پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب ما يحصل من الأنواع للصلوات اليومية بحسب ما يعرض لها

ج ۸۶، ص ۱۲۱–۱۴۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۸۶

الجمعة: يا أيها الذين آمنوا أما إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين.

المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر

الله ومن يفعل ذلك فأولئك هو الخاسرون.

تفسير: قد مضت الاخبار في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة الجمعة، وأن المراد بقوله: (قوموا الله قانتين) أي في الصلاة الوسطى، وقال الراوندي رحمه الله في فقه القرآن، قالوا: نزلت هذه الآية يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر.

(يا أيها الذين آمنوا أما إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) لا ريب في نزول

هذه السورة وتلك الآيات في صلاة الجمعة وأجمع مفسروا الخاصة والعامة عليه، بمعنى تواتر ذلك عندهم، والشك فيه كالشك في نزول آية الظهار في الظهار، وغيرها من الآيات والسور التي مورد نزولها متواتر معلوم، ومدار علماء الخاصة والعامة في الاستدلال على أحكام الجمعة على هذه الآية.

وخص الخطاب بالمؤمنين تشريفا لهم، وتعظيما، ولأنهم المنتفعون به، و إيذانا بأن مقتضى الايمان العمل بفرائض الله تعالى، وعدم الاستهانة بها، وأن تاركها كأنه غير مؤمن، وفسر الأكثر النداء بالاذان.

قال في مجمع البيان 1: أي أما إذا أذن لصلاة الجمعة، وذلك أما إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه 2 ونحو ذلك قال في الكشاف، والظاهر أن المراد حضور وقت النداء كما أن في قوله ﴿أما إذا قمتم إلى الصلاة﴾ المراد إرادة القيام، ولما كان النداء شائعا في ذلك الوقت عبر عنه به، وفيه الحث على الاذان، لتأكد استحبابه لهذه الصلاة، حتى ذهب بعضهم إلى الوجوب.

واللام في قوله (للصلاة) للأجل والتوقيت، وحينئذ يدل على عدم اعتبار الاذان قبل وقت الصلاة في ذلك، و (من) بيانية ومفسره لاذا، أو بمعنى (في) أو للتبعيض، والجمعة بضم الميم والسكون لغتان اليوم المعهود وإنما سمي به لاجتماع الناس فيه للصلاة وقيل: لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: أول من سماه به كعب بن لؤي، وكان يقال له العروبة.

(فاسعوا إلى ذكر الله) الظاهر أن التعبير بهذه العبارة لتأكيد الامر و

المبالغة في الاتيان به، وعدم المساهلة فيه، كما أنه أما إذا قال المولى لعبده: امض إلى فلان يفهم منه الوجوب، وإذا قال اسع وعجل واهتم، كان آكد من الأول، و أدل على الوجوب، قال في مجمع البيان: أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متشاغلين عن قتادة وابن زيد والضحاك، وقال الزجاج: فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع وقرأ عبد الله بن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) وروي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعمرو أبي وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال ابن مسعود : لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي، وقال الحسن:

ما هو السعي على الاقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع 1.

وكل ذلك مما يؤكد الوجوب، فان المراد به شدة العزم والاهتمام، و إخلاص النية فيه، فإنه أقرب المجازات إلى السعي بالاقدام، بل هو مجاز شايع يعادل الحقيقة:

قال في الكشاف: قيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: (ولما بلغ معه السعي) ﴿وأن ليس للانسان إلا ما سعى﴾

انتهى، وعليه ينبغي حمل ما رواه الراوندي وغيره عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال:

السعي قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والغسل، والتطيب، ليوم الجمعة، ولبس أفضل الثياب والذكر فالمعنى اهتموا وعجلوا الفراغ من الآداب والمستحبات لادراك الجمعة، كل ذلك لا ينافي فهم الوجوب من الامر، بل هي مؤكدة له كما لا يخفى على العارف بقوانين البلاغة.

وقال الراوندي: المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله والمواعظ، و قيل: المراد الصلاة انتهى، وإنما جعل الذكر مكان الضمير إيذانا بأن الصلاة متضمنة

لذكره تعالى، ولذا يجب السعي إليها، وأن الصلاة الكاملة هي التي تتضمن ذكر الله وحضور القلب، وقيل: المراد هما جميعا ولعله أظهر.

(وذروا البيع) أي اتركوه ودعوه (ذلكم) أي ما أمرتم به من السعي و ترك البيع (خير لكم) وأنفع عاقبة (إن كنتم تعلمون) الخير والشر، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز.

