پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · أبواب احتجاجات أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما صدر عنه من جوامع العلوم

باب 16 احتجاجات موسى بن جعفر عليهما السلام على

ج ۱۰، ص ۲۳۳–۲۴۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰

1 - التوحيد: أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الأشعري، عن ابن هاشم، عن محمد بن حماد، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم، عن جاثليق من جثالقة النصارى يقال له بريهة، قد مكث جاثليق في النصرانية سبعين سنة، فكان يطلب الاسلام ويطلب من يحج عليه ممن يقرء كتبه ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته، قال: وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود و المجوس حتى افتخرت به النصارى وقالت: لو لم يكن في دين النصرانية إلا بريهة لاجزأنا، وكان طالبا للحق والاسلام مع ذلك، وكانت معه امرأة تخدمه طال

مكثها معه، وكان يسر إليها ضعف النصرانية وضعف حجتها، قال: فعرفت ذلك منه، فضرب بريهة الامر ظهر البطن وأقبل يسأل عن أئمة المسلمين وعن صلحائهم وعلمائهم وأهل الحجى منهم، وكان يستقرئ فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئا، وقال: لو كانت أئمتكم أئمة على الحق لكان عندكم بعض الحق، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم.

فقال يونس بن عبد الرحمن فقال لي هشام: بينما أنا على دكاني على باب الكرخ جالس وعندي قوم يقرؤون علي القرآن فإذا أنا بفوج النصارى معه ما بين القسيسين إلى غيرهم نحو من مائة رجل عليهم السواد والبرانس، والجاثليق الأكبر فيهم بريهة، حتى نزلوا حول دكاني، وجعل لبريهة كرسي يجلس عليه، فقامت الأساقفة والرهابنة على عصيهم، وعلى رؤوسهم برانسهم، فقال بريهة: ما بقي في المسلمين أحد ممن يذكر بالعلم بالكلام إلا وقد ناظرته في النصرانية فما عندهم شئ، فقد جئت أناظرك في الاسلام، قال: فضحك هشام فقال: يا بريهة إن كنت تريد مني آيات كآيات المسيح فليس أنا بالمسيح ولا مثله ولا أدانيه، ذاك روح طيبة خميصة مرتفعة، آياته ظاهرة، وعلاماته قائمة، فقال بريهة: فأعجبني الكلام والوصف.

قال هشام: إن أردت الحجاج فههنا، قال بريهة: نعم فإني أسألك: ما نسبة نبيكم هذا من المسيح نسبة الأبدان؟ قال هشام: ابن عم جده لامه، لأنه من ولد إسحاق، ومحمد (صلى الله عليه وآله) من ولد إسماعيل.

قال بريهة: وكيف تنسبه إلى أبيه؟ قال هشام: إن أردت نسبته عندكم فأخبرتكم، وإن أردت نسبته عندنا أخبرتك؟ قال بريهة: أريد نسبته عندنا، و

ظننت أنه إذا نسبه نسبتنا أغلبه، قلت: فانسبه بالنسبة التي ننسبه بها قال هشام:

نعم يقولون: إنه قديم من قديم، فأيهما الأب وأيهما الابن؟ قال بريهة: الذي نزل إلى الأرض الابن، قال بريهة: الابن رسول الأب، قال هشام: إن الأب أحكم من الابن، لان الخلق خلق الأب، قال بريهة: إن الخلق خلق الأب وخلق الابن، قال هشام ما منعهما أن ينزلا جميعا كما خلقا إذ اشتركا؟ قال بريهة: كيف يشتركان وهما شئ واحد؟ إنما يفترقان بالاسم، قال هشام: إنما يجتمعان بالاسم، قال بريهة: جهل هذا الكلام، قال هشام: عرف هذا الكلام، قال بريهة: إن الابن متصل بالأب، قال هشام: إن الابن منفصل من الأب، قال بريهة: هذا خلاف ما يعقله الناس قال هشام: إن كان ما يعقله الناس شاهدا لنا وعلينا فقد غلبتك، لان الأب كان ولم يكن الابن، فتقول هكذا يا بريهة؟ قال: لا ما أقول هكذا، قال: فلم استشهدت قوما لا تقبل شهادتهم لنفسك؟! قال بريهة: إن الأب اسم والابن اسم بقدرة القديم. قال هشام: الاسمان قديمان كقدم الأب والابن؟ قال بريهة: لا ولكن الأسماء محدثة، قال: فقد جعلت الأب ابنا والابن أبا، إن كان الابن أحدث هذه الأسماء دون الأب فهو الأب، وإن كان الأب أحدث هذه الأسماء فهو الابن والابن أب، و ليس ههنا ابن، قال بريهة: إن الابن اسم للروح حين نزلت إلى الأرض، قال هشام:

