پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

34 - باب ان الايمان مستقر ومستودع، وامكان زوال الايمان

ج ۶۶، ص ۲۱۱–۲۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۶

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله : " وهو الذي أنشأكم " أي أبدعكم وخلقكم " من نفس واحدة " أي من آدم عليه السلام لان الله تعالى خلقنا جميعا منه، وخلق أمنا حواء من ضلع من أضلاعه انتهى.

أقول: وقد مر أن خلقهم من أب واحد لا يقتضي عدم مدخلية الام ولا يكون الام مخلوقة منه، لما مر نفي ذلك في الاخبار. " فمستقر ومستودع " قال المفسرون فيه وجوها: الأول مستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث، والثاني مستقر في بطن الأمهات، ومستودع في أصلاب الاباء، الثالث مستقر على ظهر الأرض في الدنيا، ومستودع عند الله في الآخرة، الرابع مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، وقيل: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث يموت.

وأقول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر القاف والباقون بالفتح، وعلى ما سيأتي من التأويل في الاخبار تستقيم القراءتان فبالفتح أي فلكم استقرار في الايمان، واستيداع فيه أو فمنكم من هو محل استقرار الايمان، ومنكم من هو محل استيداعه، ففيه حذف وإيصال أي مستقر فيه، وبالكسر أي فمنكم مستقر في الايمان، ومنكم مستودع فيه، أو فايمان بعضكم مستقر وإيمان بعضكم مستودع على القراءتين.

1 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن حسين بن

نعيم الصحاف قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لم يكون الرجل عند الله مؤمنا قد ثبت له الايمان عنده ثم ينقله الله بعد من الايمان إلى الكفر؟ قال: فقال: إن الله عز وجل هو العدل، إنما دعا العباد إلى الايمان به لا إلى الكفر، ولا يدعو أحدا إلى الكفر به، فمن آمن بالله ثم ثبت له الايمان عند الله لم ينقله الله عز وجل بعد ذلك من الايمان إلى الكفر.

قلت له: فيكون الرجل كافرا قد ثبت له الكفر عند الله ثم ينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الايمان؟ قال: فقال: إن الله عز وجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها، لا يعرفون إيمانا بشريعة، ولا كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل تدعو العباد إلى الايمان به، فمنهم من هدى الله ومنهم من لم يهده الله.

بيان: يمكن أن يكون بناء الجوابين على أمر واحد، وهو أن هدايته تعالى وخذلانه المعبر عنه بالاضلال ليسا علتين مستقلتين للنقل من الكفر إلى الايمان ومن الايمان إلى الكفر، بل كل منهما باختيار العبد، والهدايات الخاصة لبعض لا تصيره مجبورا على الايمان، وترك تلك الهدايات لبعض لعدم استحقاقه لها لا يصيره مجبورا على الكفر كما مر تحقيقه.

ويحتمل أن يكون بناؤها على الفرق بينهما، فحاصل الجواب الأول أن المؤمن الواقعي الذي ثبت إيمانه عند الله، ولم يكن منافقا ومستودعا لا يسلب الله منه توفيقه وهدايته، ولا يرجع عن الايمان أبدا، ومن تراه يرجع فليس بمؤمن واقعي بل هو ممن يظهر الايمان، ولم يستقر في قلبه، كما اختاره بعض المتكلمين وحاصل الثاني أن الكفر لما كان أمرا عدميا والناس في بدو الفطرة لم يتصفوا بالايمان، لكنهم على الفطرة القابلة للايمان، وللكفر بمعنى الجحود لا الكفر بمعنى عدم الايمان، فإنه متصف به قبل التصديق والاذعان، فبعث الله الرسل لاتمام الحجة عليهم، ثم بعد ذلك بعضهم يستحق الهدايات والالطاف الخاصة بحسن اختياره، وعدم إبطاله الفطرة الأصلية، فتشمله تلك الألطاف فيختار الايمان

وبعضهم لم يستحق ذلك فيخذله الله فيختار الكفر بمعنى الجحود.

وكأن هذا أظهر من الخبر، لكن فيه أنه لم يظهر منه أنه هل يمكن أن ينقله الله من كفر الجحود إلى الايمان؟ والظاهر أن مراد السائل كان استعلام ذلك ويمكن الجواب بوجهين الأول أن نحمل كلام السائل ثانيا على الاخبار أو التعجب لا الاستفهام، ولما كان كلامه موهما لكون ذلك على الجبر أفاد عليه السلام أن هدايته سبحانه وخذلانه لا يوجبان سلب الاختيار، فإنهم على الفطرة القابلة لهما، والثاني أن يقال إنه أفاد عليه السلام قاعدة كلية يظهر منه جواب ذلك، وهو أنه يمكن ذلك لكن بهذا النحو المذكور لا بالجبر.

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن المؤمن بعد اتصافه بالايمان الحقيقي في نفس الامر ، هل يمكن أن يكفر أم لا؟ ولا خلاف في أنه لا يمكن ما دام الوصف، وإنما النزاع في إمكان زواله بضد أو غيره، فذهب أكثرهم إلى جواز ذلك بل إلى وقوعه، وذلك لان زوال الضد بطريان ضده أو مثله على القول بعدم اجتماع الأمثال ممكن، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وظاهر كثير من الآيات الكريمة دال عليه كقوله تعالى " إن الذين آمنوا ثم كفروا [ثم آمنوا ثم كفروا] ثم ازدادوا كفرا " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ".

