتاجون إلى النبي صلى الله عليه وآله ولم يشترطوا ظهور معجزة عليه، وذكر بعضهم أن ظهور المعجز عليه لا يوصل إلى العلم اليقيني أنه صادق لأنه يظن في المعجز أنه سحر، وأنه حيلة نحو انشقاق القمر فأما إذا علم مطابقة ما أتى به لمصالحهم الدنياوية فهو طريق العوام والمتكلمين.
وأما العلم بمطابقة شرعه للمصالح الدنياوية فهو طريقة المحققين، وقد حكي عنهم أنهم قالوا إن صدق المدعي لصنعة من الصنايع إنما تظهر إذا أتى بتلك الصنعة التي ادعى العلم بها، ومثله على الناقل بمن ادعى حفظ القرآن ثم قرء، وادعى آخر حفظ القرآن فإذا قيل له: ما دليلك على أنك تحفظ القرآن قال دليلي أني اقلب العصا حية وأشق القمر نصفين ثم فعلهما، ومن ادعى حفظ القرآن فإذا قيل له ما دليلك على حفظك له قرأ كله فان علمنا بحفظ هذا القرآن يكون أقوى من علمنا بحفظ الثاني للقرآن، لأنه يشتبه الحال في معجزاته، فيظن أنه من باب السحر أو أنه طلسم، ولا تدخل الشبهة في حفظ القاري للقرآن.
فصل: فيقال لهؤلاء: وبماذا علمتم مطابقة ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من الشرايع للمصالح، ونعرض الكلام في شريعة نبينا عليه السلام لأنكم ونحن نصدقه في النبوة وصحة شرعه، بطريقة عقلية علمتم المطابقة أم بطريقه سمعية؟
فان قالوا: بطريقة عقلية قيل لهم إن من جملة ما أتى به من الشرائع وجوب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، ووجوب أفعال الحج فما تلك الطريقة التي علمتم بها بمطابقتها للمصلحة أظفرتم بجهة وجوب لها في العقل وحكمتم لذلك بوجوبها أم ظفرتم بحكم في العقل يدل على وجوبها نحو أن تقول علمنا من جهة العقل أن من لم يصل هذه الصلوات بشروطها في أوقاتها فإنه يستحق الذم من العقلاء، كما يستحق الذم من لم يرد الوديعة على صاحبها، بعد ما طولب بردها ولا عذر له في الامتناع عن ذلك.
والقول به باطل لأنا لا نجد في عقول العقلاء العلم بجهة وجوب شهر رمضان دون العيدين وأيام التشريق على وجه لا يجوز ولا لصلاة الظهر على شروطها بعد الزوال جهة
يقتضي وجوبها في ذلك الوقت دون ما قبله، وقد قالوا إن في أفعال الحج مثل أفعال المجانين، وقالوا في وجوب غسل الجنابة أنه مشقة وشبهوه بمن نجس طرف من أطراف ثوبه فوجب غسل كله فإنه يعد سفها.
وقالوا في المحرمات الشرعية كشرب الخمر أو الزناء أنه ظلم، إلى غير ذلك مما يقوله القائلون بالإباحة وغيرها، كيف يمكن أن يدعى أن يمكن الوصول إلى معرفة وجوبها أو قبحها بطريقة عقلية، فلا يمكن أن يعرف تلك المصالح بقول النبي إلا بعد العلم بصدقه من جهة المعجز، فصح أنه لا طريق إلى العلم بذلك إلا من جهة المعجز.