فحين لم تنزل إلى الأرض فاسمها ما هو؟ قال بريهة: فاسمها ابن نزلت أولم تنزل، قال هشام: فقبل النزول هذه الروح اسمها كلها واحدة، أو اسمها اثنان؟ قال بريهة:

هي كلها واحدة روح واحدة، قال: رضيت أن تجعل بعضها ابنا وبعضها أبا؟ قال بريهة:

لا، لان اسم الأب واسم الابن واحد، قال هشام: فالابن أبو الأب، والأب أبو الابن، فالأب والابن واحد، قال الأساقفة بلسانها لبريهة: ما مر بك مثل ذا قط تقوم، فتحير

بريهة وذهب يقوم فتعلق به هشام قال: ما يمنعك من الاسلام؟ أفي قلبك حزازة فقلها، وإلا سألتك عن النصرانية مسألة واحدة تبيت عليها ليلتك هذه فتصبح وليست لك همة غيري؟ قالت الأساقفة: لا ترد هذه المسألة لعلها تشكل، قال بريهة:

قلها يا أبا الحكم.

قال هشام: أفرأيتك الابن يعلم ما عند الأب؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك الأب يعلم كل ما عند الابن؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك تخبر عن الابن، أيقدر على كل ما يقدر عليه الأب؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك عن الأب أيقدر على كل ما يقدر عليه الابن؟ قال: نعم، قال: فكيف يكون واحد منهما ابن صاحبه وهما متساويان؟ وكيف يظلم كل واحد منهما صاحبه؟ قال بريهة ليس منهما ظلم، قال هشام: من الحق بينهما أن يكون الابن أب الأب، والأب ابن الابن، بت عليها يا بريهة وافترق النصارى وهم يتمنون أن لا يكونوا رأوا هشاما ولا أصحابه.

قال: فرجع بريهة مغتما مهتما حتى صار إلى منزله، فقالت امرأته التي تخدمه: مالي أراك مهتما مغتما؟ فحكى لها الكلام الذي كان بينه وبين هشام، فقالت لبريهة: يحك أتريد أن يكون على حق أو على باطل؟ قال بريهة: بل على الحق، فقالت له: أينما وجدت الحق فمل إليه، وإياك واللجاجة فإن اللجاجة شك، والشك شؤم، وأهله في النار.

قال: فصوب قولها وعزم على الغدو على هشام، قال: فغدا إليه وليس معه أحد من أصحابه، فقال: يا هشام ألك من تصدر عن رأيه فترجع إلى قوله وتدين بطاعته؟ قال هشام: نعم يا بريهة، قال: وما صفته؟ قال هشام: في نسبه أو دينه؟ قال فيهما جميعا صفة نسبه وصفة دينه، قال هشام: أما النسب خير الأنساب: رأس العرب

