بحارالانوار · المجلد السادس عشر
باب 2 مواعظ الله عز وجل في سائر الكتب السماوي وفى الحديث
ج ۷۴، ص ۱۷–۴۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
أما الجبل فهو الغضب، إن العبد إذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب فإذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلها.
وأما الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عز وجل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخر له من ثواب الآخرة.
وأما الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته.
وأما البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه.
وأما اللحم المنتن فهي الغيبة فاهرب منها.
2 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة عن الرضا عليه السلام أن أباه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم ما تنصفني أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري عليك منزل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم، يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح، يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف لسارعت إلى مقته.
أمالي الطوسي: عن المفيد، عن عمر بن محمد الزيات، عن علي بن مهروية، عن داود بن سليمان، عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله، وفيه " في كل يوم بعمل غير صالح ".
3 - معاني الأخبار، الخصال، أمالي الصدوق: محمد بن أحمد الأسدي، عن محمد بن جرير، والحسن ابن عروة وعبد الله بن محمد الوهبي جميعا، عن محمد بن حميد، عن زافر بن سليمان، عن محمد بن عينية، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه
واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
4 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله قال: جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحدا قبلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله قلت: وما هي؟ قال: الصبر وأحسن منه، قلت: وما هو؟ قال الرضا وأحسن منه، قلت: وما هو؟ قال: الزهد وأحسن منه، قلت: وما هو؟ قال: الاخلاص وأحسن منه، قلت: وما هو؟ قال: اليقين وأحسن منه، قلت وما هو؟ قال جبرئيل إن مدرجة ذلك التوكل على الله عز وجل فقلت: وما التوكل على الله عز وجل؟
فقال: العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لاحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله فهذا هو التوكل.
قال: قلت: يا جبرئيل فما تفسير الصبر؟ قال: تصبر في الضراء كما تصبر في السراء، وفي الفاقة كما تصبر في الغنى، وفي البلاء كما تصبر في العافية، فلا يشكو حاله عند الخلق بما يصيب من البلاء. قلت : فما تفسير القناعة قال: يقنع بما يصيب من الدنيا يقنع بالقليل ويشكر اليسير، قلت: فما تفسير الرضا؟ قال: الراضي لا يسخط على سيده، أصاب الدنيا أم لا، ولا يرضى لنفسه باليسير من العمل، قلت:
يا جبرئيل فما تفسير الزهد؟ قال: الزاهد يحب من يحب خالقه ويبغض من يبغض خالقه ويتحرج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها فان حلالها حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام
كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتجرح عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن تغشاه، ويقصر أمله وكان بين عينيه أجله، قلت: يا جبرئيل فما تفسير الاخلاص؟ قال: المخلص الذي لا يسأل الناس شيئا حتى يجد وإذا وجد رضي وإذا بقي عنده شئ أعطاه في الله فان من لم يسأل المخلوق فقد أقر لله عز وجل بالعبودية وإذا وجد فرضي فهو عن الله راض والله تبارك وتعالى عنه راض، وإذا أعطى الله عز وجل فهو على حد الثقة بربه عز وجل قلت: فما تفسير اليقين؟ قال الموقن يعمل لله كأنه يراه فإن لم يكن يرى الله فان الله يراه، وأن يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطيه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وهذا كله أغصان التوكل ومدرجة الزهد.
5 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن موسى بن جعفر الكميداني، عن أحمد بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جبلة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل عليه السلام: عظني فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، و أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه: شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه كفه عن أعراض الناس.
6 - عن كتاب ارشاد القلوب للديلمي: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه سبحانه ليلة المعراج فقال: يا رب أي الأعمال أفضل؟
فقال الله عز وجل: ليس شئ عندي أفضل من التوكل علي والرضى بما قسمت يا محمد وجبت محبتي للمتحابين في ووجبت محبتي للمتعاطفين في، ووجبت محبتي للمتواصلين في، ووجبت محبتي للمتوكلين علي، وليس لمحبتي علم ولا غاية ولا نهاية وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم علما، أولئك الذين نظروا إلى
المخلوقين بنظري إليهم، ولا يرفعوا الحوائج إلى الخلق، بطونهم خفيفة من أكل الحلال، نعيمهم في الدنيا ذكري، ومحبتي ورضاي عنهم يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة فقال: يا إلهي كيف أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة؟ قال: خذ من الدنيا خفا من الطعام والشراب واللباس ولا تدخر لغد، ودم على ذكري. فقال: يا رب و كيف أدوم على ذكرك؟ فقال: بالخلوة عن الناس، وبغضك الحلو والحامض، و فراغ بطنك وبيتك من الدنيا.
يا أحمد فاحذر أن تكون مثل الصبي إذا نظر إلى الأخضر والأصفر أحبه وإذا أعطى شئ من الحلو والحامض اغتر به، فقال: يا رب دلني على عمل أتقرب به إليك، قال: اجعل ليلك نهارا، ونهارك ليلا، قال: يا رب كيف ذلك؟ قال:
اجعل نومك صلاة، وطعامك الجوع.