فصل: وأما تشبيههم ذلك بمن ادعى حفظ القرآن أو صنعة من الصنايع الدنيوية إذا أتى بها على الوجه الذي حفظ غيره أو علم تلك الصناعة، فليس بنظير مسئلتنا لان ذلك من جملة المعرفة بالمشاهدات، لان بالمشاهدة تعلم الصنعة بعد وقوعها على ترتيب وإحكام، ومطابقته لما سبق من العلم بذلك الصنعة، والحفظ لذلك المقروى، وليس كذلك ما أتى به النبي لأنه لا طريق إلى المعرفة بكونه مصلحة في أوقاتها، دون ما قبلها وما بعدها، وفي مكان دون مكان، وعلى شرائطها دون تلك الشرايط لا بمشاهدة ولا طريقة عقلية، ألا ترى أن المخالفين من القائلين بالمعقولات المنكرين للنبوات والشرائع، لما لم ينظروا في الطريقة التي سلكها المسلمون، في تصديق الرسل، من النظر في المعجزات، دفعوا النبوة والقول بالشرائع، لما لم يجدوا طريقة عقلية إلى معرفة شرائعهم، ومطابقتها للمصالح الدنياوية.
فصل: وقولهم: المعرفة بصدقهم من جهة المعجزات معرفة غير يقينية لأنه يجوز أن يكون فيها من باب السحر، فيقال لهم: جوزتم في المعجزات أن يكون من باب السحر، ولا يحصل لكم العلم اليقيني بصدق النبي، فجوزوا فيمن قرأ القرآن أنه ساحر، وفي كل صنعة من الصنائع أن صانعها ساحر لا يحكمها.
لكنه يرى السحرة أنه أحكمها، وفي ذلك سد الطريق عليكم إلى معرفة صدق
النبي، وهذا لا يستقيم على أصولكم، لأنكم تقولون بصحة السحر و أن الساحر بفضل علومه يتمكن من إحداث ما لا يقدر عليه بشر مثله، وقلتم إن هذا السحر هو علم قد كان ثم انقطع باحراق المسلمين كتب الأكاسرة التي صنفها الفلاسفة في علم السحر، فمن يقول منكم بصحة النبوة هو أولى بأن يقول: إن الساحر نبي من الأنبياء.
على أن قوله: من بلغ في علومه إلى أن يتمكن مما لا يتمكن عنه بشر مثله فإنه يتمكن بفضل علومه أن يضع شرائع وسننا مطابقة لمصالح الناس يصلح بها دنياهم إذا قبلوا منهم، فعلى هذا إذا أتى النبي بمعجز وجب القول بصدقه، وحصول اليقين بنبوته.
فصل: قالوا علمنا بهذه الشرعيات، واستعلمنا هذه العبادات، فوجدناها راجعة إلى رياضة النفس، والتنزه عن رذايل الأخلاق، وداعية إلى محاسنها.
وإلى هذا أشار بعضهم فقال: إذا فهمت معنى النبوة فأكثر النظر في القرآن والاخبار يحصل لك العلم الضروري بكون محمد على أعلى درجات النبوة واعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات، وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق فيما قال: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وفي قوله: من أعان ظالما سلطه الله عليه، وفي قوله: ن أصبح وهمه هم واحد كفاه الله هموم الدنيا والآخرة قالوا: إذا جربت هذا في ألف وآلاف حصل لك علم ضروري لا يتمارى فيه، فمن هذا الطريق يطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا حية، وشق القمر، هذا هو الايمان القوى العلمي والذي كالمشاهدة والاخذ تأكيد ولا يوجد إلا في طريق التصوف.
فصل: فيقال لهم إن من اعتقد في طريقة أنها حق ودين وزهد في الدنيا، ورغبة في الآخرة، وراض نفسه وسلك الطريق واستعمل نفسه بما يعتقده عبادات في ذلك التدين، فإنه يجد لنفسه تميزا ممن ليس في حاله من الاجتهاد
في ذلك التدين وعباداته واعتقاده في حقيقة ذلك التدين حقا كان ذلك أو باطلا فرهبان النصارى وأحبار اليهود يجتهدون في كفرهم الذي يعتقدونه حقا فيجدون لأنفسهم تمييزا على عوامهم ومتبعيهم، ويدعون لأنفسهم صفاء القلوب والنسك والزهد في الدنيا، وكذا عباد الأوثان إذا اجتهدوا في عباداتها، فإنهم يجدون أنفسهم خائفة مستحية من أوثانهم إذا تقدموا على ما يعتقدونه معصية لها.