وذهب بعضهم إلى عدم جواز زوال الايمان الحقيقي بضد أو غيره، وقال الشهيد الثاني قدس الله روحه ونسب ذلك إلى السيد المرتضى رضي الله عنه مستدلا بأن ثواب الايمان دائم، وعقاب الكفر دائم، والاحباط والموافاة عنده باطلان أما الاحباط فلاستلزام أن يكون الجامع بين الاحسان والإساءة بمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الإساءة، وبمنزلة من لم يسئ مع العكس، واللازم بقسميه باطل قطعا فالملزوم مثله وأما الموافاة فليست

عندنا شرطا في استحقاق الثواب بالايمان، لان وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق، لا يجوز أن تكون منفصلة عنها ولا متأخرة عن وقت حدوثها، والموافاة منفصلة عن وقت حدوث الايمان، فلا يكون وجها ولا شرطا في استحقاق الثواب.

لا يقال: الثواب إنما يستحقه العبد على الفعل كما هو مذهب العدلية، والايمان ليس فعلا للعبد وإلا لما صح الشكر عليه، لكن التالي باطل إذ الأمة مجتمعة على وجوب شكر الله تعالى على نعمة الايمان، فيكون الايمان من فعل الله تعالى إذ لا يشكر على فعل غيره، وإذا لم يكن من فعل العبد فلا يستحق عليه ثوابا فلا يتم دليله، على أنه لا يتعقبه كفر، لان مبناه على استحقاق الثواب على الايمان.

لأنا نقول: بل هو من فعل العبد ونلتزم عدم صحة الشكر عليه، ونمنع بطلانه، قولك في إثباته " الأمة مجتمعة " الخ قلنا الشكر إنما هو على مقدمات الايمان وهي تمكين العبد من فعله، وإقداره عليه، وتوفيقه على تحصيل أسبابه وتوفيق ذلك له، لا على نفس الايمان الذي هو فعل العبد، فان ادعي الاجماع على ذلك سلمناه، ولا يضرنا، وإن ادعي الاجماع على غيره منعناه فلا ينفعهم.

والاعتراض عليه رحمه الله من وجوه أحدها توجه المنع إلى المقدمة القابلة بأن الموافاة ليست شرطا في استحقاق الثواب، وما ذكره في إثباتها من أن وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق لا يجوز أن تكون منفصلة عنها، والموافاة منفصلة عن وقت الحدوث، فلا يكون وجها. لا دلالة له على ذلك، بل إن دل فإنما يدل على أن الموافاة ليست من وجوه الافعال، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون شرطا لاستحقاق الثواب، فلم لا يجوز أن يكون استحقاق الثواب مشروطا بوجوه الافعال مع الموافاة أيضا، لابد لنفي ذلك من دليل.

ثانيها الآيات الكريمة التي مر بعضها، فإنها تدل على إمكان عروض الكفر بعد الايمان بل بعضها على وقوعه، وأجاب السيد عن ذلك بأن المراد والله أعلم من وصفهم بالايمان الايمان اللساني دون القلبي، وقد وقع مثله كثيرا في القرآن

العزيز كقوله تعالى " آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وحيث أمكن صحة هذا الاطلاق، ولو مجازا، سقط الاستدلال بها.

ثالثها أن الشارع جعل للمرتد أحكاما خاصة به، لا يشاركه فيها الكافر الأصلي، كما هو مذكور في كتب الفروع، وهذا أمر لا يمكن دفعه، ولا مدخل للطعن فيه، فان الكتاب العزيز والسنة المطهرة ناطقان بذلك، والاجماع واقع عليه كذلك، ولا ريب أن الارتداد هو الكفر المتعقب للايمان، كما دل عليه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " [" ومن يرتدد منكم عن دينه] فيمت وهو كافر " الآية فقد دل على ما ذكرناه، على أن المؤمن يمكن أن يكفر، أقول: وللسيد رحمه الله أن يجيب عن ذلك بأن ما ذكر إنما يدل على أن من اتصف في ظاهر الشرع بالارتداد، فحكمه كذا وكذا، ولا يدل على أنه صار مرتدا بذلك في نفس الامر فلعله كان كافرا في الأصل، وحكمنا بايمانه ظاهرا للاقرار بما يوجب الايمان مع بقائه على كفره عند الله تعالى، وبفعله ما يوجب الارتداد ظاهرا حكمنا بارتداده أو كان مؤمنا في الأصل وهو باق على إيمانه عند الله تعالى لكن لاقتحامه حرمات الشارع، وتعديه هذه الحدود العظيمة جعل الشارع الحكم بالارتداد عليه عقوبة له لتنحسم بذلك مادة الاقتحام والتعدي من المكلفين، فيتم نظام النواميس الإلهية.

وأقول: الحق أن المعلومات التي يتحقق الايمان بالعلم بها أمور متحققة ثابتة لا تقبل التغير والتبدل، وإذ لا يخفى أن وحدة الصانع تعالى ووجوده وأزليته وأبديته وعلمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات أمور تستحيل تغيرها وكذا كونه تعالى عدلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب وكذا النبوة والمعاد، فإذا علمها الشخص على وجه اليقين والثبات، صار علمه بها كعلمه بوجود نفسه، غير

أن الأول نظري والثاني بديهي، لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين، امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه.

والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره، وإلا لما كان منطبقا، فعلم أن ما يحصل لبعض الناس من تغيير عقيدة الايمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بما ذكرناه من العلم، بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات، لا العلم بها، والظن يمكن تبدله وتغيره، وإن كان المظنون لا يمكن تبدله، لان الانطباق غير حاصل وإلا لصار علما.