يا أحمد وعزتي وجلالي ما من عبد مؤمن، ضمن لي بأربع خصال إلا أدخلته الجنة: يطوي لسانه فلا يفتحه إلا بما يعنيه، ويحفظ قلبه من الوسواس، ويحفظ علمي ونظري إليه، وتكون قرة عينه الجوع.
يا أحمد لو ذقت حلاوة الجوع والصمت والخلوة وما ورثوا منها، قال:
يا رب ما ميراث الجوع؟ قال: الحكمة، وحفظ القلب، والتقرب إلي، والحزن الدائم، وخفة المؤونة بين الناس، وقول الحق، ولا يبالي عاش بيسر أو بعسر.
يا أحمد هل تدري بأي وقت يتقرب العبد إلى الله؟ قال: لا يا رب، قال:
إذا كان جايعا أو ساجدا.
يا أحمد عجبت من ثلاثة عبيد: عبد دخل في الصلاة وهو يعلم إلى من يرفع يديه وقدام من هو، وهو ينعس وعجبت من عبد له قوت يوم من الحشيش أو غيره وهو يهتم لغد، وعجبت من عبد لا يدري أني راض عنه أم ساخط عليه وهو يضحك.
يا أحمد إن في الجنة قصرا من لؤلؤة فوق لؤلؤة، ودرة فوق درة ليس فيها قصم ولا وصل، فيها الخواص، أنظر إليهم كل يوم سبعين مرة وأكلمهم، كلما نظرت إليهم أزيد في ملكهم سبعين ضعفا، وإذا تلذذ أهل الجنة بالطعام والشراب تلذذوا بكلامي وذكري وحديثي. قال: يا رب ما علامات أولئك؟ قال: هم في الدنيا مسجونون، قد سجنوا ألسنتهم من فضول الكلام، وبطونهم من فضول الطعام.
يا أحمد إن المحبة لله هي المحبة للفقراء، والتقرب إليهم، قال: يا رب و من الفقراء؟ قال: الذين رضوا بالقليل، وصبروا على الجوع، وشكروا على الرخاء، ولم يشكروا جوعهم ولا ظمأهم، ولم يكذبوا بألسنتهم، ولم يغضبوا على ربهم ولم يغتموا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما آتاهم.
يا أحمد محبتي محبة للفقراء فادن الفقراء وقرب مجلسهم منك ادنك، و بعد الأغنياء، وبعد مجلسهم منك فان الفقراء أحبائي.
يا أحمد لا تتزين بلين اللباس، وطيب الطعام، ولين الوطاء، فان النفس مأوى كل شر، وهي رفيق كل سوء، تجرها إلى طاعة الله، وتجرك إلى معصيته وتخالفك في طاعته. وتطيعك فيما تكره، وتطغى إذا شبعت، وتشكو إذا جاعت، و تغضب إذا افتقرت، وتتكبر إذا استغنت، وتنسى إذا كبرت، وتغفل إذا أمنت وهي قرينة الشيطان، ومثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمل عليها لا تطير، ومثل الدفلي لونه حسن وطعمه مر.
يا أحمد أبغض الدنيا وأهلها وأحب الآخرة وأهلها، قال: يا رب ومن أهل الدنيا ومن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا من كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه قليل الرضا لا يعتذر إلى من أساء إليه، ولا يقبل معذرة من اعتذر إليه، كسلان عند الطاعة، شجاع عند المعصية، أمله بعيد وأجله قريب، لا يحاسب نفسه، قليل المنفعة، كثير الكلام، قليل الخوف، كثير الفرح عند الطعام، وإن أهل الدنيا
لا يشكرون عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، كثير الناس عندهم قليل، يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون، ويدعون بما ليس لهم ، ويتكلمون بما يتمنون، ويذكرون مساوي الناس، ويخفون حسناتهم.
قال: يا رب هل يكون سوى هذا العيب في أهل الدنيا؟ قال: يا أحمد إن عيب أهل الدنيا كثير فيهم الجهل، والحمق، لا يتواضعون لمن يتعلمون منه وهم عند أنفسهم عقلاء وعند العارفين حمقاء.