وصفوة قريش، وفاضل بني هاشم، كل من نازعه في نسبه وجده أفضل منه، لان قريشا أفضل العرب، وبنو هاشم أفضل القريش، وأفضل بني هاشم خاصهم ودينهم وسيدهم، وكذلك ولد السيد أفضل من ولد غيره، وهذا من ولد السيد، قال: فصف دينه، قال هشام: شرائعه أو صفة بدنه وطهارته؟ قال صفة بدنه وطهارته، قال هشام: معصوم فلا يعصي وسخي فلا يبخل، وشجاع فلا يجبن، وما استودع من العلم فلا يجهل، حافظ للدين قائم بما فرض عليه من عترة الأنبياء وجامع علم الأنبياء، يحلم عند الغضب، وينصف عند الظلم، ويعين عند الرضى وينصف من العدو والولي، ولا يسألك شططا في عدوه ولا يمنع إفادة وليه، يعمل بالكتاب، ويحدث بالأعجوبات من أهل الطهارات، يحكي قول الأئمة الأصفياء، لم ينقض له حجة، ولم يجعل مسألة، يفتي في كل سنة ويجلو كل مدلهمة، قال بريهة: وصفت المسيح في صفاته، وأثبته بحججه وآياته إلا أن الشخص بائن عن شخصه، والوصف قائم بوصفه، فإن يصدق الوصف نؤمن بالشخص، قال هشام: إن تؤمن ترشد، وإن تتبع الحق لا تؤنب.

ثم قال هشام: يا بريهة ما من حجة أقامها الله على أول خلقه إلا أقامها في وسط خلقه وآخر خلقه، فلا تبطل الحجج ولا تذهب الملل، ولا تذهب السنن، قال بريهة:

ما أشبه هذا بالحق وأقربه بالصدق! هذه صفة الحكماء يقيمون من الحجة ما ينفون به الشبهة، قال هشام: نعم، فارتحلا حتى أتيا المدينة والمرأة معهما وهما يريدان أبا عبد الله (عليه السلام) فلقيا موسى بن جعفر (عليه السلام) فحكى له هشام الحكاية، فلما فرغ قال موسى بن جعفر (عليه السلام): يا بريهة كيف علمك بكتابك؟ قال: أنا به عالم، قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي به! قال: فابتدأ موسى (عليه السلام) يقرء الإنجيل، قال بريهة: والمسيح لقد كان يقرؤها هكذا، وما قرأ هذه القراءة إلا المسيح، قال بريهة:

إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال: فآمن وحسن إيمانه، وآمنت المرأة وحسن إيمانها.

قال: فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد الله (عليه السلام) فحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى (عليه السلام) وبريهة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) قال بريهة: جعلت فداك أنى لكم التوراة والإنجيل و كتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوها، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شئ فيقول: لا أدري، فلزم بريهة أبا عبد الله (عليه السلام) حتى مات أبو عبد الله (عليه السلام)، ثم لزم موسى بن جعفر (عليه السلام) حتى مات في زمانه، فغسله وكفنه بيده، وقال: هذا حواري من حواري المسيح يعرف حق الله عليه، فتمنى أكثر أصحابه أن يكونوا مثله. بيان: قال الفيروزآبادي: الجاثليق بفتح الثاء المثلثة: رئيس للنصارى في بلاد الاسلام بمدينة السلام، ويكون تحت يد بطريق أنطاكية، ثم المطران تحت يده، ثم الأسقف يكون في كل بلد من تحت المطران، ثم القسيس ثم الشماس.

قوله: (خميصة) أي جائعة، نسب الجوع إلى الروح مجازا، والمراد أنه كان مرتاضا لله، أو كناية عن الخفاء، أي مخفية كيفية حدوثها عن الخلق، وقيل: ساكنة مطمئنة، من خمص الجرح: إذا سكن ورمه.

قوله: (إن أردت الحجاج فههنا) في بعض النسح (فها هين) فكلمة ها للإجابة، وهين خبر مبتدأ محذوف، أي هو عندنا هين يسير.

