بحارالانوار · كتاب الطهارة
ج ۷۷، ص ۱–۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
[الأنفال: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام.
التوبة: فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين (3)].
الفرقان: وأنزلنا من السماء ماء طهورا.
تفسير: الآية الأولى تدل على رجحان التطهر، وأظهر أفراده التطهر بالماء، ويؤيده ما رواه الصدوق رضي الله عنه في الفقيه قال: كان الناس يستنجون بالأحجار فأكل رجل من الأنصار طعاما فلان بطنه فاستنجى بالماء فأنزل
الله سبحانه " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فخشي أن يكون قد نزل فيه أمر يسوؤه، فلما دخل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
هل عملت في يومك هذا شيئا؟ قال: نعم يا رسول الله أكلت طعاما فلان بطني فاستنجيت بالماء، فقال له: أبشر، فان الله تعالى قد أنزل فيك الآية.
والمشهور بين المفسرين أن المراد التواب من الذنوب؟ والمتطهر منها مطلقا أو التواب من الكبائر والمتطهر من الصغاير، أو التواب من الذنوب والمتطهر من الأقذار وسيأتي بعض القول فيها.
وأما الآية الثانية فالمراد من السماء إما السحاب، فان كل ما علا يطلق عليه السماء لغة، ولذا يسمون سقف البيت سماء، وإما الفلك بمعنى أن ابتداء نزول المطر منه إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض ولا التفات إلى ما زعمه الطبيعيون في سبب حدوث المطر، فإنه مما لم يقم عليه دليل قاطع، وربما يقال: إن المراد بانزاله من السماء أنه حصل من أسباب سماوية وتصعد أجزاء رطبة من أعماق الأرض إلى الجو فينعقد سحابا ماطرا وقد مر القول فيه في كتاب السماء والعالم.
ثم المشهور في سبب نزولها أنها نزلت في بدر بسبب أن الكفار سبقوا المسلمين إلى الماء فاضطر المسلمون ونزلوا إلى تل من رمل سيال لا تثبت فيه أقدامهم، وأكثرهم خائفون لقلتهم وكثرة الكفار، فباتوا تلك الليلة على
غير ماء فاحتلم أكثرهم، فتمثل لهم إبليس وقال: تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون بالجنابة وعلى غير وضوء، وقد اشتد عطشكم، ولو كنتم على الحق ما سبقوكم إلى الماء، وإذا أضعفكم العطش قتلوكم كيف شاؤوا، فأنزل الله عليهم المطر وزالت تلك العلل، وقويت قلوبهم، ونزلت الآية.
فتدل ظاهرا على تطهير ماء المطر للحدث والخبث ولعل المراد بتطهير الله إياهم توفيقهم للطهارة، وقيل: الحكم به بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر والمراد بقوله: " وليطهركم به " الطهارة من النجاسة الحكمية أعني الجنابة و الحدث الأصغر أو منها ومن العينية أيضا كالمني.
ويراد برجز الشيطان إما الجنابة فإنها من فعله، وإما وسوسته لهم، والربط على القلوب يراد به تشجيعها وتقويتها ووثوقها بلطف الله بهم، وقيل: إن هذا المعنى هو المراد أيضا بتثبيت أقدامهم.
وبالجملة الآية تدل على تطهير ماء المطر للحدث والخبث في الجملة وأما الاستدلال بها على مطهرية الماء مطلقا فلا يخلو من إشكال.
وأما الآية الثالثة فتدل في الجملة على مدح التطهر من الأقذار لا سيما بالماء، وقد روي عن الباقر والصادق عليهما السلام أنها نزلت في أهل قبا لجمعهم في الاستنجاء عن الغائط بين الأحجار والماء، وروي لاستنجائهم بالماء، وقيل: ربما
دلت على استحباب المبالغة في الاجتناب من النجاسات، ولا يبعد فهم استحباب النورة وأمثالها، بل استحباب الكون على الطهارة وتأييد لدلايل الأغسال المستحبة، و استحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرمات والمكروهات، والاجتناب عن محال الشبهات، وكل ما فيه نوع خسة ودناءة، والحرص على الطاعات والحسنات، فإنهن يذهبن السيئات، فان الطهارة إن كان لها شرعا حقيقة فهي رافع الحدث أو المبيح للصلاة، وهنا ليست مستعملة فيه اتفاقا فلم يبق إلا معناها اللغوي العرفي أي النزاهة والنظافة، وهي يعم الكل انتهى.