يا أحمد إن أهل الخير وأهل الآخرة رقيقة وجوههم، كثير حياؤهم، قليل حمقهم، كثير نفعهم، قليل مكرهم، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب كلامهم موزون، محاسبين لأنفسهم، متعبين لها، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين، في أول النعمة يحمدون وفي آخرها، يشكرون، دعاؤهم عند الله مرفوع، وكلامهم مسموع، تفرح الملائكة بهم، يدور دعاؤهم تحت الحجب، يحب الرب أن يسمع كلامهم كما تحب الوالدة ولدها، ولا يشغلهم عن الله شئ طرفة عين، ولا يريدون كثرة الطعام، ولا كثرة الكلام، ولا كثرة اللباس، الناس عندهم موتى، والله عندهم حي قيوم كريم، يدعون المدبرين كرما، ويريدون المقبلين تلطفا، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة، يموت الناس مرة ويموت أحدهم في كل يوم سبعين مرة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم، والشيطان الذي يجري في عروقهم، ولو تحركت ريح لزعزعتهم، وإن قاموا بين يدي كأنهم بنيان مرصوص لا أرى في قلبهم شغلا لمخلوق، فوعزتي وجلالي لأحيينهم حياة طيبة، إذا فارقت أرواحهم من جسدهم، لا أسلط عليهم ملك الموت، ولا يلي قبض روحهم غيري، ولا فتحن لروحهم أبواب السماء كلها، ولأرفعن الحجب كلها دوني، ولآمرن الجنان فلتزينن، والحور العين فلتزفن والملائكة فلتصلين
والأشجار فلتثمرن، وثمار الجنة فلتدلين ولامرن ريحا من الرياح التي تحت العرش فلتحملن جبال من الكافور والمسك الأذفر فلتصيرن وقودا من غير النار، فلتدخلن به، ولا يكون بيني وبين روحه ستر فأقول له عند قبض روحه:
مرحبا وأهلا بقدومك علي، اصعد بالكرامة والبشرى والرحمة والرضوان، و جنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم. فلو رأيت الملائكة كيف يأخذ بها واحد ويعطيها الاخر.
يا أحمد إن أهل الآخرة لا يهناؤهم الطعام منذ عرفوا ربهم، ولا يشغلهم مصيبة منذ عرفوا سيئاتهم، يبكون على خطاياهم، يتعبون أنفسهم ولا يريحونها، وأن راحة أهل الجنة في الموت، والآخرة مستراح العابدين، مؤنسهم دموعهم التي تفيض على خدودهم، وجلوسهم مع الملائكة الذين عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومناجاتهم مع الجليل الذي فوق عرشه، وأن أهل الآخرة قلوبهم في أجوافهم قد قرحت يقولون متى نستريح من دار الفناء إلى دار البقاء.
يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي في الآخرة؟ قال: لا يا رب، قال:
يبعث الخلق ويناقشون بالحساب، وهم من ذلك آمنون، إن أدنى ما أعطي للزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلها حتى يفتحوا أي باب شاؤوا ولا أحجب عنهم وجهي ولأنعمنهم بألوان التلذذ من كلامي، ولأجلسنهم في مقعد صدق وأذكرنهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا منه بكرة وعشيا من عندي، وباب ينظرون منه إلي كيف شاؤوا بلا صعوبة، وباب يطلعون منه إلى النار فينظرون منه إلى الظالمين كيف يعذبون وباب تدخل عليهم منه الوصايف والحور العين، قال: يا رب من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغتم بخرابه، ولا له
ولد يموت فيحزن لموته، ولا له شئ يذهب فيحزن لذهابه، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله طرفة عين، ولا له فضل طعام ليسأل عنه، ولا له ثوب لين.
يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرة من تعب الليل وصوم النهار، وألسنتهم كلال إلا من ذكر الله تعالى، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنة، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أن الله سبحانه وتعالى أهل للعبادة كأنما ينظرون إلى من فوقها، قال: يا رب هل تعطي لاحد من أمتي هذا، قال: يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصديقين من أمتك وأمة غيرك وأقوام من الشهداء. قال: يا رب أي الزهاد أكثر؟ زهاد أمتي أم زهاد بني إسرائيل؟ قال: إن زهاد بني إسرائيل في زهاد أمتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء، فقال: يا رب كيف يكون ذلك وعدد بني إسرائيل أكثر من أمتي؟ قال: لأنهم شكوا بعد اليقين، وجحدوا بعد الاقرار. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فحمدت الله للزاهدين كثيرا وشكرته ودعوت لهم فقلت: اللهم احفظهم وارحمهم واحفظ عليهم دينهم الذي ارتضيت لهم، اللهم ارزقهم إيمان المؤمنين الذي ليس بعده شك وزيغ، وورعا ليس بعده رغبة، وخوفا ليس بعده غفلة، وعلما ليس بعده جهل، وعقلا ليس بعده حمق وقربا ليس بعده بعد، وخشوعا ليس بعده قساوة، وذكرا ليس بعده نسيان وكرما ليس بعده هوان، وصبرا ليس بعده ضجر، وحلما ليس بعده عجلة، واملا قلوبهم حياء منك حتى يستحيوا منك كل وقت، وتبصرهم بآفات الدنيا وآفات أنفسهم ووساوس الشيطان، فإنك تعلم ما في نفسي وأنت علام الغيوب.
يا أحمد عليك بالورع فان الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين إن الورع يقرب العبد إلى الله تعالى.
يا أحمد إن الورع كالشنوف بين الحلي والخبز بين الطعام، إن الورع
رأس الايمان وعماد الدين، إن الورع مثله كمثل السفينة كما أن في البحر لا ينجو إلا من كان فيها كذلك لا ينجو الزاهدون إلا بالورع.
يا أحمد ما عرفني عبد وخشع لي إلا وخشعت له.
