بحارالانوار · المجلد السادس عشر
58. باب الافتتاح بالتسمية عند كل فعل والاستثناء بمشية
ج ۷۳، ص ۳۰۳–۳۰۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
وقال تعالى: ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وقال تعالى: ستجدني إنشاء الله صابرا.
القلم: إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصر منها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين - إلى قوله تعالى: قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون.
1 - تفسير الإمام العسكري: قال الصادق عليه السلام: ولربما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا " بسم الله الرحمن الرحيم " فيمتحنه الله بمكروه، وينبهه على شكر الله تعالى والثناء عليه، ويمحو فيه عنه وصمة تقصيره عند تركه قول: " بسم الله " لقد دخل عبد الله ابن يحيى على أمير المؤمنين عليه السلام وبين يديه كرسي فأمره بالجلوس عليه فجلس عليه فمال به حتى سقط على رأسه فأوضح عن عظم رأسه وسال الدم فأمر أمير المؤمنين بماء فغسل عنه ذلك الدم ثم قال: ادن مني فوضع يده على موضحته - وقد كان يجد من ألمها ما لا صبر له معه - ومسح يده عليها وتفل فيها فما هو أن فعل ذلك حتى اندمل فصار كأنه لم يصبه شئ قط، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا عبد الله الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم لتسلم لهم طاعاتهم، ويستحقوا عليها ثوابها....
فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين قد أفدتني وعلمتني فان أردت أن تعرفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس حتى لا أعود إلى مثله قال: تركك حين جلست أن تقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " فجعل الله ذلك لسهوك عما ندبت إليه تمحيصا بما أصابك أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني عن الله جل وعز أنه قال: كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر، فقلت: بلى بأبي أنت وأمي لا أتركها بعدها، قال: إذا تحظى بذلك وتسعد.
2 - تفسير العياشي: عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: إذا حلف الرجل بالله، فله ثنياها إلى أربعين يوما وذلك أن قوما من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن شئ، فقال: ائتوني غدا - ولم يستثن - حتى أخبركم، فاحتبس عنه جبرئيل عليه السلام أربعين يوما ثم أتاه وقال:
" ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ".
3 - تفسير العياشي: عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام ذكر أن آدم عليه السلام لما أسكنه
الله الجنة فقال له: يا آدم لا تقرب هذه الشجرة، فقال: نعم، يا رب ولم يستثن فأمر الله نبيه فقال: " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت " ولو بعد سنة.
4 - تفسير العياشي: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله تعالى:
" ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " أن لا أفعله فسبق مشية الله في أن لا أفعله، فلا أقدر على أن أفعله. قال: فلذلك قال الله: " واذكر ربك إذا نسيت " أي استثن مشية الله في فعلك.
5 - تفسير العياشي: عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله:
" واذكر ربك إذا نسيت " قال: أن تستثني، ثم ذكرت بعد، فاستثن حين تذكر.
أقول: قد أوردنا بعض الأخبار في باب أحكام اليمين.
6 - مكارم الأخلاق: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا توضأ أحدكم أو شرب أو أكل أو لبس وكل شئ يصنعه ينبغي له أن يسمي فإن لم يفعل كان للشيطان فيه شرك.
7 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنبر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " قال:
إن الله لما قال لادم: ادخل الجنة، قال له: يا آدم لا تقرب هذه الشجرة، قال:
فأراه إياها، فقال آدم لربه: كيف أقربها وقد نهيتني عنها، أنا وزوجتي، قال:
فقال لهما: لا تقرباها يعني لا تأكلا منها فقال آدم وزوجته: نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها، ولم يستثنيا في قولهما نعم فوكلهما الله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما، قال: وقد قال الله لنبيه في الكتاب: " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " أن لا أفعله، فتسبق مشية الله في أن لا أفعله، فلا أقدر على
أن أفعله قال: فلذلك قال الله: " واذكر ربك إذا نسيت " أي استثن مشية الله في فعلك.
8 - الحسين بن سعيد أو النوادر: روى لي مرازم قال: دخل أبو عبد الله عليه السلام يوما إلى منزل يزيد وهو يريد العمرة فتناول لوحا فيه كتاب لعمه فيه أرزاق العيال، وما يجري لهم فإذا فيه لفلان وفلان وليس فيه استثناء فقال له: من كتب هذا الكتاب ولم يستثن فيه كيف ظن أنه يتم، ثم دعا بالدواة فقال: الحق فيه في كل اسم إنشاء الله.
أقول: قال السيد المرتضى قدس روحه في كتاب الغرر والدرر: إن سأل سائل عن قوله تعالى: " ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ".
فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده؟ لأنه تعالى لم يخص شيئا من شئ وهذا بخلاف مذهبكم، وليس أن تقولوا إن خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة وهو لا يفعل إلا ما يشاء الله تعالى لأنه قد يفعل المباح بلا خلاف، ويفعل الصغائر عند أكثركم فلا بد أن يكون في أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، ولأنه أيضا تأديب لنا كما أنه تعليم له عليه السلام ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما نفعل.
الجواب: قلنا تأويل هذه الآية مبني على وجهين: أحدهما أن يجعل حرف الشرط الذي هو " أن " متعلقا بما يليه وبما هو متعلق به في الظاهر، من غير تقدير محذوف، ويكون التقدير ولا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد الله تعالى، وهذا الجواب ذكره الفراء وما رأيته إلا له، ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا، مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل، وعلى هذا الجواب لا شبهة في الآية ولا سؤال للقوم علينا، وفي هذا الوجه ترجيح على غيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر ولم نقدر محذوفا، وكل جواب طابق الظاهر، ولم يبن على محذوف كان أولى.