وأكثر ما ذكر لا يخلو من مناقشة كما لا يخفي.
وأما الآية الرابعة فاستدل بها على طهارة مطلق الماء ومطهريته، و أورد عليه بأنه ليس في الكلام ما يدل على العموم، وإنما يدل على أن الماء من السماء مطهر، وبأن الطهور مبالغة في الطاهر، ولا يدل على كونه مطهرا بوجه.
وأجيب عن الأول بأن ذكره تعالى ماء مبهما غير معين ووصفه بالطهورية والامتنان على العباد به، لا يناسب حكمته تعالى ولا فائدة في هذا الإخبار ولا امتنان فيه، فالمراد كل ماء يكون من السماء، وقد دلت آيات اخر على أن كل المياه من السماء نحو قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ".
وقوله سبحانه: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض.
وعن الثاني بأن كثيرا من أهل اللغة فسر الطهور بالطاهر في نفسه المطهر لغيره، والشيخ في التهذيب أسنده إلى لغة العرب، ويؤيده شيوع استعماله في هذا المعنى في كثير من الأخبار الخاصية والعامية، كقول النبي صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " ولو أراد الطاهر لم يثبت المزية وقوله صلى الله عليه وآله وقد سئل عن الوضوء بماء البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ولو لم يرد كونه مطهرا لم يستتم الجواب، وقوله صلى الله عليه وآله: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا.
وقال بعضهم: الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية، وهو المطهر غيره، وأيده بعضهم بأنه يقال: ماء طهور ولا يقال: ثوب طهور، ويؤيد كون الطهور في الآية بمعنى المطهر موافقتها للآية الثانية.
واحتج عليه الشيخ بأنه لا خلاف بين أهل النحو في أن اسم فعول موضوع للمبالغة وتكرر الصفة، ألا ترى أنهم يقولون: فلان ضارب، ثم يقولون ضروب إذا تكرر ذلك منه وكثر، قال: وإذا كان كون الماء طاهرا ليس مما يتكرر ويتزايد فينبغي في إطلاق الطهور عليه غير ذلك، وليس بعد ذلك إلا أنه مطهر
وفيه ما لا يخفى، وقيل: الطهور هنا اسم آلة بمعنى ما يتطهر به كالوضوء لما يتوضؤ به، والوقود لما يتوقد به، بقرينة أن الامتنان بها أتم حينئذ.
قال في الكشاف: " طهورا " بليغا في طهارته، وعن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، فإن كان ما قاله شرحا لبلاغة في الطهارة كان سديدا، ويعضده قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " وإلا فليس فعول من التفعيل في شئ، والطهور في العربية على وجهين: صفة و اسم غير صفة: فالصفة ماء طهور، كقولك طاهر، والاسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويتوقد به النار، وقولهم تطهرت طهورا حسنا كقولك وضوء حسنا ذكره سيبويه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: " لا صلاة إلا بطهور " أي بطهارة انتهى.
واعترضه النيشابوري بأنه حيث سلم أن الطهور في العربية على وجهين اندفع النزاع، لأن كون الماء مما يتطهر به هو كونه مطهرا لغيره، فكأنه سبحانه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة الطهارة، ويلزمه أن يكون طاهرا في نفسه، قال: ومما يؤكد هذا التفسير أنه تعالى ذكره في معرض الانعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، وظاهر أن المطهر أكمل من الطهارة انتهى.