يا أحمد الورع يفتح على العبد أبواب العبادة، فتكرم به عند الخلق، ويصل به إلى الله عز وجل.
يا أحمد عليك بالصمت فان أعمر القلوب قلوب الصالحين والصامتين، وإن أخرب القلوب قلوب المتكلمين بما لا يعنيهم.
يا أحمد إن العبادة عشرة أجزاء تسعة منها طلب الحلال، فإذا طيبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي، قال: يا رب ما أول العبادة؟ قال: أول العبادة الصمت والصوم، قال: يا رب وما ميراث الصوم؟ قال: الصوم يورث الحكمة والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح، بعسر أم بيسر ، إذا كان العبد في حالة الموت يقوم على رأسه ملائكة بيد كل ملك كأس من ماء الكوثر وكأس من الخمر يسقون روحه حتى تذهب سكرته ومرارته ويبشرونه بالبشارة العظمى ويقولون له طبت وطاب مثواك إنك تقدم على العزيز الحكيم الحبيب القريب فتطير الروح من أيدي الملائكة فتصعد إلى الله تعالى في أسرع من طرفة عين، ولا يبقى حجاب ولا ستر بينها وبين الله تعالى، والله عز وجل إليها مشتاق، وتجلس على عين عند العرش ثم يقال لها: كيف تركت الدنيا؟ فتقول: إلهي وعزتك وجلالك لا علم لي بالدنيا، أنا منذ خلقتني خائفة منك، فيقول الله تعالى: صدقت عبدي كنت بجسدك في الدنيا وروحك معي فأنت بعيني سرك وعلانيتك، سل أعطك وتمن علي فأكرمك، هذه جنتي فتجنح فيها وهذا جواري فأسكنه. فتقول الروح: إلهي عرفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك وعزتك وجلالك لو كان رضاك في أن اقطع إربا إربا واقتل سبعين قتلة بأشد ما يقتل به الناس لكان رضاك أحب إلي، إلهي كيف أعجب بنفسي وأنا ذليل إن لم
تكرمني وأنا مغلوب إن لم تنصرني وأنا ضعيف إن لم تقوني وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك، ولولا سترك لافتضحت أول مرة عصيتك. إلهي كيف لا أطلب رضاك وقد أكملت عقلي حتى عرفتك وعرفت الحق من الباطل والامر من النهي والعلم من الجهل والنور من الظلمة، فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات كذلك أفعل بأحبائي.
يا أحمد هل تدري أي عيش أهنأ وأي حياة أبقى؟ قال: اللهم لا، قال:
أما العيش الهنئ فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقي، يطلب رضاي في ليله ونهاره، وأما الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي ويعظم حق عظمتي ويذكر علمي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية، وينقى قلبه عن كل ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبا حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، وأضيق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات واحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي غنمه من مراتع الهلكة فإذا كان هكذا يفر من الناس فرارا، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن.
يا أحمد ولأزيننه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنئ والحياة الباقية وهذا مقام الراضين، فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال: اعرفه شكرا لا يخالطه الجهل، وذكرا لا يخالطه النسيان، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين فإذا أحبني أحببته، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ولا أخفي عليه خاصة خلقي
وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين، ومجالسته معهم، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي واعرفه السر الذي سترته عن خلقي وألبسه الحياء حتى يستحيي منه الخلق كلهم ويمشي على الأرض مغفورا له وأجعل قلبه واعيا وبصيرا ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار، واعرفه ما يمر على الناس في يوم القيامة من الهول والشدة، وما أحاسب الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء وأنومه في قبره وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى يسألاه، ولا يرى غمرة الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع ثم أنصب له ميزانه وانشر ديوانه، ثم أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشورا، ثم لا أجعل بيني وبينه ترجمانا فهذه صفات المحبين.
يا أحمد اجعل همك هما واحدا، فاجعل لسانك لسانا واحدا، واجعل بدنك حيا لا تغفل عني، من يغفل عني لا أبالي بأي واد هلك.
يا أحمد استعمل عقلك قبل أن يذهب فمن استعمل عقله لا يخطي ولا يطغى.
يا أحمد ألم تدر لأي شئ فضلتك على ساير الأنبياء؟ قال: اللهم لا قال: باليقين، وحسن الخلق، وسخاوة النفس، ورحمة الخلق ، وكذلك أوتاد الأرض لم يكونوا أوتادا إلا بهذا.
يا أحمد إن العبد إذا أجاع بطنه وحفظ لسانه علمته الحكمة وإن كان كافرا تكون حكمته حجة عليه ووبالا، وإن كان مؤمنا تكون حكمته له نورا وبرهانا وشفاء ورحمة، فيعلم ما لم يكن يعلم، ويبصر ما لم يكن يبصر، فأول ما أبصره عيوب نفسه حتى يشتغل عن عيوب غيره، وابصره دقائق العلم حتى لا يدخل عليه الشيطان.
يا أحمد ليس شئ من العبادة أحب إلي من الصمت والصوم، فمن صام ولم يحفظ لسانه كان كمن قام ولم يقرأ في صلاته فاعطيه أجر القيام ولم اعطه أجر العابدين.