قوله: (إنما يجتمعان بالاسم) أي العقل يحكم بمغائرة الشخصين واستحالة اتحادهما، وإنما اجتمعا حيث سميتهما باسم واحد كالقديم والإله والخالق ونحوها، أو المعنى أنه لا يعقل اتحادهما إلا باتحاد اسمهما، واختلاف الاسم دليل على تغاير

المسميات، والأول أوجه، فقال بريهة: هذا الكلام مجهول غير معقول، قال هشام:

بل هو معروف عند العقلاء موجه، فقال: إن الابن متصل بالأب، أي متحد معه، فقال: بل الابن يكون جزء من الأب منفصلا منه، فكيف يجوز اتحاده به؟

قوله: (هذا خلاف ما يعقله الناس) لعله بني الكلام على المغالطة فإن الناس يقولون: إن الابن متصل بالأب غير منفصل عنه، أي هو متحد معه في الحقيقة مرتبط به يشتركان في الأحوال غالبا، فحمله على الوحدة الحقيقية، فغير هشام الكلام إلى مالا يحتمل المغالطة، فقال: لو كان شهادة الناس حجة فهم يحكمون بأن الأب متقدم وجوده زمانا على وجود الابن فلم لا تقول به؟.

قوله: (بقدرة القديم) أي حصل هذان الاسمان بقدرة القديم، فسأله هشام عن قدم الاسمين فقال: لا بل هما محدثان، فاستدل هشام على بطلان الاتحاد بمنبهات فسأله عن محدث الأسماء، ثم قال: إن قلت: إن المحدث هو الابن دون الأب فالحكم بالاتحاد يقتضي أن يكون الأب أيضا محدثا وهو خلاف الفرض، وكذا العكس، فأراد التفصي عن ذلك فقال: الروح لما نزلت إلى الأرض سميت بالابن، ثم ندم عن ذلك ورجع وقال: قبل النزول أيضا كانت ابنا.

ويحتمل أن يكون مراده أنها من حيث النزول والاتصال بالبدن سميت ابنا فسبب التسمية حادث، والتسمية قديم، فسأله هشام: هل كان قبل النزول شيئان لهما اسمان؟ فقال: لا بل كانت روح واحدة، ولما كان كلامه متهافتا متناقضا وجهه هشام بأنه يكون بعضه مسمى بالابن، وبعضه مسمى بالأب، فلم يرض بذلك فحكم باتحاد الاسمين أيضا كاتحاد المسميين، ويحتمل أن يكون مراده بالاسم ههنا المسمى فقال هشام: الابن أمر إضافي لابد له من أب والحكم بالاتحاد يقتضي أن يكون الابن أبا للأب، والحال أن الأب لابد أن يكون أبا لابن فكيف يكون الأب والأين واحدا؟ ولا يبعد أن يكون في الأصل: (فالابن ابن الأب) أي البنوة الإضافية تقتضي

أبا، والأبوة تقتضي ابنا فكيف تحكم باتحادهما؟ أو اتحاد الاسمين على الاحتمال الأول مع تغاير المفهومين؟ فقوله: فالأب والابن واحد استفهام على الانكار.

قوله: (وهما متساويان) حاصل الكلام أن الحكم بأن أحدهما ابن والآخر أب يقتضي فرقا بينهما حتى يحكم على أحدهما بالأبوة التي هي أقوى وفيها جهة العلية، وعلى الآخر بالبنوة التي هي أضعف وفيها جهة المعلولية، فإذا حكمت بأنهما متساويان من جميع الجهات لا يتأتى هذا الحكم، وأما الظلم فهو من حيث إن الأبوة شرافة، وبحكم الاتحاد يتصف الابن بأبوة الأب وهذا ظلم للأب، وكذا العكس، والحكم بالظلم من الطرفين أيضا مبني على الاتحاد. ويحتمل أن يكون المراد غصب ما هو حق له، سواء كان أشرف أم لا.

2 - تحف العقول: من كلام موسى بن جعفر (عليه السلام) مع الرشيد في خبر طويل ذكرنا منه موضع الحاجة إليه: دخل إليه وقد عمد على القبض عليه لأشياء كذبت عليه عنده، فأخرج طومارا طويلا فيه مذاهب وشنعة نسبها إلى شيعته فقرأه ثم قال له:

يا أمير المؤمنين نحن أهل بيت منينا بالتقول علينا وربنا غفور ستور، أبى أن يكشف أسرار عباده إلا في وقت محاسبته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلت سليم.