(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) أي أما إذا صليتم الجمعة وفرغتم منها فتفرقوا في الأرض (وابتغوا من فضل الله) قيل: أي واطلبوا الرزق في الشراء و البيع، فأطلق لهم ما حرم عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح والنفع من فضل الله ورحمته، مشيرا إلى أن الطالب ينبغي أن لا يعتمد على سعيه وكده، بل على فضل الله ورحمته وتوفيقه وتيسيره طالبا ذلك من ربه.

قال في مجمع البيان: هذا إباحة وليس بأمر إيجاب ، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في قوله (فانتشروا) الآية ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وقيل: المراد به طلب العلم.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت.

وروى عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله، ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحي في طلب الحلال، أما تسمع قول الله عز وجل (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: رزقي ينزل على، أكان يكون هذا؟ أما إنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم.

قال: قلت: من هؤلاء الثلاثة؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له، لان عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها [لخلى سبيلها] والرجل يكون له الحق على الرجل، فلا يشهد عليه، فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستجاب له، لأنه ترك ما امر به، والرجل يكون عنده الشئ فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له.

(واذكروا الله كثيرا) قال الطبرسي - ره - أي اذكروه على إحسانه إليكم واشكروه على نعمه، وعلى ما وفقكم من طاعته، وأداء فرضه، وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال: تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وقيل: معناه اذكروا الله في تجاراتكم وأسواقكم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه، كتب له ألف حسنة، ويغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم يخطر على قلب شر انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد به اذكروا الله في الطلب، فراعوا أوامره ونواهيه فلا تطلبوا إلا ما يحل من حيث يحل، والأعم أظهر، والحاصل أنه تعالى وصاهم بأن لا يشغلهم التجارة عن ذكره سبحانه كما قال الله تعالى (رجال لا تلهيهم

تجارة ولا بيع عن ذكر الله) ويكونوا في أثناء التجارة مشغولين بذكره، مراعين أو امره ونواهيه.

(لعلكم تفلحون) قال الطبرسي ره: أي لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم، علق سبحانه الفلاح بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة وغيرها، وصح الحديث عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس صالح ثيابه، ومس من طيب بيته أو دهنه، ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام بعدها، وروى سليمان التميمي، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل في كل جمعة ست مائة ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجب النار.

قال: ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بألام اللؤم، فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا) أي عاينوا ذلك، وقيل معناه أما إذا علموا بيعا أو شراء أو لهوا

وهو الطبل عن مجاهد، وقيل: المزامير عن جابر (انفضوا إليها) أي تفرقوا عنك خارجين إليها، وقيل: مالوا إليها.

والضمير للتجارة، وإنما خصت برد الضمير إليها، لأنها كانت أهم إليهم وهم بها أسر من الطبل، لان الطبل إنما دلت على التجارة عن الفراء، وقيل: عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به، وكأنه على حذف، والمعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف إليه، لان إليها تدل عليه.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: انصرفوا إليها وتركوك قائما تخطب على المنبر، قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله خطب إلا وهو قائم، فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه.

وسئل ابن مسعود، أكان النبي صلى الله عليه وآله يخطب قائما؟ فقال: أما تقرء (وتركوك

قائما) وقيل: أراد قائما في الصلاة.

ثم قال تعالى (قل) يا محمد لهم (ما عند الله) من الثواب على الخطبة وحضور الموعظة والصلاة، والثبات مع النبي صلى الله عليه وآله (خير) وأحمد عاقبة وأنفع (من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) يرزقكم وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة.

وقال - ره - في سبب نزول الآية: قال جابر بن عبد الله: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم، فنزلت.

وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا رهط فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا.

وقال المقاتلان: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة وكلان أما إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أوبر أو غيره، وينزل عند أحجار الزيت، و هو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه.

فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة. فقال صلى الله عليه وآله:

لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، وأنزل الله هذه الآية.

وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس، وقيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان، وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل انتهى.

* (تذييل) * اعلم أن الله سبحانه أكد في هذه السورة الشريفة للامر الذي نزلت فيه - وهو وجوب صلاة الجمعة - تقدمة وتذييلا - أنواعا من التأكيد، لم يأت بها في شئ من العبادات ، فيدل على أنه آكدها وأفضلها عنده، وأحبها إليه، وذلك من وجوه:

أولها إنزال سورة مخصوصة لذلك، ولم ينزل في غيره سورة.