يا أحمد هل تدري متى تكون العبد عابدا؟ قال: لا يا رب قال: إذا اجتمع فيه سبع خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وصمت يكفه عما لا يعنيه، وخوف يزداد كل يوم من بكائه، وحياء يستحيي مني في الخلاء، وأكل ما لابد منه ويبغض الدنيا لبغضي لها، ويحب الأخيار لحبي إياهم.
يا أحمد ليس كل من قال أحب الله أحبني حتى يأخذ قوتا، ويلبس دونا وينام سجودا، ويطيل قياما، ويلزم صمتا، ويتوكل علي، ويبكي كثيرا، ويقل ضحكا، ويخالف هواه، ويتخذ المسجد بيتا والعلم صاحبا، والزهد جليسا، والعلماء أحباء، والفقراء رفقاء، ويطلب رضاي، ويفر من العاصين فرارا، ويشغل بذكري اشتغالا، ويكثر التسبيح دائما، ويكون بالوعد صادقا، وبالعهد وافيا، ويكون قلبه طاهرا، وفي الصلاة زاكيا، وفي الفرائض مجتهدا، وفيما عندي من الثواب راغبا، ومن عذابي راهبا، ولأحبائي قرينا وجليسا.
يا أحمد لو صلى العبد صلاة أهل السماء والأرض، ويصوم صيام أهل السماء والأرض، ويطوي من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العاري، ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرة، أو سعتها، أو رئاستها، أو حليها، أو زينتها لا يجاورني في داري، ولأنزعن من قلبه محبتي، وعليك سلامي ورحمتي والحمد لله رب العالمين.
أقول: ورأيت في بعض الكتب لهذا الحديث سندا هكذا قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي البلخي، عن أحمد بن إسماعيل الجوهري، عن أبي محمد علي بن مظفر ابن إلياس العبدي، عن أبي نصر أحمد بن عبد الله الواعظ، عن أبي الغنايم، عن أبي الحسن عبد الله بن الواحد بن محمد بن عقيل، عن أبي إسحاق إبراهيم بن حاتم الزاهد بالشأم، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله عبد الحميد بن أحمد بن سعيد، عن أبي بشر، عن الحسن بن علي المقري، عن أبي مسلم محمد بن الحسن المقري، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: هذا ما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ربه ليلة المعراج، وذكر نحوه إلى آخر الخبر.
ووجدت في نسخة قديمة أخرى قال الشيخ أبو عمرو عثمان بن محمد البلخي أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسماعيل الجوهري قال: حدثنا أبو علي المطر بن إلياس ابن سعد بن سليمان (*) قال: أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله بن إسحاق الواعظ قال:
أخبرنا أبو الغنايم الحسن بن حماد المقري قراءة بأهواز في آخر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن الحسن المقري قراءة عليه من أصله قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عقيل قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم ابن حاتم الزاهد بالشام قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أحمد قال: حدثنا إسحاق ابن بشر، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليهما السلام وذكر نحوه.
7 - الكافي: علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه قال: إن موسى عليه السلام ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته: يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد.
يا موسى كن كمسرتي فيك فان مسرتي أن أطاع فلا اعصى، وأمت قلبك بالخشية، وكن خلق الثياب جديد القلب، تخفى على أهل الأرض، وتعرف في أهل السماء، حلس البيوت مصباح الليل، واقنت بين يدي قنوت الصابرين، وصح إلي من كثرة الذنوب صياح المذنب الهارب من عدوه، و استعن بي على ذلك فإني نعم العون ونعم المستعان.
يا موسى إني أنا الله فوق العباد، والعباد دوني وكل لي داخرون فاتهم نفسك على نفسك، ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين.
يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين.
يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون واحكم بينهم بما أنزلت عليك، فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما كان في الأولين، وبما هو كائن في الآخرين.
أوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق با ابن البتول عيسى بن مريم صاحب الأتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب. ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب كلها وأنه راكع ساجد راغب راهب، إخوانه المساكين، وأنصاره قوم آخرون ويكون في زمانه أزل وزلزال وقتل وقلة من المال، اسمه أحمد محمد الأمين من الباقين، من ثلة الأولين الماضين يؤمن بالكتب كلها،
ويصدق جميع المرسلين، ويشهد بالاخلاص لجميع النبيين، أمته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقايقه، لهم ساعات موقتات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فبه فصدق ومناهجه فاتبع فإنه أخوك.
يا موسى إنه أمي، وهو عبد صدق مبارك له فيما وضع يده عليه، ويبارك عليه كذلك كان في علمي، وكذلك خلقته، به أفتح الساعة، وبامته أختم مفاتيح الدنيا فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه، ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون وحبه لي حسنة فأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي، وحزبهم الغالبون. فتمت كلماتي لأظهرن دينه على الأديان كلها، ولأعبدن بكل مكان ولأنزلن عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصدور من نفث الشيطان، فصل عليه يا ابن عمران فاني أصلي عليه وملائكتي.
يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك لا تستذل الحقير الفقير، ولا تغبط الغني بشئ يسير، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوته برحمتي طامعا، وأسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين ، اطمئن عند ذكري وذكر بي من يطمئن إلي، واعبدني ولا تشرك بي شيئا، وتحر مسرتي إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا فتبارك وجهي، وتقدس صنعي ليس كمثلي شئ
وأنا الحي الدائم الذي لا أزول.
يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك لي في التراب و اسجد لي بمكارم بدنك، واقنت بين يدي في القيام، وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل، وأحي بتوراتي أيام الحياة، وعلم الجهال محامدي، وذكرهم آلائي ونعمتي، وقل لهم لا يتمادون في غي ما هم فيه فان أخذي أليم شديد.
يا موسى إذا انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري فاعبدني، وقم بين يدي مقام العبد الحقير الفقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم، ولا تتطاول بكتابي على بني إسرائيل، فكفى بهذا واعظا لقلبك، ومنيرا وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.
يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني وإني سأغفر لك على ما كان منك، السماء تسبح لي وجلا، والملائكة من مخافتي مشفقون، والأرض تسبح لي طمعا، وكل الخلق يسبحون لي داخرين ثم عليك بالصلاة الصلاة، فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق، وألحق بها ما هو منها زكاة القربان من طيب المال والطعام فاني لا أقبل إلا الطيب، يراد به وجهي، واقرن مع ذلك صلة الأرحام فإني أنا الله الرحمن الرحيم، والرحم أنا خلقتها فضلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد، ولها عندي سلطان في معاد الآخرة، وأنا قاطع من قطعها، وواصل من وصلها، وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.
يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل، أو إعطاء يسير، فإنه يأتيك من ليس بأنس ولا جان ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك، وكيف مواساتك فيما خولتك واخشع لي بالتضرع، واهتف لي بولولة الكتاب واعلم أني أدعوك دعاء السيد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الأولين.
يا موسى لا تنسني على كل حال، ولا تفرح بكثرة المال، فان نسياني يقسي القلوب، ومع كثرة المال كثرة الذنوب، الأرض مطيعة، والسماء مطيعة والبحار مطيعة، وعصياني شقاء الثقلين، وأنا الرحمن الرحيم، رحمن كل زمان آتي بالشدة بعد الرخاء، وبالرخاء بعد الشدة، وبالملوك بعد الملوك، وملكي قائم دائم لا يزول، ولا يخفى علي شئ في الأرض ولا في السماء، وكيف يخفى علي ما مني مبتداه، وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة؟.
يا موسى اجعلني حرزك، وضع عندي كنزك من الصالحات، وخفني ولا تخف غيري إلي المصير.
يا موسى ارحم من هو أسفل منك في الخلق، ولا تحسد من هو فوقك فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينالا بها من فضلي ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الأخ والوزير.
يا موسى ضع الكبر، ودع الفخر، واذكر أنك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات.
يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدايد وحصنا لملمات الأمور.
يا موسى كيف تخشع لي خليقة لا تعرف فضلي عليها وكيف تعرف فضلي عليها وهي لا تنظر فيه، وكيف تنظر فيه وهي لا تؤمن به؟ وكيف تؤمن به، وهي لا ترجو ثوابا؟ وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى، وركنت إليها ركون الظالمين؟.
يا موسى نافس في الخير أهله فان الخير كاسمه، ودع الشر لكل مفتون.
يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم وأكثر ذكري بالليل، و النهار تغنم، ولا تتبع الخطايا فتندم فان الخطايا موعدها النار.
يا موسى أطب الكلام لأهل الترك للذنوب، وكن لهم جليسا، واتخذهم لغيبك إخوانا، وجد معهم يجدون معك.
يا موسى الموت لاقيك لا محالة، فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد.
يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله، وما أريد به غيري فقليل كثيره وأن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب فإنك موقوف به ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله فان الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة فان ما بقي من الدنيا كما ولى منها، وكل عامل يعمل على بصيرة و مثال فكن مرتادا لنفسك يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال، فهنالك يخسر المبطلون.
يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده، فإنك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا أكرم القادرين.
يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي لا يملكها أحد غيري وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء، وقد يجزى الكفور بما سعى.
يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها ما لك ولدار الظالمين إلا العامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار.
يا موسى ما آمرك به فاسمع ومهما أراه فاصنع خذ حقايق التوراة إلى صدرك وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير.
يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه و المؤمن من زينت له الآخرة، فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فأدلجته بالاسحار كفعل الراكب السائق إلى غايته، يظل كئيبا ويمسي حزينا وطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور.
يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر، فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعسة لم تدم، وكذلك فكن
كما أمرتك وكل أمري رشاد.
يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت إلي عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، ولا تكن جبارا ظلوما، ولا تكن للظالمين قرينا.
يا موسى ما عمر وإن طال يذم آخره، وما ضرك ما زوى عنك إذا حمدت مغبته.