إن قلت: يتصور زوال الايمان بصدور بعض الأفعال الموجبة للكفر كما تقدم وإن بقي التصديق اليقيني بالمعارف المذكورة فقد صح أن المؤمن قد يكفر بعد اتصافه بالايمان.

قلت: لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وإن أمكن بالذات، وحينئذ فصدور بعض الأفعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور، وبالجملة فكلام علم الهدى ومذهبه هنا رضي الله عنه في غاية القوة والمتانة، بعد تدقيق النظر وقد ظهر مما حررناه أن القائلين بامكان زوال الايمان بعروض الكفر إن أرادوا به إمكان زوال العلم بالأمور المذكورة، فظاهر أنه ممتنع بالذات، كانقلاب الحقائق وإن أرادوا به إمكان انتفاء الايمان بعروض شئ من الافعال وإن بقي العلم فقد بينا أنه ممتنع بالغير، فان أرادوا بالامكان على هذا التقدير الامكان الذاتي فلا نزاع لاحد فيه، وإن أرادوا به عدم الامتناع ولو بالغير فقد بينا منعه وامتناعه.

وبالجملة فظواهر كثير من الآيات الكريمة والسنة المطهرة تدل على إمكان طروء الكفر على الايمان، وعلى هذا بناء أحكام المرتدين، وهو مذهب أكثر المسلمين، نعم في الاعتبار ما يدل على عدم جواز طروئه عليه كما أشرنا إليه، إن جعلنا الايمان عبارة عن التصديق مع الاقرار أو حكمه، لكن الأول هو الأرجح

في النفس انتهى.

وأقول: إذا اكتفي في الايمان بالظن الحاصل من التقليد أو غيره، فلا ريب في أنه يجوز تبدل الايمان بالكفر، وإن اشترط فيه العلم القطعي ففي جواز زواله إشكال، ولما لم يقم دليل تام على عدم الجواز مع أن ظواهر الآيات والاخبار تدل على الجواز، فالجواز أقوى مع أن كثيرا ما يعرض للانسان أنه يقطع بأمر بحيث لا يحتمل عنده خلافه، ثم يتزلزل لشبهة قوية تعرض له، والقول بأنه ظن قوي يتوهم قطعا بعيد، نعم إن اعتبر في الايمان اليقين، وفسر بأنه اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع يمتنع زواله، فبعد زواله انكشف أنه لم يكن مؤمنا لكن اعتبار ذلك أول الكلام، وقد شرحنا الخبر في مرآة العقول وحققنا ذلك بوجه آخر فان أردت الاطلاع عليه فارجع إليه.

2 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصر، ومن لم يدر الامر الذي هو عليه مقيم أنفع هو له أم ضرر، قال: قلت: فبما يعرف الناجي؟ قال:

من كان فعله لقوله موافقا فأثبت له الشهادة بالنجاة ، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع.

الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان مثله إلى قوله فبما يعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك إلى قوله فأثبتت له الشهادة.

بيان: " إن الحسرة والندامة والويل " الحسرة اسم من حسرت على الشئ حسرا من باب تعب وهي التلهف والتأسف على فوات أمر مرغوب، والندامة الحزن على فعل شئ مكروه، والويل العذاب، وواد في جهنم يعني هذا كله لمن لم ينتفع بما أبصره وعلمه من العقائد والاحكام والأعمال والأخلاق والآداب، وعدم الانتفاع بها بأن لا يعمل بمقتضى علمه بها، ولم يدر ما الامر الذي هو عليه مقيم من العقائد

والأعمال والأخلاق. " أنفع " بصيغة المصدر أي نافع، ويحتمل الماضي، وكذا " أو ضر " يحتملهما، والأول أظهر فيهما، وفيه حث على مراقبة النفس في جميع الحالات، ومحاسبتها في جميع الحركات والسكنات، ليعلم ما ينفعها، فيجلبها ويزيد منها، وما يضرها فيجتنبها.

" فبما يعرف الناجي من هؤلاء " أي من يكون أمره آئلا إلى النجاة من المهالك وعقوبات الآخرة " فقال من كان فعله لقوله موافقا " أي لقوله الحق، وهو ما يأمر الناس به من الخيرات والطاعات وترك المنكرات، أو لما يدعيه من الايمان بالله واليوم الآخر والأنبياء والأوصياء عليهم السلام، فان مقتضى ذلك العمل بما يأمره الله تعالى، ويوجب الوصول إلى مثوباته، والنجاة من عقوباته، ومتابعة أئمة الدين في أقوالهم وأفعالهم، أو لما يدعي لنفسه من الكمالات، وما نصب نفسه له من الحالات والدرجات أو الجميع.

" فأثبتت له الشهادة " على صيغة المجهول أي يشهد الله تعالى وملائكته وحججه عليهم السلام وكمل المؤمنين بأنه من الناجين، لاتصافه بكمال الحكمة النظرية لقوله الحق، وكمال الحكمة العملية لعمله بأقواله الحقة، وفي بعض النسخ " فأتت ". " ومن لم يكن فعله لقوله موافقا " أي بأن يكون قوله حقا وفعله باطلا كما هو شأن أكثر الخلق " فإنما ذلك مستودع " إيمانه، غير ثابت فيه، فيحتمل أن يبقى على الحق ويثبت له الايمان، وتحصل له النجاة، وأن يزول عن الحق ويعود إلى الشقاوة، ويستحق الويل والحسرة والندامة.