ثم قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي، عن النبي صلوات الله عليهم: الرحم إذا مست الرحم اضطربت ثم سكنت، فإن رأى أمير المؤمنين أن تمس رحمي رحمه ويصافحني فعل. فتحول عند ذلك عن سريره ومد يمينه إلى موسى فأخذه بيمينه ثم ضمه إلى صدره فاعتنقه وأقعده عن يمينه، وقال: أشهد أنك صادق، وأبوك صادق، وجدك صادق، ورسول الله - (صلى الله عليه وآله وسلم) - صادق، ولقد دخلت وأنا أشد الناس عليك حنقا وغضبا لما رقي إلي فيك، فلما تكلمت بما تكلمت وصافحتني

سري عني، وتحول غضبي عليك رضى. وسكت ساعة ثم قال له:

أريد أن أسألك عن العباس وعلي بما صار علي أولى بميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من العباس، والعباس عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنو أبيه؟ فقال له موسى: اعفني، قال:

لا والله لا أعفيتك فأجبني، قال: فإن لم تعفني فأمني، قال: أمنتك، قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر (و خ ل) إن أباك العباس آمن ولم يهاجر، وإن عليا آمن وهاجر، وقال الله: (الذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) فالتمع لون هارون وتغير وقال:

مالكم لا تنسبون إلى علي وهو أبوكم، وتنسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو جد كم؟

فقال موسى (عليه السلام): إن الله نسب المسيح عيسى بن مريم إلى خليله إبراهيم بأمه مريم البكر البتول التي لم يمسها بشر في قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى و إلياس كل من الصالحين) فنسبه بأمه وحدها إلى خليله إبراهيم كما نسب داود و سليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون بآبائهم وأمهاتهم فضيلة لعيسى ومنزلة رفيعة بأمه وحدها، وذلك قوله تعالى في قصة مريم: (إن الله اصطفاك وطهرك و اصطفاك على نساء العالمين) بالمسيح من غير بشر، وكذلك اصطفى ربنا فاطمة عليها السلام وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة.

فقال له هارون وقد اضطرب وساءه ما سمع: من أين قلتم: الانسان يدخله الفساد من قبل النساء ومن قبل الآباء لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله؟ فقال موسى (عليه السلام): هذه مسألة ما سأل عنها أحد من السلاطين غيرك أمير المؤمنين ولا تيم ولا عدي ولا بنو أمية، ولا سئل عنها أحد من آبائي فلا تكشفني عنها. قال: فإن الزندقة

قد كثرت في الاسلام، وهؤلاء الزنادقة الذين يرفعون إلينا في الاخبار هم المنسوبون إليكم، فما الزنديق عندكم أهل البيت؟ فقال (عليه السلام): الزنديق هو الراد على الله وعلى رسوله، وهم الذين يحادون الله ورسوله، قال الله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) إلى آخر الآية، وهم الملحدون عدلوا عن التوحيد إلى الالحاد.

فقال هارون: أخبرني عن أول من ألحد وتزندق؟ فقال موسى (عليه السلام) أول من ألحد وتزندق في السماء إبليس اللعين، فاستكبر وافتخر على صفي الله ونجيه آدم، فقال اللعين: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فعتا عن أمر ربه و ألحد فتوارث الالحاد ذريته إلى أن تقوم الساعة. فقال: ولا بليس ذرية؟ فقال:

نعم، ألم تسمع إلى قول الله: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا * ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) لأنهم يضلون ذرية آدم بزخارفهم وكذبهم، ويشهدون أن لا إله إلا الله كما وصفهم الله في قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) أي أنهم لا يقولون ذلك إلا تلقينا وتأديبا وتسمية، ومن لم يعلم وإن شهد كان شاكا حاسدا معاندا، ولذلك قالت العرب: من جهل أمرا عاداه، ومن قصر عنه عابه وألحد فيه. لأنه جاهل غير عالم. وكان له مع أبي يوسف القاضي كلام طويل ليس هذا موضعه.