يا موسى صرخ الكتاب إليك صراخا بما أنت إليه صائر فكيف ترقد على هذا العيون، أم كيف يجد قوم لذة العيش لولا التمادي في الغفلة والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة، ومن دون هذا يجزع الصديقون.
يا موسى مر عبادي يدعوني على ما كان بعد أن يقروا لي أني أرحم الراحمين مجيب المضطرين، وأبدل الزمان، وآتي بالرخاء، وأشكر اليسير وأثيب الكثير وأغني الفقير وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك من الخاطئين، فقل: أهلا وسهلا يا رحب الفناء بفناء رب العالمين، واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم، ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله، وقل لهم فليسألوني من فضلي ورحمتي فإنه لا يملكها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم، طوبى لك يا
موسى كهف الخاطئين وجليس المضطرين، ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضي فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق، وكن كما أمرتك أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتداه، وتقرب إلي فإني منك قريب فاني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله، إنما سألتك أن تدعوني فأجيبك وأن تسألني فأعطيك وأن تتقرب إلي بمأمني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.
يا موسى انظر إلى الأرض فإنها عن قريب قبرك. وارفع عينيك إلى السماء فإن فوقك فيها ملكا عظيما، وابك على نفسك ما دمت في الدنيا وتخوف العطب والمهالك ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد حتى اديل منه المظلوم.
يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك ولا تشرك بي لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار، وكذلك السيئة تمحوها الحسنة، وعشوة الليل تأتي على ضوء النهار، وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها.
8 - قال السيد قدس الله روحه في كتاب سعد السعود: رأيت في الزبور في السورة الثالثة والثلاثين: ثياب العاصي ثقال على الأبدان ووسخ على الوجه ووسخ الأبدان ينقطع بالماء ووسخ الذنوب لا ينقطع إلا بالمغفرة، طوبي للذين كان باطنهم أحسن من ظاهرهم، ومن كانت له ودائع فرح بها يوم الآزفة، ومن عمل
بالمعاصي وأسرها من المخلوقين، لم يقدر على إسرارها مني، قد أوفيتكم ما وعدتكم من طيبات الرزق ونبات البر وطير السماء ومن جميع الثمرات، ورزقتكم ما لم تحتسبوا وذلك كله على الذنوب معشر الصوام، بشر الصائمين بمرتبة الفائزين وقد أنزلت على أهل التوراة بما أنزلت عليكم، داود! سوف تحرف كتبي ويفترى علي كذبا فمن صدق بكتبي ورسلي فقد أنجح وأفلح وأنا العزيز الحكيم. سبحان خالق النور.
وفي السورة السابعة والستين: ابن آدم جعلت لكم الدنيا دلائل على الآخرة وإن الرجل منكم يستأجر الرجل فيطلب حسابه فترعد فرائصه من أجل ذلك وليس يخاف عقوبة النار وأنتم مكثرون التمرد وتجعلون المعاصي في الظلم الدجى إن الظلام لا يستركم علي بل استخفيتم على الآدميين وتهاونتم بي، ولو أمرت فطرات الأرض تبتلعكم فتجعلكم نكالا ولكن جدت عليكم بالاحسان فان استغفرتموني تجدوني غفارا، فان تعصوني اتكالا على رحمتي فقد يجب أن يتقى من يتوكل عليه، سبحان خالق النور.
وفي الثامنة والستين: ابن آدم لما رزقتكم اللسان وأطلقت لكم الأوصال ورزقتكم الأموال. جعلتم الأوصال كلها عونا على المعاصي كأنكم بي تغترون و بعقوبتي تتلاعبون، ومن أجرم الذنوب وأعجبه حسنه فلينظر الأرض كيف لعبت بالوجوه في القبور وتجعلها رميما، إنما الجمال جمال من عوفي من النار. وإذا فرغتم من المعاصي رجعتم إلي أحسبتم أني خلقتكم عبثا إني إنما جعلت الدنيا رديف الآخرة، فسددوا وقاربوا واذكروا رحلة الدنيا وارجوا ثوابي، وخافوا عقابي واذكروا صولة الزبانية وضيق المسلك في النار وغم أبواب جهنم وبرد الزمهرير، ازجروا أنفسكم حتى تنزجر، وارضوها باليسير من العمل. سبحان خالق النور.
وفي الحادية والسبعين: طلب الثواب بالمخادعة يورث الحرمان، وحسن العمل يقرب مني، أرأيتم لو أن رجلا أحضر سيفا لا نصل له أو قوسا لا سهم له أكان يردع عدوه وكذلك التوحيد لا يتم إلا يتم إلا بالعمل، وإطعام الطعام لرضاي، سبحان خالق النور.
وفي الرابعة والثمانين: مولج الليل في النهار ومغيب النور في الظلمة ومذل العزيز ومعز الذليل وأنا الملك الاعلى، معشر الصديقين كيف مساعدتكم أنفسكم على الضحك وأيامكم تفني والموت بكم نازل وتموتون وترعى الدود في أجسادكم وتنساكم الأهلون والأقرباء، سبحان خالق النور.