3 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري وغيره، عن عيسى شلقان قال: كنت قاعدا فمر أبو الحسن موسى عليه السلام ومعه بهمة، قال: فقلت: يا غلام ما ترى ما يصنع أبوك؟ يأمرنا بالشئ ثم ينهانا عنه: أمرنا أن نتولى أبا الخطاب، ثم أمرنا أن نلعنه ونتبرأ منه؟ فقال أبو الحسن عليه السلام وهو غلام: إن الله خلق خلقا للايمان لا زوال له، وخلق خلقا للكفر لا زوال له، وخلق خلقا بين ذلك أعارهم الايمان، يسمون المعارين، إذا

شاء سلبهم، وكان أبو الخطاب ممن أعير الايمان، قال: فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته بما قلت لأبي الحسن عليه السلام وما قال لي، فقال أبو عبد الله عليه السلام:

إنه نبعة نبوة.

بيان: في المصباح البهمة ولد الضأن، يطلق على الذكر والأنثى، والجمع بهم، مثل، تمرة وتمر، وجمع البهم بهام مثل سهم وسهام، وتطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبا، فإذا انفردت قيل لأولاد الضأن بهام ولأولاد المعز سخال، وقال ابن فارس: البهم صغار الغنم، وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها الضأن أو المعز ذكرا كان الولد أو أنثى: سخلة ثم هي بهمة والجمع بهم وقال: الغلام الابن الصغير، وأبو الخطاب هو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي وكان في أول الحال ظاهرا من أجلاء أصحاب الصادق عليه السلام ثم ارتد وابتدع مذاهب باطلة، ولعنه الصادق عليه السلام وتبرأ منه، وروى الكشي روايات كثيرة، تدل على كفره ولعنه واختلف الأصحاب فيما رواه في حال استقامته، والأكثر على جواز العمل بها، وكأنه متفرع على المسألة السابقة، فمن ادعى جواز تحقق الايمان وزواله يجوز العمل بروايته لأنه حينئذ كان مؤمنا ومن زعم أنه كاشف من عدم كونه مؤمنا لا يجوز العمل بها.

" إنه نبعة نبوة " أي علمه من ينبوع النبوة، أو هو غصن من شجرة النبوة والرسالة، في القاموس: نبع الماء ينبع مثلثة نبعا ونبوعا خرج من العين، والنبع شجر للقسي وللسهام ينبت في قلة الجبل.

4 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم ابن حبيب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جبل النبيين على نبوتهم فلا يرتدون أبدا، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبدا، و

جبل بعض المؤمنين على الايمان فلا يرتدون أبدا، ومنهم من يعير الايمان عارية فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الايمان.

بيان: في القاموس جبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم وعلى الشئ طبعه وجبره كأجبله " فإذا هو دعا " فيه حث على الدعاء لحسن العاقبة، وعدم الزيغ، كما كان دأب الصالحين قبلنا، وفيه دلالة أيضا على أن الاتمام والسلب مسببان عن فعل الانسان لأنه يصير بذلك مستحقا للتوفيق والخذلان.

وجملة القول في ذلك أن كل واحد من الايمان والكفر قد يكون ثابتا، وقد يكون متزلزلا يزول بحدوث ضده، لان القلب إذا اشتد ضياؤه وكمل صفاؤه استقر الايمان وكل ما هو حق فيه، وإذا اشتدت ظلمته وكملت كدورته استقر الكفر وكل ما هو باطل فيه، وإذا كان بين ذلك باختلاط الضياء والظلمة فيه، كان مترددا بين الاقبال والادبار، ومذبذبا بين الايمان والكفر، فان غلب الأول دخل الايمان فيه من غير استقرار، وإن غلب الثاني دخل الكفر فيه كذلك، وربما يصير الغالب مغلوبا فيعود من الايمان إلى الكفر ومن الكفر إلى الايمان، فلابد للعبد من مراعاة قلبه، فان رآه مقبلا إلى الله عز وجل شكره، وبذل جهده، وطلب منه الزيادة لئلا يستدبر وينقلب و يزيغ عن الحق كما ذكر سبحانه عن قوم صالحين " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " وإن رآه مدبرا زائغا عن الحق تاب واستدرك ما فرط فيه، وتوكل على الله، وتوسل إليه بالدعاء والتضرع لتدركه العناية الربانية، فتخرجه من الظلمات إلى النور، وإن لم يفعل ربما سلط عليه عدوه الشيطان، واستحق من ربه الخذلان، فيموت مسلوب الايمان كما قال سبحانه " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " أعاذنا الله من ذلك وسائر أهل الايمان.

5 - رجال الكشي: عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن عيسى شلقان قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام وهو يومئذ غلام قبل أوان بلوغه: جعلت فداك ما هذا الذي يسمع من أبيك؟ إنه أمرنا بولاية أبي الخطاب ثم أمرنا بالبراءة منه؟ قال: قال أبو الحسن عليه السلام من تلقاء نفسه: إن الله خلق الأنبياء على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الايمان فلا يكونون إلا مؤمنين، و استودع قوما إيمانا فان شاء أتمه وإن شاء سلبهم إياه، وإن أبا الخطاب كان ممن أعاره الله الايمان فلما كذب على أبي سلبه الله الايمان.

قال: فعرضت هذا الكلام على أبي عبد الله عليه السلام قال: فقال: لو سألتنا عن ذلك ما كان ليكون عندنا غير ما قال.