الثاني: أنه قدم قبل الآية المسوقة لذلك آيات كلها معدات لقبولها، و الاتيان بها، حيث افتتح السورة بأن جميع ما في السماوات والأرض تسبح له فينبغي للانسان الذي هو أشرف المخلوقات أن لا يقصر عنها، بل يكون تنزيهه له سبحانه وطاعته له أكثر منها.

ثم وصف سبحانه نفسه بأنه ملك العالم، ويجب على جميع الخلق طاعته، ثم بأنه القدوس المنزه عن الظلم والعبث، بل إنما كلفهم بالطاعات لأعظم المصالح ولوصولهم إلى درجات السعادات.

ثم هددهم بأنه عزيز غالب قادر مع مخالفتهم على عقوبتهم في الدنيا والآخرة وأنه حكيم لا يفعل شيئا ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، فلا ينبغي أن يتجاوز عن مقتضى أمره ونهيه.

ثم ذكر امتنانه على عباده بأنه بعث في قوم أميين عارين عن العلوم والمعارف رسولا منهم، ليكون أدعى لهم إلى قبول قوله، يتلو عليهم آياته المشتملة على مصالحهم ويطهرهم من الصفات الذميمة والنقائص والجهالات، ويعلمهم الكتاب والحكمة ولقد كانوا من قبله لفي ضلال مبين عن الملة والشريعة فلا بدلهم من قبول قوله في كل ما يأمرهم به، ومنها هذه الصلاة.

ثم بين أن شريعة هذا النبي وأحكامه لا تختص بقوم، ولا بالموجودين في زمانه، بل شريعته باقية، وحلال حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ردا على من يزعم أن الخطاب مخصوص بالموجودين فقال (وآخرين منهم) أي ويعلم آخرين من المؤمنين (لما يلحقوا بهم) وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة.

ثم هدد وحث بوصف نفسه سبحانه مرة أخرى بالعزيز الحكيم، ثم عظم شأن النبوة لئلا يجوزوا مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به من الشرايع، ثم ذم الحاملين للتوراة، العالمين غير العاملين به، تعريضا لعلماء السوء مطلقا، بأنهم لعدم عملهم بعلمهم كالحمار يحمل أسفارا.

ثم أوعدهم بالموت الذي لابد من لقائه، وبما يتبعه من العذاب والعقاب، و نبههم على أن ولاية الله لا تنال إلا بالعمل بأوامره سبحانه، واجتناب مساخطه وليس ذلك بالعلم فقط، ولا بمحض الدعوى.

ثم لما مهد جميع ذلك، خاطبهم بما هو المقصود من السورة أحسن خطاب وألطفه.

الثالث: أنه سبحانه أكد في نفس الآية المنزلة لذلك ضروبا من التأكيد:

الأول: إقباله تبارك وتعالى إليهم بالخطاب، تنشيطا للمكلفين وجبرا لكلفة التكليف بلذة المخاطبة.

الثاني أنه ناداهم بياء الموضوعة لنداء البعيد، تعظيما لشأن المنادى له، و تنبيها على أنه من العظم والجلالة بحيث المخاطب في غفلة منه وبعد عنه، وإن كان

في نهاية التيقظ والتذكر له.

الثالث أنه أطنب الكلام تعظيما لشأن ما فيه الكلام، وإيماء إلى أنه من الشرافة والكرامة بحيث يتلذذ المتكلم بما تك لم فيه كما يتلذذ بذكر المحبوبين، و وصفهم بصفاتهم والاطناب في أحوالهم.

والرابع أنه أجمل أولا المنادى، حيث عبر بأي العامة لكل شئ تخييلا لان هذا الامر لعظم شأنه مما لا يمكن المتكلم أن يعلم أول الأمر وبادئ الرأي أنه بمن يليق، ومن يكون له؟ حتى أما إذا تفكر وتدبر علم من يصلح له ويليق به.

الخامس أنه أتى بكلمة ها التي للتنبيه لمثل ما قلناه في يا.

السادس أنه عبر عنهم بصيغة الغائب، تنبيها على بعدهم لمثل ما قلناه في يا.

السابع أنه طول في اسمهم ليحصل لهم التنبيه الكامل، فإنهم في أول النداء يأخذون في التنبه، فكلما طال النداء واسم المنادي ازداد تنبههم.

الثامن أنه خص المؤمنين بالنداء مع أن غيرهم مكلفون بالشرايع، تنبيها على أن الامر من عظمه بحيث لا يليق به إلا المؤمنون.