ثم قال الرشيد: بحق آبائك لما اختصرت كلمات جامعة لما تجاريناه، فقال:

نعم، واتي بدواة وقرطاس فكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم جميع أمور الأديان أربعة: أمر لا اختلاف فيه وهو إجماع الأمة على الضرورة التي يضطرون إليها، الاخبار المجمع عليها وهي الغاية المعروض عليها كل شبهة، والمستنبط منها كل حادثة، وأمر يحتمل الشك والانكار فسبيله استيضاح أهله لمنتحليه بحجة من كتاب الله مجمع على تأويلها، وسنة مجمع عليها لا اختلاف فيها، أو قياس تعرف العقول عدله ويسع خاصة الأمة وعامتها الشك فيه والانكار له، وهذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه وأرش الخدش فما فوقه، فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين، فما ثبت لك برهانه اصطفيته، وما غمض عليك صوابه نفيته، فمن أورد واحدة من هذه الثلاث فهي الحجة البالغة التي بينها الله في قوله لنبيه: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين) يبلغ الحجة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله، كما يعلمه العالم بعلمه، لان الله عدل لا يجور، يحتج على خلقه بما يعلمون، ويدعوهم إلى ما يعرفون، لا إلى ما يجهلون وينكرون. فأجازه الرشيد ورده، والخبر طويل. أقول: سيأتي الخبر بإسناد آخر في أبواب تاريخه (عليه السلام) بتغيير، واعلم أن عدم توريث من لم يهاجر غير مشهور بين علمائنا، وسيأتي القول فيه في كتاب الميراث، وقد مر شرح آخر الخبر في كتاب العلم.

3 - الخرائج: روي أن قوما من اليهود قالوا للصادق (عليه السلام): أي معجز يدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)؟ قال: كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين مع ما أعطي من الحلال

والحرام وغيرهما مما لو ذكرناه لطال شرحه، فقال اليهود: كيف لنا أن نعلم أن هذا كما وصفت؟ فقال لهم موسى بن جعفر (عليهما السلام) - وهو صبي وكان حاضرا -: وكيف لنا بأن نعلم ما تذكرون من آيات موسى أنها على ما تصفون؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل الصادقين، قال لهم موسى بن جعفر (عليهما السلام): فاعلموا صدق ما أنبأتكم به بخبر طفل لقنه الله تعالى من غير تعليم ولا معرفة عن الناقلين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنكم الأئمة الهادية والحجج من عند الله على خلقه. فوثب أبو عبد الله (عليه السلام) فقبل بين عيني موسى بن جعفر (عليهما السلام) ثم قال: أنت القائم من بعدي.

فلهذا قالت الواقفة: إن موسى بن جعفر عليهما السلام حي وأنه القائم، ثم كساهم أبو عبد الله ووهب لهم وانصرفوا مسلمين. ولا شبهة في ذلك لان كل إمام يكون قائما بعد أبيه، فأما القائم الذي يملأ الأرض عدلا فهو المهدي بن الحسن العسكري.

أقول: سيأتي احتجاجه (عليه السلام) على اليهود في بيان معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) بطوله في أبواب معجزاته (صلى الله عليه وآله).