6 - قرب الإسناد: عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: إن جعفرا عليه السلام كان يقول: " فمستقر ومستودع " فالمستقر ما ثبت من الايمان، و المستودع المعار، وقد هداكم الله لأمر جهله الناس، فاحمدوا الله على ما من عليكم به.

7 - قرب الإسناد: عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: إن الله عز وجل قد هداكم ونور لكم، وقد كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: إنما هو مستقر ومستودع فالمستقر الايمان الثابت، والمستودع المعار أتستطيع أن تهدي من أضل الله.

8 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: " هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال: ما يقول أهل بلدك الذي أنت فيه؟ قال:

قلت: يقولون مستقر في الرحم، ومستودع في الصلب، فقال: كذبوا المستقر ما استقر الايمان في قلبه، فلا ينزع منه أبدا والمستودع الذي يستودع الايمان زمانا

ثم يسلبه، وقد كان الزبير منهم.

9 - تفسير العياشي: عن جعفر بن مروان قال: إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله وقال: لا أغمده حتى أبايع لعلي، ثم اخترط سيفه فضارب عليا فكان ممن أعير الايمان، فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه.

10 - تفسير العياشي: عن سعيد بن أبي الإصبع قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يسأل عن مستقر ومستودع، قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه، ولقد مشى الزبير في ضوء الايمان ونوره حين قبض رسول الله حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا.

11 - تفسير العياشي: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام " هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال: ما كان من الايمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة - أو أبدا وما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات.

12 - تفسير العياشي: عن صفوان قال: سألني أبو الحسن عليه السلام ومحمد بن خلف جالس فقال لي: مات يحيى بن القاسم الحذاء؟ فقلت له: نعم، ومات زرعة، فقال: كان جعفر عليه السلام يقول: " فمستقر ومستودع " فمستقر: قوم يعطون الايمان، ويستقر في قلوبهم، والمستودع: قوم يعطون الايمان ثم يسلبونه.

13 - تفسير العياشي: عن أبي الحسن الأول قال: سألته عن قول الله " فمستقر ومستودع " قال: المستقر الايمان الثابت، والمستودع المعار.

14 - تفسير العياشي: عن أحمد بن محمد قال: وقف علي أبو الحسن الثاني عليه السلام في بني زريق فقال لي وهو رافع صوته: يا أحمد! قلت: لبيك، قال: إنه لما قبض

رسول الله صلى الله عليه وآله جهد الناس على إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره بأمير المؤمنين عليه السلام فلما توفي أبو الحسن عليه السلام جهد علي بن أبي حمزة وأصحابه على إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره وإن أهل الحق إذا دخل فيهم داخل سروا به، و إذا خرج منهم خارج لم يجزعوا عليه، وذلك أنهم على يقين من أمرهم وإن أهل الباطل إذا دخل فيهم داخل سروا به، وإذا خرج عنهم خارج جزعوا عليه، وذلك أنهم على شك من أمرهم، إن الله يقول: " فمستقر ومستودع " قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: المستقر الثابت، والمستودع المعار.

رجال الكشي: عن حمدويه، عن الحسن بن موسى، عن داود بن محمد، عن أحمد مثله.

15 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم قال: سمعته يقول: إن الله خلق خلقا للايمان لا زوال له، وخلق خلقا للكفر لا زوال له، وخلق خلقا بين ذلك فاستودع بعضهم الايمان، فان شاء أن يتمه لهم أتمه، وإن شاء أن يسلبهم إياه سلبهم.

16 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام مثله وزاد في آخره: وكان فلان منهم معارا.

بيان: " خلق خلقا للايمان " قيل: اللام لام العاقبة أي خلق خلقا عاقبتهم الايمان في العلم الأزلي لا زوال لايمانهم، وهم الأنبياء والأوصياء والتابعون لهم من المؤمنين الثابتين على الايمان، وخلق خلقا عاقبتهم الكفر في علمه عز وجل، و خلق خلقا مترددين بين الايمان والكفر مستضعفين في علمه فمن آمن منهم كان إيمانه مستودعا، فان يشأ الله أن يتمه لهم لحسن استعدادهم وإقبالهم إلى الله عز وجل أتمه

بفضله وتوفيقه، وجعله ثابتا مستقرا فيهم، وإن يشأ أن يسلبهم إياه لزوال استعدادهم الفطري وفساد استعدادهم الكسبي، سلبهم ورفع عنهم توفيقهم، ويفهم بالمقايسة حال من كفر منهم.

وأقول: من علم أنهم يموتون على الايمان كان ينبغي أن يدخلهم في القسم الأول على هذا الوجه، ومن علم أنهم يموتون على الكفر في القسم الثاني بل الأحسن أن يقال لما علم الله سبحانه استعداداتهم وقابلياتهم، وما يؤل إليه أمرهم ومراتب إيمانهم وكفرهم، فمن علم أنهم يكونون راسخين في الايمان كاملين فيه وخلقهم فكأنه خلقهم للايمان الكامل الراسخ وكذا الكفر، ومن علم أنهم يكونون متزلزلين مترددين بين الايمان والكفر فكأنه خلقهم كذلك، فهم مستعدون لايمان ضعيف، فمنهم من يختم له بالايمان، ومنهم من يختم له بالكفر فهم المعارون.