والحق أن المناقشة في كون الطهور بمعنى المطهر، وإن صحت نظرا إلى قياس اللغة، لكن تتبع الروايات واستعمالات البلغاء يورث ظنا قويا بأن الطهور في إطلاقاتهم المراد به المطهر، إما لكونه صفة بهذا المعنى أو اسما لما يتطهر به،، وعلى التقديرين يثبت المرام، وسيأتي من الأخبار في هذا الكتاب ما ينبهك عليه.
الاخبار:
1 - قرب الإسناد: عن عبد الله بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن ماء البحر أيتوضأ منه؟ قال:
لا بأس.
2 - محاسن البرقي: عن بعض أصحابه رفعه عن ابن أخت الأوزاعي عن مسعدة بن اليسع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: الماء يطهر ولا يطهر.
ورواه عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله:
3 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله.
بيان: الماء يطهر أي كل شئ حتى نفسه، إذ حذف المفعول يدل على العموم، ولا يطهر من شئ إلا من نفسه لأن التعميم بالأول أنسب.
ومن المعاصرين من ذهب إلى ظاهر العموم (في ظاهر) الثاني وقال: لا يطهر نفسه أيضا، وقال: إن الماء لا يتنجس من شئ حتى يطهره الماء أو شئ آخر، بل عند التغيير، النجس هو ذلك الجسم الذي ظهر في الماء، فإذا استهلك عاد الماء إلى طهارته، وفي القول به إشكال، وإن لم يبعد من ظواهر بعض الأخبار.
وقال شيخنا البهائي قدس الله روحه: ربما يشكل حكمه عليه السلام بأن الماء لا يطهر [فان القليل يطهر] بالجاري وبالكثير من الراكد فلعله عليه السلام أراد أن الماء يطهر غيره [ولا يطهره غيره].
فان قلت: هذا أيضا على إطلاقه غير مستقيم، فان البئر يطهر بالنزح وهو غير الماء؟
قلت: مطهر ماء البئر في الحقيقة ليس هو النزح، وإنما هو الماء النابع شيئا فشيئا وقت إخراج الماء المنزوح، فالاطلاق مستقيم.
فان قلت: الماء النجس يطهر بالاستحالة ملحا إذ ليس أدون من الكلب إذا استحال ملحا، فقد طهر الماء غيره.
قلت: فقد عدم فلم يبق هناك ماء مطهر بغيره.
فان قلت: الماء النجس إذا شربه حيوان مأكول اللحم وصار بولا فقد طهر الماء غيره من الأجسام، من دون انعدام.
قلت: كون المطهر له جوف الحيوان ممنوع، وإنما مطهره استحالته بولا على وتيرة ما تلوناه عليك في استحالته ملحا.
فان قلت: الماء القليل النجس لو كمل كرا بمضاف لم يسلبه الاطلاق طهر عند جمع من الأصحاب، فقد طهر الماء جسم مغاير له.
قلت: يمكن أن يقال بعد مماشاتهم في طهارته بالاتمام أن المطهر هنا هو مجموع الماء لا المضاف.
4 - المعتبر: قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ ما إلا غير لونه أو طعمه أو ريحه.
السرائر: مثله ونقل أنه متفق على روايته.
5 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام قال: من لم يطهره البحر فلا طهر له.
6 - الهداية: للصدوق: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر.
7 - المقنعة: عن الباقر عليه السلام قال: أفطر على الحلو فإن لم تجده فأفطر على الماء فان الماء طهور.
بيان: لعل المراد هنا الطهور من الذنوب كما سيأتي.
8 - المعتبر: قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وقد سئل عن ماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
بيان: لعل المراد بالميتة ما لم ينحر ولم يذبح، فان السمك يحل بخروجه عن الماء من غير ذبح ونحر.
9 - ارشاد القلوب: للديلمي عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن علي أمير المؤمنين عليهم السلام أنه عليه السلام قال: في ذكر فضايل نبينا صلى الله عليه وآله وأمته على الأنبياء وأممهم: إن الله سبحانه رفع نبينا صلى الله عليه وآله إلى ساق العرش فأوحى إليه فيما أوحى:
كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهورا لامتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات.
بيان: لعله لم يكن الدم نجسا في شرعهم، أو كان هذا معفوا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.