وفي المائة: من فزع نفسه بالموت هانت عليه الدنيا، ومن أكثر الهم والأباطيل اقتحم عليه الموت من حيث لا يشعر، إن الله لا يدع شابا لشبابه ولا شيخا لكبره، إذا قربت آجالكم توفتكم رسلي وهم لا يفرطون فالويل لمن توفته رسلي وهو على الفواحش لم يدعها، والويل كل الويل لمن تتبع عورات المخلوقين، و الويل كل الويل لمن كان لاحد قبله تبعة خردلة حتى يؤديها من حسناته. والليل إذا؟؟ أظلم والصبح إذا استنار والسماء الرفيعة والسحاب المسخر ليخرجن المظالم ولتؤدي كائنة ما كانت من حسناتكم أو من سيئات المظلوم تجعل على سيئاتكم والسعيد من أخذ كتابه بيمينه وانصرف إلى أهله مضيئ الوجه، والشقي من أخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره وانصرف إلى أهله باسر الوجه بسرا، قد شحب لونه وورمت قدماه، وخرج لسانه دالعا على صدره وغلظ شعره فصار في النار
محسورا مبعدا مدحورا وصارت عليه اللعنة وسوء الحساب وأنا القادر القاهر الذي أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنا السميع العليم.
9 - من خط الشهيد رحمه الله قيل: في التوراة قل لصاحب المال الكثير: لا يغتر بكثرة ماله وغناه فإن اغتر فليطعم الخلق غداء وعشاء، وقل لصاحب العلم: لا يغتر بكثرة علمه فان اغتر فليعلم أنه متى يموت، وقل لصاحب العضد القوي: لا يغتر بقوته فان اغتر بقوته فليدفع الموت عن نفسه.
10 - عدة الداعي روى الحسن بن أبي الحسن الديلمي، عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود من أحب حبيبا صدق قوله، ومن رضي بحبيب رضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جد في السير إليه، يا داود ذكري للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وحبي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين. وقال سبحانه: أهل طاعتي في ضيافتي وأهل شكري في زيادتي وأهل ذكري في نعمتي وأهل معصيتي لا أو يسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن دعوا فأنا مجيبهم وإن مرضوا فأنا طبيبهم، أداويهم بالمحن والمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب. اعلام الدين للديلمي مثله.
11 - وفيه: قال كعب الأحبار مكتوب في التوراة: يا موسى من أحبني لم ينسني، ومن رجا معروفي، ألح في مسألتي، يا موسى إني لست بغافل عن خلقي ولكن أحب أن يسمع ملائكتي ضجيج الدعاء من عبادي وترى حفظتي تقرب بني آدم إلي بما أنا مقويهم عليه ومسببه لهم، يا موسى قل لبني إسرائيل لا تبطرنكم النعمة فيعاجلكم السلب، ولا تغفلوا عن الشكر فيقارعكم الذل وألحوا
في الدعاء تشملكم الرحمة بالإجابة وتهنيكم العافية.
12 - وروي في زبور داود يقول الله تعالى: ابن آدم تسألني فأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلح علي بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي، فأهم بهتك سترك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع معك وكم قبح تصنع معي، يوشك أن أغضب عليك، غضبة لا أرضي بعدها أبدا.
ومن الإنجيل: ألا تدينوا وأنتم خطأ فيدان منكم بالعذاب، لا تحكموا بالجور فيحكم عليكم بالعذاب، بالمكيال الذي تكيلون يكال لكم، وبالحكم الذي تحكمون يحكم عليكم.
ومن الإنجيل أيضا: احذروا الكذابة الذين يأتونكم بلباس الحملان فهم في الحقيقة ذئاب خاطفة من ثمارهم تعرفونهم (*) لا يمكن الشجرة الطيبة أن تثمر ثمارا ردية ولا الشجرة الردية أن تثمر ثمارا صالحة.
13 - الاختصاص: عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في التوراة أربع مكتوبات وأربع إلى جانبهن: من أصبح على الدنيا حزينا أصبح على ربه ساخطا ومن شكى مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه ومن أتى غنيا فتضعضع له لشئ يصيبه منه ذهب ثلثا دينه، ومن دخل من هذه الأمة النار ممن قرأ القرآن هو ممن يتخذ آيات الله هزوا. والأربعة إلى جانبهن: كما تدين تدان، ومن ملك استأثر، ومن لم يستشر يندم، والفقر هو الموت الأكبر.
14 - الحسين بن سعيد أو النوادر: محمد بن سنان، عن يوسف بن عمران، عن يعقوب بن شعيب قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أني جامع لك الكلام كله في أربع كلم، قال: يا رب وما هن؟ فقال: واحدة لي وواحدة لك و واحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين الناس، قال: يا رب بينهن لي حتى أعمل بهن، قال: أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك.
15 - كنز الكراجكي: روي أن الله يقول: يا ابن آدم في كل يوم يؤتى رزقك وأنت تحزن وينقص من عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.