والظاهر أن المراد بفلان أبو الخطاب وكنى عنه بفلان لمصلحة، فان أصحابه كانوا جماعة كثيرة كان يحتمل ترتب مفسدة على التصريح باسمه، ويحتمل أن يكون كناية عن ابن عباس فإنه قد انحرف عن أمير المؤمنين عليه السلام وذهب بأموال البصرة إلى الحجاز، ووقع بينه عليه السلام وبينه مكاتبات تدل على شقاوته وارتداده كما مر والتقية فيه أظهر لكن سيأتي التصريح بأبي الخطاب في خبر شلقان وعلى التقديرين " منهم " خبر كان وضمير الجمع للخلق بين ذلك و " معارا " خبر بعد خبر وقيل: فلان كناية عن عثمان والضمير للخلفاء الثلاثة، والظرف حال عن فلان ومعارا خبر كان، ولا يخفى بعده لفظا ومعنى، فان الثلاثة كانوا كفرة لم يؤمنوا قط.

17 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب والقاسم بن محمد الجوهري، عن كليب بن معاوية الأسدي، عن

أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، وقوم يعارون الايمان ثم يسلبونه، ويسمون المعارين، ثم قال:

فلان منهم.

بيان: " ثم يسلبونه " يدل على أن السلب متعد إلى مفعولين بخلاف ما يظهر من كتب اللغة ويومئ إليه أيضا تمثيلهم لبدل الاشتمال بقولهم سلب زيد ثوبه إذ لو كان متعديا إلى مفعولين لما احتاج إلى البدلية لكن لا عبرة بقولهم بعد وروده في كلام أفصح الفصحاء.

18 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الايمان فلا يكونون إلا مؤمنين وأعار قوما إيمانا فان شاء تممه لهم، وإن شاء سلبهم إياه، وقال: وفيهم جرت " فمستقر ومستودع " وقال لي: إن فلانا كان مستودعا إيمانه، فلما كذب علينا سلب

إيمانه ذلك.

بيان: قال تعالى: " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال البيضاوي: أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض أو موضع الاستقرار والاستيداع، وقرء ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل والمستودع [اسم] مفعول أي ومنكم قار ومنكم مستودع لان الاستقرار منا دون الاستيداع انتهى ولعل تأويله عليه السلام أنسب بالقراءة الأخيرة أي فمنكم إيمانه مستقر أي ثابت و بعضكم إيمانه مستودع، أو بعضكم مستقر في الايمان، وبعضكم غير مستقر و " مستودع " اسم مفعول أو اسم مكان، وعلى القراءة الأولى اسم مكان أي بعضكم محل استقرار الايمان، والمستودع يحتمل الوجهين، قوله " سلب إيمانه " يحتمل بناء المفعول والفاعل، وعلى الثاني " ذلك " إشارة إلى الكذب.

19 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حد البراءة، والهجرة قائمة على حدها الأول ما كان لله في أهل الأرض حاجة من مستسر الأمة ومعلنها لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها اذنه، ووعاها قلبه إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للايمان، ولا تعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة.

أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض، قبل أن تشغر فتنة تطأ في خطامها وتذهب بأحلام قومها.

بيان: العواري جمع العارية بالتشديد فيهما كأنها منسوبة إلى العار، فان

طلبها عار وعيب، قال ابن ميثم رحمه الله: قوله عليه السلام فمن الايمان إلى آخره قسمة للايمان إلى قسمين أحدهما الثابت المستقر في القلوب الذي صار ملكة، وثانيهما ما كان في معرض الغير والانتقال، واستعار عليه السلام لفظ العواري لكونه في معرض الاسترجاع والرد، وكنى عليه السلام بكونه بين القلوب والصدور عن كونه غير مستقر في القلوب ولا متمكن من جواهر النفوس.

وقال ابن أبي الحديد: أراد عليه السلام: من الايمان ما يكون على سبيل الاخلاص ومنه ما يكون على سبيل النفاق وقوله عليه السلام " إلى أجل معلوم " ترشيح لاستعارة العواري وهذه القسمة إلى القسمين هي الموجودة في نسخة الرضي رضي الله عنه بخطه وفي نسخ كثير من الشارحين ونسخ كثيرة معتبرة ثلاثة أقسام هكذا " فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري [في القلوب، ومنه ما يكون عواري] بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم.

وقال ابن أبي الحديد في بيانها: إن الايمان إما أن يكون ثابتا مستقرا بالبرهان وهو الايمان الحقيقي، أو ليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدلي ككثير ممن لم يحقق العلوم العقلية وهو الذي عبر عليه السلام عنه بقوله عواري في القلوب فهو وإن كان في القلب الذي هو محل الايمان الحقيقي إلا أن حكمه حكم العارية في البيت وإما أن يستند إلى تقليد وحسن ظن بالاسلاف وقد جعله عليه السلام عواري بين القلوب والصدور، لأنه دون الثاني فلم يجعله حالا في القلب، ورد قوله عليه السلام إلى أجل معلوم إلى القسمين الأخيرين لان من لم يبلغ درجة البرهان ربما ينحط إلى درجة المقلد، فيكون إيمان كل منهما إلى أجل معلوم، لكونه في معرض الزوال.

" فإذا كانت لكم براءة " الخ قيل: أي إذا أردتم التبري من أحد فاجعلوه موقوفا إلى حال الموت، ولا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت، لأنه يجوز أن يتوب ويرجع، فإذا مات ولم يتب جازت البراءة منه، لأنه ليس له بعد الموت حالة

تنتظر، وينبغي أن تحمل هذه البراءة على البراءة المطلقة، لجواز التبري من الفاسق وهو حي، ومن الكافر وهو حي، لكن بشرط الاتصاف بأحد الوصفين، بخلاف ما بعد الموت.