4 - تفسير العياشي: عن الحسن بن علي بن النعمان قال: لما بنى المهدي في المسجد الحرام بقيت دار في تربيع المسجد فطلبها من أربابها فامتنعوا ، فسأل عن ذلك الفقهاء فكل قال له: إنه لا ينبغي أن تدخل شيئا في المسجد الحرام غصبا، فقال له علي بن يقطين: يا أمير المؤمنين لو كتبت إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) لأخبرك بوجه الامر في ذلك، فكتب إلى والي المدينة أن سل موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن دار أردنا أن ندخلها في المسجد الحرام فامتنع علينا صاحبها فكيف المخرج من ذلك؟ فقال ذلك لأبي الحسن (عليه السلام) فقال أبو الحسن (عليه السلام): ولابد من الجواب في هذا؟ فقال له: الامر لابد منه، فقال له اكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم إن كانت الكعبة هي النازلة بالناس فالناس أولى ببنيانها، وإن كان الناس هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة أولى بفنائها. فلما أتى الكتاب المهدي أخذ الكتاب فقبله، ثم أمر بهدم الدار، فأتى أهل الدار أبا الحسن (عليه السلام) فسألوه أن يكتب

لهم إلى المهدي كتابا في ثمن دارهم، فكتب إليه: أن ارضخ لهم شيئا، فأرضاهم. بيان: الرضخ: العطاء القليل.

5 - تحف العقول: قال عبد الله بن يحيى: كتبت إليه في دعاء: (الحمد لله منتهى علمه) فكتب: لا تقولن منتهى علمه فإنه ليس لعلمه منتهى ولكن قل: (الحمد لله منتهى رضاه).

6 - وسأله رجل عن الجواد فقال: إن لكلامك وجهين: فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد الذي يؤدي ما افترض الله عليه، والبخيل من بخل بما افترض الله عليه، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لأنه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك، وإن منعك منعك ما ليس لك.

7 - وقال له وكيله: والله ما خنتك، فقال له: خيانتك وتضييعك علي مالي سواء، والخيانة شرهما عليك.

8 - وقال (عليه السلام): من تكلم في الله هلك، ومن طلب الرياسة هلك، ومن دخله العجب هلك.

9 - وقال: اشتدت مؤونة الدنيا والدين، فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه.

10 - وقال: أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفت الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.

11 - وقال (عليه السلام): إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه.

12 - وقال (عليه السلام): ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير.

13 - وقال (عليه السلام): تفقهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، و السبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا.

14 - وقال (عليه السلام) لعلي بن يقطين: كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان.

15 - وقال (عليه السلام): إذا كان الامام عادلا كان له الاجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا كان عليه الوزر وعليك الصبر.

16 - وقال أبو حنيفة: حججت في أيام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبي يدرج، فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال: على رسلك، ثم جلس مستندا إلى الحائط ثم قال: توق شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقارعة الطريق، وتوار خلف جدار، وشل ثوبك، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وضع حيث شئت. فأعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له: ما اسمك؟ فقال: أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقلت له: يا غلام ممن المعصية؟ فقال:

إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إما أن تكون من الله وليست منه فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على مالا يرتكب، وإما أن تكون منه ومن العبد وليست كذلك فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد وهي منه فإن عفا فبكرمه وجوده، وإن فبذنب العبد وجريرته.

قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله (عليه السلام) واستغنيت بما سمعت.

17 - كنز الكراجكي: روى محمد بن سنان، عن داود الرقي أن أبا حنيفة قال لابن أبي ليلى: مر بنا إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) لنسأله عن أفاعيل العباد، وذلك في حياة الصادق (عليه السلام)، وموسى (عليه السلام) يومئذ غلام، فلما صارا إليه سلما عليه ثم قالا له: أخبرنا عن أفاعيل العباد ممن هي، فقال لهما: إن كانت أفاعيل العباد من الله دون خلقه فالله أعلى وأعز وأعدل من أن يعذب عبيده على فعل نفسه. وإن كانت من الله ومن خلقه فإنه أعلى وأعز من أن يعذب عبيده على فعل قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيل العباد من العباد فإن عذب فبعدله، وإن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم أنشأ يقول (شعر): لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط الذم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أولم يكن لالهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها أقول: سيأتي أكثر مناظراته واحتجاجاته في أبواب تاريخه صلوات الله عليه، وكثير مما صدر عنه من جوامع العلوم في كتاب الروضة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.