التاسع أنه عظم المخاطبين به بذكر اسمهم ثلاث مرات من الاجمال والتفصيل، فان (أيها) مجمل و (الذين) مفصل بالنسبة إليه ثم الصلة تفصيل للموصول.

العاشر أنه عظمهم بصيغة الغيبة.

الحادي عشر أنه خص المعرفة بالنداء تنبيها على أنه لا يليق بالخطاب إلا رجال معهودون معروفون بالايمان.

الثاني عشر أنه علق الحكم على وصف الايمان تنبيها علي عليه له واقتضائه إياه.

الثالث عشر أنه أمرهم بالسعي الذي هو الاسراع بالمشي إما حقيقة أو مجازا كما مر والثاني أبلغ.

الرابع عشر أنه رتبه على الشرط بالفاء الدالة على عدم التراخي.

الخامس عشر أنه عبر عنها بذكر الله، فوضع الظاهر موضع الضمير إن فسر بالصلاة للدلالة على أنها ذكر الله، فمن تركها كان ناسيا لذكر الله، غافلا عنه، وإن فسر بالخطبة أيضا يجرى فيه مثله.

السادس عشر تعقيبه بالامر بترك ما يشغل عنه من البيع.

السابع عشر تعقيبه بقوله: (ذلكم خير لكم) وهو يتضمن وجوها من التأكيد الأول نفس تعقيب هذا الكلام لسابقه، والثاني الإشارة بصيغة البعيد المتضمن لتعظيم المشار إليه، والثالث تنكير (خير) إن لم نجعله اسم تفضيل لأنه أيضا للتعظيم.

الثامن عشر تعقيبه بقوله: (إن كنتم تعلمون) وهو يتضمن التأكيد من وجوه:

الأول نفس هذا الكلام فان العرف يشهد بأنه يذكر في الأمور العظام المرغب فيها (إن كنت تعلم ما فيه من الخير لفعلته).

الثاني الدلالة على أن من توانى فيه فإنما هو لجهله بما فيه من الفضل، ففيه تنزيل لبعض العالمين منزلة الجاهلين، ودلالة على أنه لا يمكن أن يصدر الترك أو التواني فيه من أحد إلا عن جهل بما فيه.

والثالث أنه ترك الجزاء ليذهب الوهم كل مذهب ممكن، وهو نهاية في المبالغة.

والرابع أنه ترك مفعول العلم فاما أن يكون لتنزيله منزلة اللازم فيدل على أنه يكفي في الرغبة والمسارعة إليه وترك ما يشغل عنه الاتصاف بمجرد العلم، و الكون من أهله، أو ترك إبهاما له لتعظيمه، وليذهب الوهم كل مذهب ممكن، فيكون المفهوم أن كل من علم شيئا من الأشياء أسرع إليها، لان فضلها من البديهيات التي ليس شئ أجلى منها.

الرابع: ما أكد الحكم به بعد هذه الآية وهو أيضا من وجوه:

الأول قوله: (فإذا قضيت الصلاة) فإنه بناء على كون الامر للإباحة كما هو الأشهر والأظهر هنا، دل بمفهوم الشرط على عدم إباحة الانتشار قبل الصلاة.

الثاني أن أصل هذا الكلام نوع تأكيد للحكم بإزاحة علتهم في ذلك، أي إن كان غرضكم التجارة فهو ميسور ومقدور بعد الصلاة، فلم تتركون الصلاة لذلك.

الثالث تعليق الفلاح بما مر كما مر.

الرابع الاتيان به بلفظ الترجي ليعلموا أن تحصيل الفلاح أمر عظيم لا يمكن الجزم بحصوله بقليل من الاعمال، ولامع عدم حصول شرايط القبول، فيكون أحث لهم على العمل ورعاية شرايطه.

الخامس لومهم على ترك الصلاة والتوجه إلى التجارة واللهو أشد لوم.

السادس بيان المثوبات المترتبة على حضور الصلاة.

السابع إجمال هذه المثوبات إيذانا بأنه لا يمكن وصفه ولا يكتنه كنهه ولا يصل عقول المخاطبين إليه.

الثامن بيان أن اللذات الأخروية ليست من جنس المستلذات الدنيوية و أنها خير منها بمراتب.

التاسع بيان أن الرازق والقادر عليه، فلا ينبغي ترك طاعته وخدمته لتحصيل الرزق، فإنه قادر على أن يحرمكم مع ترك الطاعة ويرزقكم مع فعلها.