وقيل: المعنى انتظروا حتى يأتيه الموت فإنه ربما يكون معتقدا للحق ويكتم إيمانه لغرض دنيوي، وقيل: هذا إشارة إلى ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة على المنافقين، فإذا كبر أربعا كانوا يعلمون أنه منافق، وإذا كبر خمسا كانوا يعلمون أنه مؤمن، فأشار عليه السلام إلى أنه عند الموت تقع البراءة وتصح بعلامة تكبيراته الأربع، وكلا الوجهين كما ترى.

والظاهر أن المراد بالبراءة قطع العلائق الايمانية التي يجوز معها الاستغفار كما يومئ إليه قوله سبحانه " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى " إلى قوله تعالى " فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ".

" والهجرة قائمة " الخ وأصل الهجرة المأمور بها الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام، وقال في النهاية: فيه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وفي حديث آخر لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، الهجرة في الأصل اسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرا وهجرانا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية، يقال منه هاجر مهاجرة.

والهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " فكان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وآله ويدع أهله وماله لا يرجع في شئ منه، وينقطع بنفسه إلى مهاجره، وكان النبي صلى الله عليه وآله يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها، فمن ثم قال " لكن البائس سعد بن خولة " يرثي له أن مات بمكة وقال حين قدم مكة " اللهم لا

تجعل منايانا بها " فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة، وانقطعت الهجرة.

والهجرة الثانية من هاجر من الاعراب وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى، فهو مهاجر، وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، وهو المراد بقوله " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة " فهذا وجه الجمع بين الحديثين، وإذا اطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة انتهى.

وقال ابن أبي الحديد: هذا كلام من أسرار الوصية يختص به علي عليه السلام لان الناس يروون أن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا هجرة بعد الفتح " فشفع عمه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثنيه فاستثناه، وهذه الهجرة التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك بل هي الهجرة إلى الامام، وقال بعض الأصحاب:

تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الاسلام مع المكنة ويستحب للقادر على إظهارها، تحرزا عن تكثير سواد المشركين، والمراد بها الأمور التي تختص بالاسلام كالاذان والإقامة، وصوم شهر رمضان، وغير ذلك وألحق بعضهم ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكن فيها المؤمن من إقامة شعائر الايمان مع الامكان. ولو تعذرت الهجرة لمرض أو عدم نفقة أو غير ذلك فلا حرج لقوله تعالى " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفورا رحيما ".

والظاهر أن قوله عليه السلام " ما كان لله في أهل الأرض حاجة " كناية عن بقاء التكليف كما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة وللتجوز مجال واسع وفي الصحيفة السجادية: " ولا ترسلني من يدك إرسال من لا خير فيه، ولا حاجة بك إليه " وقيل كلمة ما هيهنا نافية ووجهوه بتوجيهات

ركيكة، والسر ما يكتم واستسر أي استتر واختفى، فالمختفي حينئذ كمن لا يختفي بل يعلن نفسه لأنه لا يخاف ولا يتقي لدينه أو غيره، وقيل أي ممن أسر دينه أو أظهره وأعلنه، " ومن " لبيان الجنس، وقيل: زائدة، ولو حذفت لجر المستسر بدلا من أهل الأرض.

" لا تقع اسم الهجرة " الخ أي يشترط في صدق الهجرة معرفة الامام والاقرار به، والمراد بقوله " فمن عرفها " الخ أنه مهاجر بشرط الخروج إلى الامام، والسفر إليه، أو المراد بالمعرفة المعرفة المستندة إلى المشاهدة والعيان ويحتمل أن يكون المراد أن مجرد معرفة الامام والاقرار بوجوب اتباعه كاف في إطلاق اسم الهجرة كما هو ظاهر الجزء الأخير من الكلام، ويدل عليه بعض أخبارنا، فمعرفة الامام والاقرار به في زمانه قائم مقام الهجرة المطلوبة في زمان الرسول صلى الله عليه وآله.

وقال بعض الأصحاب: الهجرة في زمان الغيبة سكنى الأمصار لأنها تقابل البادية مسكن الاعراب، والأمصار أقرب إلى تحصيل الكمالات من القرى والبوادي فان الغالب على أهلها الجفاء والغلظة، والبعد عن العلوم والكمالات كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الجفاء والقسوة في الفدادين وقيل هي الخروج إلى طلب العلوم فيعم الخروج عن القرى والبوادي، والخروج عن بلد لا يمكن فيه طلب العلم.

" ولا يقع اسم الاستضعاف " الخ الاستضعاف عد الشئ ضعيفا أو وجدانه ضعيفا واستضعفه أي طلب ضعفه، والحجة الدليل والبرهان، ويعبر به عن الامام لأنه دليل الحق، والمراد به هنا إما دليل الحق من أصول الدين أو الأعم أو الامام بتقدير مضاف أي حجة الحجة.

قال القطب الراوندي رحمه الله: يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى إحدى آيتين إحداهما " إن الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا

كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا " فيكون مراده عليه السلام على هذا أنه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الامام وبلغته أحكامه، ووعاها قلبه، وإن بقي في ولده وأهله لم يتجشم السفر إلى الامام، كما صدق على هؤلاء المذكورين في الآية والثانية قوله تعالى بعد ذلك: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء " الآية فيكون مراده على هذا أن من عرف الامام، وسمع مقالته، ووعاها قلبه، لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما صدق على هؤلاء، إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول المهاجرة بالأبدان دون من بعدهم، بل يقنع منهم بمعرفته والعمل بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن.