ولهذا حكي عن الصابئين المعتقدين عبادة النجوم لاعتقادهم أنها المدبرة للعالم أنهم نحتوا على صورها أصناما ليعبدونها بالنهار، إذا خفيت تلك النجوم، ويستقبحون أن يقدموا على رذايل الافعال، ولم يزل ما يجدونه في أنفسهم على ما ذهبوا إليه في تدينهم أنه حق، وكذا ما ذكر هؤلاء من العمل بشرايع نبينا لاعتقادهم في صدقه من دون نظر في معجزاته.
فصل: قالوا: حقيقة المعجز هو أن يؤثر نفس الشئ في هيولي العالم فيغير صورة بعض إخوانه إلى صورة أخرى، بخلاف تأثيرات سائر النفوس، وإذا كان هذا هو المعجز عندهم، لزم أن يكون العلم به يقينيا وأن يعلم أن صاحب تلك النفس هو نبي، فبطل قولهم إن العلم بالمعجز غير يقيني، وأما على قول المسلمين فهذا ساقط لان للمعجز شروطا عندهم، متى عرفت كانت معجزة صحيحة دالة على صدق المدعي، منها أنها ليست من جنس السحر، لان السحر عندهم تمويه وتلبيس يري الساحر ويخفي وجه الحيلة فيه، فهو يري أنه يذبح الحيوان ثم يحييه بعد الذبح، وهو لا يذبحه بل لخفة حركات اليدين به ولا يفعله، ومن لم يعلم أن المعجزة ليست من ذلك الجنس لم يعلمها معجزة.
فصل: ثم اعلم أن بين المعجزة والمخرقة والشعوذة والحيل التي تبقى فروقا، ما يوصل إلى العلم بها بالنظر والاستدلال في ذلك إلا أن يوقف أولا على ما يصح مقدورا للبشر ومالا يصح، وأن يعلم أن العادة كيف جرت في مقدورات البشر، وعلى أي وجه يقع أفعالهم، وأن ما يصح أن يقدروا عليه من أي نوع
يجب أن يكون، وكيف يكون حالهم إذا خرجوا من القدرة عليه، وهل يصح أن يعجز البشر عما يصح أن يقدروا عليه، وينظر فيما يمكن أن يتوصل إليه بالحيلة، وخفة اليد، ويعلم ما السبب المؤدي إليه وما لا يمكن ذلك فيه.
فمن ذا أحاط علمه بهذه المقدورات عرف حينئذ ما يظهر من المعجزة عليهم فيفصل بين حالها وبين ما يجي مجرى الشعوذة والمخرقة، كالعجل الذي صاغه السامري من ذهب لبس به على الناس، فكانت له صوت وخوار، إذ احتال بادخال الريح فيه من مداخله ومجاريه، كما نقل هذه للالات التي تصوت بالحيل أو صندوق الساعات، أو طاس الفصد الذي بعلم به مقدار الدم، وإنما أضاف مقال الصوت إليه لأنه كان محله دخول الريح في جوفه.
فصل: واعلم أن الفلاسفة أخذوا أصول الاسلام ثم أخرجوها على آرائهم فقالوا في الشرع والنبي: إنما أريدا كلاهما لا صلاح الدنيا، فالأنبياء يدبرون للعوام في مصالح دنياهم، والشرعيات تهذب أخلاقهم، لا أن الشارع والدين كما يقول المسلمون، من أن النبي يراد لتعريف مصالح الدين تفصيلا، وإن الشرعيات ألطاف في التكليف العقلي، فهم يوافقون المسلمين في الظاهر، وإلا فكل ما يذهبون إليه هدم للاسلام، وإطفاء لنور شرعه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.