العاشر بيان أنه خير الرازقين على سبيل التنزل، أي لو كان غيره رازق فهو خير منه، فكيف ولا رازق سواه، ويحتاج إليه كل ما عداه.

الحادي عشر تعقيب هذه السورة بسورة المنافقين إيذانا بأن تارك هذه الفضيلة من غير علة منافق، كما ورد في الأخبار الكثيرة من طرق الخاصة والعامة، وبه يظهر سر تلك الأخبار، ويشهد له الامر بقراءتهما في الجمعة، وصلوات ليلة الجمعة و يومها، وتكرر ذكر الله فيهما على وجه واحد.

وروي الكليني في الحسن كالصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله أكرم بالجمعة المؤمنين، فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة لهم، والمنافقين توبيخا للمنافقين، ولا ينبغي تركها فمن تركها متعمدا فلا صلاة له.

وبالجملة قوله سبحانه في الجمعة (فاسعوا إلى ذكر الله) وقوله (أما إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) وقوله في المنافقين (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) أي لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره سبحانه (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) حيث طلبوا تجارة الدنيا الفانية وربحها فسروا الآخرة الباقية، ذلك هو الخسران المبين، فكل ذلك مما يورث الظن القوى بأن هذه الآية أيضا مسوقة للتهديد على ترك الجمعة أو ما يشملها، ولذا أوردناها ههنا تأييدا لا استدلالا فلا تغفل.

* (تفصيل) * * " (ولنذكر الاحكام المستنبطة) " * * " (من تلك الآيات مجملا) " * الأول أن تلك الآيات تدل على وجوب صلاة الجمعة عينا في جميع الأزمان ولنذكر أولا الاختلافات الواقعة فيها، ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالآيات على ما وهو الحق عندي منها.

اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب صلاة الجمعة وجوبا عينيا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض شرايطها والكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الامام أو نائبه أم لا؟ وعلى تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب؟

فبدونها يستحب؟ وإن كان شرط الانعقاد فهل هو مخصوص بزمن حضور الامام أو عام أو أنه مخصوص بامكان الوصول بأحدهما حتى لو تعذر كفى إمام الجماعة، أو عام حتى لو تعذر لم تنعقد.

فكلام الفاضلين في التحرير والمعتبر والشهيد في الدروس والبيان صريح في أنه شرط الوجوب دون الانعقاد، وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وصريح العلامة في

غير التحرير، وظاهر ابن إدريس والمرتضى، بل كل من نسب إليه التحريم في الغيبة.

والشهيد في الذكرى والألفية، والشهيد الثاني في شرح [الألفية و] كذا الرسالة أنه شرط

الانعقاد، وكلام الشيخ في المبسوط والخلاف مضطرب، والشهيد الثاني في شرح الألفية تردد بين أن يكون شرطا للانعقاد أو للوجوب العيني.

ثم الذين شرطوا الانعقاد به، اختلفوا في أنه عام أو مخصوص بزمان الحضور أو مخصوص بامكان أحد الامرين: فصريح الشهيد الثاني في كتبه والشهيد الأول في الذكرى والعلامة في النهاية أنه مخصوص بزمان الحضور، وصريح أبي الصلاح أنه مخصوص بالامكان والمحرمون لها في الغيبة مع بعض الموجبين والمجوزين يعممون الاشتراط إلا أن الموجبين والمجوزين يعدون الفقيه من نواب الامام، وبعضهم وافق ظاهر الشيخ في عد كل من يصلح للإمامة من نوابه.

فقد تحقق أن ههنا مقامات: الأول هل الامام أو نائبه شرط أم لا؟

والثاني شرط لأي شئ؟ فيه خمسة أقوال الأول شرط الوجوب، والثاني شرط الوجوب العيني، والثالث شرط الانعقاد مطلقا، والرابع شرط له حين حضور الامام، والخامس شرط له ما أمكن.

والثالث النائب من هو؟ فيه وجوه ثلاثة الأول من استنابه الامام بعينه، والثاني هو والفقيه، والثالث هما وكل من يصلح لامامة الجماعة.

فأما القائلون بوجوبها عينا في الغيبة فهو أبو الصلاح والمفيد في المقنعة و الاشراف والكراجكي وكثير من الأصحاب، حيث أطلقوا ولم يقيدوا الوجوب بشئ كالكليني والصدوق وساير المحدثين التابعين للنصوص الواردة عن أئمة الدين عليهم السلام أما الكليني فلانه قال:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.