وقال ابن ميثم رحمه الله بعد حكاية كلامه: وأقول: يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجة فسمعتها اذنه، في تأخيره عن النهوض والمهاجرة إليه، مع قدرته على ذلك ولا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حتى يكون ذلك عذرا له، بل يكون في تأخره ملوما مستحقا للعقاب كالذين قالوا كنا مستضعفين في الأرض ويكون مخصوصا بالقادرين على النهوض دون العاجزين، فان اسم الاستضعاف صادق عليهم انتهى.

وأقول: سيأتي شرح هذا الكلام في أخبار كثيرة وأن المراد به أن المستضعف المعذور في معرفة الامام في زمان الهدنة في الجملة، إنما هو إذا لم تبلغه الحجة واختلاف الناس فيه، أو بلغه ولم يكن له عقل يتميز به بين الحق والباطل، كما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى.

" إن أمرنا صعب مستصعب " الصعب العسر والابي الذي لا ينقاد بسهولة ضد الذلول واستصعب الامر أي صار صعبا، واستصعبت الامر أي وجدته صعبا

وحملته واحتملته، بمعنى، وحملته بالتشديد فاحتمله، والامتحان الاختبار وامتحن الله قلبه أي شرحه ووسعه.

قال ابن أبي الحديد قال الله تعالى: " أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " يقال: امتحن فلان لأمر كذا، أي جرب للنهوض به، فهو قوي على احتمال مشاقه ويجوز أن يكون بمعنى المعرفة لان تحقيقك الشئ إنما يكون باختباره فوضع موضعها فيتعلق اللام بمحذوف، أي كائنة له، وهي اللام التي في قولك " أنت لهذا الامر " أي مختص به ويكون مع معمولها منصوبة على الحال، ويجوز أن يكون المعنى ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن لأجل التقوى أي ليثبت ويظهر تقواها ويعلم أنهم متقون، لان التقوى لا يعلم إلا عند الصبر على المحن والشدائد أو أخلص قلوبهم للتقوى أي أذابه وصفاه. ووعيت الحديث أي حفظته وفهمته والغرض حفظ الحديث عن الإذاعة، وضبط الاسرار عن إفضائها إلى غير أهلها أو الاذعان الكامل به، وعدم التزلزل عند العجز عن المعرفة التفصيلية به، فيكون كالتفسير لما قبله، والحلم بالكسر الأناة والعقل، والرزانة: الوقار.

وحاصل الكلام أن شأنهم وما هم عليه من الكمال، والقدرة على خوارق العادات صعب لا يحصل لغيرهم، مستصعب الفهم على الخلق، أو فهم علومهم وإدراك أسرارهم مشكل يستصعبه أكثر الخلق، فلا يقبله حق القبول بحيث لا يخرج إلى طرف الافراط بالغلو أو التفريط بعدم التصديق، أو القول بعدم الحق لسوء الفهم إلا قلب عبد شرحه الله وصفاه للايمان، فيحمل كلما يأتون به على وجهه، إذا وجد له محملا، ويصدق إجمالا بكل ما عجز عن معرفته تفصيلا ويرد علمه إليهم عليهم السلام.

والمراد بطرق السماء الطرق التي يصعد منها الملائكة ويرفع فيها أعمال العباد، أو منازل سكان السماوات ومراتبهم، أو الأمور المستقبلة وما خفي على الناس مما لا يعلم إلا بتعليم رباني فان مجاري نزولها في السماء، أو أحكام الدين وقواعد الشريعة

وعلى ما يقابل كل واحد منها يحمل طرق الأرض.

وشغر البلد كمنع إذا خلا من حافظ يمنعه، وبلدة شاغرة برجلها لم تمنع عن غارة أحد، وشغرت المرأة رفعت رجلها للنكاح، وشغرتها فعلت بها ذلك يتعدى ولا يتعدى، وشغر الكلب إذا رفع أحد رجليه ليبول، وقيل: الشغر البعد والاتساع، وقيل: كني بشغر رجلها عن خلو تلك الفتنة عن مدبر يردها ويحفظ الأمور وينظم الدين، ويحتمل أن يكون كناية عن شمولها للبلاد والعباد من الشغر بمعنى الاتساع، أو من شغر الكلب، أو من شغرة المرأة كناية عن تكشفها وعدم مبالاتها بظهور عيوبها وإبداء سوأتها، والوطء الدوس بالرجل، والخطم بالفتح من الدابة مقدم أنفها، وككتاب ما يوضع في أنف البعير ليقتاد به، والوطء في الخطام كناية عن فقد القائد وإذا خلت الناقة من القائد تعثر وتخبط، وتفسد ما تمر عليه بقوائمها.

" وتذهب بأحلام قومها " أي تفسد عقول أهلها فكانت أفعالهم على خلاف ما يقتضيه العقل، فالمراد بأهلها المفسدون، أو يتحير أهل زمانها فلا يهتدون إلى طريق التخلص عنها، فأهلها من أصابته البلية، أو يأتي أهل ذلك الزمان إليها رغبة ورهبة ولا يتفحصون عن كونها فتنة لغفلتهم عن وجه الحق فيها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.