والجواب الاخر أن تجعل " أن " متعلقة بمحذوف ويكون التقدير ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله، لان من عاداتهم إضمار القول في مثل هذا الموضع، واختصار الكلام إذا طال، وكان في الموجود منه
دلالة على المفقود، وعلى هذا الوجه يحتاج إلى جواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من الله تعالى لعباده وتعليم لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة، حتى يخرج من حد القطع، ولا شبهة في أن ذلك مختص بالطاعات وأن الافعال القبيحة خارجة عنه، لان أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إني أزني غدا إن شاء الله أو أقتل مؤمنا وكلهم يمنع من ذلك أشد المنع، فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامة في جميع الأفعال.
وأما أبو علي الجبائي محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر في تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال: إنما عنى بذلك أن من كان لا يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول: إني سأفعل غدا كذا وكذا، فيطلق الخبر بذلك، وهو لا يدري لعله سيموت ولا يفعل ما أخبر به لان هذا الخبر إذا لم يوجده مخبره على ما أخبر به المخبر، فهو كذب، وإذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله تعالى نحو الموت والعجز أو بعض الأمراض أو لا يوجد ذلك بأن يبدو له في ذلك فلا يأمن أن يكون خبره كذبا في معلوم الله عز وجل وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به، ولا يسلم خبره هذا من الكذب، إلا بالاستثناء الذي ذكره الله تعالى.
فإذا قال: إني صائر غدا إلى المسجد إنشاء الله فاستثنى في مصيره مشية الله تعالى خرج من أن يكون خبره في هذا كذبا، لان الله تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك، وكان المصير منه لا محالة، وإذا كان ذلك على ما وصفناه لم يكن خبره هذا كذبا، وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد لأنه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشية الله تعالى.
قال: وينبغي أن لا يستثني مشية دون مشية لأنه إن استثنى في ذلك مشية الله لمصيره إلى المسجد على وجه التعبد فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا لان الانسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه تعالى منه ويتعبده به، ولو كان استثنى مشية الله تعالى لان يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن
يكون خبره كذبا لأنه قد يجوز أن لا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا فلا يأمن من الكذب في هذا الخبر دون أن يستثني المشية العامة التي ذكرناها فإذا دخلت هذه المشية في الاستثناء فقد أمن من أن يكون خبره كذبا إذا كانت هذه المشية متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة.
قال: وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال: " والله لأصيرن غدا إلى المسجد إن شاء الله " لأنه إن استثنى على سبيل ما بينا لم يجز أن يحنث في يمينه، ولو خص استثناءه بمشية بعينها ثم كانت، ولم يدخل معها المسجد حنث في يمينه.
وقال غير أبي علي: إن المشية المستثناة هنا هي مشية المنع والحيلولة فكأنه قال: إنشاء الله يخليني ولا يمنعني، وفي الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع، وإن لم يلزم به ما كان يلزم، لولا الاستثناء، ولا ينوي في ذلك إلجاء ولا غيره، وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصري.
واعلم أن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة، فقد يدخل على الايمان والطلاق والعتاق وسائر العقود، وما يجري مجراها من الاخبار، فإذا دخل ذلك اقتضى التوقف عن إمضاء الكلام، والمنع من لزوم ما يلزم به، وإزالته عن الوجه الذي وضع له، ولذلك يصير ما تكلم به كأنه لا حكم له، ولذلك يصح على هذا الوجه أن يستثني في الماضي فيقول: قد دخلت الدار إنشاء الله، فيخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكمه، وإنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه لان فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى، والمعاصي لا يصح ذلك فيها، وهذا الوجه أحد ما يحتمله تأويله الآية.
وقد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به اللطف والتسهيل، وهذا الوجه يخص بالطاعات ولهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضين غدا ما علي من الدين ولأصلين غدا إنشاء الله مجرى أن يقول: إني أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهله، فعلم أن القصد واحد، وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه، لم يجب
- إذا لم يقع منه هذا الفعل - أن يكون حانثا أو كاذبا لأنه إن لم يقع، علمنا أنه لم يلطف له فيه، لأنه لا لطف له فيه .
وليس لاحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لابد فيها من لطف وذلك لان فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنه لا لطف فيه وهذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية أنه لا يخص الطاعات، والآية تتناول كل ما لم يكن قبيحا، بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء وما تضمنته في كل فعل ما لم يكن قبيحا.
وقد يدخل الاستثناء في الكلام ويراد به التسهيل والاقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال، وهذا هو المراد به إذا دخل في المباحات، وهذا الوجه يمكن في الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو علي الجبائي فيما حكيناه من كلامه، وقد يذكر استثناء المشية أيضا في الكلام وإن لم يرد به شئ مما تقدم بل يكون الغرض به إظهار الانقطاع إلى الله تعالى من غير أن يقصد إلى شئ من الوجوه المتقدمة، وقد يكون هذا الاستثناء غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا، فالآية في الحكم كأنه قال: لأفعلن كذا إن وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى الله تعالى وإظهاري الحاجة إليه، وهذا الوجه أيضا مما يمكن في تأويل الآية، ومن تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التي لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: " لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الافعال دون المعاصي، لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: والله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله. أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل، لان الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، وإن كان لم يقع، فكان يجب أن تلزمه الكفارة وأن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه، ولا يخرجه عن كونه حانثا كما أنه لو قال:
" والله لأعطينك حقك غدا إن قدم زيد " فقدم ولم يعطه يكون حانثا، وفي إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية والجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل، والحمد لله وحده.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.